الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِفَتْحِهِمَا وَقُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ: " فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ " وَفِي الْقَامُوسِ: الْعَمُودُ مَعْرُوفٌ وَالْجَمْعُ أَعْمِدَةٍ وَعُمُدٌ وَعُمْدٌ. (مِنْ يَاقُوتٍ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْعُمُدِ (غُرَفٌ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ جَمْعُ غُرْفَةٍ (مِنْ زَبَرْجَدٍ) : بِفَتْحَتَيْنِ فَسُكُونٍ فَفَتْحٍ (لَهَا) أَيْ: لِلْغُرَفِ (أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ) : إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْأَمْنِ أَوْ إِيمَانٌ إِلَى انْتِظَارِ مَقْدِمِ صَاحِبِهَا (تُضِيءُ) أَيِ: الْأَبْوَابُ أَوِ الْغُرَفُ بِمَا فِيهَا وَأَضَاءَ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ. (كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ) : بِضَمِّ الدَّالِ وَبِكَسْرٍ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَالتَّحْتِيَّةِ، وَفِي الْقَامُوسِ يُثَلَّثُ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [النور: 35] أَيْ: مُضِيءٌ مُتَلَأْلِئٌ كَالزَّهْرَةِ فِي صَفَائِهِ، وَزَهْرَتُهُ مَنْسُوبٌ إِلَى الدُّرِّ أَوْ فَعِيلٍ كَمَرِيقٍ أَيِ الْمُعَصْفَرِ مِنَ الدَّرْءِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ الظَّلَامَ بِضَوْئِهِ أَوْ بَعْضِ ضَوْئِهِ بَعْضًا مِنْ لَمَعَانِهِ إِلَّا أَنَّهُ قَلَبَ هَمْزَتَهُ يَاءً، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَأَبِي بَكْرٍ عَلَى الْأَصْلِ، وَقِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ دَرِّيٌّ كَشَرِّيبٍ أَيْ كَثِيرِ الشُّرْبِ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِ مَقْلُوبًا أَيْ: بِكَسْرِ الدَّالِّ، وَقَلْبِ هَمْزَتِهِ يَاءً لَكِنَّهُ شَاذٌّ قَرَأَ بِهِ الزُّهْرِيُّ (فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ يَسْكُنُهَا؟) أَيْ: هَذِهِ الْغُرَفَ (قَالَ: الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَجَالِسُونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَلَاقُونَ) أَيِ: الْمُتَزَاوِرُونَ أَوِ الْمُتَصَافِحُونَ (فِي اللَّهِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) وَرَوَى الْحَدِيثَ الْأَخِيرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْإِخْوَانِ.
[بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَاتِّبَاعِ الْعَوْرَاتِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5027 -
عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.»
ــ
[17]
- بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ فِي التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَاتِّبَاعِ الْعَوْرَاتِ
الْهَجْرُ: ضِدُّ الْوَصْلِ، وَالتَّهَاجُرُ أَخَصُّ مِنَ التَّقَاطُعِ، وَالِاتِّبَاعُ بِمَعْنَى التَّتَبُّعِ وَالتَّجَسُّسِ، وَالْعَوْرَةُ مَا فِي الْمَرْءِ مِنْ عَيْبٍ وَخَلَلٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5027 -
(عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ» ) بِضَمِّ الْجِيمِ (أَخَاهُ) أَيِ: الْمُسْلِمَ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أُخُوَّةِ الْقَرَابَةِ وَالصَّحَابَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ إِشْعَارٌ بِالْعِلْيَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ خَالَفَ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ وَقَطَعَ هَذِهِ الرَّابِطَةَ جَازَ هِجْرَانُهُ فَوْقَ ثَلَاثَةٍ اهـ. وَفِيهِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ يُحِبُّ هِجْرَانَهُ وَقَوْلُهُ:(فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ) أَيْ: بِأَيَّامِهَا، وَإِنَّمَا جَازَ الْهَجْرُ فِي ثَلَاثٍ وَمَا دُونَهُ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْآدَمِيُّ مِنَ الْغَضَبِ، فَسُومِحَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ لِيَرْجِعَ فِيهَا، وَيَزُولَ ذَلِكَ الْغَرَضُ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ. وَقَالَ أَكْمَلُ الدِّينِ مِنْ أَئِمَّتِنَا: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى حُرْمَةِ هِجْرَانِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَّا جَوَازُ هِجْرَانِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَمَفْهُومٌ مِنْهُ لَا مَنْطُوقٌ، فَمَنْ قَالَ بِحُجِّيَّةِ الْمَفْهُومِ كَالشَّافِعِيَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُولَ بِإِبَاحَتِهِ وَمَنْ لَا فَلَا اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ، وَالشَّارِعُ إِنَّمَا حَرَّمَ الْمُهَاجَرَةَ الْمُقَيَّدَةَ لَا الْمُطْلَقَةَ مَعَ أَنَّ فِي إِطْلَاقِهَا حَرَجًا عَظِيمًا حَيْثُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْغَضَبِ الْمُؤَدِّي إِلَى مُطْلَقِ الْهِجْرَانِ يَكُونُ حَرَامًا.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: رُخِّصَ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَغْضَبَ عَلَى أَخِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ لِقِلَّتِهِ، وَلَا يَجُوزُ فَوْقَهَا إِلَّا إِذَا كَانَ الْهِجْرَانُ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَجُوزُ فَوْقَ ذَلِكَ. وَفِي حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ عَلَى الْمُوَطَّأِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَرَفِيقَيْهِ، حَيْثُ أَمَرَ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِهَجْرِهِمْ، يَعْنِي زِيَادَةً عَلَى ثَلَاثٍ إِلَى أَنْ بَلَغَ
خَمْسِينَ يَوْمًا. قَالَ: وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَةِ أَحَدٍ وَصِلَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يُدْخِلَ مَضَرَّةً فِي دُنْيَاهُ يَجُوزُ لَهُ مُجَانَبَتُهُ وَبُعْدُهُ، وَرَبَّ صَرْمٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ تُؤْذِيهِ. وَفِي النِّهَايَةِ: يُرِيدُ بِهِ الْهَجْرَ ضِدَّ الْوَصْلِ، يَعْنِي فِيمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ عَتْبٍ وَمَوْجَدَةٍ، أَوْ تَقْصِيرٍ يَقَعُ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ فِي جَانِبِ الدِّينِ، فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَرِّ الْأَوْقَاتِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا خَافَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ خَمْسِينَ يَوْمًا، وَقَدْ هَجَرَ نِسَاءَهُ شَهْرًا وَهَجَرَتْ عَائِشَةُ ابْنَ الزُّبَيْرِ مُدَّةً، وَهَجَرَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، وَمَاتُوا مُتَهَاجِرِينَ، وَلَعَلَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ مَنْسُوخٌ بِالْآخَرِ.
قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنْ يُحْمَلَ نَحْوُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمُتَوَاخِيَيْنِ أَوِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْوَالِدِ مَعَ الْوَلَدِ، وَالْأُسْتَاذِ مَعَ تِلْمِيذِهِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا وُقِّرَ مِنَ السَّلَفِ وَالْخُلُقِ لِبَعْضِ الْخَلَفِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْهِجْرَةُ الْمُحَرَّمَةُ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ، فَغَيْرُهَا إِمَّا مُبَاحٌ أَوْ خِلَافُ الْأُولَى (يَلْتَقِيَانِ) أَيْ: يَتَلَاقَيَانِ وَهُوَ مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ. (فَيُعْرِضُ هَذَا) أَيْ: وَجْهَهُ عَنْهُ (وَيُعْرِضُ هَذَا) : اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْهِجْرَانِ، أَوْ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَهْجُرُ وَمَفْعُولِهِ فَيُفِيدُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّلَاقِي وَالْإِعْرَاضُ فَلَا بَأْسَ بِالْهِجْرَانِ الْمُطْلَقِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ التَّثْلِيثُ أَمْ لَا؟ مَحَلُّ بَحْثٍ أَوْ تَوَقُّفٍ (وَخَيْرُهُمَا) : عَطْفٌ عَلَى لَا يَحِلُّ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: عَطْفٌ عَلَى يَلْتَقِيَانِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لِمَا يُفْهَمُ مِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ لَيْسَ بِخَيْرٍ اهـ. وَتَكَلُّفُهُ، بَلْ تَعَسُّفُهُ لَا يَخْفَى، وَالْمَعْنَى أَفْضَلُهُمَا فِي طَرِيقِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ (الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ) أَيْ: ثُمَّ الَّذِي يَرُدُّهُ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَرُدَّهُ لَيْسَ فِيهِ خَيْرٌ أَصْلًا، فَيَجُوزُ هِجْرَانُهُ، بَلْ يَجِبُ لِأَنَّهُ بِتَرْكِ رَدِّ السَّلَامِ صَارَ فَاسِقًا، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْبَادِئُ خَيْرَهُمَا لِدَلَالَةِ فِعْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى التَّوَاضُعِ وَأَنْسَبُ إِلَى الصَّفَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ، وَلِلْإِيمَاءِ إِلَى حُسْنِ الْعَهْدِ وَحِفْظِ الْمَوَدَّةِ الْقَدِيمَةِ، أَوْ كَأَنَّهُ بَادِئٌ فِي الْمَحَبَّةِ وَالصُّحْبَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْأَكْمَلُ: وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى إِزَالَةِ الْهِجْرَانِ، وَأَنَّهُ يَزُولُ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ اهـ. وَفِيهِ إِيمَاءٌ بِأَنَّهُ لَا يَخْفَى لِمُسْلِمٍ أَنْ يَبْدَأَ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ، كَمَا وَرَدَ: فِيمَا سَبَقَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
5028 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: " «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ; فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلَا تَنَافَسُوا ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
5028 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ) أَيِ: احْذَرُوا اتِّبَاعَ الظَّنِّ فِي أَمْرِ الدِّينِ الَّذِي مَبْنَاهُ عَلَى الْيَقِينِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36] قَالَ الْقَاضِيَ: التَّحْذِيرُ عَنِ الظَّنِّ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ أَوِ التَّحَدُّثُ بِهِ عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ أَوْ عَمَّا يُظَنُّ كَذِبُهُ اهـ. أَوِ اجْتَنِبُوا الظَّنَّ فِي التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ:(فَإِنَّ الظَّنَّ) : فِي مَوْضِعِ الظَّاهِرِ زِيَادَةُ تَمْكِينٍ فِي ذِهْنِ السَّامِعِ حَثًّا عَلَى الِاجْتِنَابِ (أَكْذَبُ الْحَدِيثِ) : وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ: " «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» " وَقِيلَ أَيْ أَكْذَبُ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِإِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ أَوِ اتَّقُوا سُوءَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ} [الحجرات: 12] وَهُوَ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ دُونَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ أَنَّ بَعْضَ الظَّنِّ - وَهُوَ أَنْ يَظُنَّ وَيَتَكَلَّمَ - إِثْمٌ، فَلَا تَجَسَّسُوا، وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِقَوْلِهِ:(وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا) : بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ فِي الْأَوَّلِ وَبِالْجِيمِ فِي الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تَطْلُبُوا التَّطَلُّعَ عَلَى خَيْرِ أَحَدٍ وَلَا عَلَى شَرِّهِ، وَكِلَاهُمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَى خَيْرِ أَحَدٍ رُبَّمَا يَحْصُلُ لَكَ حَسَدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْخَيْرُ فِيكَ، وَلَوِ اطَّلَعْتَ عَلَى شَرِّهِ تَعِيبُهُ وَتَفْضَحُهُ، وَقَدْ وَرَدَ: طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: التَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاعُ لِحَدِيثِ الْقَوْمِ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ. وَقِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَهُوَ طَلَبُ مَعْرِفَةِ الْأَخْبَارِ الْغَائِبَةِ وَالْأَحْوَالِ.
قُلْتُ: هَذَا أَقْرَبُ الْأَقْوَالِ، لَكِنَّ الْأَنْسَبَ أَنْ يُقَيَّدَ بِالْأَخْبَارِ الَّتِي تَقْضِي إِلَى سُوءِ الظَّنِّ، كَمَا يُفِيدُهُ الْآيَةُ الشَّرِيفَةُ، وَقَدْ قُرِئَ فِيهَا بِالْحَرْفَيْنِ، لَكِنَّ الْحَاءَ شَاذٌّ.
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: أَيْ لَا تَبْحَثُوا عَلَى عَوْرَاتِ الْمُسْلِمِينَ. تَفَعُّلٌ مِنَ الْجَسِّ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الطَّلَبِ كَالتَّلَمُّسِ، وَقُرِئَ بِالْحَاءِ مِنَ الْحِسِّ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الْجَسِّ وَغَايَتُهُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْحَوَاسِّ الْجَوَاسُّ اهـ. وَقِيلَ بِالْجِيمِ التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ بِتَلَطُّفٍ وَمِنْهُ الْجَاسُوسُ، وَبِالْحَاءِ تَطْلُبُ الشَّيْءَ بِالْحَاسَّةِ كَاسْتِرَاقِ السَّمْعِ، وَإِبْصَارِ الشَّيْءِ خُفْيَةً. وَقِيلَ: الْأَوَّلُ التَّفَحُّصُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَبَوَاطِنِ أُمُورِهِمْ بِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَالثَّانِي بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ الْأَوَّلُ مَخْصُوصٌ بِالشَّرِّ وَالثَّانِي أَعَمُّ. (وَلَا تَنَاجَشُوا) : مِنَ النَّجْشِ بِالْجِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ. قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ طَلَبُ التَّرَفُّعِ وَالْعُلُوِّ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِسَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ. وَقِيلَ: أَنْ يُغْرِيَ بَعْضٌ بَعْضًا عَلَى الشَّرِّ وَالْخُصُومَةِ، وَهُوَ مِنْ نَتَائِجِ التَّجَسُّسِ. وَقِيلَ: هُوَ الزِّيَادَةُ فِي الثَّمَنِ بِغَيْرِ رَغْبَةٍ فِي السِّلْعَةِ، بَلْ لِيَخْدَعَ الْمُشْتَرِي بِالتَّرْغِيبِ مِنَ النَّجْشِ رَفْعِ الثَّمَنِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقِيلَ: مِنَ النَّجْشِ مَعْنَى التَّنْفِيرِ أَيْ لَا يُنَفِّرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِأَنْ يُسْمِعَهُ كَلَامًا أَوْ يَعْمَلَ شَيْئًا يَكُونُ سَبَبَ نُفْرَتِهِ (وَلَا تَحَاسَدُوا) أَيْ: لَا يَتَمَنَّى بَعْضُكُمْ زَوَالَ نِعْمَةِ بَعْضٍ سَوَاءٌ أَرَادَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ لَا. قَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء: 32] إِلَى أَنْ قَالَ: " {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] " أَيْ مِثْلَ تِلْكَ النِّعْمَةِ أَوْ أَمْثَلَ مِنْهَا، وَهَذَا الْحَسَدُ الْمَحْمُودُ الْمُسَمَّى بِالْغِبْطَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ " «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» " الْحَدِيثَ. (وَلَا تَبَاغَضُوا) أَيْ: لَا تَخْتَلِفُوا فِي الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ ; لِأَنَّ الْبِدْعَةَ فِي الدِّينِ وَالضَّلَالُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ يُوجِبُ الْبُغْضَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّبَاغُضِ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ بِالتَّحَابُبِ مُطْلَقًا إِلَّا مَا يَخْتَلُّ بِهِ الدِّينُ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ التَّحَابُبُ، وَيَجُوزُ التَّبَاغُضُ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّارِعِ اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْأُمَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحَابُبَ سَبَبُ الِاجْتِمَاعِ وَالتَّبَاغُضُ مُوجِبُ الِافْتِرَاقِ، فَالْمَعْنَى لَا يُبْغِضْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا.
وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: أَيْ لَا تَشْتَغِلُوا بِأَسْبَابِ الْعَدَاوَةِ إِذِ الْعَدَاوَةُ وَالْمَحَبَّةُ مِمَّا لَا اخْتِيَارَ فِيهِ، فَإِنَّ الْبُغْضَ مِنْ نِفَارِ النَّفْسِ عَمَّا مَا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَأَوَّلُهُ الْكَرَاهَةُ، وَأَوْسَطُهُ النُّفْرَةُ، وَآخِرُهُ الْعَدَاوَةُ، كَمَا أَنَّ الْحُبَّ مِنِ انْجِذَابِ النَّفْسِ إِلَى مَا يَرْغَبُ فِيهِ، وَمَبْدَؤُهُ الْمَيْلُ، ثُمَّ الْإِرَادَةُ، ثُمَّ الْمَوَدَّةُ وَهُمَا مِنْ غَرَائِزِ الطَّبْعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: لَا تُوقِعُوا الْعَدَاوَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ نَهْيًا عَنِ النَّمِيمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْسِيسِ الْفَسَادِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِذَا دَعَتْ كَمَا لَوْ أُخْبِرَ أَنَّ إِنْسَانًا يُرِيدُ الْفَتْكَ بِهِ، أَوْ بِأَهْلِهِ أَوْ بِمَالِهِ، فَلَا مَنْعَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا. (وَلَا تَدَابَرُوا) : بِحَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِيهِ، وَفِيمَا قَبْلَهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَيَجُوزُ تَشْدِيدُ التَّاءِ وَصْلًا كَمَا قَرَأَ بِهِ الْبَزِّيُّ رَاوِي ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ نَحْوِ: لَا تَيَمَّمُوا أَيْ: لَا تُقَاطِعُوا، وَلَا تُوَلُّوا ظُهُورَكُمْ عَنْ إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تُعْرِضُوا عَنْهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّبُرِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُتَقَاطِعَيْنِ يُوَلِّي دُبُرَهُ صَاحِبَهُ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْتَابُوا. (وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا) : خَبَرٌ آخَرُ أَوْ بَدَلٌ، أَوْ هُوَ الْخَبَرُ وَعِبَادُ اللَّهِ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِالنِّدَاءِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَوْقَعُ. قُلْتُ: بَلْ وُقُوعُهُ خَبَرًا وَاقِعًا تَحْتَ الْأَمْرِ أَوْجَهُ، لِكَوْنِ هَذَا الْوَجْهِ مُشْعِرًا بِالْعِلْيَةِ مِنْ حَيْثُ الْعُبُودِيَّةِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ ضُبِطَ عِبَادٌ بِالنَّصْبِ وَلِلَّهِ بِاللَّامِ الْأَجَلِّيِّةِ، وَالْمَعْنَى أَنْتُمْ مُسْتَوُونَ فِي كَوْنِكُمْ عُبَيْدَ اللَّهِ وَمِلَّتُكُمْ وَاحِدَةٌ، وَالتَّحَاسُدُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّقَاطُعُ مُنَافِيَةٌ لِحَالِكُمْ، فَالْوَاجِبُ أَنْ تُعَامَلُوا مُعَامَلَةَ الْأُخُوَّةِ وَالْمُعَاشَرَةِ فِي الْمَوَدَّةِ وَالْمُعَاوَنَةِ عَلَى الْبَرِّ وَالنَّصِيحَةِ بِكُلِّ حَسَنَةٍ. قِيلَ: الْأَخُ النَّسَبِيُّ يُجْمَعُ عَلَى الْإِخْوَةِ. قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] وَالْمَجَازِيُّ عَلَى الْأَخَوَانِ قَالَ تَعَالَى: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] لِلْمُبَالَغَةِ وَالْمَفْهُومُ مِنَ الْقَامُوسِ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا تَنَافَسُوا) : ظَاهِرُهُ أَنَّ مَحَلَّهُ بَعْدَ الْكُلِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا عَنْ إِحْدَى صِيَغِ النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ لَا تَحَاسَدُوا وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَلِذَا قَالَ الشُّرَّاحُ: التَّنَافُسُ وَالتَّحَاسُدُ فِي الْمَعْنَى وَاحِدٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ. قُلْتُ: لَكِنَّ التَّنَافُسَ يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْمُنَازَعَةِ، فَالْمَعْنَى لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَازَعُوا فِي الْأُمُورِ الْخَسِيسَةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَنَافُسُكُمْ فِي الْأَشْيَاءِ النَّفْسِيَّةِ الْمَرَضِيَّةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] وَمَا أَنْفَسَ نَفْسُ الشَّاطِبِيِّ حَيْثُ يَذْكُرُ مَضْمُونَ هَذَا الْكَلَامِ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْكَ بِهَا مَا عِشْتَ فِيهَا مُنَافِسًا
…
وَبِعْ نَفْسَكَ الدُّنْيَا بِأَنْفَاسِهَا الْعُلَى.
(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَزَادَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَوْلُهُ: وَلَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَوْ يَتْرُكَ. وَقَالَ: رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ.
5029 -
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ. فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
5029 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُفْتَحُ) بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ مُخَفَّفًا مَجْهُولًا (أَبْوَابُ الْجَنَّةِ) : أَيْ: أَبْوَابُ طَبَقَاتِهَا أَوْ غُرَفِهَا وَدَرَجَاتِهَا. (يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) أَيْ: لِكَثْرَةِ الرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ فِيهِمَا الْبَاعِثَةِ عَلَى الْمَغْفِرَةِ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: مَعْنَى فَتْحِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَثْرَةُ الصَّفْحِ وَالْغُفْرَانِ، وَرَفْعُ الْمَنَازِلِ وَإِعْطَاءُ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنَّ فَتَحَ أَبْوَابَهَا عَلَامَةٌ لِذَلِكَ (فَيُغْفَرُ) أَيْ: فِيهِمَا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ. (لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ) : صِفَةُ عَبْدٍ (شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْإِشْرَاكِ أَوْ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ شَيْئًا مِنْ شِرْكٍ جَلِيٍّ أَوْ خَفِيٍّ، وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ مُؤْمِنٌ كَامِلٌ. (إِلَّا رَجُلٌ) : بِالرَّفْعِ فِي جَمِيعِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ أَيْ: إِلَّا ذَنْبَ رَجُلٍ فَالْمُضَافُ مُقَدَّرٌ، وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ النَّصْبُ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ، وَفِيهِ أَنَّ تَقْدِيرَ الْمُضَافِ لَا يَجُوزُ كَوْنُهُ رَفْعًا نَعَمْ لَوْ رُوِيَ بِالْجَرِّ لَكَانَ وَجْهٌ بِأَنْ حَذَفَ الْمُضَافَ الْمَنْصُوبَ وَأَبْقَى الْمُضَافَ إِلَيْهِ مَجْرُورًا عَلَى حَالِ أَصْلِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ فِيهِ النَّصْبُ لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْكَلَامَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى أَيْ: لَا يَبْقَى ذَنْبُ أَحَدٍ إِلَّا ذَنْبُ رَجُلٍ وَنَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة: 249] أَيْ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمُ اهـ. وَقِرَاءَةُ الرَّفْعِ شَاذَّةٌ وَالْمُتَوَاتِرَةُ بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ: وَجْهُ رَفْعِهِ أَنَّهُ صِفَةٌ لِكُلِّ عَبْدٍ، فَإِنَّ مَحَلَّهُ الرَّفْعُ وَإِلَّا بِمَعْنَى غَيْرِ أَيْ غَيْرُ رَجُلٍ، (كَانَتْ) : وَفِي نُسْخَةٍ كَانَ (بَيْنَهُ) أَيْ: بَيْنَ الرَّجُلِ (وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ شَحْنَاءُ) : فَعْلَاءُ مِنَ الشَّحْنِ أَيْ عَدَاوَةٍ تَمْلَأُ الْقَلْبَ (فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا) بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الظَّاءِ أَيْ: أَمْهِلُوا (هَذَيْنِ) أَيِ: الرَّجُلَيْنِ وَأَخِّرُوا مَغْفِرَتَهُمَا مِنْ ذُنُوبِهِمَا مُطْلَقًا زَجْرًا لَهُمَا، أَوْ مِنْ ذَنْبِ الْهِجْرَانِ فَقَطْ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ (حَتَّى يَصْطَلِحَا) أَيْ: يَتَصَالَحَا، وَيَزُولَ عَنْهُمَا الشَّحْنَاءُ فَلَا يُفِيدُ التَّصَالُحَ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَغْفِرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صَفَائِهِ، وَزَوَالِ عَدَاوَتِهِ سَوَاءٌ صَفَا صَاحِبُهُ أَمْ لَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّمْيِيزِ وَالتَّعْيِينِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُ.
5030 -
وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
5030 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يُعْرَضُ) بِالتَّذْكِيرِ وَيُؤَنَّثُ (أَعْمَالُ النَّاسِ) : يُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُمُ النَّاسُ (فِي كُلِّ جُمُعَةٍ) : بِضَمَّتَيْنِ وَيُسَكَّنُ الثَّانِي أَيْ: أُسْبُوعٍ
(مَرَّتَيْنِ) : أَيْ: عُرْضَتَيْنِ (يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ) : نُصِبَ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنْ مَرَّتَيْنِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الْعَرْضَ مَرَّتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنَ الْيَوْمَيْنِ. قَالَ الْقَاضِي: أَرَادَ بِالْجُمُعَةِ الْأُسْبُوعَ، وَعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَمَا يَتِمُّ لَهُ وَيُوجَدُ عِنْدَهُ، وَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ مَلَكٌ وَكَّلَهُ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صُحُفِ الْأَعْمَالِ وَضَبْطِهَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِمَا سَيَأْتِي لَهُ التَّصْرِيحُ (فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَجَدْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمَصَابِيحِ إِلَّا عَبْدٌ عَلَى الرَّفْعِ، وَهُوَ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ بِالنَّصْبِ وَهُوَ الْأَوْجَهُ، فَإِنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ كَلَامٍ مُوجَبٍ، وَبِهِ وَرَدَتِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ) : أَوْ أَوْقِفُوا أَمْرَ مَغْفِرَتِهِمَا (حَتَّى يَفِيئَا) : مُضَارِعٌ مُثَنَّى مِنْ فَاءَ إِذَا رَجَعَ أَيْ حَتَّى يَرْجِعَا مِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى الْمَحَبَّةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدَ بِلَفْظِ:" «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَيَغْفِرُ اللَّهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مُتَشَاحِنَيْنِ أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ» " وَفِي رِوَايَةِ الْحَكِيمِ، عَنْ وَالِدِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلَفْظُهُ:" «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتُعْرَضُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيَفْرَحُونَ بِحَسَنَاتِهِمْ وَتَزْدَادُ وُجُوهُهُمْ بَيَاضًا وَإِشْرَاقًا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُؤْذُوا مَوْتَاكُمْ» ". وَبِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَظْهَرُ وَجْهُ حِكْمَةِ النَّهْيِ عَنِ الْمُهَاجَرَةِ فَوْقَ ثَلَاثٍ، كَيْلَا يَقَعَ مَحْرُومًا عَنِ الْمَغْفِرَةِ فِي يَوْمَيْ عَرْضِ الْأَعْمَالِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ.
5031 -
وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ - تَعْنِي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا» . وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ:" إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ " فِي " بَابِ الْوَسْوَسَةِ ".
ــ
5031 -
(وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومَ) : بِضَمِّ الْكَافِ وَيُفْتَحُ فَفِي الْمُغْنِي بِضَمِّ كَافٍ وَسُكُونِ لَامٍ وَضَمِّ مُثَلَّثَةٍ. وَفِي الْقَامُوسِ الْكُلْثُومُ كَزُنْبُورِ الْكَثِيرُ لَحْمِ الْخَدَّيْنِ وَأَطْلَقَ الزُّنْبُورَ فِي بَابِهِ فَمُقْتَضَاهُ الْفَتْحُ قَالَ وَأُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَلِذَا مَيَّزَهَا الْمُؤَلِّفُ بِقَوْلِهِ مُبْدَلًا (بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ) : بِالتَّصْغِيرِ أَسْلَمَتْ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَتْ مَاشِيَةً وَبَايَعَتْ وَسَبَقَ بَقِيَّةُ تَرْجَمَتِهَا (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَيْسَ الْكَذَّابُ) أَيْ: ذُو الْكَذِبِ (الَّذِي) : وَفِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ بِالَّذِي (يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ) أَيْ: بِكَذِبِهِ (وَيَقُولُ خَيْرًا) أَيْ: لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَخَاصِمَيْنِ مَا يُفِيدُ النَّصِيحَةَ الْمُقْتَضِيَةَ إِلَى الْخَيْرِ، وَالتَّقْدِيرُ: كَلَامَ خَيْرٍ أَوْ قَوْلَ خَيْرٍ أَيْ حَسَنًا، أَوْ يَقُولُ كَلَامَ خَيْرٍ الَّذِي رُبَّمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَيَدَعُ شَرَّهُ عَنْهُ. (وَيَنْمِي خَيْرًا) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ: وَيُبْلِغُهُ لَهُمَا مَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُمَا مِنَ الْخَيْرِ بِأَنْ يَقُولَ: فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ وَيُحِبُّكَ وَمَا يَقُولُ فِيكَ إِلَّا خَيْرًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقَاضِي: أَيْ يُبَلِّغُ خَيْرَ مَا سَمِعَهُ وَيَدَعُ شَرَّهُ قُلْتُ: فَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ نَفْيِ الْكَذِبِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ فِي مَعْنَى اسْتِثْنَاءِ الْكَذِبِ، وَسَيَأْتِي صَرِيحُ الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ، يُقَالُ: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ مُخَفَّفًا فِي الْإِصْلَاحِ، وَنَمَّيْتُهُ مُثْقَلًا فِي الْإِفْسَادِ، وَكَانَ الْأَوَّلُ مِنَ النَّمَاءِ لِأَنَّهُ رَفْعٌ لِمَا يَبْلُغُهُ، وَالثَّانِي مِنَ النَّمِيمَةِ. قُلْتُ: مُرَادُهُ أَنَّ أَصْلَ الثَّانِي نَمَمْتُهُ بِالْمِيمَيْنِ وَإِبْدَالِ الثَّانِيَةِ، كَمَا فِي: تَقْضِي الْبَازِيَّ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ، فَفِي الْقَامُوسِ ذَكَرَهُمَا فِي مَادَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ: نَمَا يَنْمُو زَادَ كَنَمَى يُنَمِّي وَأَنْمَى وَنَمَّى، وَالْحَدِيثُ ارْتَفَعَ وَنَمَيْتُهُ رَفَعْتُهُ، وَأَنْمَاهُ أَذَاعَهُ عَلَى وَجْهِ النَّمِيمَةِ اهـ.
وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْمُخَفَّفَ وَالْمُثَقَّلَ مِنْهُمَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَإِنَّمَا الْإِنْمَاءُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِفْسَادِ، وَعُبِّرَ عَنْهُ بِالنَّمِيمَةِ لَا مُشْتَقَّ مِنْهَا، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَنْمِي الْمُخَفَّفُ فِي الْحَدِيثِ مُتَعَيِّنٌ لِمَعْنَى الْإِصْلَاحَ فَقَوْلُهُ خَيْرًا لِإِفَادَةِ التَّأْكِيدِ، أَوْ عَلَى قَاعِدَةِ التَّجْرِيدِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ، فَيَحْتَاجُ إِلَى التَّقْيِيدِ، وَهُوَ الْأَصْهَرُ فَتَدَبَّرْ، ثُمَّ قَالَ: وَإِنَّمَا نُفِيَ عَنِ الْمُصْلِحِ كَوْنُهُ كَذَّابًا بِاعْتِبَارِ قَصْدِهِ دُونَ قَوْلِهِ قُلْتُ الْقَصْدُ صَحِيحٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ دُونَ قَوْلِهِ فَمُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ الْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ. وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ الْمَرَامِ نَقْلًا عَنِ الْعُلَمَاءِ الْكِرَامِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: فَيَنْمِي خَيْرًا. رَوَاهُ
أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهَا وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْهَا بِلَفْظِ:«لَمْ يَكْذِبْ مَنْ يَنِمُّ بَيْنَ اثْنَيْنِ لِيُصْلِحَ» . (وَزَادَ مُسْلِمٌ) : أَيْ عَلَى الْبُخَارِيِّ فِي الْمُرَخَّصِ لِلْكَذِبِ حَيْثُ (قَالَتْ) : أَيِ الرَّاوِيَةُ (وَلَمْ أَسْمَعْهُ) : لَعَلَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ عَلَى كَلَامٍ سَبَقَ لَهَا غَيْرَ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ، وَإِلَّا فَيَلْزَمُ التَّكْرَارُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَضَمِيرُ الْمَفْعُولِ رَاجِعٌ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، وَلِذَا قَالَ الرَّاوِي عَنْهَا (تَعْنِي) أَيْ: تُرِيدُ بِضَمِيرِ اسْمِهِ. (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ) : قَالَ مِيرَكُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي الْبُخَارِيِّ أَيْضًا لَكِنْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ (مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ) : بِالرَّفْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ، وَفِي أُخْرَى بِالْجَرِّ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ وَيَجُوزُ الْكَسْرُ وَالسُّكُونُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: كَذِبٌ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَقُولٌ لِلْقَوْلِ، وَمِمَّا يَقُولُ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي شَيْءٍ أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِ النَّاسِ هُوَ كَذِبٌ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَمِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى لَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي أَيْ فِي حَقِّهِ كَذِبٌ (إِلَّا فِي ثَلَاثٍ) : أَيْ كِذْبَاتٍ اسْتِثْنَاءٍ مِنْ شَيْءٍ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ. قَالَ: وَإِنْ رُوِيَ مَنْصُوبًا كَانَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا أَيْ قَوْلًا كَذِبًا أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَالًا مِنْ مَفْعُولِ يَقُولُ الْمُقَدَّرِ الْعَائِدِ إِلَى الْمَوْصُولِ. قَالَ: وَإِنْ رُوِيَ مَجْرُورًا كَانَ صِفَةً أُخْرَى لِشَيْءٍ. أَقُولُ: الْأَظْهَرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنَ الْمَوْصُولِ. (الْحَرْبِ) ، بِالْجَرِّ بَدَلٌ مِنْ ثَلَاثٍ وَسَبَقَ تَحْقِيقُهُ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرِ أَحَدِهَا أَوْ أَوَّلِهَا أَوْ مِنْهَا، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ بِأَعْنِي وَالرِّوَايَةُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ هِيَ الْأُولَى فَهِيَ الْأَوْلَى، قِيلَ: الْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ كَأَنَّ يَقُولَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ كَثْرَةٌ وَجَاءَهُمْ مَدَدٌ كَثِيرٌ، أَوْ يَقُولُ: انْظُرْ إِلَى خَلْفِكَ، فَإِنَّ فُلَانًا قَدْ أَتَاكَ مِنْ وَرَائِكَ فَيَضْرِبُكَ ذَكَرُهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ)، أَيْ ثَانِيَتُهَا وَثَالِثُهَا مَجْمُوعُ قَوْلِهِ:(وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا) . أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرِ الْمُعَاشَرَةِ وَحُصُولِ الْأُلْفَةِ بَيْنَهُمَا قَالُوا: وَالْأَخِيرَةُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَمَا قَبْلَهَا مَعَ مَا عُطِفَ عَلَيْهِ عَطْفٌ عَلَى السَّابِقِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ، كَأَنْ يَقُولَ: لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَمِثْلُهُ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا وَهُمَا فِي قُوَّةِ حَدِيثِ الزَّوْجَيْنِ لِيَكُونَ الثَّالِثَ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أُمُورٌ قَدْ يَضْطَرُّ الْإِنْسَانُ فِيهَا إِلَى زِيَادَةِ الْقَوْلِ وَمُجَاوَزَةِ الصِّدْقِ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَقَدْ رَخَّصَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فِي الْيَسِيرِ مِنَ الْإِفْسَادِ لِمَا يُؤْمَلُ فِيهِ الْكَثِيرُ مِنَ الْإِصْلَاحِ، فَالْكَذِبُ فِي الْإِصْلَاحِ بَيْنَ اثْنَيْنِ هُوَ أَنْ يَنْمِيَ مِنْ أَحَدِهِمَا إِلَى صَاحِبِهِ خَيْرًا وَيُبْلِغُهُ جَمِيلًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ مِنْهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ أَنْ يُظْهِرَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً وَيَتَحَدَّثَ بِمَا يُقَوِّي بِهِ أَصْحَابَهُ وَيَكِيدَ بِهِ عَدُوَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:" «الْحَرْبُ خُدْعَةٌ» "، وَأَمَّا كَذِبُ الرَّجُلِ زَوْجَتَهُ هُوَ أَنْ يَعِدَهَا وَيُمَنِّيَهَا وَيُظْهِرَ لَهَا مِنَ الْمَحَبَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا فِي نَفْسِهِ يَسْتَدِيمَ بِذَلِكَ صُحْبَتَهَا وَيَصْلُحَ بِهِ خُلُقُهَا. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَذَرَ إِلَى رَجُلٍ بِحَرْفِ الْكَلَامِ وَلَحْنِهِ لِيُرْضِيَهُ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ كَاذِبًا، وَقَوْلُهُ: وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي مَعْنَى حَدِيثِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ لِيَسْتَقِيمَ مَعًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ) أَيْ: مِنْ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ (فِي بَابِ الْوَسْوَسَةِ) . أَيْ لِكَوْنِهِ أَنْسَبَ بِهِ فِي حَاصِلِ الْمَعْنَى، لَاسِيَّمَا صَدْرُ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ التَّحْرِيشُ مُفَسَّرًا بِالْمَعَاصِي الَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا مَا عُنْوِنَ بِهَذَا الْبَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
5032 -
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: كَذِبُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
5032 -
(عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ» ) أَيْ: ثَلَاثِ كَذِبَاتٍ (كَذِبِ الرَّجُلِ) : بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَيَجُوزُ وَجْهَانِ آخَرَانِ بِاعْتِبَارِ قَوَاعِدِ الْعَرَبِيَّةِ (امْرَأَتَهُ) أَيْ: لَهَا (لِيُرْضِيَهَا) أَيْ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ أَوِ الْمُعَاشَرَةِ وَحَذْفُ قَرِينَتِهِ لِلِاكْتِفَاءِ أَوْ لِلْمُقَايَسَةِ أَوْ وَقَعَ اخْتِصَارٌ مِنَ الرَّاوِي (وَالْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ) أَيْ: مَعَ الْكَفَرَةِ (وَالْكَذِبِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ) أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْمُخَاصَمَةِ الْمَالِيَّةِ وَغَيْرِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ) .
5033 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَا يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثٍ ; فَإِذَا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5033 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا يَكُونُ) أَيْ: لَا يَنْبَغِي وَلَا يَصِحُّ أَوْ لَا يُوجَدُ مُبَالَغَةٌ فِي النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ أَوْ لَا يَكُونُ حَلَالًا (لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ) أَيْ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (فَإِذَا لَقِيَهُ) أَيِ: الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ (سَلَّمَ عَلَيْهِ) : حَالٌ مِنْ فَاعِلٍ لَقِيَهُ أَوْ بَدَلٌ مِنْ لَقِيَهُ، وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي خِرَاشٍ فَلَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ (ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) أَيْ: إِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، أَوْ ثَلَاثِ دُفْعَاتٍ مِنَ الْمُلَاقَاةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ. (كُلُّ ذَلِكَ) : بِالرَّفْعِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ) : وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ لَا يَرُدُّ فِيهَا أَيْ فِي الْمَرَّاتِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفٌ لَا يَرُدُّ (فَقَدْ بَاءَ بِإِثْمِهِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ جَوَابُ إِذَا أَيْ إِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ غَيْرَ مَرْدُودٍ فِيهَا جَوَابُهُ فَقَدْ رَجَعَ بِإِثْمِهِ، وَالضَّمِيرُ فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلثَّانِي أَيْ لِمَنْ لَمْ يَرُدَّ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُسْلِمَ خَرَجَ مِنْ إِثْمِ الْهِجْرَانِ وَبَقِيَ الْإِثْمُ عَلَى الَّذِي لَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ، أَيْ فَهُوَ قَدْ بَاءَ بِإِثْمِ هِجْرَانِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ ضَمَّ إِثْمَ هِجْرَانِ الْمُسْلِمِ إِلَى إِثْمِ هِجْرَانِهِ، وَبَاءَ بِهِمَا لِأَنَّ التَّهَاجُرَ يُعَدُّ مِنْهُ وَبِسَبَبِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
5034 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمِنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
5034 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» ) أَيْ: ثَلَاثِ لَيَالٍ فَفِيهِ تَفَنُّنٌ، وَيَتَحَصَّلُ مِنْ مَجْمُوعِهِمَا أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامِ وَلَيَالِيهَا، كَمَا فِي قَضِيَّةِ زَكَرِيَّا عليه الصلاة والسلام، (فَمِنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ) : ظَاهِرُهُ وَلَوْ سَاعَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِمَا فَوْقَ الثَّلَاثِ الْأَرْبَعَ، لِأَنَّهُ بِهِ يَتِمُّ زِيَادَةُ عَدَدِ الْمَعْدُودِ فَتَأَمَّلْ. (فَمَاتَ) أَيْ: عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ (دَخَلَ النَّارَ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَيِ اسْتَوْجَبَ دُخُولَ النَّارِ، فَالْوَاقِعُ فِي الْإِثْمِ كَالْوَاقِعِ فِي الْعُقُوبَةِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
5035 -
وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5035 -
(وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَاسْمُهُ حَدْرَدَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَفَتَحِ الرَّاءِ صَحَابِيٌّ أَسْلَمِيٌّ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فَقَوْلُهُ:(السُّلَمِيُّ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مِنْ خَطَأِ
الْكُتَّابِ، وَقَدْ قَالَ مِيرَكُ: صَوَابُهُ الْأَسْلَمِيُّ. قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: أَبُو خِرَاشٍ حَدْرَدُ بْنُ أَبِي حَدْرَدَ الْأَسْلَمِيُّ. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْكُنَى: أَبُو خِرَاشٍ الْأَسْلَمِيُّ اسْمُهُ حَدْرَدُ بْنُ أَبِي حَدْرَدَ. وَقَالَ فِي الْأَسْمَاءِ: حَدْرَدُ بْنُ حَدْرَدَ الْأَسْلَمِيُّ، صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ. (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ) أَيْ: هَجَرَهُ سَنَةً (كَسَفْكِ دَمِهِ) السَّفْكُ الْإِرَاقَةُ وَالصَّبُّ يَعْنِي مُهَاجَرَةُ الْأَخِ الْمُسْلِمِ سَنَةً تُوجِبُ الْعُقُوبَةَ، كَمَا أَنَّ سَفْكَ دَمِهِ يُوجِبُهَا فَهِيَ شَبِيهَةٌ بِالسَّفْكِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُ الْعُقُوبَةِ بِسَبَبِهَا لِأَنَّهَا مِثْلُهُ فِي الْعُقُوبَةِ لِأَنَّ الْقَتْلَ كَبِيرَةٌ عَظِيمَةٌ لَا يَكُونُ بَعْدَ الشِّرْكِ أَعْظَمُ مِنْهُ، فَشُبِّهَ الْهِجْرَانُ بِهِ تَأْكِيدًا فِي الْمَنْعِ عَنْهُ وَفِي الْمُشَابَهَةِ تَكْفِي الْمُسَاوَاةُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّشْبِيهُ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا يُقَالُ: زِيدٌ كَالْأَسَدِ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْأَسَدِ فِي الْجَرَاءَةِ وَأَنَّهُ نَظِيرُهُ فِيهَا، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ أَنَّهُ دُونَهُ كَذَلِكَ هَهُنَا، لِأَنَّ قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم:" «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ» " دَلَّ عَلَى أَنَّ التَّهَاجُرَ فَوْقَ الثَّلَاثِ حَرَامٌ، وَرَاكِبُهُ رَاكِبُ الْإِثْمِ، فَإِذَا امْتَدَّ إِلَى مُدَّةٍ يَهْجُرُ فِيهَا الْغَائِبُ وَالْمُسَافِرُ عَنْ أَهْلِهِ غَالِبًا بَلَغَ التَّهَاجُرُ وَالتَّقَاطُعُ إِلى الْغَايَةِ، فَيَبْلُغُ إِثْمُهُ أَيْضًا إِلَى الْغَايَةِ، وَهَذَا مَعْنَى تَخْصِيصِ ذِكْرِهِ السَّنَةَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَخْصِيصُ السَّنَةِ بِالْكَرِّ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ، فَإِذَا لَمْ يَعْتَدِلْ مِزَاجُهُ بِمُرُورِ السَّنَةِ عَلَيْهِ فَلَا يُرْجَى رُجُوعُهُ، وَنَظِيرُهُ مَسْأَلَةُ الْعِنِّينِ الْمَنْقُولَةُ فِي الْفُرُوعِ الْمَعْلُومَةِ بِمَا قُلْنَا فِي الْأُصُولِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ مِيرَكُ: وَسَكَتَ عَنْهُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ.
5036 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عليه السلام فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنَ الْهِجْرَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5036 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلَاثٌ فَلْيُلْقِهِ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عليه السلام فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الْأَجْرِ» ) أَيْ: فِي أَجْرِ السَّلَامِ، أَوْ فِي أَجْرِ تَرْكِ الْهَجْرِ أَوْ فِيهِمَا (وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ) أَيِ: السَّلَامَ (فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ) أَيْ: رَجَعَ بِإِثْمِ الْهِجْرَانِ، وَكَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ بِإِثْمِ الْهَجْرِ وَبِإِثْمِ تَرْكِ السَّلَامِ، فَاللَّامُ لِلْجِنْسِ أَوْ عِوَضٌ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ، أَيْ: بِإِثْمِ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: بَاءَ بِإِثْمِ تَرْكِ السَّلَامِ زِيَادَةً عَلَى إِثْمِ الْهِجْرَانِ الْمُسْتَمِرِّ الَّذِي يُقَارِبُ سَفْكَ الدَّمِ، (وَخَرَجَ الْمُسَلِّمُ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ (مِنَ الْهِجْرَةِ) أَيْ مِنْ إِثْمِ الْهِجْرَانِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) أَيْ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ مَوْلَى بَنِي كَعْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَحْمَدُ فِي هِلَالٍ: لَا أَعْرِفُهُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِالْمَشْهُورِ وَوَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
5037 -
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: " إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ".
ــ
5037 -
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ) أَيْ: بِعَمَلٍ أَفْضَلَ دَرَجَةٍ وَأَكْثَرَ مَثُوبَةٍ. (مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ) أَيْ: نَفْلًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: (وَالصَّدَقَةِ) : فَإِنَّهَا لِلْمَنْدُوبَةِ غَالِبًا (وَالصَّلَاةِ) . لَعَلَّ تَأْخِيرَهَا لِلتَّرَقِّي، وَظَاهِرُ الْوَاوِ أَنَّهُ لِلْجَمْعِ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِ مَجْمُوعِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى " أَوْ " فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلٍّ مِنْهَا، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ فِي مَقَامِ التَّرْغِيبِ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْأَشْرَافُ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ النَّوَافِلَ دُونَ الْفَرَائِضِ. قُلْتُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ إِذْ قَدْ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ الْإِصْلَاحُ فِي فَسَادٍ يُتَضَرَّعُ عَلَيْهِ سَفْكُ الدِّمَاءِ، وَنَهْبُ الْأَمْوَالِ، وَهَتْكُ الْحُرُمِ أَفْضَلُ مِنْ فَرَائِضَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْقَاصِرَةِ مَعَ إِمْكَانِ قَضَائِهَا عَلَى فَرْضِ تَرْكِهَا فَهِيَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ أَهْوَنُ عِنْدَهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْجِنْسُ مِنَ الْعَمَلِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، لِكَوْنِ بَعْضِ أَفْرَادِهِ أَفْضَلَ كَالْبَشَرِ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَكِ وَالرَّجُلِ خَيْرٌ مِنَ الْمَرْأَةِ. (قَالَ) أَيْ: أَبُو الدَّرْدَاءِ (قُلْنَا: بَلَى) أَيْ أَخْبِرْنَا وَفِي نُسْخَةٍ زِيَادَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (قَالَ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ) ،
أَيْ: هُوَ هَذَا قِيلَ يُرِيدُ بِذَاتِ الْخَصْلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الْقَوْمِ مِنْ قَرَابَةٍ وَمَوَدَّةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِذَاتِ الْبَيْنِ الْمُخَاصَمَةُ وَالْمُهَاجَرَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بَيْنَهُمَا بَيْنٌ أَيْ: فِرْقَةٌ، وَالْبَيْنُ: مِنَ الْأَضْدَادِ الْوَصْلُ وَالْفَرْقُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَيْ أَحْوَالِ بَيْنِكُمْ، يَعْنِي مَا بَيْنَكُمْ مِنَ الْأَحْوَالِ أُلْفَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَاتِّفَاقٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 154] وَهِيَ مُضْمَرَاتِهَا. وَلَمَّا كَانَتِ الْأَحْوَالُ مُلَابَسَةً لِلْبَيْنِ قِيلَ لَهَا: ذَاتُ الْبَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: اسْقِنِي ذَا إِنَائِكَ يُرِيدُونَ مَا فِي الْإِنَاءِ مِنَ الشَّرَابِ، كَذَا فِي الْكَشَّافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] اهـ.
وَلَمَّا كَانَ الْكَلَامُ السَّابِقُ فِي قُوَّةِ صَلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْخَصْلَةُ الصَّادِقَةُ قَالَ: (وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ) أَيِ: الْمَاحِيَةُ وَالْمُزِيلَةُ لِلْمَثُوبَاتِ وَالْخَيْرَاتِ، وَالْمَعْنَى يَمْنَعُهُ شُؤْمُ هَذَا الْفِعْلِ عَنْ تَحْصِيلِ الطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، وَقِيلَ: الْمُهْلِكَةُ مِنْ حَلَقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَيْ: قَتْلٌ مَأْخُوذٌ مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ، وَفِي النِّهَايَةِ هِيَ الْخَصْلَةُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَحْلِقَ أَيْ: تَهْلِكَ، وَتَسْتَأْصِلَ الدِّينَ كَمَا يَسْتَأْصِلُ الْمُوسُ الشَّعْرَ، وَقِيلَ: هِيَ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ وَالتَّظَالُمُ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ حَثٌّ وَتَرْغِيبٌ فِي إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَاجْتِنَابٍ عَنِ الْإِفْسَادِ فِيهَا ; لِأَنَّ الْإِصْلَاحَ سَبَبٌ لِلِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَعَدَمِ التَّفَرُّقِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ ثَلْمَةٌ فِي الدِّينِ، فَمَنْ تَعَاطَى إِصْلَاحَهَا وَرَفَعَ فَسَادَهَا نَالَ دَرَجَةً فَوْقَ مَا يَنَالُهُ الصَّائِمُ الْقَائِمُ الْمُشْتَغِلُ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِهِ، فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَالْحَالِقَةُ عَلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَمْرُ الدِّينِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ. (وَقَالَ) : أَيِ التِّرْمِذِيُّ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) . قَالَ وَيُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» " اهـ.
وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا، مَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الْمُنْذِرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا عُمِلَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ» ". رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ» ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ وَفِي سَنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ، وَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَا أَبَا أَيُّوبَ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يُحِبُّ اللَّهُ مَوْضِعَهَا؟ " قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي. قَالَ: " تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ; فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ يُحِبُّ اللَّهُ مَوْضِعَهَا» ". رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا: " «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى صَدَقَةٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ تُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا تَغَاضَبُوا وَتَفَاسَدُوا» ". وَفِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ، وَالْبَزَّارِ:" «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى عَمَلٍ يَرْضَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ " قَالَ: " مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ أَصْلَحَ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَأَعْطَاهُ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَرَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ". رَوَاهُ الْأَصْبَهَانِيُّ. وَهُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
5038 -
وَعَنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.
ــ
5038 -
(وَعَنِ الزُّبَيْرِ) أَيِ: ابْنِ الْعَوَّامِ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: دَبَّ) : بِفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ: نَقَلَ وَسَرَى وَمَشِيَ بِخِفْيَةٍ (إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ) أَيْ: فِي الْبَاطِنِ (وَالْبَغْضَاءُ) أَيِ: الْعَدَاوَةُ فِي الظَّاهِرِ، وَرَفَعَهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَيَانٌ لِلدَّاءِ أَوْ بَدَلٌ، وَسُمِّيَا دَاءً لِأَنَّهُمَا دَاءُ الْقَلْبِ (هِيَ) أَيِ: الْبَغْضَاءُ وَهُوَ أَقْرَبُ مَبْنًى وَمَعْنًى، أَوْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (الْحَالِقَةُ) أَيِ: الْقَاطِعَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ وَالصِّلَةِ وَالدَّمْعِيَّةِ وَالْخَصْلَةُ الْأُولَى هِيَ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الثَّانِيَةِ، وَلِذَا قُدِّمَتْ (لَا أَقُولُ: تَحْلِقُ الشَّعْرَ) أَيْ: تَقْطَعُ ظَاهِرَ الْبَدَنِ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ سَهْلٌ (وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ) . وَضَرَرُهُ عَظِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيِ الْبَغْضَاءُ تَذْهَبُ بِالدِّينِ كَالْمُوسى تَذْهَبُ بِالشَّعْرِ وَضَمِيرُ الْمُؤَنَّثِ رَاجِعٌ إِلَى الْبَغْضَاءِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا} [التوبة: 34]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] أَيْ: فِي بَعْضِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. قَالَ: وَلِأَنَّ الْبَغْضَاءَ أَكْثَرُ تَأْثِيرًا فِي ثُلْمَةِ الدِّينِ وَإِنْ كَانَتْ نَتِيجَةَ الْحَسَدِ أَيْ: فِي بَعْضِ أَفْرَادِهَا. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ جَيِّدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا نَقَلَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَلَفْظُهُ: " «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» ".
5039 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ ; فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5039 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ) أَيْ: فِي مَالٍ أَوْ جَاهٍ دُنْيَوِيٍّ، فَإِنَّهُ مَذْمُومٌ بِخِلَافِ الْغِبْطَةِ فِي الْأَمْرِ الْأُخْرَوِيِّ (فَإِنَّ الْحَسَدَ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا يَنْتِجُ فِي حَقِّ الْمَحْسُودِ مِنِ ارْتِكَابِ السَّيِّئَاتِ (يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ) : أَيْ يُفْنِي وَيُذْهِبُ طَاعَاتِ الْحَاسِدِ (كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ) . لِأَنَّ الْحَسَدَ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى اغْتِيَابِ الْمَحْسُودِ وَنَحْوِهِ، فَيُذْهِبُ حَسَنَاتِهِ فِي عِرْضِ ذَلِكَ الْمَحْسُودِ، فَيَزِيدُ الْمَحْسُودُ نِعْمَةً عَلَى نِعْمَةٍ، وَالْحَاسِدُ حَسْرَةً عَلَى حَسْرَةٍ، فَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى:{خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ} [الحج: 11] . قَالَ الْقَاضِي: تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ يَرَى إِحْبَاطَ الطَّاعَاتِ بِالْمَعَاصِي كَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَدَ يُذْهِبُ حَسَنَاتِ الْحَاسِدِ وَيُتْلِفُهُ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ بِالْمَحْسُودِ مِنْ إِتْلَافِ مَالٍ وَهَتْكِ عِرْضٍ وَقَصْدِ نَفْسِ مَا يَقْتَضِي صَرْفَ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ بِأَسْرِهَا فِي عِرْضِهِ، كَمَا رُوِيَ فِي صِحَاحِ بَابِ الظُّلْمِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، وَصِيَامٍ وَقِيَامٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» ". لِإِحْبَاطِ الطَّاعَاتِ بِالْمَعَاصِي، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ يَبْقَى لِهَذَا الْآتِي الْمُتَعَاطِي لِتِلْكَ الْكَبَائِرِ حَسَنَةٌ يَقْضِي بِهَا حَقَّ خَصْمِهِ اهـ. كَلَامَهُ.
وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا ذَكَرَهُ التُّورِبِشْتِيُّ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ لَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنِ التَّضْعِيفَ فِي الْحَسَنَاتِ يُوجَدُ عَلَى حَسَبِ اسْتِعْدَادِ الْعَبْدِ وَصَلَاحِهِ فِي دِينِهِ، فَمَهْمَا كَانَ مُرْتَكِبًا لِلْخَطَايَا نَقَصَ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّضْعِيفِ مَا يُوَازِي انْحِطَاطِهِ فِي الْمَرْتَبَةِ بِمَا اجْتَرَحَهُ مِنَ الْخَطَايَا، مِثْلَ أَنْ يُقَدِّرَ أَنَّ ذَا رَهَقٍ عَمِلَ حَسَنَةً، فَأُثِيبَ عَلَيْهَا عَشْرًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ رَهَقُهُ لَأُثِيبَ أَضْعَافَ ذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي نَقَصَ مِنَ التَّضْعِيفِ بِسَبَبِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الذَّنْبِ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْإِحْبَاطِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ مَا خُلَاصَتُهُ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ لَا تُقْبَلُ بِوَاسِطَةِ الْحَسَدِ، لِأَنَّهَا تُحْبَطُ بِهِ، قُلْتُ: الْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي نَفْيِ الْقَبُولِ مَحْمُولَةٌ عَلَى نَفْيِ الْكَمَالِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَوْلُهُ: إِنَّ تِلْكَ الْحَسَنَاتِ الصَّادِرَةَ عِنْدَهُ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ فِي دِيوَانِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ حَتَّى تُحْبَطَ، كَمَنْ صَلَّى فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الشَّرِيعَةِ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِيهَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً فِي دِيوَانِ الْأَعْمَالِ، بَلْ أَظُنُّ أَنَّهُ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، هَذَا وَظَاهِرُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُ يَذْهَبُ بِالشَّيْءِ الْمَوْجُودِ لَا الْمَعْدُومِ وَلَا الْمَفْقُودِ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ مَرْفُوعًا عَلَى مَا رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ:" «الْحَسَدُ يُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ» ". فَهَذَا الْحَدِيثُ صَرَّحَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا مِنْ أَنَّهُ يُفْسِدُ وَيُبْطِلُ كَمَالَ الْإِيمَانِ وَسَائِرَ الْحَسَنَاتِ، لَا أَنَّهُ يُذْهِبُهَا بِالْمَرَّةِ وَيُفْنِيهَا، فَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ يَتِمُّ بِتَقْدِيرِ الْمُضَافِ، وَكَذَا يُوَافِقُهُ التَّشْبِيهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّارَ تَأْخُذُ نُورَ الْحَطَبِ وَتُخَلِّي أَصْلَهُ الَّذِي هُوَ الرَّمَادُ، فَلَا يُعَارِضُ الْحَدِيثَ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: 114] وَقَدْ سَنَحَ بِالْبَالِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ، أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ حَسَنَاتِ الْمَحْسُودِ إِلَى صَاحِبِ الْحَسَدِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا تُغَيِّرُهُ وَلَا يُوجَدُ لَهَا قَدْرٌ عِنْدَهُ، كَمَا تَأْكُلُ
النَّارُ الْحَطَبَ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْحَاسِدِ غَيْرُ نَافِعٍ، وَأَنَّ التَّقَرُّبَ بِالتَّرَدُّدِ إِلَيْهِ ضَائِعٌ، وَأَنَّ الْحَاسِدَ أَقْوَى مِنْ كُلِّ عَدَاوَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] وَأَنْشَدَ:
كُلُّ الْعَدَاوَةِ قَدْ يُرْجَى إِزَالَتُهَا
…
إِلَّا عَدَاوَةَ مَنْ عَدَاكَ مِنْ حَسَدِ
(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . أَيْ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أُسَيْدٍ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَدُّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يُسَمَّ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ إِبْرَاهِيمَ هَذَا فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ، وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ: لَا يَصِحُّ. كَذَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ، وَقَالَ مِيرَكُ: لَكِنْ لَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: " «الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ.
5040 -
وَعَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ ; فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
5041 -
وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
5041 -
(وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ) : بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَالِكُ بْنُ قَيْسٍ الْمَازِنِيُّ، شَهِدَ بَدْرًا وَمَا بَعْدَهَا مِنَ الْمَشَاهِدِ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ ضَارَّ) أَيْ مُؤْمِنًا كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِأَنْ أَوْصَلَ إِلَيْهِ الضَّرَرَ ابْتِدَاءً (ضَارَّ اللَّهُ بِهِ) أَيْ: جَازَاهُ بِعَمَلِهِ وَعَامَلَهُ مُعَامَلَتَهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ. (وَمَنْ شَاقَّ) أَيْ: خَالَفَهُ وَعَادَاهُ (شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَاقَبَهُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 13] وَفِي وَضْعِ الْمُؤْمِنِ مَوْضِعَ ذَاتِهِ اعْتِنَاءً بِعُلُوِّ دَرَجَاتِهِ كَمَا قَالَ عز وجل فِي آيَةٍ أُخْرَى: " {وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 13] " وَفِي أُخْرَى: " {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: 115] " وَالْمُشَاقَّةُ بَيْنَ الْمُتَنَازِعَيْنِ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَأْخُذُ بِشِقٍّ دُونَ شِقِّ الْآخَرِ، أَوْ يَبْعُدُ عَنْهُ فِي شِقٍّ، أَوْ يُرِيدُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَشَقَّةَ الْآخَرِ، فَهُوَ إِمَّا مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7] أَوْ مِنَ الشِّقِّ بِمَعْنَى نِصْفِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ مَا وَرَدَ:" «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» " فَكَأَنَّ الْمُتَنَازِعَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ صَارَا نِصْفَيْنِ، أَوْ مِنَ الشَّقِّ بِالْفَتْحِ الْفَصْلُ فِي الشَّيْءِ، وَهُوَ الْفَرْقُ قِيلَ: إِنَّ الضَّرَرَ وَالْمَشَقَّةَ مُتَقَارِبَانِ لَكِنَّ الضَّرَرَ يُسْتَعْمَلُ فِي إِتْلَافِ الْمَالِ وَالْمَشَقَّةَ فِي إِيصَالِ الْأَذِيَّةِ إِلَى الْبَدَنِ كَتَكْلِيفِ عَمَلٍ شَاقٍّ اهـ.
وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الضَّرَرَ يَشْمَلُ الْبَدَنِيَّ وَالْمَالِيَّ وَالدُّنْيَوِيَّ وَالْأُخْرَوِيَّ، وَأَمَّا الْمَشَقَّةُ فَهِيَ الْمُخَالَفَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُحَارَبَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ هَذَا، وَفِي جَامِعِ الْأُصُولِ: الْمُضَارَّةُ الْمَضَرَّةُ وَالْمَشَقَّةُ النِّزَاعُ، فَمَنْ أَضَرَّ غَيْرَهُ تَعَدِّيًا أَوْ شَاقَّهُ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ فَإِنَّ اللَّهَ يُجَازِيهِ عَلَى فِعْلِهِ بِمِثْلِهِ اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ وَمَا قُدْنَاهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّأْسِيسَ وَالتَّقْيِيدَ، وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْمَشَقَّةِ أَيْضًا بِأَنْ كَلَّفَ صَاحِبَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ فَيَقَعُ فِي التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، فَدَاخِلٌ أَيْضًا فِي الْمَضَرَّةِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . وَفِي الصَّحِيحِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: " «مَنْ ضَارَّ ضَرَّ اللَّهُ بِهِ وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ عَنْ أَبِي صِرْمَةَ.
5042 -
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
5042 -
(وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " مَلْعُونٌ) أَيْ: مَبْعُودٌ عَنِ الْخَيْرِ (مِنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا) أَيْ: ضَرَرًا ظَاهِرًا (أَوْ مَكَرَ بِهِ) أَيْ: بِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَيْهِ خُفْيَةً (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) . قَالَ صَاحِبُ التَّصْحِيحِ وَفِي سَنَدِهِ أَبُو سَلَمَةَ الْكَنَدِيُّ لَا يُعْرَفُ عَنْ فَرْقَدِ السِّنْجِيِّ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَضَعَّفَهُ غَيْرُهُ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
5043 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: " يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ! لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ; فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
5043 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ) أَيْ: عَالٍ (فَقَالَ) : بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَنَادَى (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ) : يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ (وَلَمْ يُفْضِ) : مِنَ الْإِفْضَاءِ أَيْ لَمْ يَصِلِ (الْإِيمَانُ) أَيْ: أَصْلُهُ وَكَمَالُهُ (إِلَى قَلْبِهِ) فَيَشْمَلُ الْفَاسِقَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلَا أُخُوَّةَ بَيْنَ الْمُنَافِقِ وَالْمُسْلِمِ، فَمَا اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ حَصْرِ حُكْمِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمُنَافِقِ خِلَافَ الظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ، وَالْحُكْمُ بِالْأَعَمِّ هُوَ الْوَجْهُ الْأَتَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ) أَيِ: الْكَامِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِلِسَانِهِمْ وَآمَنُوا بِقُلُوبِهِمْ (وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ) مِنَ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ، سَوَاءٌ عَلَى تَوْبَتِهِمْ مِنْهُ أَمْ لَا. وَأَمَّا التَّعْيِيرُ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ بُعَيْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّوْبَةِ، فَوَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ، فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ. (وَلَا تَتَّبِعُوا) : مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ أَيْ لَا تَجَسَّسُوا (عَوْرَاتِهِمْ) فِيمَا تَجْهَلُونَهَا وَلَا تَكْشِفُوهَا فَمَا تَعْرِفُونَهَا (فَإِنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنُ (مَنْ يَتَّبِعْ) : بِتَشْدِيدِ التَّاءِ مَجْزُومًا، وَقِيلَ مَرْفُوعًا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَقْرُوءَةِ عَلَى الْمَشَايِخِ ضُبِطَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ هُنَا، وَفِيمَا بَعْدُ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَيْ مَنْ يَطْلُبُ (عَوْرَةَ أَخِيهِ) أَيْ: ظُهُورَ عَيْبِ أَخِيهِ (الْمُسْلِمِ) أَيِ: الْكَامِلِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالتَّحْذِيرُ عَنْهُ (يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ) ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ أَيْ: يَكْشِفُ عُيُوبَهُ، وَمِنْ أَقْبَحِهَا مَنْ تَتَّبَعَ عَوْرَةَ الْأَخِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا فِي الْآخِرَةِ (وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ) : مِنْ فَضَحَ كَمَنَعَ أَيْ يَكْشِفُ مَسَاوِيَهُ (وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) أَيْ لَوْ كَانَ فِي وَسَطِ مَنْزِلِهِ مَخْفِيًّا مِنَ النَّاسِ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]
قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّجَسُّسُ وَالتَّتَبُّعُ ثَمَرَةُ سُوءِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، وَالْقَلْبُ لَا يَقْنَعُ بِالظَّنِّ وَيَطْلُبُ التَّحْقِيقَ فَيُؤَدِّي إِلَى هَتْكِ السِّتْرِ وَحَدُّ الِاسْتِتَارِ أَنْ يُغْلَقَ بَابُ دَارِهِ وَيَسْتَتِرَ بِحِيطَانِهِ، فَلَا يَجُوزُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ عَلَى دَارِهِ لِيَسْمَعَ صَوْتَ الْأَوْتَارِ، وَلَا الدُّخُولُ عَلَيْهِ لِرُؤْيَةِ الْمَعْصِيَةِ إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ بِحَيْثُ يَعْرِفُهُ مَنْ هُوَ خَارِجُ الدَّارِ كَأَصْوَاتِ الْمَزَامِيرِ وَالسَّكَارَى بِالْكَلِمَاتِ الْمَأْلُوفَةِ بَيْنَهُمْ، وَكَذَلِكَ إِذَا اشْتَرَوْا أَوَانِيَ الْخَمْرِ وَظُرُوفَهَا وَآلَاتِ الْمَلَاهِي فِي الْكَمِّ وَتَحْتَ الذَّيْلِ فَإِذَا رَأَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْشِقَ لِيُدْرِكَ رَائِحَةَ الْخَمْرِ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْبِرَ مِنْ جِيرَانِهِ لِيُخْبِرُوهُ بِمَا جَرَى فِي دَارِهِ، وَأُنْشِدَ فِي مَعْنَاهُ شِعْرٌ:
لَا تَلْتَمِسُ مِنْ مَسَاوِي النَّاسِ مَا سَتَرُوا
…
فَيَهْتِكَ اللَّهُ سِتْرًا مِنْ مَسَاوِيكَا
وَاذْكُرْ مَحَاسِنَ مَا فِيهِمْ إِذَا ذُكِرُوا
…
وَلَا تَعِبْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِمَا فِيكَا
وَفِي قَوْلِهِ: (وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ مَا لَمْ يَصِلِ الْإِيمَانُ إِلَى الْقَلْبِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَلَمْ يُؤَدِّ حُقُوقَهُ، فَإِذًا عِلَاجُ جَمِيعِ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى لَتُؤَدِّيَ إِلَى أَدَاءِ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَا يُؤْذِي وَلَا يَضُرُّ وَلَا يُعَيِّرُ وَلَا يَتَجَسَّسُ أَحْوَالَهُمُ اهـ. كَلَامُ الْإِمَامِ وَحَصَلَ تَمَامُ الْمَرَامِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) . وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ نَقَلَهُ مِيرَكُ.
5044 -
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".
ــ
5044 -
(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: عَدَوِّيٌّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ أُخْتُ عُمَرَ تَحْتَهُ، وَبِسَبَبِهَا كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ، فَحُمِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ.
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا) أَيْ: مِنْ أَكْثَرِ أَنْوَاعِهَا وَبَالًا وَأَزْيَدِ آثَامِ أَفْرَادِهَا مَآلًا (الِاسْتِطَالَةُ) أَيْ: إِطَالَةُ اللِّسَانِ (فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ) : وَأَصْلُ التَّطَاوُلِ اسْتِحْقَارُ النَّاسِ وَالتَّرَفُّعُ عَلَيْهِمْ، وَأَصْلُ الرِّبَا الزِّيَادَةُ وَالْكَثْرَةُ لُغَةً، وَأَمَّا شَرْعًا فَهُوَ مَعْرُوفٌ بِأَنْوَاعِهِ الْمُحَرَّمَةِ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا أَشَدَّهَا تَحْرِيمًا، لِأَنَّ الْعِرْضَ عِنْدَ أَرْبَابِ الْكَمَالِ أَعَزُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَالِ وَأَنْشَدَ:
أَصُونُ عِرْضِي بِمَالِي لَا أُدَنِّسُهُ
…
لَا بَارَكَ اللَّهُ بَعْدَ الْعِرْضِ فِي الْمَالِ
وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الرِّبَا لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ يَضَعُ عِرْضَهُ، ثُمَّ يَسْتَزِيدُ عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَزْيَدُ الزِّيَادَاتِ الَّتِي تَتَجَاوَزُ عَنِ الْحَدِّ الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ مَالِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَدْخَلَ الْعِرْضَ فِي جِنْسِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ، وَجَعَلَ الرِّبَا نَوْعَيْنِ مُتَعَارَفٌ وَهُوَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَالِهِ مِنَ الْمَدْيُونِ، وَغَيْرُ مُتَعَارَفٍ وَهُوَ اسْتِطَالَةُ الرَّجُلِ اللِّسَانَ فِي عِرْضِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ فَضَّلَ أَحَدَ النَّوْعَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَنَاوَلَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّهُ عَلَى مَا قِيلَ لَهُ، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا رَخَّصُوا لَهُ فِيهِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَهُ بِالرِّبَا وَعَدَّهُ مِنْ عِدَادِهِ، ثُمَّ فَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِهِ، لِأَنَّهُ أَكْثَرُ مَضَرَّةً وَأَشَدُّ فَسَادًا، فَإِنَّ الْعِرْضَ شَرْعًا وَعَقْلًا أَعَزُّ عَلَى النَّفْسِ مِنَ الْمَالِ، وَأَعْظَمُ مِنْهُ خَطَرًا، وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ الشَّارِعُ بِالْمُجَاهَرَةِ بِهَتْكِ الْأَعْرَاضِ مَا لَمْ يُوجِبْ بِنَهْبِ الْأَمْوَالِ اهـ.
وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ هَتْكَ بَعْضِ الْأَعْرَاضِ يُوجِبُ الرَّجْمَ، وَنَهْبَ الْمَالِ فَقَطْ لَمْ يُوجِبِ الْقَتْلَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَقَوْلُهُ:(بِغَيْرِ حَقٍّ) . فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعِرْضَ رُبَّمَا تَجُوزُ اسْتِبَاحَتُهُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:" «لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ» " فَيَجُوزُ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَقُولَ فِيهِ أَنَّهُ ظَالِمٌ، وَأَنَّهُ مُتَعَدٍّ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ الْكَلَامُ فِي جَرْحِ الشَّاهِدِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَيْ: مَنْ ذَكَرَ مَسَاوِئَ الْخَاطِبِ وَالْمُبْتَدِعَةِ وَالْفَسَقَةِ عَلَى قَصْدِ التَّحْذِيرِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.
5045 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرَئِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5045 -
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَمَّا عُرِجَ بِي) أَيْ: أُسْرِيَ بِي (مَرَرْتُ بِأَقْوَامٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ أَيْ يَخْدِشُونَ (وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ) فَفِي الْمِصْبَاحِ: خَمَشَتِ الْمَرْأَةُ كَضَرْبِ وَجْهِهَا بِظُفْرٍ جَرَحَتْ ظَاهِرَ الْبَشْرَةِ. (فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ) أَيْ: يَغْتَابُونَ الْمُسْلِمِينَ (وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمَّا كَانَ خَمْشُ الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ النَّائِحَاتِ جَعَلَهُمَا جَزَاءَ مَنْ يَغْتَابُ وَيَفْرِي فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ إِشْعَارًا بِأَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ صِفَاتِ الرِّجَالِ، بَلْ هُمَا مِنْ صِفَاتِ النِّسَاءِ فِي أَقْبَحِ حَالَةٍ وَأَشْوَهِ صُوَرِهِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ سَكَتَ عَلَيْهِ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالضِّيَاءُ عَنْ أَنَسٍ.
5046 -
وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمِنْ كُسِيَ ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ ; فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
5046 -
(وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ) أَيِ: ابْنِ شَدَّادٍ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ غُلَامًا يَوْمَ قُبِضَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ. (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ) أَيْ: بِسَبَبِ غَيْبَتِهِ أَوْ قَذْفِهِ أَوْ وُقُوعِهِ فِي عِرْضِهِ أَوْ بِتَعَرُّضِهِ لَهُ بِالْأَذِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يُعَادِيهِ (أُكْلَةً) بِضَمٍّ أَيْ لُقْمَةٌ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْفَتْحِ أَيْ مَرَّةً مِنَ الْأَكْلِ.
(فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا) أَيْ: قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا (مِنْ جَهَنَّمَ) أَيْ: مِنْ نَارِهَا أَوْ مِنْ عَذَابِهَا (وَمَنْ كَسَا) : بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ أَلْبَسَ شَخْصًا (ثَوْبًا بِرَجُلِ مُسْلِمٍ) أَيْ: بِسَبَبِ إِهَانَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوَّلِ كَسَا نَفْسَهُ ثَوْبًا. وَمَعْنَى الثَّانِي اكْتَسَى ثَوْبًا فَصَارَ مَآلُهُمَا وَاحِدًا. وَفِي النِّهَايَةِ: مَعْنَاهُ الرَّجُلُ يَكُونُ صَدِيقًا ثُمَّ يَذْهَبُ إِلَى عَدُوِّهِ فَيَتَكَلَّمُ فِيهِ بِغَيْرِ الْجَمِيلِ لِيُجِيزَهُ عَلَيْهِ بِجَائِزَةٍ فَلَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَهُ فِيهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا فَالْبَاءُ فِي بَرْجُلٍ لِلسَّبَبِيَّةِ، وَالْجَائِزَةُ عَامَّةٌ فِي الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ، وَعَلَيْهِ كَلَامُ أَكْثَرِ الشَّارِحِينَ. (فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ) : الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ وَالْمُرَادُ بِالرَّجُلِ نَفْسُهُ أَوْ غَيْرُهُ (مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ) أَيْ: مُنْتَصِرًا وَمُنْتَقِمًا (لَهُ) أَيْ: لِأَجْلِ إِفْضَاحِ الْقَائِمِ بِهِ (مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ إِفْضَاحِهِ إِيَّاهُ النَّاشِئِ عَنْ مَقْتِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيِّ مَرْفُوعًا:" «مَنْ قَامَ مَقَامَ رِيَاءٍ وَسُمْعَةٍ، فَإِنَّهُ فِي مَقْتِ اللَّهِ حَتَّى يَجْلِسَ» ".
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: مَنْ قَامَ يَنْسُبُهُ إِلَى ذَلِكَ وَيُشْهِرُهُ بِهِ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَضَحَهُ اللَّهُ وَشَهَّرَهُ بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَذَّبَهُ عَذَابَ الْمُرَائِينَ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: الْبَاءُ فِي (بِرَجُلٍ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْدِيَةِ وَلِلسَّبَبِيَّةِ، فَإِنْ كَانَتْ لِلتَّعْدِيَةِ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَنْ أَقَامَ رَجُلًا مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَعْنِي مَنْ أَظْهَرَ رَجُلًا بِالصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى لِيَعْتَقِدَ النَّاسُ فِيهِ اعْتِقَادًا حَسَنًا، وَيَعْزُونَهُ وَيَخْدِمُونَهُ، وَيَجْعَلَهُ حِبَالًا وَمَصْيَدَةً، كَمَا يُرَى فِي زَمَانِنَا لِيَنَالَ بِسَبَبِهِ الْمَالَ وَالْجَاهَ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ بِأَنْ يَأْمُرَ مَلَائِكَتَهُ بِأَنْ يَفْعَلُوا مَعَهُ مِثْلَ فِعْلِهِ، وَيُظْهِرُوا أَنَّهُ كَذَّابٌ، وَإِنْ كَانَتْ لِلسَّبَبِيَّةِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ قَامَ وَأَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّلَاحَ وَالتَّقْوَى لِأَجْلِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ رَجُلٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ كَثِيرُ الْمَالِ لِيَحْصُلَ لَهُ مَالٌ وَجَاهٌ، كَمَا يَقُولُ النَّاسُ فِي الْعُرْفِ: هَذَا زَاهِدُ الْأَمِيرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمَعْنَى الْكِنَايَةِ عَنِ التَّهْدِيدِ فِي قَوْلِهِ: فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ لَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} [الرحمن: 31] الْكَشَّافُ: سَنَفْرُغُ مُسْتَعَارٌ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِمَنْ يُهَدِّدُهُ سَأَفْرَغُ لَكَ أَيْ سَأَتَجَرَّدُ لِلْإِيقَاعِ بِكَ مِنْ كُلِّ مَا يَشْغَلُنِي عَنْهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لِي شُغْلٌ سِوَاهُ، وَالْمُرَادُ التَّوَفُّرُ عَلَى النِّكَايَةِ فِيهِ وَالِانْتِقَامِ مِنْهُ. وَقَالَ الْأَشْرَفُ: مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ لَا يَسْتَقِيمُ فِي قَوْلِهِ: وَمَنْ كَسَا ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ فَالْبَاءُ فِيهِ صِلَةٌ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا إِذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ وَمَنْ كَسَا ثَوْبًا رَجُلًا مُسْلِمًا وَهُوَ فَاسِدُ الْمَعْنَى، فَالْوَجْهُ مَا قَدَّمْنَاهُ كَمَا لَا يَخْفَى، ثُمَّ رَأَى الطَّيِّبِيُّ قَالَ: وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ (كَسَا) مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَلَيْسَ هُنَا إِلَّا مَفْعُولٌ وَاحِدٌ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِرَجُلٍ ثَانِي مَفْعُولَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا يُؤَدِّي إِلَى فَسَادِ الْمَعْنَى كَمَا لَا يَخْفَى، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُقَدَّرَ مِنْ كَسَا نَفْسَهُ ثَوْبًا بِرَجُلٍ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
5047 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
5047 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: حُسْنُ الظَّنِّ) أَيْ: بِاللَّهِ (مِنْ حُسْنِ الْعِبَادَةِ) أَيْ لِلَّهِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ تَعَالَى مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَاتِ الْحَسَنَةِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَظُنَّ مَا يَظُنُّهُ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّ حُسْنَ الظَّنِّ هُوَ أَنْ تَتْرُكَ الْعَمَلَ وَتَعْتَمِدَ عَلَى اللَّهِ وَتَقُولَ: إِنَّهُ كَرِيمٌ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: بَعْضُ حُسْنِ الْعِبَادَةِ حُسْنُ الظَّنِّ، وَقُدِّمَ الْخَبَرُ اهْتِمَامًا، فَإِنَّ السَّالِكَ إِذَا حَسَّنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَلَى سَبِيلِ الرَّجَاءِ حَسَّنَ الْعِبَادَةَ فِي الْخَلَا وَالْمَلَا، فَيُسْتَحْسَنُ مَأْمُولُهُ وَيُرْجَى مَقْبُولُهُ. قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218] وَأَمَّا مَنْ يَتْرُكُ الْعِبَادَةَ وَيَدَّعِي حُسْنَ الظَّنِّ بِالْمَعْبُودِ، فَهُوَ مَغْرُورٌ وَمَخْدُوعٌ وَمَرْدُودٌ، وَمَثَّلَهُمَا الْغَزَالِيُّ بِمَنْ زَرَعَ وَمَنْ لَمْ يَزْرَعْ رَاجِينَ الْحَصَادَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّانِيَ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي اعْتِقَادُ الْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عِبَادَةٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعَلَى هَذَا (مِنْ) لِلتَّبْعِيضِ أَيْ مِنْ جُمْلَةِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَالْإِخْلَاصِ فِيهَا حُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ عِبَادِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلِابْتِدَاءِ أَيْ حُسْنُ الظَّنِّ بِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى نَاشِئٌ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ وَيَنْصُرُهُ قَوْلُهُ:" «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» ". اهـ.
فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ احْتَرِسُوا مِنَ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا. قُلْتُ: التَّقْدِيرُ مِنْ بَعْضِهِمْ وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] أَوْ يُقَالُ: يُحْتَرَسُ مِنْهُمْ بِسُوءِ الظَّنِّ فِي الْبَاطِنِ عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: اخْبِرْهُ نَقَلَهُ عَلَى مَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ، مِنْ أَنَّ النَّاسَ كَإِبِلِ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً، أَوْ يُعَامِلُهُمْ فِي الظَّاهِرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِنَاءً عَلَى الْأَمْرِ الْمُبْهَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) . وَكَذَا الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ.
5048 -
وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: «اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِزَيْنَبَ: " أَعْطِيهَا بَعِيرًا " فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ ! فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَهَجَرَهَا ذَا الْحُجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: " مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا " فِي " بَابِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ ".
ــ
5048 -
(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَلَّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَرِضَ (بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ) : الْمُرَادُ بِهَا هَنَا بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سِبْطِ هَارُونَ، كَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ فِي مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وَوَقَعَتْ فِي السَّبْيِ، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَسْلَمَتْ وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَمَاتَتْ سَنَةَ خَمْسِينَ وَدُفِنَتْ بِالْبَقِيعِ، وَرَوَى عَنْهَا أَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا. (وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ) أَيْ: مَرْكَبٌ فَاضِلٌ عَنْ حَاجَتِهَا وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّهَا أُمَيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَنَةَ خَمْسٍ مَنَاقِبُهَا جَمَّةٌ، رَوَتْ عَنْهَا عَائِشَةُ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَغَيْرُهُمَا. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ لِزَيْنَبَ: أَعْطِيهَا) أَيْ: صَفِيَّةَ (بَعِيرًا. فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي) : بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَلَعَلَّ حَذْفَ الْمَفْعُولِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّفْيِ أَيْ أَنَا مَا أُعْطِي شَيْئًا (تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟) أَيْ: بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ ; وَإِنَّمَا حَمَلَهَا عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْغَيْرَةُ الْمُنْضَمَّةُ إِلَى كَوْنِهَا مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ، لَكِنَّهَا خَالَفَتْ مِنْ حَيْثُ الْمُخَالَفَةُ وَسُوءُ الْمُخَالَفَةِ. (فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ) : بِالنَّصْبِ (وَبَعْضَ صَفَرٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ جَوَازُ الْهِجْرَانِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِفِعْلِ الْقَبِيحِ، يَعْنِي عَلَى قَصْدِ الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ لَا عَلَى إِرَادَةِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ وَالشَّحْنَاءِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ كَمَا سَبَقَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) . قَالَ صَاحِبُ التَّصْحِيحِ: رِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ إِلَّا سُمَيَّةَ الْبَصْرِيَّةَ الرَّاوِيَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَلَمْ يُخَرِّجْ لَهَا مُسْلِمٌ اهـ. وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: سُمَيَّةُ لَمْ تَثْبُتْ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: مَقْبُولَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ نَقَلَهُ مِيرَكُ.
(وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا) أَيْ: مِنْ مُنَافِقٍ الْحَدِيثُ بِطُولِهِ (فِي بَابِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ) .
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
5049 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
5049 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: سَرَقْتَ؟) أَيْ: أَسَرَقْتَ، وَالظَّاهِرُ أَتَسْرِقُ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْهُ إِيمَاءٌ إِلَى تَحَقُّقِهِ (قَالَ: كَلَّا) أَيْ: حَاشَا (وَالَّذِي لَا الْهُ إِلَّا هُوَ) . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ تَوْرِيَةٌ أَيِ: ارْتَدِعْ عَنْ هَذَا الظَّنِّ أَوْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. (فَقَالَ عِيسَى آمَنْتُ بِاللَّهِ) أَيْ: بِوَحْدَانِيَّتِهِ الْمَفْهُومَةِ مِنَ الْجُمْلَةِ الْقَسَمِيَّةِ أَوِ التَّقْدِيرُ صَدَّقْتُ قَسَمَكَ بِاللَّهِ. (وَكَذَّبْتُ نَفْسِي) . أَيْ فِيمَا قُلْتَ بِنَاءً عَلَى الظَّاهِرِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ ذَلِكَ الْأَخْذَ بِخُفْيَةٍ لَا يَكُونُ سَرِقَةً لِفُقْدَانِ أَحَدِ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي حَدِّهَا الشَّرْعِيَّةِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ صَدَّقْتُكَ فِي حَلِفِكَ بِقَوْلِكَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَبَرَّأْتُكَ وَرَجَعْتُ عَمَّا ظَنَنْتُ بِكَ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي. قَالَ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12] اهـ. وَفِيهِ مَا لَا يَخْفَى. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
5050 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ» ".
ــ
5050 -
(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا) أَيْ: كَادَ أَنْ يَكُونَ الْفَقْرُ الْقَلْبِيُّ سَبَبًا لِلْكُفْرِ، إِمَّا بِالِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِمَّا بِعَدَمِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ، أَوْ بِالشَّكْوَى إِلَى مَا سِوَاهُ، أَوْ بِالْمَيْلِ إِلَى الْكُفْرِ لِمَا رَأَى أَنَّ غَالِبَ الْكُفَّارِ أَغْنِيَاءُ مُتَنَعِّمُونَ، وَأَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فُقَرَاءُ مُمْتَحِنُونَ بِمُقْتَضَى مَا وَرَدَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم:" «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ» ". وَقَدْ قَالَ تَعَالَى تَسْلِيَةً لِلْعِبَادِ: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ - مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ - لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ} [آل عمران: 196 - 198] قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: وَسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ فِي رَخَاءٍ وَلِينِ عَيْشٍ، فَيَقُولُونَ: إِنْ أَعْدَاءَ اللَّهِ فِيمَا نَرَى مِنَ الْخَيْرِ، وَقَدْ هَلَكْنَا مِنَ الْجُوعِ وَالْجُهْدِ، وَفِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ بِإِسْنَادِهِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الْبُخَارِيِّ وَالْمُنْتَهَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:«قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَشْرَبَةٍ أَيْ غُرْفَةٍ وَأَنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَأَنَّ عِنْدَ رَحْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَهُوَ مَا يُدْبَغُ بِهِ، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقَالَ: " مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: " أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ» ". قَالَ الطِّيبِيُّ أَيِ: الْفَقْرُ يَحْمِلُ الْإِنْسَانَ عَلَى رُكُوبِ كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ فِيمَا لَا يَنْبَغِي طَالِبًا إِزَالَتَهُ عَنْهُ بِالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ فِي السَّرِقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَى اللَّهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مُلْكِهِ، كَمَا فَعَلَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ فِي قَوْلِهِ:
كَمْ عَاقِلٍ عَاقِلٍ أَعْيَتْ مَذَاهِبُهُ
…
وَكَمْ جَاهِلٍ جَاهِلٍ تَلْقَاهُ مَرْزُوقَا
هَذَا الَّذِي تَرَكَ الْأَوْهَامَ حَائِرَةً
…
وَصَيَّرَ الْعَالِمَ النِّحْرِيرَ زِنْدِيقًا
(وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدْرَ) . سَبَقَ مَعْنَاهُ اهـ. وَمُجْمَلُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَدَرَ وَيَغْلِبُهُ لَكَانَ الْحَسَدَ. فِي زَعْمِ الْحَاسِدِ أَنْ يَقْلِبَ الْقَدَرَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ بِلَفْظِ: وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَكُونَ سَبْقَ الْقَدَرِ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ، وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْقَرِينَتَيْنِ أَنَّ الْحَسَدَ غَالِبًا يَنْشَأُ مِنَ الْفَقْرِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ زَوَالَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِهِ، فَهُوَ مُعَارَضَةٌ بِالْقَضَاءِ أَوْ مُنَازَعَةٌ بِالْقَدْرِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَالْحَسَدُ أَقْرَبُ إِلَى الْكُفْرِ مِنَ الْفَقْرِ الْمُجَرَّدِ، فَالتَّرْتِيبُ الَّذِي ذُكِرَ لِلتَّرَقِّيَ، أَوْ لِكَوْنِ الْأَوَّلِ سَبَبًا لِحُصُولِ الثَّانِي مَعَ أَنَّ الْحَسَدَ مَرَضٌ مُزْمِنٌ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَالْفَقْرُ يُبَدَّلُ بِالْغِنَى أَوْ بِالصَّبْرِ وَالرِّضَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ غَالِبُ الْأَوْلِيَاءِ، حَتَّى اجْتَمَعَتِ الصُّوفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ الصَّابِرَ أَفْضَلُ مِنَ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ، وَعَلَيْهِ أَيْضًا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا حَدِيثُ:( «الْفَقْرُ فَخْرِي وَبِهِ أَفْتَخِرُ» ) فَبَاطِلٌ مَوْضُوعٌ، كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ.
5051 -
وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُ، أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ ; كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " وَقَالَ: الْمَكَّاسُ: الْعَشَّارُ.
ــ
5051 -
(وَعَنْ جَابِرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ) أَيِ: الْمُسْلِمِ (فَلَمْ يَعْذِرْهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَيُضَمُّ وَكَسْرِ الذَّالِ (أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَهُوَ تَفْسِيرُ مَا قَبْلَهُ (كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ) . بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ صَاحِبِ عُشْرٍ، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الظُّلْمَ وَعَدَمَ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ أَطْلَقَ ذَمَّهُ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَكْسِ أَخْذُ مَالِ النَّاسِ بِالظُّلْمِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْقَامُوسَ فَقَالَ: الْمَكْسُ النَّقْصُ وَالظُّلْمُ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) . وَفِي الْجَامِعِ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالضِّيَاءُ عَنْ جَوْدَانَ وَلَفْظُهُ: «مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ أَخُوهُ بِمَعْذِرَةٍ فَلَمْ يَقْبَلْهَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطِيئَةِ مِثْلُ صَاحِبِ مَكْسٍ» . (قَالَ) أَيِ: الْبَيْهَقِيُّ فِي تَفْسِيرِ حَدِيثِهِ (الْمَكَّاسُ: الْعَشَّارُ) . وَفِي بَعْضِ