الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْقَائِلَ وَيُحِيطَ بِهِ وَيَسْتَأْصِلَهُ، سِوَى الشِّرْكِ، (" وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا، إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ، يَقُولُ ") : بَدَلٌ أَوْ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يَفْضُلُهُ وَقَوْلُهُ: (" أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ ") : يَحْتَمِلُ أَنَّهُ يَدْعُو بِهِ أَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِدُعَاءٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَكْثَرَ مِنْهُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
976 -
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: " إِلَّا الشِّرْكَ " وَلَمْ يَذْكُرْ: " صَلَاةَ الْمَغْرِبِ "، وَلَا " بِيَدِهِ الْخَيْرُ "، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
ــ
976 -
(وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ) : وَفِي نُسْخَةٍ: مِثْلَهُ (عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ " إِلَّا الشِّرْكَ " وَلَمْ يَذْكُرْ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَلَا " بِيَدِهِ الْخَيْرُ "، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) .
977 -
- وَعَنْ عُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا لَمْ يَخْرُجْ: مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً، وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً، وَأَفْضَلَ رَجْعَةً؟ قَوْمًا شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً، وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الرَّاوِي ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ.
ــ
977 -
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ)، أَيْ: أَرْسَلَ (بَعْثًا)، أَيْ: جَمَاعَةً، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَعْثُ بِمَعْنَى السَّرِيَّةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ، (قِبَلَ نَجْدٍ)، أَيْ: إِلَى جِهَتِهِ (فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ)، أَيِ: الرُّجُوعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: إِلَى أَوْطَانِهِمُ. انْتَهَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ كَمَا لَا يَخْفَى، (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا)، أَيْ: مِنَ الْمُجَاوِرِينَ بِطَرِيقِ الْغِبْطَةِ عَلَى وَجْهِ التَّعَجُّبِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ مَعْشَرِ الصَّحَابَةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ ; لِأَنَّ الْكُلَّ صَحَابَةٌ (لَمْ يَخْرُجْ) : صِفَةُ رَجُلٍ (مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً، وَلَا أَفْضَلَ)، أَيْ: أَكْثَرَ أَوْ أَنْفَسَ (غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ) : وَلَا لِلتَّأْكِيدِ (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مُزَهِّدًا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُرَغِّبًا لَهُمْ فِي الْعُقْبَى، مُشِيرًا إِلَى أَنَّ الذِّكْرَ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ عِبَادَةٍ عِنْدَ الْمَوْلَى (" أَلَا أَدُلُّكُمْ ") : وَفِي بَعْضِ الْأُصُولِ: " هَلْ أَدُلُّكُمْ "، (" عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً ")، أَيْ: لِبَقَاءِ هَذِهِ وَدَوَامِهَا وَفَنَاءِ تِلْكَ وَسُرْعَةِ انْقِضَائِهَا (" وَأَفْضَلَ رَجْعَةً ") : لِأَنَّ أُولَئِكَ رَجَعُوا بِحِيَازَةِ دَارِ الْمَتَاعِبِ وَالْمِحَنِ وَالْمَصَائِبِ وَالْفِتَنِ، وَهَؤُلَاءِ يَرْجِعُونَ بِحِيَازَةِ دَارِ الثَّوَابِ وَالرَّاحَةِ وَذَهَابِ الْحُزْنِ (" قَوْمًا ") : قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: أَعْنِي أَوْ أَذْكُرُ قَوْمًا عَلَى الْمَدْحِ (" شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ ") : يُحْتَمَلُ حَضَرُوا جَمَاعَتَهَا، وَيُحْتَمَلُ أَدْرَكُوا وَقْتَ أَدَائِهَا (" ثُمَّ جَلَسُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (" فَأُولَئِكَ أَسْرَعُ رَجْعَةً ")، أَيْ: إِلَى أَهْلِهِمْ وَمَعَايِشِهِمْ لِانْتِهَاءِ عَمَلِهِمُ الْمَوْعُودِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّوَابِ الْعَظِيمِ بَعْدَ مُضِيِّ نَحْوِ سَاعَةٍ زَمَانِيَّةٍ، وَأَهْلُ الْجِهَادِ لَا يَنْتَهِي عَمَلُهُمْ غَالِبًا إِلَّا بَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ:" وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْتُهُ يَتَبَيَّنُ بُعْدُ قَوْلِ الشَّارِحِ سَمَّى الْفَرَاغَ رَجْعَةً عَلَى طَرِيقِ الْمُشَاكَلَةِ، وَيَكُونُ اسْتِعَارَةً؛ شَبَّهَ الْمُصَلِّيَ الذَّاكِرَ أَوْ فَرَاغَهُ بِالْمُسَافِرِ الَّذِي رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، كَمَا قِيلَ: "«رَجَعْنَا مِنَ الْجِهَادِ الْأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الْأَكْبَرِ» " اهـ.
وَوَجْهُ بُعْدِهِ أَنَّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ لَمْ يَحْسُنْ إِخْرَاجُهُ عَنْهَا إِلَى مَجَازِهِ، سِيَّمَا إِنْ كَانَ فِيهِ تَكَلُّفٌ وَخُرُوجٌ عَنِ الظَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ لِذَلِكَ، قُلْتُ: يَكْفِيهِ الدَّاعِي وَالْبَاعِثُ لِهَذَا الْمَجَازِ أَنْ يَصِحَّ عُمُومُ الْمُصَلِّي فِي بَيْتِهِ أَوْ مَسْجِدِهِ، كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، فَتَدَبَّرْ (" وَأَفْضَلَ غَنِيمَةً ") ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : يَحْتَمِلُ مَتْنًا وَإِسْنَادًا (وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الرَّاوِي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ، فَرَّعَ هَذَا مَعَ عِلْمِهِ مِمَّا سَبَقَ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ (هُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ)، أَيْ: فِي عُرْفِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، أَوْ ضَعِيفٌ فِي حَدِيثِهِ لِنَحْوِ سُوءِ حِفْظِهِ، أَوِ اخْتِلَاطِهِ لَا فِي دِينِهِ.
[بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ]
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
978 -
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ، قَالَ:«بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ "، أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ، قَالَ: " فَلَا تَأْتِهِمْ "، قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قَالَ: " ذَاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ "، قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: " كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، وَكِتَابِ " الْحُمَيْدِيِّ، وَصُحِّحَ فِي " جَامِعِ الْأُصُولِ " بِلَفْظَةِ: كَذَا، فَوْقَ: لَكِنِّي.
ــ
[19]
بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ.
وَهُوَ يَعُمُّ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَالْمُفْسِدَاتِ وَغَيْرَهَا، (وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ)، أَيْ: مِنَ الْعَمَلِ فِيهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
978 -
(عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ) : هُوَ مِنْ أَبِي سُلَيْمٍ، كَانَ يَسْكُنُ فِيهِمْ وَنَزَلَ الْمَدِينَةَ، وَعِدَادُهُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَفِي الْمَفَاتِيحِ قِيلَ:" لَا يَرْوِي غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ "، (قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ إِذْ عَطَسَ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي الْقَامُوسِ وَغَيْرِهِ وَضَبَطَهُ السُّيُوطِيُّ بِكَسْرِهَا فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَبِي دَاوُدَ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إِذَا عَطَسَ (رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ)، أَيْ: وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: إِذَا قَالَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ خَاطَبَهُ، وَلَوْ قَالَ: يَرْحَمُهُ اللَّهُ فَلَا، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَوْ قَالَ لِنَفْسِهِ يَرْحَمُكَ اللَّهُ لَا تَفْسُدُ كَقَوْلِهِ: يَرْحَمُنِي اللَّهُ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لَا تَفْسُدُ فِي قَوْلِهِ لِغَيْرِهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَلَهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ اهـ.
وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْآتِي يَرُدُّ عَلَى أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا (فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ) : أَيْ أَسْرَعُوا فِي الِالْتِفَاتِ إِلَيَّ وَنُفُوذِ الْبَصَرِ فِيَّ، اسْتُعِيرَتْ مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْمَعْنَى أَشَارُوا إِلَيَّ بِأَعْيُنِهِمْ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، وَنَظَرُوا إِلَيَّ نَظَرَ زَجْرٍ كَيْلَا أَتَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ (فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهُ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَالثُّكْلُ بِضَمٍّ وَسُكُونٍ وَبِفَتْحِهِمَا فِقْدَانُ الْمَرْأَةِ وَلَدَهَا، وَالْمَعْنَى وَافَقْدَهَا لِي فَإِنِّي هَلَكْتُ (مَا شَأْنُكُمْ) : بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: مَا حَالُكُمْ وَأَمْرُكُمْ (تَنْظُرُونَ إِلَيَّ) : نَظَرَ الْغَضَبِ (فَجَعَلُوا)، أَيْ: شَرَعُوا (يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ)، أَيْ: زِيَادَةً فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) : وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، (فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ)، أَيْ: عَلِمْتُهُمْ (يُصَمِّتُونَنِي) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: يُسَكِّتُونِي غَضِبْتُ وَتَغَيَّرْتُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ يَأْمُرُونِي بِالصَّمْتِ عَجِبْتُ لِجَهْلِي بِقُبْحِ مَا ارْتَكَبْتُ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (لَكِنِّي سَكَتُّ)، أَيْ: سَكَتُّ وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ سَكَتُّ امْتِثَالًا لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي، وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى غَضَبِي، وَلَمْ أَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ، (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : جَوَابُهُ قَالَ: " إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ " وَقَوْلُهُ: فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي إِلَى قَوْلِهِ قَالَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ لَمَّا وَجَوَابِهِ، وَالْفَاءُ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [السجدة: 23] فَإِنَّهُ عَطَفَ " وَجَعَلْنَاهُ " عَلَى " آتَيْنَا "، وَأَوْقَعَهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَاعْتُرِضَ بَيْنَهُمَا بِمَا فِيهِ غَايَةُ الِالْتِئَامِ وَالْمُنَاسَبَةُ لَهُمَا، وَفِي كَوْنِ الْآيَةِ نَظِيرًا لِلْحَدِيثِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ جَوَابُ قَوْلِهِ: فَلَمَّا صَلَّى مَحْذُوفٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ)، أَيِ: اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِي بِالرِّفْقِ وَحَسَنِ الْكَلَامِ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَضَمِيرُهُ هُوَ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، أَيْ: مُفَدًّى بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ:" فَلَمَّا صَلَّى دَعَانِي (" فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي) ، أَيْ: مَا قَهَرَنِي وَزَجَرَنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَهْرُ وَالْقَهْرُ وَالنَّهْرُ أَخَوَاتٌ، وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: كَهَرَهُ إِذَا زَبَرَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ (وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي) : أَرَادَ نَفْيَ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ وَالْعُنْفِ
وَإِثْبَاتَ كَمَالِ الْإِحْسَانِ وَاللُّطْفِ، (قَالَ) : جَوَابُ لَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَاسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ التَّعْلِيمِ عَلَى مُخْتَارِ غَيْرِهِ (" إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ ") : إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ (" لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ ") .
قَالَ الْقَاضِي: أَضَافَ الْكَلَامَ إِلَى النَّاسِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالذِّكْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَا خِطَابُ النَّاسِ وَإِفْهَامُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَسَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ - لَا يَحْنَثُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ لَا يُبْطِلُهَا إِذْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَزَادَ الْأَوْزَاعِيُّ وَقَالَ: إِذَا تَكَلَّمَ عَامِدًا بِشَيْءٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ مِثْلَ: إِنْ قَامَ الْإِمَامُ فِي مَحَلِّ الْقُعُودِ فَقَالَ: اقْعُدْ، أَوْ جَهَرَ فِي مَوْضِعِ السِّرِّ فَأَخْبَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ اهـ.
وَإِطْلَاقُ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لَنَا فِي أَنَّ الْكَلَامَ مُطْلَقًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْهِدَايَةِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقَدْ أَجَابُوا بِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْبُطْلَانِ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ مَحْظُورٌ وَالْحَظْرُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِبْطَالَ، وَلِذَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ وَإِنَّمَا عَلَّمَهُ أَحْكَامَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا: إِنْ صَحَّ فَإِنَّمَا بَيَّنَ الْحَظْرَ حَالَةَ الْعَمْدِ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ حَظْرٌ يَرْتَفِعُ إِلَى الْإِفْسَادِ، وَمَا كَانَ مُفْسِدًا حَالَةَ الْعَمْدِ كَانَ كَذَلِكَ حَالَةَ السَّهْوِ لِعَدَمِ الْمُزِيلِ شَرْعًا كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عليه السلام:" «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» "، فَالْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رُفِعَ الْإِثْمُ فَلَا يُرَادُ غَيْرُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَجْمَعُوا عَلَى بُطْلَانِهَا بِالْكَلَامِ الْعَمْدِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَاعْتُرِضَ الْإِجْمَاعُ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ: مَنْ قَالَ وَقَدْ مُطِرُوا فِي الصَّلَاةِ: يَا هَذَا خَفِّفْ فَقَدْ مُطِرْنَا، لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَيُرَدُّ بِأَنَّ التَّخْفِيضَ حِينَئِذٍ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا، وَجَاءَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ الْأَرْقَمِ الْأَنْصَارِيِّ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ حَتَّى نَزَلَتْ {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ» ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِنَّمَا نَزَلَتْ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ فِي أَوَائِلِ الْهِجْرَةِ صَبِيًّا، وَبِهَذَا يَتَّضِحُ رَدُّ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَحْرِيمَ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ (" إِنَّمَا هِيَ ")، أَيِ: الصَّلَاةُ (" التَّسْبِيحُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ، قُلْنَا:" إِنَّمَا هِيَ ذَاتُ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ " اهـ.
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى كَوْنِ التَّحْرِيمَةِ شَرْطًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] فَإِنَّ الْعَطْفَ يُفِيدُ التَّغَايُرَ، (أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، أَيْ: مِثْلَ مَا قَالَهُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالدُّعَاءِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَغَيْرُهُ، (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ) ، أَيْ: جَدِيدُهُ (بِجَاهِلِيَّةٍ) : مُتَعَلِّقٌ بِعَهْدٍ، وَمَا قَبْلَ وُرُودِ
الشَّرْعِ يُسَمَّى جَاهِلِيَّةً لِكَثْرَةِ جَهَالَتِهِمْ، يَعْنِي انْتَقَلْتُ عَنِ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَلَمْ أَعْرِفْ بَعْدُ أَحْكَامِ الدِّينِ (وَقَدْ جَاءَنَا اللَّهُ)، أَيْ: مَعْشَرَ الْإِسْلَامِ (بِالْإِسْلَامِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا قَبْلَهُ، بَلْ شُرُوعٌ فِي ابْتِدَاءِ سُؤَالٍ مِنْهُ عليه السلام اهـ، وَالْأَظْهَرُ تَعَلُّقُهُ بِمَا قَبْلَهُ اعْتِذَارًا عَمَّا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخَطَأِ، وَابْتِدَاءُ السُّؤَالِ قَوْلُهُ:(وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ) : بِضَمِّ الْكَافِ جَمْعُ كَاهِنٍ، وَهُوَ مَنْ يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الضَّمَائِرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَاهِنِ وَالْعَرَّافِ: أَنَّ الْكَاهِنَ يَتَعَاطَى الْأَخْبَارَ عَنِ الْكَوَائِنِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَالْعَرَّافَ يَتَعَاطَى مَعْرِفَةَ الشَّيْءِ الْمَسْرُوقِ وَمَكَانَ الضَّالَّةِ وَنَحْوَهُمَا، وَمِنَ الْكَهَنَةِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ جِنِّيًّا يُلْقِي إِلَيْهِ الْأَخْبَارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي إِدْرَاكَ الْغَيْبِ بِفَهْمٍ أُعْطِيَهُ وَأَمَارَاتٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا عَلَيْهِ، (قَالَ:" فَلَا تَأْتِهِمْ ") : قَالَ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» "، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلسُّيُوطِيِّ، (قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ) : فِي النِّهَايَةِ: الطِّيَرَةُ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَقَدْ تُسَكَّنُ، هِيَ التَّشَاؤُمُ بِالشَّيْءِ وَهِيَ مَصْدَرُ تَطَيَّرَ طِيَرَةً، كَمَا تَقُولُ: تَخَيَّرَ خِيَرَةً وَلَمْ يَجِئْ مِنَ الْمَصَادِرِ غَيْرُهُمَا هَكَذَا قِيلَ، وَأَصْلُ التَّطَيُّرِ التَّفَاؤُلُ بِالطَّيْرِ، وَاسْتُعْمِلَ لِكُلِّ مَا يُتَفَاءَلُ بِهِ وَيُتَشَاءَمُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ بِالصَّيْدِ كَالطَّيْرِ وَالظَّبْيِ، فَيَتَيَمَّنُونَ بِالسَّوَانِحِ وَيَتَشَاءَمُونَ بِالْبَوَارِحِ، وَالْبَوَارِحُ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ مِنَ الصَّيْدِ مَا مَرَّ مِنْ مَيَامِنِكَ إِلَى مَيَاسِرِكَ وَالسَّوَانِحُ ضِدُّهَا، وَكَانَ ذَلِكَ يَصُدُّهُمْ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ وَيَمْنَعُهُمْ عَنِ السَّيْرِ إِلَى مَطَالِبِهِمْ فَنَفَاهُ الشَّرْعُ وَأَبْطَلَهُ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهُ حَيْثُ قَالَ:" «اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ،» "«اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ» (" قَالَ: " ذَاكَ ")، أَيِ: التَّطَيُّرُ (بِشَيْءٍ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ ") : يَعْنِي: هَذَا وَهْمٌ يَنْشَأُ مِنْ نُفُوسِهِمْ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي اجْتِلَابِ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسَوِّلُهُ الشَّيْطَانُ وَيُزَيِّنُهُ حَتَّى يَعْمَلُوا بِقَضِيَّتِهِ لِيَجُرَّهُمْ بِذَلِكَ إِلَى اعْتِقَادِ مُؤَثِّرٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ كُفْرٌ صُرَاحٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، (" فَلَا يَصُدَّنَّهُمْ ")، أَيْ: لَا يَمْنَعُهُمُ التَّطَيُّرُ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ مَا يَتَوَهَّمُونَهُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَا يَمْنَعَنَّهُمْ عَمَّا يَتَوَجَّهُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَقَاصِدِ، أَوْ مِنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ مَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْوَهْمِ، فَالنَّهْيُ وَارِدٌ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُونَهُ ظَاهِرًا وَهُمْ مَنْهِيُّونَ فِي الْحَقِيقَةِ عَنْ مُزَاوَلَةِ مَا يُوقِعُهُمْ مِنَ
الْوَهْمِ فِي [الصَّدْرِ] ، (قَالَ)، أَيْ: مُعَاوِيَةُ ( «قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قَالَ: كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ» ")، أَيْ: فَيُعْرَفُ بِالْفِرَاسَةِ بِتَوَسُّطِ تِلْكَ الْخُطُوطِ، قِيلَ: هُوَ إِدْرِيسُ أَوْ دَانْيَالُ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، (" فَمَنْ وَافَقَ ") : ضَمِيرُ الْفَاعِلِ رَاجِعٌ إِلَى " مِنْ "، أَيْ: فَمَنْ وَافَقَ فِيمَا يَخُطُّهُ (" خَطَّهُ ") : بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَنَقَلَ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ عَنِ الْبَيْضَاوِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ خَطَّهُ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ الْفَاعِلُ مُضْمَرًا وَرُوِيَ مَرْفُوعًا، فَيَكُونُ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفًا اهـ.
أَيْ: مَنْ وَافَقَ خَطُّهُ خَطَّهُ أَيْ خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ فِي الصُّورَةِ وَالْحَالَةِ، وَهِيَ قُوَّةُ الْخَاطِّ فِي الْفِرَاسَةِ وَكَمَالُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ الْمُوجِبَةِ لَهَا، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ فِي الصُّورَةِ وَقُوَّةِ الْفِرَاسَةِ الَّتِي هِيَ نُورٌ فِي الْقَلْبِ يُلْقِيهِ اللَّهُ فِيهِ حَتَّى يَنْكَشِفَ بَعْضُ الْمُغَيَّبَاتِ عِيَانًا، وَإِنَّمَا نَشَأَ ذَلِكَ عَنِ التَّحَلِّي بِكَمَالِ مَرْتَبَتَيِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام " «إِنَّ فِي أُمَّتِي مُلْهَمُونَ» " وَقَوْلُهُ:" «مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» "، (" فَذَاكَ ")، أَيْ: فَذَاكَ مُصِيبٌ أَوْ يُصِيبُ أَوْ يَعْرِفُ الْحَالَ بِالْفِرَاسَةِ كَذَاكَ النَّبِيِّ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيقِ بِالْمُحَالِ، قَالَ الْخَطَّابُ: إِنَّمَا قَالَ عليه الصلاة والسلام: مَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ " عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ، وَمَعْنَاهُ لَا يُوَافِقُ خَطُّ أَحَدٍ خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ ; لِأَنَّ خَطَّهُ كَانَ مُعْجِزَةً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا صَادَفُوا خَطَّ ذَلِكَ النَّبِيِّ حَتَّى يُعْرَفَ الْمُوَافَقَةُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ لِأَنَّ خَطَّهُ كَانَ عَلَمًا لِنُبُوَّتِهِ، وَقَدِ انْقَضَتْ وَالشَّيْءُ إِذَا عُلِّقَ بِأَمْرٍ مُمْتَنِعٍ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَطِّ لِنِسْبَتِهِ لِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْوَهْمُ إِلَى مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ فُرُوعُ الْأَحْكَامِ مُخْتَلِفَةً بِاخْتِلَافِ الشَّرَائِعِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُحَرِّمُونَ لِعِلْمِ الرَّمْلِ - وَهُمْ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ -: لَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى إِبَاحَتِهِ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْإِذْنَ فِيهِ عَلَى مُوَافَقَةِ خَطِّ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وَمُوَافَقَتُهُ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، إِذْ لَا تُعْلَمُ إِلَّا مِنْ تَوَاتُرٍ أَوْ نَصٍّ مِنْهُ عليه الصلاة والسلام، أَوْ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّ الْأَشْكَالَ الَّتِي لِأَهْلِ عِلْمِ الرَّمْلِ كَانَتْ لِذَلِكَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ فَاتَّضَحَ تَحْرِيمُهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْخَطُّ مَا يَخُطُّهُ الْحَازِي، وَهُوَ عِلْمٌ قَدْ تَرَكَهُ النَّاسُ يَعْنِي لِعَدَمِ فَائِدَتِهِ يَأْتِي صَاحِبُ الْحَاجَةِ الْحَازِيَ فَيُعْطِيهِ حَلْوَانًا أَوْ شَيْئًا مِنَ الْأُجْرَةِ، وَبَيْنَ يَدَيِ الْحَازِي غُلَامٌ مَعَهُ مَيْلٌ، فَيَأْتِي إِلَى أَرْضٍ رَخْوَةٍ أَوْ خَشَبٍ فَيَخُطُّ خُطُوطًا بِالْعَجَلَةِ كَيْلَا يَلْحَقَهَا الْعَدَدُ، ثُمَّ يَمْحُو مِنْهَا خَطَّيْنِ خَطَّيْنِ عَلَى مُهْلَةٍ، فَإِنْ بَقِيَ خَطَّانِ فَهُوَ عَلَّامَةُ النَّجْحِ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ فَهُوَ عَلَّامَةُ الْخَيْبَةِ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ، الْمُشَارُ إِلَيْهِ عِلْمٌ مَعْرُوفٌ، وَلِلنَّاسِ فِيهِ تَصَانِيفُ كَثِيرَةٌ، وَهُوَ مَعْمُولٌ بِهِ إِلَى الْآنِ، وَلَهُمْ فِيهِ أَوْضَاعٌ وَعَلَامَاتٌ وَاصْطِلَاحَاتٌ وَأَسْهَامٌ وَأَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ، وَيَسْتَخْرِجُونَ بِهِ الضَّمِيرَ وَغَيْرَهُ، وَكَثِيرًا مَا يُصِيبُونَ فِيهِ أَيْ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مَا يُخْطِئُونَ فِيهِ، بَلِ الْخَطَأُ أَكْثَرُ ; لِأَنَّ كَذِبَهُمْ أَظْهَرُ، قَالَ مِيرَكُ: وَالْحَازِي بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الَّذِي يَحْزِرُ الْأَشْيَاءَ وَيُقَدِّرُهَا بِظَنِّهِ، وَيُقَالُ لِلْمُنَجِّمِ: الْحَازِي لِأَنَّهُ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ وَأَحْكَامِهَا بِظَنِّهِ وَتَقْدِيرِهِ، وَالْحَازِي أَيْضًا الْكَاهِنُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَحْمَدُ، (قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ، هَكَذَا وُجِدَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَصُحِّحَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ بِلَفْظَةِ: كَذَا، فَوْقَ: لَكِنِّي) ، أَيْ: كَذَا فِي الرِّوَايَةِ لَفْظُ لَكِنِّي مَسْطُورٌ دَفْعًا لِوَهْمِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بِمَذْكُورٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ " لَكِنِّي " ثَابِتٌ فِي الْأُصُولِ، لَكِنَّهُ سَاقِطٌ فِي الْمَصَابِيحِ.
979 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنهما قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ، فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
979 -
( «وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا» "، أَيِ: السَّلَامَ بِاللَّفْظِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مِنَ الرَّدِّ هُوَ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ قَبْلَ الرَّوَاحِ إِلَى النَّجَاشِيِّ، (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ) : بِفَتْحِ النُّونِ وَتُكْسَرُ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتُشَدَّدُ فِي الْقَامُوسِ: النَّجَاشِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفُهَا أَفْصَحُ وَبِكَسْرِ النُّونِ، وَقِيلَ: هُوَ أَفْصَحُ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْيَاءُ مُشَدَّدَةٌ، وَقِيلَ: الصَّوَابُ تَخْفِيفُهَا اهـ.
وَأَفَادَ ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ بِسُكُونِ الْيَاءِ يَعْنِي أَنَّهَا أَصْلِيَّةٌ لَا يَاءُ النِّسْبَةِ، وَحَكَى غَيْرُهُ تَشْدِيدَ الْيَاءِ أَيْضًا، وَحَكَى ابْنُ دِحْيَةَ كَسْرَ نُونِهِ، مَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، لَقَبُ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، وَالَّذِي أَسْلَمَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُوَ: أَصْحَمَةُ، آمَنَ وَمَاتَ قَبْلَ الْفَتْحِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عليه الصلاة والسلام هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَرُفِعَ نَعْشُهُ لَهُ حَتَّى عَلَيْهِ عِيَانًا، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ (سَلَّمْنَا عَلَيْهِ)، أَيْ: وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (فَلَمْ يَرُدَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَكَسْرُهَا (عَلَيْنَا)، أَيِ: السَّلَامَ فِيهَا، بَلْ بَعْدَ فَرَاغِهَا كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كَانَ هَاجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ حِينَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ فَارِّينَ مِنْهَا لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ إِيذَاءِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا خَرَجَ عليه الصلاة والسلام مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسَمِعَ أُولَئِكَ بِمُهَاجَرَتِهِ هَاجَرُوا مِنَ الْحَبَشَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَجَدُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، (فَقُلْنَا)، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا، فَقَالَ: " إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» ") : بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ وَبِضَمِّهِمَا، أَيْ: مَانِعًا مِنَ السَّلَامِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّنْكِيرُ يَحْتَمِلُ التَّنْوِيعَ يَعْنِي: إِنَّ شُغْلَ الصَّلَاةِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالتَّسْبِيحُ وَالدُّعَاءُ لَا الْكَلَامُ، وَيُحْتَمَلُ التَّعْظِيمُ، أَيْ: شُغْلًا أَيَّ شُغْلٍ لِأَنَّهَا مُنَاجَاةٌ مَعَ اللَّهِ سبحانه وتعالى، وَاسْتِغْرَاقٌ فِي خِدْمَتِهِ فَلَا تَصْلُحُ لِلِاشْتِغَالِ بِالْغَيْرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: كَانَ الْكَلَامُ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ جَائِزًا فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ حُرِّمَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ رَدَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيُشِيرُ بِيَدِهِ أَوْ إِصْبَعِهِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَشَارَ بِيَدِهِ كَمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا خَبَرُ:" «مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ» "، فَفِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ، فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَيْ قَالَ: نَعَمْ أَوْ لَا - لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: رَدُّ السَّلَامِ بَعْدَ الْخُرُوجِ سُنَّةٌ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ؟ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
980 -
«وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ؟ قَالَ: إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
980 -
(وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ) : ابْنِ أَبِي فَاطِمَةَ، دُوسِيٌّ، مَوْلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، أَسْلَمَ قَدِيمًا وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ، (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فِي الرَّجُلِ)، أَيْ: فِي شَأْنِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ (يُسَوِّي التُّرَابَ)، أَيْ: فِي الصَّلَاةِ (حَيْثُ يَسْجُدُ؟)، أَيْ: فِي مَكَانِ سُجُودِهِ أَوْ لِأَجْلِ سُجُودِهِ عَلَيْهِ (قَالَ)، أَيْ: أَنَّهُ قَالَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَوْ جَوَابِهِ، وَلَفْظُ قَالَ مَوْجُودٌ فِي أُصُولِ الْمِشْكَاةِ، وَقَدْ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ، وَلِذَا قَالَ وَمَقُولُ قَالَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ هُوَ قَوْلُهُ:(" إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا ")، أَيْ: لِذَلِكَ وَلَا بُدَّ (" فَوَاحِدَةً ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ: فَافْعَلْ فَعْلَةً وَاحِدَةً أَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً لَا أَزْيَدَ مِنْهَا، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَيَجُوزُ الرَّفْعُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ فَالْجَائِزُ وَاحِدَةٌ، أَوْ فَيَجُوزُ وَاحِدَةٌ أَوْ فَمَرَّةٌ وَاحِدَةٌ تَكْفِي أَوْ تَجُوزُ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَلِّصَ الْحَصَى إِلَّا أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ الْحَصَى مِنَ السُّجُودِ بِأَنِ اخْتَلَفَ ارْتِفَاعُهُ وَانْخِفَاضُهُ كَثِيرًا، فَلَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ قَدْرَ الْفَرْضِ مِنَ الْجَبْهَةِ فَيُسَوِّيهِ حِينَئِذٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ; لِأَنَّ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ، فِي رِوَايَةٍ " تُسَوِّيهِ مَرَّةً "، وَفِي رِوَايَةٍ تُسَوِّيهِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ يُسَوِّيهِ مَرَّةً وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" «لَا تَمْسَحِ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةً لِلْحَصَى» "، وَفِي رِوَايَةٍ:" «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يُسَوِّ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» "، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
981 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رِضَى اللَّهِ عَنْهُ - قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
981 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ) : قِيلَ: هُوَ أَنْ يَأْخُذَ بِيَدِهِ عَصًا تُسَمَّى الْمُخَصِّرَةَ يَتَّكِئُ عَلَيْهَا، وَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ كَالِاتِّكَاءِ عَلَى حَائِطٍ، كَذَا فِي الْمُنْيَةِ، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ لَا يَقْرَأَ سُورَةً تَامَّةً وَهُوَ ضَعِيفٌ، فَإِنَّ تَكْمِيلَ السُّورَةِ أَوْلَى، وَلَا يُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا، وَقِيلَ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ نَهَى عَنِ الِاخْتِصَارِ، وَقَالَ:" «الِاخْتِصَارُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» " قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ: فُسِّرَ الْخَصْرُ بِوَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَهُوَ صُنْعُ الْيَهُودِ، وَالْخَصْرُ لَمْ يُفَسَّرْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فِي شَيْءٍ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَلَمْ أَطَّلِعْ عَلَيْهِ إِلَى الْآنِ، وَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ظَنَّ أَنَّ الْخَصْرَ يَرِدُ بِمَعْنَى الِاخْتِصَارِ وَهُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ:«قَدْ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا» " وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالدَّارِمِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: نَهَى عَنِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُوَ الِاخْتِصَارُ لَا الْخَصْرُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: رَدُّهُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الْأَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ بِقَوْلِهِ: لَمْ يُفَسَّرِ الْخَصْرُ بِهَذَا الْوَجْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ " - لَا وَجْهَ لَهُ ; لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى السَّمَاعِ، بَلْ عَلَى الْعَلَاقَةِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ الْخَصْرَ: وَسَطُ الْإِنْسَانِ، وَالنَّهْيُ لَمَّا وَرَدَ عَلَيْهِ، عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَلَمَّا اتَّفَقَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ مِنَ الْكِنَايَةِ، فَإِنَّ نَفْيَ الذَّاتِ أَقْوَى مِنْ نَفْيِ الصِّفَةِ ابْتِدَاءً، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا هَبَطَ إِلَى الْأَرْضِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ مَلْعُونًا نَزَلَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ مِنْ أَفْرَادِهِ عَنْ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، قُلْتُ: لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مُوَافِقَةً لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَعْنًى كَمَا تَقَدَّمَ صَحَّ إِسْنَادُ الْحَدِيثِ إِلَيْهِمَا، وَأَشَارَ مِيرَكُ إِلَيْهِ بِالْأَوْلَى.
982 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: " هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
982 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ)، أَيْ: بِطَرَفِ الْوَجْهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا الِالْتِفَاتُ بِطَرَفِ الْعَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَأَمَّا إِذَا الْتَفَتَ بِحَيْثُ تَحَوَّلَ صَدْرُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقِيلَ: مَنِ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا ذَهَبَ عَنْهُ الْخُشُوعُ الْمُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ كَمَالُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَوْ صِحَّتُهَا عِنْدَ بَعْضٍ، وَفِي خَبَرٍ:" «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» "، (فَقَالَ:" هُوَ ") ، أَيِ: الِالْتِفَاتُ (" اخْتِلَاسٌ ") : افْتِعَالٌ مِنَ الْخَلْسِ وَهُوَ السَّلْبُ، أَيِ: اسْتِلَابٌ وَأَخْذٌ بِسُرْعَةٍ وَقِيلَ: شَيْءٌ يُخْتَلَسُ بِهِ (" يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ ")، أَيْ: يَحْمِلُهُ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ (" مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ ")، أَيْ: يَخْتَلِسُهُ مِنْ كَمَالِ صَلَاةِ الْعَبْدِ، أَوْ لِأَجْلِ نُقْصَانِ صَلَاتِهِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: مَنِ الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يُحَوِّلْ صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، لَكِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْلُبُ كَمَالَ صَلَاتِهِ وَإِنْ حَوَّلَهُ بَطَلَتْ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَنَصَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام، " «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» "، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ مُوَاجَهَةِ الرَّحْمَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ إِنْ تَعَمَّدَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَعَ عِلْمِهِ بِالْخَبَرِ، وَقَدْ جَاءَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ:«أَنَّهُ عليه السلام لَمَّا اشْتَكَى وَصَلَّوْا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَرَآهُمْ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ» .، الْحَدِيثَ، وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام جَعَلَ يَلْتَفِتُ وَهُوَ يُصَلِّي الصُّبْحَ إِلَى الشِّعْبِ لِإِرْسَالِهِ فَارِسًا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْحَرَسِ، وَلَا بَأْسَ بِلَمْحِ الْعَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، نَعَمِ الْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ وَفِعْلُهُ عليه الصلاة والسلام لِبَيَانِ الْجَوَازِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
983 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
983 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ ") : اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ، وَقِيلَ: لِلتَّأْكِيدِ وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ (" عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ ")، أَيْ: خُصُوصًا وَقْتَ الدُّعَاءِ لِإِيهَامِ أَنَّ الْمَدْعُوَّ فِي الْجِهَةِ الْعُلْيَا مَعَ تَعَالِيهِ عَنِ الْجِهَاتِ كُلِّهَا، وَإِلَّا فَرَفْعُ الْأَبْصَارِ مُطْلَقًا فِي الصَّلَاةِ مَكْرُوهٌ، (" أَوْ لَتُخْطَفَنَّ ") :
أَيْ: لَتُسْلَبَنَّ (" أَبْصَارُهُمْ ") : إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَنْ ذَلِكَ، قِيلَ: أَوْ " لَتُخْطَفَنَّ " عُطِفَ عَلَى " لَيَنْتَهِيَنَّ " تَرَدَّدَ بَيْنَ الِانْتِهَاءِ عَنِ الرَّفْعِ وَمَا هُوَ كَاللَّازِمِ لِنَقِيضِهِ، وَالْمَعْنَى: وَاللَّهِ لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنِ الرَّفْعِ أَوْ لَتُسْلَبَنَّ أَبْصَارُهُمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يُوهِمُ نِسْبَةَ الْعُلُوِّ الْمَكَانِيِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَوْ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ قَدِيدًا، أَيْ: لَيَكُونَنَّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88] وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، أَيْ: يَكُونُ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا، إِمَّا الْمُقَاتَلَةُ أَوِ الْإِسْلَامُ، وَإِمَّا إِخْرَاجُكُمْ وَإِمَّا عَوْدَتُكُمْ فِي الْكُفْرِ، فَهُوَ خَبَرٌ. بِمَعْنَى الْأَمْرِ فِي هَذَيْنِ وَالْحَدِيثِ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَكَرِهَهُ الْقَاضِي شُرَيْحٌ وَآخَرُونِ، وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ ; لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ فَلَا يُنْكَرُ رَفْعُ الْبَصَرِ إِلَيْهَا، كَمَا لَا يُنْكَرُ رَفْعُ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ، قُلْتُ: فِيهِ أَنَّ رَفْعَ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مَأْثُورٌ مَأْمُورٌ، وَرَفْعَ الْبَصَرِ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي آدَابِ الدُّعَاءِ فِي الْحِصْنِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَرَوَى الْبُخَارِيُّ " «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ " فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: " لَيَنْتَهِيَنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» "، وَصَحَّ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام كَانَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَمَّا نَزَلَ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] طَأْطَأَ رَأْسَهُ» .
984 -
وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
984 -
(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَؤُمُّ النَّاسَ) : الْجُمْلَةُ حَالٌ ; لِأَنَّ رَأَيْتَ بِمَعْنَى النَّظَرِ لَا الْعِلْمِ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، زَادَ فِي الْمَوَاهِبِ: فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، (وَأُمَامَةُ) : هِيَ ابْنَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ (بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ) : تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ فَاطِمَةَ رضي الله عنهم (عَلَى عَاتِقِهِ) : بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ (فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا) : بِأَنْ يَحُطَّهَا بِعَمَلٍ قَلِيلٍ، أَوْ يُرْسِلَهَا إِلَى الْأَرْضِ (وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَيُرْوَى رَفَعَهَا، وَصَنِيعُ ابْنُ حَجَرٍ يُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْمِشْكَاةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِسْنَادُ الْإِعَادَةِ وَالرَّفْعِ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم مَجَازٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ لِحَمْلِهَا لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، لَكِنَّهَا لِطُولِ مَا أَلِفَتْهُ بِهِ عَلَى عَادَتِهَا تَتَعَلَّقُ بِهِ وَتَجْلِسُ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ لَا يَدْفَعُهَا عَنْ نَفْسِهِ.
قُلْتُ: فِيهِ أَنَّهُ لَوْ شَغَلَهُ عَنْ صَلَاتِهِ لَدَفَعَهَا عَنْ ذَاتِهِ، وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِهِ عليه الصلاة والسلام، أَوْ وَقَعَ قَبْلَ وُرُودِ قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام:" «إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» " أَوْ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْيَةِ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَمْسَ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ.
قُلْتُ: فِيهِ أَنَّ اللَّمْسَ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ مَعَ أَنَّهَا صَغِيرَةٌ غَيْرُ مُشْتَهَاةٍ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ قَالَ: وَهُوَ عَجِيبٌ مَعَ جَعْلِهَا طِفْلَةً، بَلْ لَوْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ الطُّفُولِيَّةِ وَلَمْ تَبْلُغْ حَدًّا تُشْتَهَى فِيهِ لِذَوِي الطِّبَاعِ السَّلِيمَةِ لَا تُنْقَضُ، وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً، هَذَا وَلَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مِنْ عَادَتِهَا وَلَوْ ظَنًّا وَقْتَ تَبَرُّزِهَا وَامْتِدَادِ عَادَتِهَا بَعْدَهُ بِقَدْرِ مَا يَسَعُ دُخُولَهَا الْمَسْجِدَ إِلَى خُرُوجِهَا مِنْهُ قَالَ: وَعَلَى أَنَّ ثِيَابَ الْأَطْفَالِ وَأَبْدَانَهُمْ مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهَا نَجَاسَةٌ، وَعَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَعَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْمُتَعَدِّدَةَ إِذَا تَفَاصَلَتْ لَمْ تُبْطِلِ الصَّلَاةَ، قَالَ الْبَغْوِيُّ: يُشْتَرَطُ فِي الْفَاصِلِ بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ قَدْرَ رَكْعَةٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ: ضَعِيفٌ غَرِيبٌ، وَالصَّحِيحُ مَا يُعَدُّ انْفِصَالًا عُرْفًا، وَعِنْدَنَا الْفَصْلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤَدَّى فِيهِ رُكْنٌ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَيْسَ فِي الْبُخَارِيِّ: " يَؤُمُّ النَّاسَ ".
985 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ ; فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
985 -
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ [الْخُدْرِيِّ] ) : أَيِ: الْخُدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِذَا تَثَاءَبَ ") : بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْوَاوِ، وَنُسِبَ إِلَى الْغَلَطِ (" أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ")، أَيْ: فَتَحَ فَاهُ لِكَسَلٍ أَوْ فَتَرٍ أَوِ امْتِلَاءٍ أَوْ غَلَبَةِ نَوْمٍ، وَكُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَرْضِيٍّ لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلْكَسَلِ عَنِ الطَّاعَةِ وَالْحُضُورِ فِيهَا، (" فَلْيَكْظِمْ ")، أَيْ: يُمْسِكْ وَيَمْنَعْ وَيَدْفَعْ ذَلِكَ، أَيِ: انْفِتَاحَ فَمِهِ (" مَا اسْتَطَاعَ ") : بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ كُمَّهُ عَلَى فِيهِ، كَمَا فِي الْمُنْيَةِ، (" فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ ")، أَيْ: يَدْخُلُ فِي فِيهِ كَمَا فِي نُسْخَةٍ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَخَصَّ دُخُولَهُ فِي الْفَمِ ; لِأَنَّ الْفَمَ إِذَا انْفَتَحَ لِشَيْءٍ مَكْرُوهٍ فِي الشَّرْعِ صَارَ طَرِيقًا لِلشَّيْطَانِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: التَّثَاؤُبُ تَفَاعُلٌ مِنَ الثَّوْبَاءِ بِالْمَدِّ، وَهُوَ فَتْحُ الْحَيَوَانِ فَمَهُ لِمَا عَرَاهُ مَنْ تَمَطٍّ أَوْ تَمَدُّدٍ لِكَسَلٍ وَامْتِلَاءٍ، وَهِيَ جَالِبَةٌ لِلنَّوْمِ الَّذِي هُوَ مِنْ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ بِهِ يَدْخُلُ عَلَى الْمُصَلِّي وَيُخْرِجُهُ عَنْ صَلَاتِهِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَهُ سَبَبًا لِدُخُولِ الشَّيْطَانِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا هُوَ سَبَبُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» " لِأَنَّ الْعُطَاسَ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُنْبِئُ عَنْ ضِدِّ مَا أَنْبَأَ عَنْهُ التَّثَاؤُبُ مِنْ رِقَّةِ الْحِجَابِ وَالْقَلْبِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ خِفَّةِ الْبَدَنِ وَنَشَاطِهِ وَإِيثَارِهِ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْبَطَالَةِ، قُلْتُ: وَلِذَا يُسَنُّ الْحَمْدُ لِلَّهِ عِنْدَ حُصُولِهِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
986 -
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ: هَا، فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ» ".
ــ
986 -
(وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ) : بِالْإِضَافَةِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: " إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ ")، أَيْ: إِذَا أَحَسَّ بِهِ (" فَلْيَكْظِمْ ")، أَيْ: فَمَهُ (" مَا اسْتَطَاعَ ") : بِالضَّمِّ أَوِ الْوَضْعِ (" وَلَا يَقُلْ: هَا ") : بَلْ يَدْفَعُهُ بِالْفِعْلِ (" فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ ")، أَيْ: قَوْلُكُمْ " هَا "، وَأَبْعَدَ ابْنُ حَجَرٍ فَقَالَ: أَيِ التَّثَاؤُبُ، (" مِنَ الشَّيْطَانِ ")، أَيْ: مِنْ حَمْلِهِ عَلَيْهِ أَوْ مِنْ حَظِّهِ مِنْهُ (" يَضْحَكُ ") : أَيِ: الشَّيْطَانُ (" مِنْهُ ")، أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ، أَوْ مِنْ صَاحِبِهِ حَيْثُ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَرْضَى بِتِلْكَ الْفِعْلَةِ، وَالضَّمِيرُ فِي " مِنْهُ " رَاجِعٌ إِلَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِ " ذَا "، وَ " كَمْ " بَيَانٌ لِخِطَابِ الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ بِضَمِيرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَضْحَكُ حَالٌ اهـ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ بَيَانٍ.
987 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: " رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
987 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ عِفْرِيتًا ") : بِكَسْرِ الْعَيْنِ، أَيْ: خَبِيثًا مُنْكَرًا مُبَالِغًا فِي الْمُرُودَةِ مَعَ دَهَاءٍ وَخُبْثٍ، فِعْلِيتٌ مِنَ الْعِفْرِ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَهُوَ الْخُبْثُ، (" مِنَ الْجِنِّ ") : إِيضَاحٌ، وَإِلَّا فَالْعِفْرِيتُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْهُمْ، وَهُمْ أَجْسَامٌ لَطِيفَةٌ رُوحَانِيَّةٌ نَارِيَّةٌ، أَيْ: مَحْضَةٌ أَوِ الْغَالِبَةُ عَلَيْهِمْ، فَهُمْ مِنَ الْعَنَاصِرِ الْأَرْبَعَةِ قَوْلَانِ. وَيَجْرِيَانِ فِي الْمَلَائِكَةِ هَلْ هُمْ مُتَمَحِّضُونَ مِنَ النُّورِ، أَوْ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ؟ وَلِمَزِيدِ لَطَافَةِ الْجِسْمِيَّةِ أَمْكَنَهُمَا التَّشَكُّلُ فِي كُلِّ صُورَةٍ، لَكِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْجِنِّ تَشَكُّلُهُمْ فِي الصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ ; لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِمْ قُبْحُ التَّمَرُّدِ وَالْعُنْفِ وَالْخُبْثِ، (" تَفَلَّتَ ")، أَيْ: تَخَلَّصَ فَجْأَةً، وَقِيلَ: خَرَجَ فَلْتَةً أَيْ بَغْتَةً، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى أُصُولِ الْمِشْكَاةِ لَفْظَ " عَلَيَّ " ثُمَّ قَالَ، أَيْ: مِنْ أَسْرِ سُلَيْمَانَ عليه الصلاة والسلام الَّذِي خَرَقَ اللَّهُ لَهُ بِهِ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُلُوكِ حَتَّى مَكَّنَهُ مِمَّا أَرَادَ بِهِمُ (" الْبَارِحَةَ ") : يَعْنِي: تَعَرَّضَ فِي صَلَاتِهِمُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ (لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي)، أَيْ: لِيَغْلِبَنِي فِي كَمَالِ صَلَاتِي، وَأَرَادَ أَنْ يَشْغَلَنِي بِالْوَسْوَسَةِ فِيهَا، (" فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ ")، أَيْ: أَعْطَانِي مُكْنَةً مِنْ أَخْذِهِ وَقُدْرَةً عَلَيْهِ أَنْ أُعَاقِبَهُ بِمَا شِئْتُ يَعْنِي جَعَلَنِي غَالِبًا عَلَيْهِ بِإِمْكَانِهِ، وَإِقْدَارِهِ إِشَارَةً إِلَى مَعْنَى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (فَأَخَذْتُهُ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى
أَنَّ الشَّيْطَانَ عَيْنَهُ غَيْرُ نَجِسٍ وَأَنَّ لَمْسَهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] مَحْمُولٌ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ لَا تَرَوْنَ صُوَرَهُمُ الْأَصْلِيَّةَ الَّتِي خَلَقَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا لِمَزِيدِ لُطْفِهَا الْخَارِجِ عَنْ قُدْرَةِ أَبْصَارِنَا لِمَا غَلَبَ عَلَيْهَا مِنْ كَثَافَةِ عُنْصُرِنَا الْغَالِبِ عَلَيْنَا، وَهُوَ التُّرَابُ (" فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ ") : بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا عَلَى مَا يُفْهَمُ مِنَ الْقَامُوسِ، أَيْ: أَشُدُّهُ (" عَلَى سَارِيَةٍ ")، أَيْ: أُسْطُوَانَةٍ (مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ") : الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ (" حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ ") : أَيْ: إِلَى الشَّيْطَانِ فِي حَالَةِ الْمَذَلَّةِ نَظَرَ عِبْرَةٍ، وَتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أَعْطَانِي مَا أَعْطَى سُلَيْمَانَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ قُوَّتُهُ عَلَى التَّشَكُّلِ الْمُقْتَضِيَةُ لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِمْسَاكِهِ لِجَوَازِ أَنَّ اللَّهَ سَلَبَهُ تِلْكَ الْقُوَّةَ مُعْجِزَةً لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بَلْ سَلَبَهُ إِيَّاهَا لَمَّا أَمْسَكَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَ كَانَ حَارِسًا لِتَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ لِيَسْرِقَ مِنْهُ فَأَمْسَكَهُ فَاحْتَالَ فِي خَلَاصِهِ مِنْهُ بِتَعْلِيمِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، وَأَنَّهَا تَحْفَظُ قَارِئَهَا، فَظَنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ مُحْتَاجٌ فَرَقَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكَى ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ الشَّيْطَانُ وَأَنَّهُ صَدَقَ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذُوبًا، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الِانْفِلَاتِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَشَكُّلِهِ فِي صُورَةٍ أُخْرَى لَفَعَلَهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ تَمَيُّزُ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم عَلَى سُلَيْمَانَ عليه الصلاة والسلام، فَإِنَّ بَعْضَ أَتْبَاعِهِ حَكَمَ فِي الْجِنِّ، بِمَا لَمْ يَحْكُمْ بِهِ أَتْبَاعُ سُلَيْمَانَ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حِينَ التَّشَكُّلِ بِأَصْلِ خِلْقَتِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى التَّفَلُّتِ بِخِلَافِ تَشَكُّلِهِ بِالْأَشْكَالِ الْعَارِضِيَّةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (" كُلُّكُمْ ")، أَيْ: صِغَارُكُمْ وَكِبَارُكُمْ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِخُطُورِ مَا لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِهَا بِبَالِهِ، (" فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ ")، أَيِ: الَّتِي اسْتَجَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَهِيَ قَوْلُهُ طَلَبًا لِأَنْ يُمَيَّزَ بِخُصُوصِيَّةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، كَمَا وَقَعَ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ لَا لِيَفْضُلَ جَمِيعَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ أَوْ غَيْرَةً عَلَى مِلْكِهِ، وَنُفُوذِ حُكْمِهِ فِي الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْهَوَاءِ أَنْ يَنَالَهُ غَيْرُ نَبِيٍّ، (رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا) : فِي التَّنْزِيلِ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا} [ص: 35] وَلَعَلَّ الْحَدِيثَ نُقِلَ بِالْمَعْنَى {لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] ، فَرَدَدْتُهُ ") ، أَيْ: دَفَعْتُهُ (" خَاسِئًا ") ، أَيْ: خَائِبًا خَاسِرًا مَهِينًا صَاغِرًا، مِنْ خَسَأْتُ الْكَلْبَ فَخَسَأَ، أَيْ: زَجَرْتُهُ مُسْتَهِينًا بِهِ فَانْزَجَرَ وَخَسَأَ: مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ مُبْعَدًا يُقَالُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ، أَوْ يَكُونُ الْخَاسِئُ، بِمَعْنَى الصَّاغِرِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: يُرِيدُ أَنْ لَوْ رَبَطَهُ لَمْ تُسْتَجَبْ دَعْوَتُهُ، وَالْأَظْهَرُ لَوْلَا اسْتِجَابَةُ دَعْوَتِهِ لَرَبَطَهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِنْ قُلْتَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام تَذَكَّرَ دَعْوَةَ سُلَيْمَانَ بَعْدَ أَخْذِهِ، وَمِنَ الْحَدِيثِ الْآتِي فِي آخِرِ الْبَابِ أَنَّهُ تَذَكَّرَ قَبْلَهُ فَيَتَنَافَيَانِ، قُلْتُ: لَا مُنَافَاةَ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ صَدَرَا فِي وَقْتَيْنِ، قُلْتُ: أَوْ يَكُونُ الْأَخْذُ الْآتِي بِمَعْنَى الْأَخْذِ لِلرَّبْطِ، فَإِنَّهُ الْمُنَافِي لِلدَّعْوَةِ فَلَا مُنَافَاةَ، وَإِنْ قُلْنَا بِوَحْدَةِ الْقَضِيَّةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
988 -
وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: " «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
988 -
(وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَنْ نَابَهُ ")، أَيْ: مِنَ الرِّجَالِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: النَّوْبُ رُجُوعُ الشَّيْءِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَنَابَتْهُ نَائِبَةٌ أَيْ حَادِثَةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَنُوبَ دَائِمًا، ثُمَّ كَثُرَتْ حَتَّى اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ إِصَابَةٍ تُصِيبُ الْإِنْسَانَ، أَيْ: مَنْ أَصَابَهُ (" شَيْءٌ ")، أَيْ: أَمْرٌ بِأَنْ يَدْعُوَهُ أَحَدٌ أَوْ يَسْتَأْذِنَهُ (" فِي صَلَاتِهِ ") : وَفِي نُسْخَةٍ: " فِي الصَّلَاةِ "، أَيْ: وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، (" فَلْيُسَبِّحْ ")، أَيْ: فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ يَعْنِي فَلَا يُصَفِّقْ (" فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ ") : وَهُوَ ضَرْبُ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى (" لِلنِّسَاءِ ") : لِأَنَّ صَوْتَهُنَّ عَوْرَةٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ لَا لِلرِّجَالِ فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ غَلَبَ فِي النِّسَاءِ صَارَ لَا يَلِيقُ بِشَهَامَةِ الرِّجَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ:" فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ "، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَالْمَرْأَةُ تَضْرِبُ فِي الصَّلَاةِ إِنْ أَصَابَهَا شَيْءٌ بَطْنَ كَفِّهَا الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْيُسْرَى، (وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» ") : قَالَ فِي تَاجِ الْمَصَادِرِ: التَّصْفِيقُ فِي الْحَدِيثِ مَأْخُوذٌ مِنْ صَفَّقَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى، لَا بِبُطُونِهِمَا، وَلَكِنْ بِظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى عَلَى الرَّاحَةِ مِنَ الْيَدِ الْيُسْرَى، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي.
989 -
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ.»
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
989 -
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ: «كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ وَنَأْمُرُ بِالْحَاجَةِ» ، (قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ)، أَيْ: نُهَاجِرَ إِلَيْهَا مِنْ مَكَّةَ (فَيَرُدُّ عَلَيْهَا)، أَيِ: السَّلَامَ، (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ)، أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ وَتَفْصِيلُهُمَا فِي كُتُبِ السِّيَرِ، (أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي) : نَفْلًا أَوْ فَرْضًا (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ) : اسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ مِنْ حِلَّ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ)، أَيْ: أَدَّاهَا وَكَمَّلَهَا (قَالَ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَ:" لَا "، (" إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ ")، أَيْ: يُظْهِرُ (" مِنْ أَمْرِهِ ")، أَيْ: شَأْنِهِ أَوْ أَمْرِهِ (مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ ")، أَيْ: حَدَّدَ مِنَ الْأَحْكَامِ بِأَنْ نَسَخَ حِلَّ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ نَاهِيًا عَنْهُ (" أَنْ لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ ") : وَيُحْتَمَلُ كَوْنُ الْأَحْدَاثِ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَهَا (فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَدِّ جَوَابِ السَّلَامِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ.
990 -
وَقَالَ: " «إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا. فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
990 -
(وَقَالَ: " إِنَّمَا الصَّلَاةُ ")، أَيْ: مَوْضُوعَةٌ (" لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ ")، أَيِ: الشَّامِلِ لِلدُّعَاءِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِفَتْحِ اللَّامِ، وَرَفْعِ الْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ، وَفِي نُسْخَةٍ " «إِنَّمَا الصَّلَاةُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَذِكْرُ اللَّهِ» "، (" فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا ") :
أَيْ: فِي الصَّلَاةِ (" فَلْيَكُنْ ذَلِكَ ") : إِشَارَةً إِلَى مَا ذُكِرَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَذِكْرِ اللَّهِ، وَهُوَ اسْمٌ فَلْيَكُنْ وَخَبَرُهُ (" شَأْنَكَ ") : بِالنَّصْبِ، أَيْ: حَالَكَ الْمُهِمَّ لَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّمِ وَغَيْرِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّأْنُ الْحَالُ وَالْأَمْرُ وَالْخَطْبُ وَالْجَمْعُ شُئُونٌ، وَلَا يُقَالُ إِلَّا فِيمَا يُعَظَّمُ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأُمُورِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالنَّسَائِيُّ وَسَنَدُهُمَا صَحِيحٌ، قَالَ مِيرَكُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يُخَرِّجْ قَوْلَهُ: " «إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» .، " إِلَخْ، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، بَلْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَالَّذِي أَوْقَعَ صَاحِبَ الْمِشْكَاةِ فِي هَذَا الْخَبْطِ إِيرَادُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ بَعْدَ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَقَالَ: إِنَّمَا الصَّلَاةُ، إِلَخْ، فَطِنَ صَاحِبُ الْمِشْكَاةِ أَنَّهُ مِنْ تَتِمَّةِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: فَرَدَّ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَمَقْصُودُ صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ إِيرَادُ حَدِيثٍ آخَرَ كَعَادَتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
991 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ نَحْوُهُ، وَعِوَضُ: بِلَالٍ صُهَيْبٌ.
ــ
991 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَرُدُّ عَلَيْهِمْ)، أَيْ: عَلَى الصَّحَابَةِ (حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ) : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَرَادَ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ، وَيَبْعُدُ (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَذَا لَوْ أَشَارَ بِعَيْنِهِ أَوْ بِرَأْسِهِ جَازَ، وَفِي الظَّهِيرَةِ: لَوْ أَشَارَ إِلَى رَدِّ السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ يَدِهِ أَوْ إِصْبَعِهِ لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ، وَفِي الْخُلَاصَةِ: إِنَّ فِي الرَّدِّ بِالرَّأْسِ أَوِ الْيَدِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَذَا نَقَلَهُ الْبَرْجَنْدِيُّ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: يُكْرَهُ أَنْ يَرُدَّ الْمُصَلِّي السَّلَامَ بِالْإِشَارَةِ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ، فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فَإِنَّ الْإِشَارَةَ فِي مَعْنَاهُ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ نَحْوَهُ)، أَيْ: يَعْنِي حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ (وَعِوَضُ بِلَالٍ صُهَيْبٌ) : مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِنَصْبِ عِوَضٍ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّهُ سَأَلَ كُلًّا مِنْهُمَا وَأَجَابَهُ بِذَلِكَ.
992 -
(وَعَنْ رَفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، انْصَرَفَ فَقَالَ: " مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ "، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ. ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
992 -
(وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَطَسْتُ) : بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتُكْسَرُ (فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا)، أَيْ: خَالِصًا (مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: كِلَاهُمَا وَاحِدٌ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنْوَاعُ الْبِرْكَةِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرَانِ فِي " فِيهِ " وَ " عَلَيْهِ " لِلْحَمْدِ، فَفِي الْأَوَّلِ الْبَرَكَةُ، بِمَعْنَى الزَّائِدِ مِنْ نَفْسِ الْحَمْدِ، أَيِ: الْمُسْتَلْزِمُ لِزِيَادَةِ ثَوَابِهِ، وَفِي الثَّانِي مِنَ الْخَارِجِ لِتَعْدِيَتِهَا بِعَلَى لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَعْنَى الْإِفَاضَةِ، أَيْ: عَلَى الْحَمْدِ ثُمَّ عَلَى قَائِلِهِ مِنْ حَضْرَةِ الْحَقِّ، (كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى)، أَيْ: حَمَدًا مَوْصُوفًا، مِمَّا ذُكِرَ، وَبِأَنَّهُ مُمَاثِلٌ لِلْحَمْدِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ ثَوَابًا جَمِيلًا وَأَجْرًا جَزِيلًا، (فَقَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ)، أَيْ: سَلَّمَ وَانْصَرَفَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ مَحَلِّهِ (فَقَالَ: " مَنِ الْمُتَكَلِّمِ فِي الصَّلَاةِ؟ " فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ) : بِالْجَوَابِ خَوْفًا عَلَيَّ لِظَنِّهِمْ أَنِّي أَتَيْتُ، بِمَا لَا
يَنْبَغِي وَأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لِلْإِنْكَارِ، (ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ)، أَيِ: الْقَوْلَةَ الثَّانِيَةَ، أَوِ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ (فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ) : لِمَا سَبَقَ أَوْ لِأَنَّ حَقَّ الْجَوَابِ لِلْمُتَكَلِّمِ، (ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ) : لَمَّا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ لِغَيْرِ الْإِنْكَارِ، أَوْ مَعَ كَوْنِهِ لَهُ حَتَّى يَعْلَمَ حُكْمَ اللَّهِ فِيمَا قَالَهُ (رِفَاعَةُ) : فِيهِ تَجْرِيدٌ وَأَصْلُهُ فَقُلْتُ (أَنَا) : أَيِ الْمُتَكَلِّمُ (يَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (" وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ")، أَيْ: إِيجَادُهَا وَإِمْدَادُهَا بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ (" لَقَدِ ابْتَدَرَهَا ")، أَيِ: اسْتَبَقَ إِلَيْهَا (" بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكٌ ") : حُرُوفُ الْكَلِمَاتِ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ مَا عَدَا التَّنْوِينَاتِ (" أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا ")، أَيْ: يَسْبِقُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ; لِأَنْ يَصْعَدَ بِهَا، قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْجُمْلَةُ سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ " يَنْظُرُونَ " الْمَحْذُوفِ عَلَى التَّعْلِيقِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ فِي الصَّلَاةِ، يَعْنِي: عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمَدِ بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ، لَكِنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَحْمَدَ فِي نَفْسِهِ أَوْ يَسْكُتَ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ عَلَى مَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَالْحَدِيثُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، (وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِذَا عَطَسَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ الْأَئِمَّةُ عَلَى قَوْلِهِمْ: يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَحْمَدَ وَيُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَوَقَعَ فِي الْإِحْيَاءِ وَغَيْرِهِ، أَنَّهُ يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَبْلَغُ شَاهِدٍ لِرَدِّ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام: " مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ مَنِ الْحَامِدُ فِيهَا، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ الْعُلَمَاءِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
993 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ " وَفِي أُخْرَى لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ: فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ» .
ــ
993 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " التَّثَاؤُبُ ") : بِالْهَمْزِ، وَقِيلَ بِالْوَاوِ (" فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ ") : لِأَنَّهُ يَحْصُلُ مِنَ الْغَفْلَةِ أَوِ الْكَسَلِ أَوْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ أَوْ غَلَبَةِ النَّوْمِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ، بَلْ ; لِأَنَّ الْقُبْحَ فِيهَا أَكْثَرُ ; لِأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ أَسْبَابَهُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَالثِّقَلِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ هِيَ الَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا يُوجِبُ كَوْنَهُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ بِالْأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا اهـ.
وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ التَّثَاؤُبَ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَالِ الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ تِلَاوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ، لَا فِي مُطْلَقِ الْحَالَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (" فَإِذَا تَثَاءَبَ ")، أَيْ: شَرَعَ فِي التَّثَاؤُبِ (" أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ ")، أَيْ: يَدْفَعْهُ (" مَا اسْتَطَاعَ ")، أَيْ: بِضَمِّ الشَّفَتَيْنِ، أَوْ بِوَضْعِ الْيَدِ أَوِ الْكُمِّ عَلَى الْفَمِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ (وَفِي أُخْرَى لَهُ)، أَيْ: فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلتِّرْمِذِيِّ (وَلِابْنِ مَاجَهْ) : قَالَ مِيرَكُ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ (" فَلْيَضَعْ ") : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: وَلْيَضَعْ (" يَدَهُ ") : الظَّاهِرُ الْيُمْنَى (عَلَى فِيهِ)، أَيْ: بَدَلَ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، قَالَ مِيرَكُ: وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: " «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ» "، أَيْ: إِذَا لَمْ يَدْفَعْهُ بِضَمِّ شَفَتَيْهِ.
994 -
وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
994 -
(وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَا: " وَإِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ") : بِمُرَاعَاةِ السُّنَنِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ وَتَصْحِيحِ النِّيَّةِ (" ثُمَّ خَرَجَ ")، أَيْ: مِنْ بَيْتِهِ (" عَامِدًا ")، أَيْ: قَاصِدًا (" إِلَى الْمَسْجِدِ ") ، نَفْسِهِ لَا يَكُونُ لَهُ قَصْدٌ فَاسِدٌ مَأْتَاهُ، وَهَذِهِ الْقُيُودُ لِبَيَانِ الْكَمَالِ وَحُسْنِ الْحَالِ (" فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ ")، أَيْ: حُكْمًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ إِدْخَالُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ وَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي الْخُشُوعَ وَمَنْ قَصَدَهَا، فَكَأَنَّهُ فِيهَا فِي حُصُولِ الثَّوَابِ، قَالَ مِيرَكُ: لَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ إِدْخَالِ الْأَصَابِعِ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى مُلَابَسَةِ الْخُصُوصِيَّاتِ وَالْخَوْضِ فِيهَا، وَحِينَ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْفِتَنَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَالَ:" وَاخْتَلَفُوا وَكَانُوا هَكَذَا "، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ كَالنَّهْيِ عَنْ كَفِّ الشَّعَرِ وَالتَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ:" «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ، فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي الصَّلَاةِ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» "، وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَذَلِكَ يُفِيدُ عَدَمَ التَّحْرِيمِ، وَلَا يَمْنَعُ الْكَرَاهَةَ أَيْ لِغَيْرِهِ لِكَوْنِ فِعْلِهِ نَادِرًا، أَيْ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِمَعْنَى كَمَا فِي حَدِيثِ الْإِخْبَارِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ النَّهْيِ، فَإِنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ، مَعَ أَنَّ تَشْبِيكَهُ عليه الصلاة والسلام إِنَّمَا كَانَ عَلَى ظَنٍّ مِنْهُ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ: وَقَوْلُهُ: فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّشْبِيكَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ، بَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَصَابِعِهِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا (وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: كُلُّهُمْ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ رَجُلٍ غَيْرِ مُسَمًّى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، لَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَ، لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
995 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَزَالُ اللَّهُ عز وجل مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.
ــ
995 -
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَزَالُ اللَّهُ عز وجل مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ "، أَيْ: نَاظِرًا إِلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَإِعْطَاءِ الْمَثُوبَةِ (" وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ ") : وَالْمَعْنَى لَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ الرَّحْمَةِ عَنْهُ (" مَا لَمْ يَلْتَفِتْ ")، أَيْ: بِالْعُنُقِ (" فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ ")، أَيِ: أَعْرَضَ عَنْهُ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُرَادُ مِنْهُ قِلَّةُ الثَّوَابِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَلَمْ يُضَعِّفْهُ فَهُوَ حَسَنٌ عِنْدَهُ (وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) .
996 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «يَا أَنَسُ! اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ» " رَوَاهُ [الْبَيْهَقِيُّ فِي " سُنَنِهِ الْكَبِيرِ "، مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ]
ــ
996 -
( «وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَا أَنَسُ اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ» ")، أَيْ: فِي سَائِرِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَنْظُرَ فِي الْقِيَامِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، وَفِي الرُّكُوعِ إِلَى ظَهْرِ قَدَمَيْهِ، وَفِي السُّجُودِ إِلَى أَنْفِهِ، وَفِي التَّشَهُّدِ إِلَى حِجْرِهِ اهـ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَعَلَّهُ رِوَايَةٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ حَجَرٌ: جَزْمُ الشَّارِحِ بِهَذَا غَلَطٌ فَاحْشٌ، ثُمَّ قَالَ: قِيلَ: يُسَنُّ لِمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ النَّظَرُ إِلَى الْكَعْبَةِ إِلَّا حَالَةَ الْقَوْلِ فِي التَّشَهُّدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ سَبَّابَتَهُ مَا دَامَتْ مُرْتَفِعَةً، وَعَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِمَنْ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَقِيلَ: وَيَجُوزُ فِي النَّفْلِ دُونَ الْمَرَضِ، وَرَدَّهُ الْمُتَأَخِّرُونَ بِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يُنْقَلْ، فَكَانَ فِي حَيِّزِ الطَّرْحِ لِمُخَالَفَتِهِ الْحَدِيثَ وَكَلَامَ الْعُلَمَاءِ، وَبِأَنَّهُ يُلْهِي عَنِ الْخُشُوعِ، وَبِمَا صَحَّ «عَنْ عَائِشَةَ: عَجَبًا لِلْمُسْلِمِ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ كَيْفَ يَرْفَعُ بَصَرَهُ قِبَلَ السَّقْفِ يَدَعُ ذَلِكَ إِجْلَالًا لِلَّهِ تَعَالَى دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا خَلَّفَ بَصَرُهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ» ، وَبِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم [نَظَرَ] فِي صَلَاتِهِ فِيهَا لِمَحَلِّ سُجُودِهِ، هَكَذَا خَارِجَهَا إِذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ، وَلِذَا سُنَّ لِلطَّائِفِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ مَحَلَّ مَشْيِهِ، لِأَنَّهُ الْأَدَبُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ اجْتِمَاعُ الْقَلْبِ اهـ.
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ كَرَاهَةُ التَّغْمِيضِ، وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الطَّبَرَانِيِّ:" «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُغْمِضْ عَيْنَهُ» "، وَإِنْ تَفَرَّدَ بِهِ حُذَيْفَةُ، وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا مَا تَقَدَّمَ مِنَ النَّظَرِ إِلَى مَوْضِعِ السُّجُودِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مُرَاعَاةِ الْقِبْلَةِ ; لِأَنَّهُ بِأَدْنَى انْحِرَافٍ يَمِيلُ عَنِ الْكَعْبَةِ فَيَحْتَاجُ إِلَى الْمُلَاحَظَةِ، (رَوَاهُ) : هُنَا بَيَاضٌ، وَأَلْحَقَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: يَرْفَعُهُ، قِيلَ: أَنَّهُ مِنْ مُلْحَقَاتِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ طُرُقٌ تَقْتَضِي حُسْنَهُ.
997 -
وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الْفَرِيضَةِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
997 -
(وَعَنْهُ)، أَيْ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ (قَالَ: قَالَ: لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا بُنَيُّ ") : بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ وَكَسْرِهَا خَاطَبَهُ بِهِ لِصِغَرِ سِنِّهِ، وَصِدْقِهِ فِي خِدْمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ (" «إِيَّاكَ وَالِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ» ")، أَيْ: بِتَحْوِيلِ الْوَجْهِ (" فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ ") : أَظْهَرُ فِي مَوْضِعِ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ فِي مَقَامِ التَّحْذِيرِ (" هَلَكَةٌ ") : بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: هَلَاكٌ لِأَنَّهُ طَاعَةُ الشَّيْطَانِ، وَهُوَ سَبَبُ الْهَلَاكِ، قَالَ مِيرَكُ: الْهَلَاكُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: افْتِقَادُ الشَّيْءِ عِنْدَكَ وَهُوَ عِنْدُ غَيْرِكَ مَوْجُودٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة: 29] وَهَلَاكُ الشَّيْءِ بِاسْتِحَالَتِهِ، وَالثَّالِثُ الْمَوْتُ، كَقَوْلِهِ
تَعَالَى: {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} [النساء: 176] وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْهَلَكَةُ الْهَلَاكُ وَهُوَ اسْتِحَالَةُ الشَّيْءِ وَفَسَادُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ - وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205] وَالصَّلَاةُ بِالِالْتِفَاتِ تَسْتَحِيلُ مِنَ الْكَمَالِ إِلَى الِاخْتِلَاسِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْخَامِسِ مِنَ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، (" فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ ") : لَكَ أَيْ: مِنَ الِالْتِفَاتِ وَتَفْوِيتِ الْكَمَالِ (" فَفِي التَّطَوُّعِ ")، أَيْ: فَلْيَكُنْ فِي النَّفْلِ لِأَنَّهُ جَوَّزَ فِيهِ التَّوَسُّعَ (" لَا فِي الْفَرِيضَةِ ") : فَإِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الْعَزِيمَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: لِأَنَّ مَبْنَى التَّطَوُّعِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُحْتَاطُ لَهَا لِمَزِيدِ ثَوَابِهَا وَثَمَرَاتِهَا وَفَوَائِدِهَا مَا لَا يُحْتَاطُ لِلنَّفْلِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إِذْنًا مُقْتَضِيًا لِعَدَمِ كَرَاهَتِهِ فِي النَّفْلِ، بَلْ حَثًّا عَلَى عَدَمِ فِعْلِهِ فِي الْفَرْضِ، وَبَيَانًا لِكَوْنِ الِاحْتِيَاطِ بِهِ أَلْيَقَ، وَتَنَزُّلًا مَعَ مَزِيدِ تَفْوِيتِ الْكَمَالِ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ وَإِنْ رَضِيَ بِتَفْوِيتِهِ فِي النَّفْلِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْضَى بِتَفْوِيتِهِ فِي الْفَرْضِ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحَاصِلَ مِنَ الْحَدِيثِ هُوَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي النَّفْلِ دُونَ الْكَرَاهَةِ فِي الْفَرْضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
998 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.
ــ
998 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ)، أَيْ: أَحْيَانًا (يَلْحَظُ)، أَيْ: يَنْظُرُ بِمُؤَخَّرَةِ عَيْنَيْهِ (فِي الصَّلَاةِ)، أَيِ: التَّطَوُّعِ أَوِ الْفَرْضِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ الْوَاجِبِ، قَالَهُ ابْنُ حَجَرٍ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَيَانُ الْجَوَازِ سِيَّمَا بَعْدَ إِطْلَاقِ النَّهْيِ (يَمِينًا وَشِمَالًا)، أَيْ: تَارَةً إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ وَأُخْرَى إِلَى جِهَةِ الشَّمَالِ (وَلَا يَلْوِي)، أَيْ: لَا يَصْرِفُ وَلَا يُمِيلُ (عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ)، أَيْ: إِلَى جِهَتِهِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: اللَّيُّ: فَتْلُ الْحَبْلِ، يُقَالُ: لَوَيْتُهُ أَلْوِيهِ لَيًّا، وَلَوَى رَأْسَهُ وَبِرَأْسِهِ أَمَالَهُ، وَلَعَلَّ هَذَا الِالْتِفَاتَ كَانَ مِنْهُ فِي التَّطَوُّعِ، فَإِنَّهُ أَسْهَلُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: قِيلَ الْتِفَاتُهُ عليه الصلاة والسلام مَرَّةً أَوْ مِرَارًا قَلِيلَةً لِبَيَانِ أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ، أَوْ كَانَ لِشَيْءٍ ضَرُورِيٍّ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْهَى أُمَّتَهُ عَنْ شَيْءٍ وَيَفْعَلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَإِنْ كَانَ أَيُّ أَحَدٍ يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، أَيْ: وَيُحَوِّلُ صَدْرَهُ عَنِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : قَالَ السَّيِّدُ: وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا الْحَدِيثَ، (وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرُوِيَ مُرْسَلًا.
999 -
وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: " «الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ، وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
999 -
(وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ)، أَيْ: رَفَعَ جَدُّهُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَوْلَا هَذَا الْقَيْدُ لَأَوْهَمَ قَوْلُهُ:(قَالَ: " الْعُطَاسُ ") : أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، فَيَكُونَ مَوْقُوفًا، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (" وَالنُّعَاسُ ") : وَهُوَ النَّوْمُ الْخَفِيفُ أَوْ مُقَدِّمَةُ النَّوْمِ وَهُوَ السِّنَةُ، (" وَالتَّثَاؤُبُ ")، أَيِ: التَّكَاسُلُ (" فِي الصَّلَاةِ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا فَصَلَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ بِقَوْلِهِ: " فِي الصَّلَاةِ " ; لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأَخِيرَةَ تُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِخِلَافِ الْأُولَى
" (" وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ ") : بِضَمِّ الرَّاءِ دَمُ الْأَنْفِ (" مِنَ الشَّيْطَانِ ") : قَالَ الْقَاضِي: أَضَافَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إِلَى الشَّيْطَانِ ; لِأَنَّهُ يُحِبُّهَا وَيَتَوَسَّلُ بِهَا إِلَى مَا يَبْتَغِيهِ مِنْ قَطْعِ الصَّلَاةِ، وَالْمَنْعِ عَنِ الْعِبَادَةِ ; وَلِأَنَّهَا تَغْلِبُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ مِنْ شَرَهِ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْمَالِ الشَّيْطَانِ، وَزَادَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَمِنَ ابْتِغَاءِ الشَّيْطَانِ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَا نُدِبَ إِلَيْهِ مِنَ الْحُضُورِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ فِي لَذَّةِ الْمُنَاجَاةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْمُرَادُ مِنَ الْعُطَاسِ كَثْرَتُهُ، فَلَا يُنَافِيهِ الْخَبَرُ السَّابِقُ: "«إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ» " ; لِأَنَّ مَحَلَّهُ فِي الْعُطَاسِ الْمُعْتَدِلِ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَبْلُغُ الثَّلَاثَ عَلَى التَّوَالِي بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُسَنُّ تَشْمِيتُهُ حِينَئِذٍ بِعَافَاكَ اللَّهُ وَشَفَاكَ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَرَضٌ؛ انْتَهَى.
وَالظَّاهِرُ: الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ يَحْمِلَ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى الْعُطَاسَ مُطْلَقًا عَلَى خَارِجِ الصَّلَاةِ، وَكَرَاهَتُهُ مُطْلَقًا فِي دَاخِلِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَا يَخْلُو عَنِ اشْتِغَالِ بَالٍ بِهِ، وَهَذَا الْجَمْعُ كَانَ مُتَعَيِّنًا لَوْ كَانَ الْحَدِيثَانِ مُطْلَقَيْنِ، فَكَيْفَ مَعَ التَّقْيِيدِ بِمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
1000 -
وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:«أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ» ، يَعْنِي: يَبْكِي.
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى، وَأَبُو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ.
ــ
1000 -
(وَعَنْ مُطَرِّفٍ) : بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ) : بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ (بْنِ الشِّخِّيرِ) بِكَسْرِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُشَدَّدَةِ (عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ)، أَيْ: صَوْتٌ (كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ: أَيِ الْقِدْرِ إِذَا غَلَى، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَزِيزُ الْمِرْجَلِ صَوْتُ غَلَيَانِهِ، وَمِنْهُ الْأَزُّ وَهُوَ الْإِزْعَاجُ، قُلْتُ: وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83] وَقِيلَ: الْمِرْجَلُ الْقِدْرُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَزَفٍ ; لِأَنَّهُ إِذَا نُصِبَ كَأَنَّهُ أُقِيمَ عَلَى الرَّجُلِ (يَعْنِي: يَبْكِي) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الصَّوْتَ إِنَّمَا سُمِعَ لِلْجَوْفِ أَوِ الصَّدْرِ لَا اللِّسَانِ، وَالْمُخْتَلَفُ فِي إِبْطَالِهِ إِنَّمَا هُوَ الْبُكَاءُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَرْفِ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يُبْطِلُ وَإِنْ كَانَ لِلْآخِرَةِ إِنْ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ، هَذَا إِنْ لَمْ يَغْلِبْهُ، وَإِلَّا فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَبْطُلُ كَثِيرُهُ لَا قَلِيلُهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْبُكَاءِ وُجُودُ الْحُرُوفِ، لِأَنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ خَوْفٍ يُزْعِجُ الْقَلْبَ وَيُقْلِقُهُ، وَبِهِ يَتَوَلَّدُ فِي الْجَوْفِ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنْ دَاخِلِهِ لِشِدَّةِ مَا حَصَلَ لِلْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَالْقَلْقِ، وَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ نَارِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَلَعَلَّهُ غَالِبٌ عَلَيْهِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إِذَا بَكَى فِيهَا وَحَصَلَ مِنْهُ صَوْتٌ مَسْمُوعٌ فَإِنْ كَانَ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ أَوْ نَحْوِهِمَا لَمْ يَقْطَعْهُمَا ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدُّعَاءِ بِالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ وَجَعٍ أَوْ مُصِيبَةٍ يَقْطَعُهَا ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الشِّكَايَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِي وَجَعٌ، أَوْ أَصَابَتْنِي مُصِيبَةٌ، وَهُوَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فَيَفْسَدُ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ شَدِيدَ الْوَجَعِ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ لَا تَفْسُدُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ)، أَيِ: النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَحَّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، ( «يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ» )، أَيْ: مِنْ أَجْلِهِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: هُوَ بِالْقَصْرِ: خُرُوجُ الدَّمْعِ مَعَ الْحُزْنِ، وَبِالْمَدِّ خُرُوجُهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ)، أَيِ: الرِّوَايَتَيْنِ (وَرَوَى النَّسَائِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى) : قَالَ مِيرُوكُ: وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَلَعَلَّهُ فِي الدَّمْعِ وَإِلَّا فَفِي الشَّمَائِلِ رَوَى الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ (وَأَبُو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ) .
1001 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى، فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» "، رَوَاهُ أَحَمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
1001 -
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ ")، أَيْ: شَرَعَ فِيهَا (" فَلَا يَمْسَحْ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَا يُسَوِّ (" الْحَصَى ") : وَهِيَ الْحِجَارَةُ الصَّغِيرَةُ (" فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ ")، أَيْ: تَنْزِلُ عَلَيْهِ وَتُقْبِلُ إِلَيْهِ، فَلَا يَلِيقُ لِعَاقِلٍ تَلَقِّي شُكْرَ تِلْكَ النِّعْمَةِ الْخَطِيرَةِ بِهَذِهِ الْفِعْلَةِ الْحَقِيرَةِ، أَوْ لَا يَنْبَغِي فَوْتُ تِلْكَ النِّعْمَةِ وَالرَّحْمَةِ. بِمُزَاوَلَةِ هَذِهِ الْفِعْلَةِ وَالزَّلَّةِ إِلَّا حَالَةَ الضَّرُورَةِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ: " «لَا تَمْسَحِ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَوَاحِدَةٌ تَسْوِيَةً لِلْحَصَى» ".
1002 -
وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: " يَا أَفْلَحُ! تَرِّبْ وَجْهَكَ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
1002 -
(وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) : أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (قَالَتْ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ، إِذَا سَجَدَ)، أَيْ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ (نَفَخَ) : أَيْ: فِي الْأَرْضِ لِيَزُولَ عَنْهَا التُّرَابُ فَيَسْجُدُ، (فَقَالَ:" يَا أَفْلَحُ! تَرِّبْ وَجْهَكَ ") ، أَيْ: أَوْصِلْهُ إِلَى التُّرَابِ، فَإِنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّضَرُّعِ وَأَعْظَمُ لِلثَّوَابِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّفْخِ ; لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عُلُوقَ التُّرَابِ بِالْوَجْهِ، أَيْ: أَفْضَلَهُ وَهُوَ الْجَبْهَةُ وَذَلِكَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ، وَفِي سَنَدِهِ مَيْمُونُ أَبُو حَمْزَةَ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، نَقَلَهُ مِيرَكُ.
1003 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» "، رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ".
ــ
1003 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " الِاخْتِصَارُ ")، أَيْ: وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ، وَهِيَ: الْجَنْبُ (" فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ ") : قَالَ الْقَاضِي: أَيْ يَتْعَبُ أَهْلُ النَّارِ مِنْ طُولِ قِيَامِهِمْ، أَيْ: فِي الْمَوْقِفِ فَيَسْتَرِيحُونَ بِالِاخْتِصَارِ، وَقِيلَ: مِنْ فِعْلِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِي صَلَاتِهِمْ، وَهُمْ: أَهْلُ النَّارِ، أَيْ: مَآلًا وَعَاقِبَةً ; لِأَنَّ أَهْلَ النَّارِ لَا رَاحَةَ لَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ} [الزخرف: 75](رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : قَالَ مِيرَكُ: أَيْ بِغَيْرِ سَنَدٍ فَقَالَ، وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ:" «الِاخْتِصَارُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» " اهـ، وَقَدْ صَحَّ النَّهْيُ عَنِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَيُرْوَى أَنَّ إِبْلِيسَ بَعْدَ لَعْنِهِ وَنُزُولِهِ فِي الْأَرْضِ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَقِيلَ: إِذَا مَشَى مَشَى كَذَلِكَ. ذَكَرَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:" «الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ» ".
1004 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ ".
ــ
1004 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ» ] : أَيْ: وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ (الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ) ، بَيَانُ الْأَسْوَدَيْنِ وَفِيهِ تَغْلِيبٌ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ يَجُوزُ قَتْلُهَا بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ لَا أَكْثَرَ ; لِأَنَّ الْعَمَلَ الْكَثِيرَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ اهـ، وَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ قَالُوا، أَيْ: بَعْضُ الْمَشَايِخِ هَذَا إِذَا لَمْ يَحْتَجْ إِلَى
الْمَشْيِ الْكَثِيرِ كَثَلَاثِ خُطُوَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ وَلَا إِلَى الْمُعَالَجَةِ الْكَثِيرَةِ كَثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ فَأَمَّا إِذَا احْتَاجَ فَمَشَى وَعَالَجَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَمَا لَوْ قَاتَلَ فِي صَلَاتِهِ ; لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ ذَكَرَهُ السُّرُوجِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ، ثُمَّ قَالَ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا تَفْصِيلَ فِيهِ لِأَنَّهُ رُخْصَةٌ كَالْمَشْيِ فِي سَبْقِ الْحَدَثِ وَيُؤَيِّدُهُ إِطْلَاقُ الْحَدِيثِ، وَالْأَصَحُّ: هُوَ الْفَسَادُ إِلَّا أَنَّهُ يُبَاحُ لَهُ إِفْسَادُهَا لِقَتْلِهِمَا كَمَا يُبَاحَ لِإِغَاثَةِ مَلْهُوفٍ أَوْ تَخْلِيصِ أَحَدٍ مِنْ هَلَاكٍ كَسُقُوطٍ مِنْ سَطْحٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ وَكَذَا إِذَا خَافَ ضَيَاعَ مَا قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ: حَسَنٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ وَنَقَلَ ابْنُ الْهَمَّامِ أَنَّهُ قَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَشْمَلُ مَا إِذَا احْتَاجَ إِلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ وَقِيلَ: بَلْ إِذَا كَانَ قَلِيلًا وَفِي الْهِدَايَةِ يَجُوزُ قَتْلُ الْحَيَّاتِ مُطْلَقًا هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ: لَا تَقْتُلِ الْحَيَّةَ الْبَيْضَاءَ ; فَإِنَّهَا مِنَ الْجِنِّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الْكُلِّ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام عَاهَدَ الْجِنَّ أَنْ لَا يَدْخُلُوا بُيُوتَ أُمَّتِهِ وَلَا يُظْهِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَإِذَا خَالَفُوا فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ فَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ وَقَدْ حَصَلَ فِي عَهْدِهِ عليه الصلاة والسلام وَفِيمَنْ بَعْدَهُ الضَّرَرُ بِقَتْلِ بَعْضِ الْحَيَّاتِ مِنَ الْجِنِّ فَالْحَقُّ أَنَّ الْحِلَّ ثَابِتٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْأَوْلَى: الْإِمْسَاكُ عَمَّا فِيهِ عَلَامَةُ الْجَانِّ لَا لِلْحُرْمَةِ بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الْمُتَوَهَّمِ مِنْ جِهَتِهِمْ وَقِيلَ يُنْذِرُهَا فَيَقُولُ خَلِّي طَرِيقَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِنْ أَبَتْ قَتَلَهَا وَهَذَا أَيِ: الْإِنْذَارُ؛ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ (وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ) .
1005 -
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي تَطَوُّعًا وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ وَذَكَرْتُ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
1005 -
وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي تَطَوُّعًا) ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي هَذَا الْقَيْدِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ أَمْرَ التَّطَوُّعِ سَهْلٌ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِافْتِرَانِهِمَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَهُوَ بَيَانُ الْوَاقِعِ فَحَسْبُ [وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ فَجِئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ] أَيْ: طَلَبْتُ فَتْحَ الْبَابِ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ وَإِلَّا لَمْ تَطْلُبْهُ مِنْهُ كَمَا هُوَ اللَّائِقُ بِأَدَبِهَا وَعِلْمِهَا [فَمَشِيَ فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ] قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَشْيُهُ عليه الصلاة والسلام وَفَتْحُهُ الْبَابَ ثُمَّ رُجُوعُهُ إِلَى مُصَلَّاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الْكَثِيرَةَ إِذَا تَتَوَالَى لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ. اهـ، وَهُوَ لَيْسَ. بِمُعْتَمَدٍ فِي الْمَذْهَبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِيهِ إِنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ وَقَائِعَ الْأَحْوَالِ الْفِعْلِيَّةِ إِذَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا الِاحْتِمَالُ سَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ وَهُنَا تَطَرَّقَ إِلَيْهَا احْتِمَالُ أَنَّهُ: غَيْرُ مُتَوَالٍ عَلَى أَنَّ فِي سَنَدِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ (وَذَكَرْتُ)، أَيْ: عَائِشَةُ (أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ)، أَيْ: فَلَمْ يَتَحَوَّلْ صلى الله عليه وسلم عَنْهَا عِنْدَ مَجِيئِهِ إِلَيْهِ وَيَكُونُ رُجُوعُهُ إِلَى مُصَلَّاهُ عَلَى عَقِبَيِهِ إِلَى خَلْفٍ قَالَ الْأَشْرَفُ: هَذَا قَطَعَ وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَلَعَلَّ تِلْكَ الْخُطُوَاتِ لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَةً ; لِأَنَّ الْأَفْعَالَ الْكَثِيرَةَ إِذَا تَفَاصَلَتْ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى الْوَلَاءِ لَمْ تُبْطِلِ الصَّلَاةَ قَالَ الْمُظْهِرُ: وَيُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمِشْيَةُ لَمْ تَزِدْ عَلَى خُطْوَتَيْنِ. قُلْتُ: الْإِشْكَالُ بَاقٍ ; لِأَنَّ الْخُطْوَتَيْنِ مَعَ الْفَتْحِ وَالرُّجُوعِ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ تِلْكَ الْفِعْلَاتُ لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَاتٍ (وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) ، وَحَسَّنَهُ (وَرَوَى النَّسَائِيُّ) ، قَالَ مِيرَكُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
1006 -
وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ.
ــ
1006 -
(وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ الْحَنَفِيَّ الْيَمَانِيَّ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا: طَلْقُ بْنُ يَمَامَةَ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ قَيْسٍ، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ الْيَمَامِيُّ، بِالْمِيمِ، فَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمُ بْنُ سَلَّامِ وَهُوَ فِي أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَحَدِيثُهُ فِيهِمْ، (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ ") ، أَيْ: خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ بِلَا صَوْتٍ (" فِي الصَّلَاةِ ")، أَيْ: فِي أَثْنَائِهَا فَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الْآتِي (" فَلْيَنْصَرِفْ ") : عَنْ صَلَاتِهِ وَلْيَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ (" فَلْيَتَوَضَّأْ ") : وَفِي رِوَايَةٍ: وَلْيَتَوَضَّأْ (" وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ ") : الْأَمْرُ بِالْإِعَادَةِ لِلْوُجُوبِ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ عَمْدًا، أَمَّا إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فَالْأَمْرُ
لِلِاسْتِحْبَابِ، فَإِنَّهُ أَفْضَلُ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْخِلَافِ، فَفِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، مَنْ سَبَقَهُ حَدَثٌ سَمَاوِيٌّ مِنْ بَدَنِهِ مُوجِبٌ لِلْوُضُوءِ فِي الصَّلَاةِ انْصَرَفَ مِنْ فَوْرِهِ وَتَوَضَّأَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِشَيْءٍ غَيْرِ ضَرُورِيٍّ فِي وُضُوئِهِ، وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ عِنْدَنَا إِنْ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ مَا يُنَافِيهَا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم " «مَنْ أَصَابَهُ قَيْءٌ أَوْ رُعَافٌ أَوْ قَلْسٌ أَوْ مَذْيٌ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ، ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ لَا يَتَكَلَّمُ "] ، وَفِي رِوَايَةٍ:" ثُمَّ لِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» " وَالِاسْتِئْنَافُ أَفْضَلُ لِلْبُعْدِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَقِيلَ: الْبِنَاءُ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَالْمُقْتَدِي أَفْضَلُ إِحْرَازًا لِلْفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَنْ يُمْكِنَهُمَا الِاسْتِئْنَافُ بِجَمَاعَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ غَيْرَهُ إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ وَانْصَرَفَ، ثُمَّ قَالَ: لَمَّا دَخَلْتُ فِي الصَّلَاةِ وَكَبَّرْتُ رَابَنِي شَيْءٌ، فَلَمَسْتُ بِيَدِي فَوَجَدْتُ بِلَّةً؛ اهـ.
قَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: أَمَّا حَدِيثُ الْبِنَاءِ فَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ، ثُمَّ قَالَ: وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ مَوْقُوفًا عَلَى عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَطَاوُسٍ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ، وَمَكْحُولٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً عَلَى أَنَّ صِحَّةَ رَفْعِ الْحَدِيثِ مُرْسَلًا لَا نِزَاعَ فِيهَا، وَذَلِكَ حُجَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الِاسْتِخْلَافِ فَقِيلَ فِيهِ إِجْمَاعٌ لِلصَّحَابَةِ، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَرَوَى ابْنُ الْأَثْرَمِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:" «خَرَجَ عَلَيْنَا عُمَرُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ كَانَ عَلَى يَمِينِهِ» . " الْحَدِيثَ، قَالَ: وَلِلْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: إِنِّي لَقَائِمٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَ عُمَرَ غَدَاةَ أُصِيبَ إِلَّا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ كَبَّرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي أَوْ أَكَلَنِي الْكَلْبُ حِينَ طَعَنَهُ، وَتَنَاوَلَ عُمَرُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى بِهِمْ، قُلْتُ: الْوَاوُ فِي: " وَتَنَاوَلَ " لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ، فَلَا يَرِدُ فِيهِ إِشْكَالٌ، ثُمَّ قَالَ: وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَلِيٌّ ذَاتَ يَوْمٍ فَرَعَفَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَدَّمَهُ وَانْصَرَفَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، لَا مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ، وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: لَا أَعْرِفُ لِعَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَلَا أَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ السُّحَيْمِيِّ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ)، أَيْ: نَحْوَهُ وَحَسَّنَهُ لَكِنْ (مَعَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ فَقَالَ: إِذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَأَمَّا خَبَرُ:" «مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» " فَهُوَ مُرْسَلٌ اتِّفَاقًا، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْقِدِيمِ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ فِي جَوَازِ الْبِنَاءِ شُرُوطٌ
مَذْكُورَةٌ فِي الْفُرُوعِ، قُلْتُ: الْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَوَّلًا، أَوْ رَأَى مَا اعْتَضَدَ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
1007 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
1007 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ") : وَفِي نُسْخَةِ ابْنِ حَجَرٍ: فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ (" فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ") : أَمْرُ إِبَاحَةٍ أَوْ نَدْبٍ (" ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ ") : بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِهَا، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَمَرَ بِالْأَخْذِ لِيُخَيَّلَ أَنَّهُ مَرْعُوفٌ، وَلَيْسَ هَذَا مِنَ الْكَذِبِ، بَلْ مِنَ الْمَعَارِيضِ بِالْفِعْلِ، وَرُخِّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ لِئَلَّا يُسَوِّلَ لَهُ الشَّيْطَانُ عَدَمَ الْمُضِيِّ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ نَوْعُ أَخْذٍ بِالْأَدَبِ وَإِخْفَاءِ الْقُبْحِ، أَيْ: صُورَةٌ وَالتَّوْرِيَةُ بِمَا هُوَ أَحْسَنُ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الرِّيَاءِ أَوِ الْكَذِبِ، قُلْتُ: لِقَوْلِهِ صَحَّ: " «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضَ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ» "، وَرُوِيَ:" «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَقِفَنَّ مَوَاقِفَ التُّهَمِ» "، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ.
1008 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ.
ــ
1008 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ ")، أَيْ: عَمْدًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُطْلَقًا عِنْدَ صَاحِبَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ بِصُنْعِهِ فَرْضٌ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا، (" وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ ")، أَيْ: قَدْرَ التَّشَهُّدِ (" قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ ") : عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ التَّسْلِيمَ عِنْدَهُ فَرْضٌ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاجِبٌ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ) : قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: الْمُضْطَرِبُ: هُوَ الَّذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَفَاوِتَةٍ، وَالِاضْطِرَابُ: قَدْ يَقَعُ فِي السَّنَدِ أَوِ الْمَتْنِ، أَوْ مِنْ رَاوٍ، أَوْ مِنْ رُوَاةٍ، وَالْمُضْطَرِبُ: ضَعِيفٌ، لِإِشِعَارِهِ بِأَنَّهُ لَمْ يُضْبَطْ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ.
قُلْتُ: لِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ، وَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ يُبْلِغُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إِلَى حَدِّ الْحَسَنِ، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ إِنْ سَلِمَ لَمْ يُقْدَحْ ; لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الصِّحَّةِ، بَلِ الْحَسَنُ كَافٍ، فَأَمَّا مُجْتَهِدٌ عَلِمَ بِالِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَغَلَبَ عَلَى رَأْيِهِ صِحَّتُهُ، فَهُوَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ إِذْ مُجَرَّدُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّرْجِيحِ وَثُبُوتِ الصِّحَّةِ اهـ، فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ كَثِيرًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْبَابِ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَدَثٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا مَعَ أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ إِبْطَالَهَا.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1009 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأَسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: " إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَنَسِيتُ أَنْ أَغْتَسِلَ» "، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
1009 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ)، أَيْ: قَاصِدًا إِلَيْهَا) (فَلَمَّا كَبَّرَ)، أَيْ: أَرَادَ أَنْ يُكَبِّرَ لِلْإِحْرَامِ (انْصَرَفَ) : وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَلَمَّا كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ انْصَرَفَ، أَيْ: خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ اهـ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا كَمَا لَا يَخْفَى (وَأَوْمَأَ) : بِالْهَمْزِ، وَيُبْدَلُ فَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ، أَيْ: أَشَارَ (إِلَيْهِمْ أَنْ)، أَيْ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الْمُؤَلِّفِ أَيْ (كَمَا كُنْتُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَمَا أَنْتُمْ أَيْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ حَالِ الِاجْتِمَاعِ وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ لَا حَالِ الْقِيَامِ كَمَا تُوُهِّمَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كُونُوا كَمَا كُنْتُمْ، " وَأَنْ " مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْإِيمَاءِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وَالْجَارَّةُ مَحْذُوفَةٌ، أَيْ: أَشَارَ إِلَيْهِمْ بِالْكَوْنِ عَلَى حَالِهِمْ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: كُونُوا بَعْدَ ذَهَابِي فِي صَلَاتِكُمْ لَا تَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَلَا تَتَمَنَّوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ كَمَا كُنْتُمْ كَذَلِكَ قَبْلَ ذَهَابِي اهـ، وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْبُعْدِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ لَا تَبْطُلُ بِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ إِنَّهُ عليه الصلاة والسلام إِنَمَا نَسِيَ لِيَسُنَّ فَانْدَفَعَ مَا قَدْ يُقَالُ لِمَ نَسِيَ صلى الله عليه وسلم كَوْنَهُ جُنُبًا؟ وَبَعْضُ الْعَارِفِينَ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى جَنَابَةِ غَيْرِهِ، قَدْ حَكَى الْيَافِعِيُّ أَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ أَبَا الْمَعَالِيَ بْنَ الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ جَلَسَ يَوْمًا يَدْرِسُ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ إِلَى دَعْوَةٍ فَقَالَ الْإِمَامُ فِي نَفْسِهِ: مَا شَغَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا الْأَكْلُ وَالرَّقْصُ، فَلَمَّا رَجَعَ الشَّيْخُ مِنَ الدَّعْوَةِ مَرَّ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا فَقِيهُ مَا تَقُولُ فِيمَنْ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَهُوَ جُنُبٌ، وَيَقْعُدُ فِي الْمَسْجِدِ، وَيَدْرِسُ الْعُلُومَ، وَيَغْتَابُ النَّاسَ؟ فَتَذَكَّرَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ غُسْلٌ، ثُمَّ حَسُنَ اعْتِقَادُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصُّوفِيَّةِ اهـ.
وَلَكِنْ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَيِّنٌ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ قَبْلَ إِحْرَامِهِمْ، وَلَكِنَّهُ بَعِيدٌ بَلْ مَدْفُوعٌ بِمَا جَاءَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ إِحْرَامِهِمْ مَرْدُودٌ بِأَنَّ الْمَجِيءَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَجْهُولٌ، وَقَدْ صَحَّ فِي الْبُخَارِيِّ: حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَانْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ وَقَالَ: " عَلَى مَكَانِكُمْ " اهـ.
وَلَكِنَّ " حُبَّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ "، وَيَجْعَلُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا، هَدَانَا اللَّهُ إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، حَتَّى نَحْمِلَ أَحْوَالَهُ عليه الصلاة والسلام مَهْمَا أَمْكَنَ عَلَى الْأَمْرِ الْجَمِيلِ، (ثُمَّ خَرَجَ)، أَيْ: مِنَ الْمَسْجِدِ (فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأَسُهُ يَقْطُرُ)، أَيْ: شَعْرُ رَأْسِهِ يَقْطُرُ مَاءً يَعْنِي: لَمْ يُنَشِّفْ إِمَّا لِلْعَجَلَةِ وَإِمَّا لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، أَوْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى التَّنَشُّفِ لِاعْتِدَالِ الْهَوَاءِ، (فَصَلَّى بِهِمْ فَلَمَّا صَلَّى) : أَيْ: فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ (قَالَ) : مُشِيرًا إِلَى السَّبَبِ فِيمَا وَقَعَ لَهُ (" إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيتُ ") : بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُخَفَّفَةِ، كَذَا فِي النُّسَخِ، وَلَعَلَّ الْأُولَى بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ (" أَنْ أَغْتَسِلَ)، أَيْ: الِاغْتِسَالَ، وَإِنَّمَا نَسِيَ لِيَسُنَّ وَلِئَلَّا يَسْتَحْيِيَ أَحَدٌ مِنَ الْأُمَّةِ إِذَا وَقَعَ لَهُ مِثْلُ هَذَا، (رَوَاهُ أَحْمَدُ)، أَيْ: مُتَّصِلًا.
1010 -
وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا.
ــ
1010 -
(وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا) : قَالَ مِيرَكُ: أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ، وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وُعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ، حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ انْتَظَرْنَا أَنْ يُكَبِّرَ انْصَرَفَ، وَقَالَ:" عَلَى مَكَانِكُمْ " فَمَكَثْنَا عَلَى هَيْئَتِنَا حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَقَدِ اغْتَسَلَ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِإِسْنَادِهِ قَالَ:«أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَسَوَّى النَّاسُ صُفُوفَهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَتَقَدَّمَ وَهُوَ جُنُبٌ، ثُمَّ قَالَ: " عَلَى مَكَانِكُمْ " فَرَجَعَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ وَرَأَسُهُ يَقْطُرُ مَاءً فَصَلَّى بِهِمْ» ، فَالْأَوْلَى لِلْمُصَنِّفِ إِيرَادُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى حَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَغَيْرِهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِبَابِ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ فَتَأَمَّلْ.
قُلْتُ: وَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَهِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: فَلَمَّا كَبَّرَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْبِنَاءِ مُطَابِقًا لِمَذْهَبِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
1011 -
«وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَآخُذُ قَبْضَةً مِنَ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي، أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي، أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ.
ــ
1011 -
وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، فَآخُذُ) ، أَيْ: فَأَخَذْتُ فَجَاءَ بِالْمُضَارِعِ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَهَذَا مَبْنِيٌّ مِنْهُمَا عَلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى كُنْتُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى أُصَلِّي (قَبْضَةً) : بِالْفَتْحِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالضَّمِّ فِي الْقَامُوسِ: ضَمُّهُ أَكْثَرُ مَا قَبَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ اهـ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِلْأَخْذِ بِمَعْنَى الْقَبْضِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ} [طه: 96] فَيَكُونُ (مِنَ الْحَصَى) : مُتَعَلِّقًا بِآخُذُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ صِفَةً لِقَبْضَةٍ مُبَيِّنَةً (لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي، أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي)، أَيْ: لِمَوْضِعِهَا (أَسْجُدُ عَلَيْهَا)، أَيْ: عَلَى الْحَصَى الْبَارِدِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: بَدَلٌ مِنْ أَضَعُهَا الَّذِي هُوَ نَعْتٌ لِقَبْضَةٍ أَوْ حَالٌ مِنْهَا لِتَخْصِيصِهَا اهـ، وَالْأَخِيرُ هُوَ الْأَظْهَرُ لِوُجُودِ الْفَصْلِ بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ بَيْنَهُمَا، (لِشِدَّةِ الْحَرِّ) : عِلَّةٌ لِلْأَخْذِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : بِهَذَا اللَّفْظِ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) ، أَيْ: بِمَعْنَاهُ.
1012 -
ــ
1012 -
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ") : إِظْهَارًا لِغَايَةِ الْخَوْفِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالِاحْتِيَاجِ إِلَى دَوَامِ فَضْلِهِ وَعِصْمَتِهِ، (ثُمَّ قَالَ:" أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ ") ، أَيْ: إِيَّاكَ، وَالْمَعْنَى: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَلْعَنَكَ بِلَعْنَتِهِ الْمَخْصُوصَةِ لَكَ الَّتِي لَا تُوَازِيهَا لَعْنَةٌ، أَوْ أُبْعِدُكَ عَنِّي بِإِبْعَادِ اللَّهِ لَكَ، فَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَوْ لِلْآلَةِ أَوْ لِلسَّبَبِيَّةِ، (ثَلَاثًا) : قَيْدٌ لَهُمَا لِمَا سَيَأْتِي، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالدُّعَاءِ لِغَيْرِهِ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ، يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ.
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فَإِنْ قُلْتَ: تَحْرِيمُهُ كَانَ بِمَكَّةَ وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ كَمَا سَيَأْتِي، قُلْنَا: أَرَادَ بِالْمَدِينَةِ الْمَفْهُومَ اللُّغَوِيَّ لَا مَدِينَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، أَوْ يُقَالُ: دَلِيلُ الْجَوَازِ عَمَلُ النَّبِيِّ، وَدَلِيلُ الْمَنْعِ قَوْلُهُ: وَهُوَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، وَالدَّلِيلُ الْقَوْلِيُّ أَقْوَى مِنَ الْعَمَلِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ اهـ.
وَقِيلَ: عُمُومُ عَدَمِ جَوَازِ الْخِطَابِ لِلْغَيْرِ مَخْصُوصٌ بِإِبْلِيسَ عِنْدَ تَعَرُّضِهِ لِلْمُصَلِّي بِالْوَسْوَسَةِ، لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَأَمَّا غَيْرُ الشَّيْطَانِ فَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ لِخِطَابِهِ، قُلْتُ: هَذَا بِمَا يَتَمَشَّى عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُجَوِّزُ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ، وَقِيلَ: هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ عليه الصلاة والسلام (وَبَسَطَ)، أَيْ: مَدَّ (يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا)، أَيْ: يَأْخُذُهُ مِنْ بَعِيدٍ (فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا) : مِنَ التَّعَوُّذِ وَاللَّعْنِ بِالْخِطَابِ (لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ)، أَيْ: كَأَنَّكَ تَتَنَاوَلُ شَيْئًا قَالَ: " إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ ") : أَكْبَرُ الْأَعْدَاءِ (" جَاءَ ") : لِأَفْضَلِ الْأَحِبَّاءِ (" بِشِهَابٍ ")، أَيْ: شُعْلَةٍ (" مِنْ نَارٍ يَجْعَلُهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ)، أَيْ: عَلَيْكَ أَبَدَ الْآبِدِينَ الْمَخْصُوصَةُ بِكَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمُعَذَّبِينَ، (" فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ") : الظَّاهِرُ أَنَّهُ ظَرْفٌ لِقُلْتُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِـ (لَمْ يَسْتَأْخِرْ) أَيْ: فَلَمْ يَتَأَخَّرْ فِي ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مِنَ التَّعَوُّذَاتِ وَاللَّعَنَاتِ: (" ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ ") : عَلَى صِيغَةِ الْمَصْدَرِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِزِيَادَةِ: أَنْ (" وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا ")، أَيْ: مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ (" سُلَيْمَانَ ") : بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ لِأَخِينَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِتَقْدِيرِ أَعْنِي (" لَأَصْبَحَ ")، أَيْ: لَدَخَلَ إِبْلِيسُ فِي الصَّبَاحِ (" مُوثَقًا ") : حَالٌ، أَوْ لَصَارَ مُوثَقًا، أَيْ: مَرْبُوطًا بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، (يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ") : وَفِيهِ دَلِيلٌ قَوِيٌّ عَلَى أَنَّ إِبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ الْجِنِّ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَعَدِّدَةٌ.