الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
رَاجِيًا لِمَا قَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ دَاعِيًا (قَالَ) أَيِ: الزَّوْجُ وَهُوَ اسْتِئْنَافُ بَيَانٍ (أَصَبْتُمْ) أَيْ: أَكَلْتُمْ أَوْ حَصَّلْتُمْ (بَعْدِي شَيْئًا) أَيْ: مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوْ مِنَ الْإِصَابَةِ (قَالَتِ امْرَأَتُهُ: نَعَمْ) أَيْ: أَصَبْنَا (مِنْ رَبِّنَا) أَيْ: مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا أَوْ مِنْ رِزْقِهِ وَمَا أَخْطَأَنَا، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ رحمه الله فِي قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حَيْثُ قَالَ: دَعَتْ أَنْ تُصِيبَ زَوْجَهَا بِمَا تَطْحَنُهُ وَتَعْجِنُهُ وَتَخْبِزُهُ، فَهَيَّأَتِ الْأَسْبَابَ لِذَلِكَ، انْتَهَى. (وَقَامَ) أَيْ: فَتَعَجَّبَ الزَّوْجُ وَقَامَ (إِلَى الرَّحَى) أَيْ: وَرَفَعَهَا لِيَرَى أَثَرَهَا (فَذُكِرَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: فَذَكَرَ أَيْ: هُوَ بِنَفْسِهِ (ذَلِكَ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْقَضِيَّةِ بِتَمَامِهَا (لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: " أَمَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (" إِنَّهُ ") أَيِ: الشَّأْنَ (" لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ". رَوَاهُ أَحْمَدُ) .
5312 -
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) .
ــ
5312 -
(وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ ") أَقُولُ: بَلْ حُصُولُ الرِّزْقِ أَسْبَقُ وَأَسْرَعُ مِنْ وُصُولِ أَجَلِهِ ; لِأَنَّ الْأَجَلَ لَا يَأْتِي إِلَّا بَعْدَ فَرَاغِ الرِّزْقِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [الروم: 40](رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الْحِلْيَةِ ") : قَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْمُنْذِرِيِّ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَزَّارُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ أَكْثَرَ مِمَّا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ» . قُلْتُ: وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْتُهُ وَفِيمَا سَبَقَ مِنَ الْمَعْنَى حَرَّرْتُهُ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا:«لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ هَرَبَ مِنْ رِزْقِهِ كَمَا يَهْرُبُ مِنَ الْمَوْتِ لَأَدْرَكَهُ رِزْقُهُ كَمَا يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ» .
5313 -
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
5313 -
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) أَيْ: فِي اسْتِحْضَارِ الْقَضِيَّةِ وَاسْتِحْفَاظِ الْقِصَّةِ (يَحْكِي نَبِيًّا) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ يَحْكِي حَالَ نَبِيٍّ (مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ) أَيْ: قَدْ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، فَهُوَ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ، وَجُوِّزَ بِدُونِهِ أَيْضًا. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: قَوْلُهُ نَبِيًّا مَنْصُوبٌ عَلَى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ حِكَايَةُ لَفْظِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَجُوزُ أَنْ تُقَدِّرَ مُضَافًا أَيْ: يَحْكِي حَالَ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَلَفَّظَ بِهِ، وَحِينَئِذٍ ضَرَبَهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنَّبِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافًا كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ مَا حَكَاهُ فَقِيلَ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ. (فَأَدْمَوْهُ) أَيْ: جَعَلُوهُ صَاحِبَ دَمٍ خَارِجٍ مِنْ رَأْسِهِ، (وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ) أَيْ: خَوْفًا مِنَ الْوُقُوعِ فِي فَمِهِ أَوْ عَيْنِهِ (وَيَقُولُ) أَيْ: مِنْ كَمَالِ صَبْرِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي) أَيْ: فِعْلَهُمْ هَذَا بِمَعْنَى لَا تُعَذِّبْهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا تَسْتَأْصِلْهُمْ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَغْفِرَةَ الْكُفَّارِ بِمَعْنَى الْعَفْوِ عَنْ شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمَغْفِرَةُ كِنَايَةً عَنِ التَّوْبَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْمَغْفِرَةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:(" فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ") : وَهَذَا مِنْ كَمَالِ حِلْمِهِ وَحُسْنِ خُلُقِهِ حَيْثُ أَذْنَبَ الْقَوْمُ، وَهُوَ يَعْتَذِرُ عَنْهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ أَنَّهُمْ مَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا إِلَّا لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الذَّنْبَ مَعَ الْجَهْلِ أَهْوَنُ فِي الْجُمْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّنْبِ مَعَ الْعِلْمِ، وَلِذَا وَرَدَ: وَيْلٌ لِلْجَاهِلِ مَرَّةً وَوَيْلٌ لِلْعَالَمِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .
[بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ]
[5]
بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5314 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[5]
بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
فِي الْمُغْرِبِ، يُقَالُ: فَعَلَ ذَلِكَ سُمْعَةً، أَيْ: لِيُرِيَهُ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ التَّحْقِيقَ، وَسَمَّعَ بِكَذَا شُهْرَةً تَسْمِيعًا انْتَهَى. وَالتَّحْقِيقُ: أَنَّ الرِّيَاءَ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ، فَهُوَ مَا يُفْعَلُ لِيَرَاهُ النَّاسُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِرُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَالسُّمْعَةُ بِالضَّمِّ مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَّمْعِ، فَهُوَ مَا يُفْعَلُ أَوْ يُقَالُ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ، وَلَا يَكْتَفِي فِيهِ بِسَمْعِهِ تَعَالَى، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ، وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا تَأْكِيدًا، أَوْ لِإِرَادَةِ أَصْلِ الْمَعْنَيَيْنِ تَفْصِيلًا، وَضِدُّهَا الْإِخْلَاصُ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ عَلَى قَصْدِ الْخَلَاصِ، ثُمَّ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فِي الرِّيَاءِ الْهَمْزُ وَعَلَيْهِ السَّبْعَةُ، وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ يَاءً، وَبِهِ قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
5314 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ ") أَيْ: نَظَرَ اعْتِبَارٍ (" إِلَى صُوَرِكُمْ ") : إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِحُسْنِهَا وَقُبْحِهَا (" وَأَمْوَالِكُمْ ") : إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِكَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا (" وَلَكِنْ ") : وَزَادَ فِي الْجَامِعِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا (" يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ ") أَيْ: إِلَى مَا فِيهَا مِنَ الْيَقِينِ، وَالصِّدْقِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَقَصْدِ الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الرَّضِيَّةِ، وَالْأَحْوَالِ الرَّدِيَّةِ (" وَأَعْمَالِكُمْ ") أَيْ: مِنْ صَلَاحِهَا وَفَسَادِهَا، فَيُجَازِيكُمْ عَلَى وَفْقِهَا، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: مَعْنَى النَّظَرِ هَا هُنَا: الِاجْتِبَاءُ، وَالرَّحْمَةُ، وَالْعَطْفُ ; لِأَنَّ النَّظَرَ فِي الشَّاهِدِ دَلِيلُ الْمَحَبَّةِ، وَتَرْكَ النَّظَرِ دَلِيلُ الْبُغْضِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَمَيْلِ النَّفْسِ إِلَى الصُّوَرِ الْمُعْجَمَةِ وَالْأُمُورِ الْفَانِيَةِ، وَاللَّهُ يَتَقَدَّسُ عَنْ شَبَهِ الْمَخْلُوقِينَ، فَجَعَلَ نَظَرَهُ إِلَى مَا هُوَ الْبِرُّ وَاللُّبُّ وَهُوَ الْقَلْبُ وَالْعَمَلُ، وَالنَّظَرُ يَقَعُ عَلَى الْأَجْسَامِ وَالْمَعَانِي، فَمَا كَانَ بِالْأَبْصَارِ فَهُوَ لِلْأَجْسَامِ، وَمَا كَانَ بِالْبَصَائِرِ كَانَ لِلْمَعَانِي، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله. وَلَا يَخْفَى بُعْدُ الْمُرَادِ مِنَ النَّظَرِ هُنَا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالْعَطْفِ، لَا سِيَّمَا فِي جَانِبِ النَّفْيِ، فَتَدَبَّرْ خُصُوصًا فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَنْصِيلِ النَّظَرِ، فَإِنَّ نَفْيَهُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لَا يُتَصَوَّرُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) . وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.
5315 -
وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ، هُوَ لِلَّذِي عَمِلَهُ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
5315 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ ") أَيْ: أَنَا أَغْنَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ عَلَى فَرْضِ أَنَّ لَهُمْ غِنًى (" عَنِ الشِّرْكِ ") ، أَيْ عَمَّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِمَّا بَيْنِي وَبَيْنَ غَيْرِي فِي قَصْدِ الْعَمَلِ، وَالْمَعْنَى: مَا أَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِي، وَابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِي، فَاسْمُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَيُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَاهُ مَا أَوْضَحَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ بِقَوْلِهِ:(" مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَصْدِ ذَلِكَ الْعَمَلِ (" مَعِي ") أَيْ: مَعَ ابْتِغَاءِ وَجْهِي (" غَيْرِي ") أَيْ: مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَا يَضُرُّهُ قَصْدُ الْجَنَّةِ وَتَوَابِعِهَا مَثَلًا، فَإِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ مَرْضَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَقَامُ الْأَكْمَلُ أَنْ لَا يَعْبُدَهُ لِطَمَعِ جَنَّةٍ أَوْ خَوْفِ نَارٍ، فَإِنَّهُ عُدَّ كُفْرًا عِنْدَ بَعْضِ الْعَارِفِينَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ فِيهِ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ تُخْلُقْ جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ لَمَا عَبَدَهُ - سُبْحَانَهُ - لَكَانَ كَافِرًا، فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لِذَاتِهِ ; وَلِذَا مُدِحَ صُهَيْبٌ بِمَا رُوِيَ فِي حَقِّهِ:«نِعْمَ الْعَبْدُ صُهَيْبٌ، لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَا عَصَاهُ» ، قَوْلُهُ:(" تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ") : خَبَرُ مَنْ، وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " مَعَ "، أَوِ الْمَعْنَى: تَرَكْتُهُ عَنْ نَظَرِ الرَّحْمَةِ وَتَرَكْتُ عَمَلَهُ الْمُشْتَرَكَ عَنْ دَرَجَةِ الْقَبُولِ.
(وَفِي رِوَايَةٍ: " فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ ")، قِيلَ: مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَالْأَظْهَرُ: مِنْ عَامِلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ; لِئَلَّا يَكُونَ تَكْرَارًا فِي قَوْلِهِ: (" هُوَ ") أَيْ: ذَلِكَ الْعَمَلُ (" لِلَّذِي عَمِلَهُ ") أَيْ: لِأَجْلِهِ، مِمَّنْ قَصَدَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ، وَقَالَ شَارِحٌ: أَيْ هُوَ لِفَاعِلِهِ، يَعْنِي: تَرَكْتُ ذَلِكَ الْعَمَلَ وَفَاعِلُهُ لَا أَقْبَلُهُ، وَلَا أُجَازِي فَاعِلَهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَعْمَلْهُ لِي، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ حِينَئِذٍ مُبَاحًا، مَعَ أَنَّ الْعَمَلَ عَلَى وَجْهِ الْإِشْرَاكِ حَرَامٌ إِجْمَاعًا، فَيُعَاقَبُ فَاعِلُهُ بِذَلِكَ الْعَمَلِ، فَتَأَمَّلْ. وَلْنَذْكُرْ بَقِيَّةَ كَلَامِ الشُّرَّاحِ، فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ رحمه الله: أَعْنِي أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ مِنْ غَنِيَ بِهِ عَنْهُ غُنْيَةً، أَيِ: اسْتَغْنَى بِهِ عَنْهُ، وَإِضَافَتُهُ إِمَّا لِلزِّيَادَةِ الْمُطْلَقَةِ، أَيْ: أَنَا غَنِيٌّ مِنْ بَيْنِ الشُّرَكَاءِ، وَإِمَّا لِلزِّيَادَةِ عَلَى مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ، أَيْ: أَنَا أَكْثَرُ الشُّرَكَاءِ اسْتِغْنَاءً عَنِ الشِّرْكِ ; لِكَوْن اسْتِغْنَائِهِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَفِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْوَجْهِ الثَّانِي مَا لَا يَخْفَى.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: اسْمُ التَّفْضِيلِ هُنَا لِمُجَرَّدِ الزِّيَادَةِ، وَالْإِضَافَةُ فِيهِ لِلْبَيَانِ، أَوْ عَلَى زَعْمِ الْقَوْمِ، وَفِيهِ أَنَّ وَجْهَ الْإِضَافَةِ لِلْبَيَانِ يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ الْبَيَانِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَا غَنِيٌّ مِمَّا بَيْنَهُمْ دُونَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي تَرَكْتُهُ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْعَمَلِ، وَالْمُرَادُ مِنَ الشِّرْكِ الشَّرِيكُ. قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مَعْنَاهُ أَنَا غَنِيٌّ عَنِ الْمُشَارَكَةِ وَغَيْرِهَا، فَمَنْ عَمِلَ شَيْئًا لِي وَلِغَيْرِي لَمْ أَقْبَلْهُ، بَلْ أَتْرُكُهُ مَعَ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْعَامِلِ، وَالْمُرَادُ بِالشِّرْكِ: الشَّرِكَةُ. وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يَعُودُ إِلَى الْعَمَلِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَإِلَى الْعَامِلِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، أَيِ: الْعَامِلِ لِمَا عَمِلَ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ، يَعْنِي: يَخْتَصُّ بِهِ وَلَا يَتَجَاوَزُ عَنْهُ، وَكَذَا الضَّمِيرُ فِي مِنْهُ. أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: أَنَا أَغْنَى مِنْ كُلِّ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرِيكِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الشُّرَكَاءِ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَغْنِيَاءِ إِذَا وَقَعَ لَهُمْ سَهْمٌ مَعَ الْفُقَرَاءِ، فَإِنَّهُمْ يُسَامِحُونَهُمْ بِهِ، وَيُعْطُونَهُمْ إِيَّاهُ، أَوْ يَهَبُونَهُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَفْقَرِهِمْ، فَإِذَا كَانَ هَذَا وَصْفَ بَعْضِ الشُّرَكَاءِ مِنَ الضُّعَفَاءِ، فَكَيْفَ بِالَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَهُ وَصْفُ الْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، هَذَا وَقَالَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ: دَرَجَاتُ الرِّيَاءِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
الْأُولَى: وَهِيَ أَغْلَطُهَا: أَنْ لَا يَكُونَ مُرَادُهُ الثَّوَابَ أَصْلًا، كَالَّذِي يُصَلِّي بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ، وَلَوِ انْفَرَدَ لَكَانَ لَا يُصَلَّى، بَلْ رُبَّمَا يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ مَعَ النَّاسِ، فَهَذَا جَرَّدَ قَصْدَهُ لِلرِّيَاءِ فَهُوَ الْمَمْقُوتُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لَهُ قَصْدُ الثَّوَابِ أَيْضًا، وَلَكِنْ قَصْدًا ضَعِيفًا، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ فِي الْخَلْوَةِ لَكَانَ لَا يَفْعَلُهُ، وَلَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْقَصْدُ عَلَى الْعَمَلِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ الثَّوَابُ لَكَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ يَحْمِلُهُ عَلَى الْعَمَلِ، فَقَصْدُ الثَّوَابِ فِيهِ لَا يَنْفِي عَنْهُ الْمَقْتَ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الثَّوَابِ وَالرِّيَاءِ مُتَسَاوِيَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ كَانَ وَاحِدٌ خَالِيًا عَنِ الْآخَرِ لَمْ يَبْعَثْهُ عَلَى الْعَمَلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَا انْبَعَثَتِ الرَّغْبَةُ، وَظَوَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَلَّمُ رَأْسًا بِرَأْسٍ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ اطِّلَاعُ النَّاسِ مُرَجِّحًا مُقَوِّيًا لِنَشَاطِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتْرُكِ الْعِبَادَةَ، وَلَوْ كَانَ قَصَدَ الرِّيَاءَ وَحْدَهُ لَمَا أَقْدَمَ، فَالَّذِي نَظُنُّهُ - وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - أَنَّهُ لَا يُحْبِطُ أَصْلَ الثَّوَابِ، وَلَكِنَّهُ يُنْقِصُ مِنْهُ، أَوْ يُعَاقَبُ عَلَى مِقْدَارِ قَصْدِ الرِّيَاءِ، وَيُثَابُ عَلَى مِقْدَارِ قَصْدِ الثَّوَابِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ " فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا تَسَاوَى الْقَصْدَانِ، أَوْ كَانَ قَصْدُ الرِّيَاءِ أَرْجَحَ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ الرِّوَايَةَ الْأُولَى.
5316 -
وَعَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
5316 -
(وَعَنْ جُنْدَبٍ) : مَرَّ ذِكْرُهُ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ (- صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " مَنْ سَمَّعَ ") بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لِلسُّمْعَةِ بِأَنْ نَوَّهَ بِعَمَلِهِ وَشَهَرَهُ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ وَيَمْتَدِحُوهُ (" سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ ") بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْضًا، أَيْ: شَهَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَصَاتِ وَفَضَحَهُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله عَنِ النَّوَوِيِّ رحمه الله بِأَنَّ مَعْنَاهُ: مَنْ أَظْهَرَ عَمَلَهُ لِلنَّاسِ رِيَاءً فَهُوَ غَيْرُ مُلَائِمٍ لِمَقَامِ التَّفْضِيلِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ مِنَ السُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، حَيْثُ قَالَ:(" وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ ") بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، وَالْمَعْنَى: مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا لِيَرَاهُ النَّاسُ فِي الدُّنْيَا يُجَازِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنْ يُظْهِرَ رِيَاءَهُ عَلَى الْخَلْقِ، وَخُلَاصَةُ الْقَرِينَتَيْنِ، وَزُبْدَةُ الْجُمْلَتَيْنِ أَنَّ الْمَعْنَى: يُسْمِعُ اللَّهُ الْخَلْقَ بِكَوْنِهِ مُسَمِّعًا، وَيَظْهَرُ لَهُمْ بِكَوْنِهِ مُرَائِيًا. وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: مَعْنَى مَنْ يُرَائِي: مَنْ أَظْهَرَ لِلنَّاسِ الْعَمَلَ الصَّالِحَ لِيَعْظُمَ عِنْدَهُمْ، وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، يُرَائِي اللَّهَ بِهِ، أَيْ: يُظْهِرُ سَرِيرَتَهُ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ، وَفِيهِ أَنَّ قَيْدَهُ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، سَوَاءٌ يَكُونُ كَذَلِكَ أَوْ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ سَمَّعَ بِعُيُوبِ النَّاسِ وَأَذَاعَهَا أَظْهَرَ اللَّهُ عُيُوبَهُ، وَقِيلَ: أَسْمَعَهُ الْمَكْرُوهَ، وَقِيلَ: أَرَاهُ اللَّهُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعْطِيَهِ إِيَّاهُ لِيَكُونَ حَسْرَةً عَلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّاسُ أَسْمَعَهُ اللَّهُ النَّاسَ، وَكَانَ ذَلِكَ حَظُّهُ مِنْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: الرِّيَاءُ مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ، وَالسُّمْعَةِ مِنَ السَّمَاعِ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ أَصْلُهُ طَلَبُ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِإِرَائِهِمُ الْخِصَالَ الْمَحْمُودَةَ، فَحَدُّ الرِّيَاءِ هُوَ إِرَاءَةُ الْعِبَادَةِ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْمُرَائِي هُوَ الْعَابِدُ، وَالْمُرَاءَى لَهُ هُوَ النَّاسُ، وَالْمُرَاءَى بِهِ هُوَ الْخِصَالُ الْحَمِيدَةُ، وَالرِّيَاءُ هُوَ قَصْدُ إِظْهَارِ ذَلِكَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَلَفْظُهُ:" «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ» ".
5317 -
وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ. قَالَ: " تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
ــ
5317 -
(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَرَأَيْتَ) أَيْ: أَخْبِرْنِي كَمَا قَالَهُ شَارِحٌ، فَقَوْلُهُ:(الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فِي مَحَلِّ النَّصْبِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: أَيْ: أَخْبِرْنَا بِحَالِهِ، فَالرَّجُلُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ جِنْسُهُ، وَقَوْلُهُ:(مِنَ الْخَيْرِ) بَيَانٌ لَهُ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا خَيْرَ فِي الْعَمَلِ لِلرِّيَاءِ فَيَكُونُ عَمَلُهُ خَالِصًا (وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ) أَيْ: يُثْنُونَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ، أَوْ عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ (وَفِي رِوَايَةٍ: وَيُحِبُّهُ النَّاسُ) أَيْ: يُعَظِّمُونَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى ذَلِكَ الْخَيْرِ أَوْ لِأَجْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ (قَالَ: " تِلْكَ ") أَيِ: الْمَحْمَدَةُ، أَوِ الْمَحَبَّةُ، أَوِ الْخَصْلَةُ، أَوِ الْمَثُوبَةُ (" عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ") أَيْ: مُعَجَّلُ بِشَارَتِهِ، وَأَمَّا مُؤْجَّلُهَا فَبَاقٍ إِلَى يَوْمِ آخِرَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ حَمْدُهُمْ وَمَحَبَّتُهُمْ أَوَّلًا، وَالثَّانِي أَوْلَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَسَيَجِيءُ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الْفَصْلِ الْآتِي. قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ أَخْبِرْنَا بِحَالِ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِلنَّاسِ وَيَمْدَحُونَهُ، هَلْ يَبْطُلُ ثَوَابُهُ؟ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ " يَعْنِي: هُوَ فِي عَمَلِهِ ذَلِكَ لَيْسَ مُرَائِيًا فَيُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى ثَوَابَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ حَمْدُ النَّاسِ لَهُ، وَفِي الْآخِرَةِ مَا أَعَدَّ لَهُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
5318 -
عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشَرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا، فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
5318 -
(عَنْ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: أَبُو سَعْدٍ بِسُكُونِ الْعَيْنِ كَذَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ، وَفِي الِاسْتِيعَابِ وَجَامِعِ الْأُصُولِ، وَفِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ أَبُو سَعِيدٍ بِيَاءٍ بَعْدَ الْعَيْنِ، انْتَهَى. قَالَ الْجَزَرِيُّ: هُوَ تَصْحِيفٌ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، وَهُوَ حَارِثِيٌّ أَنْصَارِيٌّ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ. (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ ") أَيْ: لِحِسَابِهِ وَجَزَائِهِ (" لَا رَيْبَ فِيهِ ") أَيْ: فِي وُقُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ فِي حُصُولِ ذَلِكَ الْجَمْعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: اللَّامُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمَعَ وَمَعْنَاهُ جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ لِيَوْمٍ لَا بُدَّ مِنْ حُصُولِهِ، وَلَا يُشَكُّ فِي وُقُوعِهِ لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَقَوْلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَوْطِئَةٌ لَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِجَمَعَ، كَمَا جَاءَ فِي الِاسْتِيعَابِ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخَرِينَ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ، الْحَدِيثَ. فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ لِيَوْمٍ مُظْهَرٌ وَقَعَ مَقَامَ الْمُضْمَرِ، أَيْ: جَمَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَجْزِيَهُمْ فِيهِ. (" نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أَشْرَكَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا ") مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ أَشْرَكَ، أَيْ: أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ ; وَلِذَا قَالَ: (" فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ") وَلَعَلَّ وَجْهَ الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ: مِنْ عِنْدِهِ، أَوْ مِنْ عِنْدِ ذَلِكَ الْأَحَدِ، مَا يَحْصُلُ بِهِ مِنْ إِبْهَامِ الْإِيهَامِ، وَيَخِلُّ بِهِ مَقَامُ الْمَرَامِ. (" فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ ") ، فَهَذَا الْحَدِيثُ يُؤَيِّدُ مَا قَرَّرْنَاهُ آخِرًا فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَتَأَمَّلْ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ إِلَّا زِيَادَ بْنَ مِينَا، وَقَدْ وَثَّقُوهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، والْبَيْهَقِيُّ ذَكَرَهُ مِيرَكُ.
5319 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ أَسَامِعَ خَلْقِهِ وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ» ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
5319 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ ") بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: رَاءَاهُمْ بِعَمَلِهِ، أَيِ: الْمَطْلُوبِ مِنْهُ أَنْ يُخْفِيَهِ عَنْ نَظَرِ الْخَلْقِ فَأَظْهَرَهُ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ نَادَاهُمْ، (" سَمَّعَ اللَّهُ ") بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا، أَيْ: أَسْمَعَ (" بِهِ ") أَيْ: بِعَمَلِهِ الرِّيَائِيِّ وَالسَّمْعِيِّ (" أَسَامِعَ خَلْقِهِ ") أَيْ: آذَانَهُمْ وَمَحَالَّ سَمَاعِهِمْ، وَالْمَعْنَى جَعَلَهُ مَسْمُوعًا لَهُمْ وَمَشْهُورًا فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْعُقْبَى، أَوْ أَظْهَرَ لَهُمْ سَرِيرَتَهُ، وَمَلَأَ أَسْمَاعَهُمْ مِمَّا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ خُبْثِ سَرَائِرِهِ جَزَاءً لِفِعْلِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ بِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَوْصُولِ، فَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ يُقَالُ: سَمَّعْتُ بِالرَّجُلِ تَسْمِيعًا إِذَا أَشْهَرْتُهُ. وَقَوْلُهُ: أَسَامِعَ خَلْقِهِ هِيَ جَمْعُ أَسْمُعٍ، يُقَالُ: سَمْعٌ وَأَسْمُعٌ وَأَسَامِعُ جَمْعُ الْجَمْعِ، يُرِيدُ: أَنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ أَسْمَاعَ خَلْقِهِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَسَامِعَ بِالنَّصْبِ مَفْعُولُ سَمَّعَ، أَيْ: بَلَّغَ اللَّهُ مَسَامِعَ خَلْقِهِ أَنَّهُ مُرَاءٍ مُزَوِّرٌ، وَأَشْهَرَهُ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ، فَأَسَامِعُ جَمْعُ أَسْمُعٍ، وَهُوَ جَمْعُ سَمْعٍ بِمَعْنَى الْأُذُنِ، وَرُوِيَ: سَامِعُ خَلْقِهِ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ، فَالْمَعْنَى: سَمَّعُ اللَّهُ الَّذِي هُوَ سَامِعُ خَلْقِهِ، يَعْنِي فَضَحَهُ اللَّهُ. قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَلَوْ رُوِيَ بِالنَّصْبِ لَكَانَ الْمَعْنَى سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ مَنْ كَانَ لَهُ سَمْعٌ مِنْ خَلْقِهِ، (" وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ ") بِالتَّشْدِيدِ فِيهِمَا، أَيْ: جَعَلَهُ حَقِيرًا ذَلِيلًا مِنَ الصَّغَارِ، وَهُوَ الذُّلُّ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَجْعَلَهُ كَالذَّرِّ صَغِيرًا، كَمَا وَرَدَ فِي جَنَّةِ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَاللَّهُ سبحانه وتعالى أَعْلَمٌ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ)، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: رَوَاهُ أَحْمَدُ والْبَيْهَقِيُّ (" فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ ") قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ أَحَدُهَا صَحِيحٌ، والْبَيْهَقِيُّ كَذَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ.
5320 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الْآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
5320 -
(وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ ") أَيْ: قَصْدُهُ الْأَصْلِيُّ فِي الْأَمْرِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ (" طَلَبَ الْآخِرَةِ ") أَيْ: مَرْضَاةَ مَوْلَاهُ (" جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ ") أَيْ: جَعَلَهُ قَانِعًا بِالْكَافِ وَالْكَفَالَةِ كَيْلَا يَتْعَبَ فِي طَلَبِ الزِّيَادَةِ (" وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ ") أَيْ: أُمُورَهُ الْمُتَفَرِّقَةَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَجْمُوعَ الْخَاطِرِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ (" وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا ") أَيْ: مَا قُدِّرَ وَقُسِمَ لَهُ مِنْهَا (" وَهِيَ رَاغِمَةٌ ") أَيْ: ذَلِيلَةٌ حَقِيرَةٌ تَابِعَةٌ لَهُ، لَا يَحْتَاجُ فِي طَلَبِهَا إِلَى سَعْيٍ كَثِيرٍ، بَلْ تَأْتِيهِ هَيِّنَةً لَيِّنَةً، عَلَى رَغْمِ أَنْفِهَا وَأَنْفِ أَرْبَابِهَا ; وَلِذَا قِيلَ: الْعِلْمُ يُعْطِي وَلَوْ يُبْطِي، (" وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ ") أَيْ: جِنْسَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْخَلْقِ، كَالْأَمْرِ الْمَحْسُوسِ مَنْصُوبًا (" بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَشَتَّتَ ") بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الْأُولَى، أَيْ: فَرَّقَ (" عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا ") أَيْ: مِنَ الدُّنْيَا (" إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ") أَيْ: وَهُوَ رَاغِمٌ فَلَا يَأْتِيهِ مَا يَطْلُبُ مِنَ الزِّيَادَةِ، عَلَى رَغْمِ أَنْفِهِ وَأَنْفِ أَصْحَابِهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُقَالُ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ: مَا تَشَتَّتَ مِنْ أَمْرِهِ، وَفَرَّقَ اللَّهُ شَمْلَهُ أَيْ: مَا اجْتَمَعَ مِنْ أَمْرِهِ، فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَالْحَدِيثُ مِنْ بَابِ التَّقَابُلِ وَالْمُطَابَقَةِ، فَقَوْلُهُ: جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَوْلُهُ: جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ، مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَقَوْلُهُ: وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، لِقَوْلِهِ: وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كَتَبَ لَهُ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْأَوَّلِ: وَأَتَاهُ مَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَعْنَى الثَّانِي: وَأَتَاهُ مَا كُتِبَ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ رَاغِمٌ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: عَنْ أَنَسٍ.
5321 -
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
ــ
5321 -
(وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانٍ) ، بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَتَخْفِيفِ مُوَحَّدَةٍ يُصْرَفُ وَلَا يُصْرَفُ، وَهُوَ ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، تَابِعِيٌّ، سَمِعَ أَبَاهُ وَكَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ (عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ)، قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ، والطَّبَرَانِيُّ مَعْنَاهُ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.
5322 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ، إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
5322 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ") قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: صَدْرُ الْحَدِيثِ إِخْبَارٌ فِيهِ مَعْنَى الِاسْتِخْبَارِ، يَعْنِي: هَلْ تَحْكُمُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ رِيَاءٌ أَمْ لَا، وَكَذَلِكَ طَابَقَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:" رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ "، (" لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ ") أَيْ: لِإِخْلَاصِكَ (" وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ ") أَيْ: لِلِاقْتِدَاءِ بِكَ، أَوْ لِفَرَحِكَ بِالطَّاعَةِ وَظُهُورِهَا مِنْكَ. قِيلَ: مَعْنَاهُ: فَأَعْجَبَهُ رَجَاءَ أَنْ يَعْمَلَ مَنْ رَآهُ بِمِثْلِ عَمَلِهِ فَيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "«مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا» " ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ إِعْجَابَهُ بِحَسَبِ أَصْلِ الطَّبْعِ الْمُطَابِقِ لِلشَّرْعِ مِنْ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنَّهُ رَآهُ أَحَدٌ عَلَى حَالَةٍ حَسَنَةٍ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَرَاهُ عَلَى حَالَةٍ قَبِيحَةٍ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَمَلُ مَطْمَحًا لِلرِّيَاءِ وَمَطْمَعًا لِلسُّمْعَةِ ; فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى: "«مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ» "، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] فَالْمُؤْمِنُ يَفْرَحُ بِتَوْفِيقِ الْأَعْمَالِ، كَمَا أَنَّ غَيْرَهُ يَفْرَحُ بِتَكْثِيرِ الْأَمْوَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْأَحْوَالِ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) ، أَيْ: إِسْنَادًا. وَقَالَ مِيرَكُ نَقْلًا عَنِ الْجَزَرِيِّ: رَوَاهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِهَذَا السِّيَاقِ مِنْ طَرِيقِ سَعْدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التِّرْمِذِيَّ رَوَاهُ هَكَذَا، وَالَّذِي فِي التِّرْمِذِيِّ بِغَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو سِنَانِ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ فَيَسُرُّهُ، فَإِذَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ أَعْجَبَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ» ". قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ رَوَى الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلَا، انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
5323 -
وَعَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
5323 -
(وَعَنْهُ)، أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ ") أَيْ: يَظْهَرُ (" رِجَالٌ يَخْتِلُونَ ") بِسُكُونِ الْخَاءِ وَكَسْرِ التَّاءِ، أَيْ: يَطْلُبُونَ (" الدُّنْيَا بِالدِّينِ ") ، أَيْ بِعَمَلِ أَهْلِ الْآخِرَةِ، أَوْ يَسْتَبْدِلُونَهَا بِهِ وَيَخْتَارُونَهَا عَنْهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: يَخْدَعُونَ أَهْلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الدِّينِ، مِنْ خَتَلَهُ إِذَا خَدَعَهُ، وَالْمَعْنَى: يَخْتِلُونَ فِي طَلَبِهَا بِمُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالتَّدَرُّعِ بِلِبَاسِهَا عَلَى وَجْهِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَسَائِرِ الْأَحْوَالِ الدَّنِيَّةِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:(" يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ ") أَيْ: لِلَّهِ (" جُلُودَ الضَّأْنِ ") : بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَيُبَدَّلُ، وَالْمُرَادُ بِهِ عَيْنُهُ أَوْ مَا عَلَيْهِ مِنَ الصُّوفِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَلْبَسُونَ الْأَصْوَافَ لِيَظُنَّهُمُ النَّاسُ زُهَّادًا وَعُبَّادًا، تَارِكِينَ الدُّنْيَا، رَاغِبِينَ فِي الْعُقْبَى (" مِنَ اللِّينِ ")، أَيْ: مِنْ أَجْلِ إِظْهَارِ التَّلَيُّنِ، وَالتَّلَطُّفِ، وَالْتَّمَسْكُنِ، وَالتَّقَشُّفِ مَعَ النَّاسِ، وَأَرَادُوا بِهِ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ التَّمَلُّقَ وَالتَّوَاضُعَ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، لِيَصِيرُوا مُرِيدِينَ لَهُمْ وَمُعْتَقِدِينَ لِأَحْوَالِهِمْ (" أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ ") ، بِهَمْزٍ وَيُبَدَّلُ، أَيْ: أَمَرُّ مِنْ مَرَارَتِهَا مِنْ شِدَّةِ حُبِّ الدُّنْيَا وَالْجَاهِ، وَكَثْرَةِ الْبُغْضِ وَالْعَدَاوَةِ لِأَهْلِ التَّقْوَى، وَغَلَبَةِ الصِّفَاتِ الْبَهِيمِيَّةِ، وَالشَّهَوَاتِ الْحَيَوَانِيَّةِ، وَالْإِرَادَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] أَيْ: عَلَى الطَّعَامِ، وَعَلَى تَحْصِيلِ الْمَالِ الْحَرَامِ. (" يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي ") أَيْ: بِإِمْهَالِي (" يَغْتَرُّونَ ") أَيْ: لَمْ يَدْرُوا أَنِّي أُمْهِلُ وَلَا أُهْمِلُ، وَالْمُرَادُ بِالِاغْتِرَارِ هُنَا عَدَمُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْ فِعْلِهِمُ الْقَبِيحِ، أَيْ: أَفَلَا يَخَافُونَ مِنْ سُخْطِي وَعِقَابِي؟ (" أَمْ عَلَيَّ ") أَيْ: عَلَى مُخَالَفَتِي (" يَجْتَرِئُونَ ") ؟ أَيْ بِمَكْرِهِمُ النَّاسَ فِي إِظْهَارِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ افْتِعَالٌ مِنَ الْجَرَاءَةِ ; وَلِذَا قِيلَ: الِاجْتِرَاءُ الِانْبِسَاطُ وَالتَّشْجِيعُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: أَمْ مُنْقَطِعَةٌ أَنْكَرَ أَوَّلًا اِغْتِرَارَهُمْ بِاللَّهِ وَبِإِهْمَالِهِ إِيَّاهُمْ حَتَّى اغْتَرُّوا، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ مَا هُوَ أَطَمُّ مِنْهُمْ، وَهُوَ اجْتِرَاؤُهُمْ عَلَى اللَّهِ. (" فَبِي ") أَيْ: فَبِذَاتِي وَصِفَاتِي (" حَلَفْتُ لَأَبْعَثَنَّ ") مِنَ الْبَعْثِ، أَيْ: لَأُسَلِّطَنَّ، أَوْ لَأَقْضِيَنَّ (" عَلَى أُولَئِكَ ") أَيِ: الْمَوْصُوفِينَ بِمَا ذُكِرَ (" مِنْهُمْ ") أَيْ: مِمَّا بَيْنَهُمْ بِتَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ (" فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ ") أَيْ: تَتْرُكُ الْعَالِمَ الْحَازِمَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ: الْحَكِيمَ بِالْكَافِ بَدَلُ الْحَلِيمَ بِاللَّامِ، وَالْمُؤَدَّى وَاحِدٌ (" فِيهِمْ ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (" حَيْرَانَ ")، أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ مُتَحَيِّرًا فِي الْفِتْنَةِ، لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا وَلَا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهَا، لَا بِالْإِقَامَةِ فِيهَا وَلَا بِالْفِرَارِ مِنْهَا. قَالَ الْأَشْرَفُ: مِنْ فِي " مِنْهُمْ " يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ بِمَعْنَى الَّذِينَ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الرِّجَالِ، وَتَقْدِيرُهُ عَلَى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، وَأَنْ يُجْعَلَ مُتَعَلِّقًا بِالْفِتْنَةِ، أَيْ: لَأَبْعَثَنَّ عَلَى الرِّجَالِ الَّذِينَ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ فِتْنَةً نَاشِئَةً مِنْهُمْ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .
5324 -
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «إِنَّ اللَّهَ تبارك وتعالى قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ» ؟ ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.
ــ
5324 -
(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ ")، أَيْ: تَكَاثَرَ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ (" وَتَعَالَى ")، أَيْ: تَعَظَّمَ أَنْ يُدْرَكَ كُنْهُهُ (" قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا ") أَيْ: جَمْعًا مِنَ الْمَخْلُوقِينَ (" أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ ")، أَيْ: لِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْوَعْظِ وَالذِكْرِ، وَأَثَرِ الصَّبْرِ وَالشُّكْرِ (" وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ ") ، ضُبِطَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ بِكَسْرِ الْبَاءِ، وَفِي بَعْضِهَا بِسُكُونِهَا، وَفِي الْقَامُوسِ: الصَّبِرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ، وَالْمَشْهُورُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَامَّةِ بِكَسْرِ الصَّادِ وَسُكُونِ الْبَاءِ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ لُغَاتِ الْكَتِفِ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ النَّقْلِ تَخْفِيفًا، (" فَبِي حَلَفْتُ لَأُتِيحَنَّهُمْ ") مِنَ الْإِتَاحَةِ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، يُقَالُ: أَتَاحَ اللَّهُ لِفُلَانٍ كَذَا، أَيْ: قَدَّرَهُ لَهُ وَأَنْزَلَهُ بِهِ، فَالْفِعْلُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ وَالْإِيصَالِ، فَالْمَعْنَى لَأُتِيحَنَّ لَهُمْ (" فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ ") بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (" أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) .
5325 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فَلَا تُعِدُّوهُ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
5325 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ) وَفِي نُسْخَةٍ: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً " بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ: الْحِرْصُ عَلَى الشَّيْءِ وَالنَّشَاطُ فِيهِ وَالرَّغْبَةُ، (" وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ")، بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ التَّاءِ أَيْ: وَهْنًا وَضَعْفًا، وَفِي نُسْخَةٍ بِرَفْعِهَا، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعَابِدَ يُبَالِغُ فِي الْعِبَادَةِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ، وَكُلُّ مُبَالِغٍ يَفْتُرُ وَيَسْكُنُ حِدَّتُهُ وَمُبَالَغَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ (" فَإِنْ صَاحِبُهَا ") فَاعِلٌ لِجَعَلَ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:(" سَدَّدَ ") أَيْ: قَصَدَ السَّدَادَ وَالِاسْتِقَامَةَ، أَوِ اقْتَصَدَ فِي أَمْرٍ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ، لَكِنْ لَا تَقْطَعُهُ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ، (وَقَارَبَ) أَيْ: دَنَا مِنَ التَّوْسِيطِ وَاحْتَرَزَ مِنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ (" فَارْجُوهُ ")، أَيْ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْفَائِزِينَ، فَإِنَّ مَنْ سَلَكِ الطَّرِيقَ الْمُتَوَسِّطَ يَقْدِرُ عَلَى مُدَاوَمَتِهِ، لَكِنْ لَا تَقْطَعُوا لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ (" وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ ") أَيْ: وَإِنِ اجْتَهَدُوا وَبَالَغَ فِي الْعَمَلِ لِيَصِيرَ مَشْهُورًا بِالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَصَارَ مَشْهُورًا وَمُشَارًا إِلَيْهِ فِيهَا (فَلَا تُعِدُّوهُ) أَيْ: شَيْئًا وَلَا تَعْتَقِدُوهُ صَالِحًا ; لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُرَائِينَ ; حَيْثُ جَعَلَ أَوْقَاتَ فَتْرَتِهِ عِبَادَةً، وَهُوَ لَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ، وَأَيْضًا إِذَا أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ بِوُجُوهِهِمْ رُبَّمَا زَادَ فِي الْعِبَادَةِ وَحَصَلَ لَهُ عُجْبٌ وَغُرُورٌ، فَصَارَ مِنَ الْهَالِكِينَ، إِلَّا أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ، وَجَعْلِهِ مِنَ الْمُخْلِصِينَ، وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ يَشْتَغِلُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى حِرْصٍ شَدِيدٍ وَمُبَالَغَةٍ
عَظِيمَةٍ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ إِنَّ تِلْكَ الشِّرَّةَ يَتْبَعُهَا فَتْرَةٌ، فَإِنْ كَانَ مُقْتَصِدًا مُحْتَرِزًا عَنْ جَانِبَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ وَسَالِكًا الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ، فَأَرْجُو كَوْنَهُ مِنَ الْفَائِزِينَ الْكَامِلِينَ، وَإِنْ سَلَكَ طَرِيقَ الْإِفْرَاطِ حَتَّى يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، فَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ وَلَا تُعَوِّلُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا يَكُونُ مِنَ الْهَالِكِينَ، لَكِنْ لَا تَجْزِمُوا بِأَنَّهُ مِنَ الْخَاسِرِينَ، وَلَا تَعُدُّوهُ مِنْهُمْ، لَكِنْ لَا تَرْجُوهُ كَمَا رَجَوْتُمُ الْمُقْتَصِدَ إِذْ قَدْ يَعْصِمُ اللَّهُ فِي صُورَةِ الْإِفْرَاطِ وَالشُّهْرَةِ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ يَعْفُو عَنْ صَاحِبِ التَّفْرِيطِ وَرَاعَى التَّقْصِيرَ فِي الْعِبَادَةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْوِيلَ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ فَتَرَكَ مَا لِلْقِسْمِ الثَّالِثِ لِظُهُورِهِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، وَلَفْظُهُ:" «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» ".
5326 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ)[5326] .
ــ
5326 -
(وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " بِحَسْبِ امْرِئٍ ") : الْبَاءُ زَائِدَةٌ أَيْ يَكْفِيهِ (" مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا ") : فَإِنَّ مَنِ اشْتَهَرَ بِخَصْلَةٍ قَلَّمَا سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ الْخَفِيَّةِ كَالْكِبْرِ، وَالْعُجْبِ، وَالرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ، (" إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ ")، أَيْ: حَفِظَهُ اللَّهُ فِي مَقَامِ تَقْوَاهُ، وَلِذَا اخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ طَرِيقَ الْمَلَامِيَّةِ فِي كِتْمَانِ الْعِبَادَاتِ الدِّينِيَّةِ إِظْهَارًا لِلشَّهَوَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ الدَّنِيَّةِ. قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَشَارُوا إِلَيْكَ بِالْأَصَابِعِ، فَقَالَ: لَا يُرِيدُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ، وَإِنَّمَا عَنَى بِهِ الْمُبْتَدِعَ فِي دِينِهِ الْفَاسِقَ فِي دُنْيَاهُ، انْتَهَى. وَوَجْهُهُ أَنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي الْبِدْعَةِ وَالْغَرَابَةِ، لَكِنْ قَدْ تُوجَدُ فِي الْكَثْرَةِ الْمُجَاوِزَةِ عَنْ حَدِّ الْعَادَةِ، فَيَحْصُلُ بِهِ الْإِشَارَةُ، وَالشِّرَّةُ، فَتَارَةً تُفْضِي بِصَاحِبِهَا إِلَى الرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالطَّمَعِ مِنَ النَّاسِ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَتَارَةً يَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنْ نَظَرِ مَا سِوَاهُ، فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَعْرِفُ أَنَّ الْغَيْرَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِ الشَّرِّ، وَلَا جَلْبِ الْخَيْرِ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْخَلْقِ مَدْحًا وَذَمًّا، لَا فِي الْعِبَارَةِ وَلَا فِي الْإِشَارَةِ، فَإِنَّهُ مَا أَيْسَرَ الدَّعْوَى، وَمَا أَعْسَرَ الْمَعْنَى، فَهَذِهِ حَالَةٌ فِيهَا إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ الْبِشَارَةِ، لَكِنَّهُ مَزَلَّةُ الْأَقْدَامِ لِلرِّجَالِ، وَمَزْلَقَةُ أَفْهَامِ الْجِبَالِ، كَمَا وَرَدَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ الْخَلْقُ عِنْدَهُ كَالْأَبَاعِرِ.
وَتَوْضِيحُهُ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله بِأَحْسَنِ عِبَارَةٍ وَأَزْيَنِ إِشَارَةٍ، حَيْثُ قَالَ: وَبَيْنَ الْحَالِ يَعْنِي حُبَّ الرِّيَاسَةِ وَالْجَاهِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، هُوَ مِنْ أَحَرِّ غَوَائِلِ النَّفْسِ وَمُوَاطِنِ مَكَائِدِهَا، يُبْتَلَى بِهِ الْعُلَمَاءُ، وَالْعُبَّادُ، وَالْمُشَمِّرُونَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ مِنَ الزُّهَّادِ، فَإِنَّهُمْ مَهْمَا قَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَفَطَمُوهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَصَانُوهَا عَنِ الشُّبُهَاتِ، وَحَمَلُوهَا بِالْقَهْرِ عَلَى أَصْنَافِ الْعِبَادَاتِ، عَجَزَتْ نُفُوسُهُمْ عَنِ الطَّمَعِ فِي الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الْجَوَارِحِ، فَطَلَبَتِ الِاسْتِرَاحَةَ إِلَى التَّظَاهُرِ بِالْخَيْرِ، وَإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَوَجَدَتْ مَخْلَصًا مِنْ مَشَقَّةِ الْمُجَاهَدَةِ إِلَى لَذَّةِ الْقَبُولِ عِنْدَ الْخَلَائِقِ، وَلَمْ تَقْنَعْ بِاطِّلَاعِ الْخَالِقِ، وَفَرِحَتْ بِحَمْدِ النَّاسِ، وَلَمْ تَقْنَعْ بِحَمْدِ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَأَحَبَّ مَدْحَهُمْ وَتَبَرُّكَهُمْ بِمُشَاهَدَتِهِ، وَخِدْمَتِهِ، وَإِكْرَامِهِ، وَتَقْدِيمِهِ فِي الْمَحَافِلِ، فَأَصَابَتِ النَّفْسَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ اللَّذَّاتِ وَأَلَذُّ الشَّهَوَاتِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ حَيَاتَهُ بِاللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَاتِهِ، وَإِنَّمَا حَيَاتُهُ بِهَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْخَفِيَّةِ، الَّتِي تَعْمَى عَنْ دَرَكِهَا إِلَّا الْعُقُولَ النَّاقِدَةَ، قَدْ أَثْبَتَ اسْمَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُقَرَّبِينَ، فَهَذِهِ مَكِيدَةٌ لِلنَّفْسِ لَا يَسْلَمُ عَنْهَا إِلَّا الصِّدِّيقُونَ مِنَ الْمُخْلِصِينَ ; وَلِذَلِكَ قِيلَ: آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ رُءُوسِ الصَّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّيَاسَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ شَبَكَةٍ لِلشَّيَاطِينِ، فَإِذَا الْمَحْمُودُ هُوَ الْمَخْمُولُ إِلَّا مَنْ شَهَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِنَشْرِ دِينِهِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ مِنْهُ كَالْأَنْبِيَاءِ، وَالْمُرْسَلِينَ، وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الْمُحَقِّقِينَ، وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") أَيْ: عَنْ أَنَسٍ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْجَامِعِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
5327 -
وَعَنْ أَبِي تَمِيمَةَ رضي الله عنه قَالَ: «شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ، وَجُنْدَبٌ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّه عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيَّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ فَلْيَفْعَلْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
5327 -
(عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ الْجَهْمِيُّ الْبَصْرِيُّ، كَانَ أَصْلُهُ مَنْ عَرَبِ الْيَمَنِ، فَبَاعَهُ عَمُّهُ وَهُوَ تَابِعِيٌّ، رَوَى عَنْ نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ. (قَالَ: شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الزُّهْرِيُّ، مَوْلَى حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، تَابِعِيٌّ جَلِيلُ الْقَدْرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَشْهُورٌ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَنَفَرٍ مِنَ التَّابِعِينَ، كَانَ مِنْ خِيَارِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يَضَعْ جَنْبَهُ عَلَى الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَيُقَالُ: أَنَّ جَبْهَتَهُ ثُقِبَتْ مِنْ كَثْرَةِ السُّجُودِ، وَكَانَ لَا يَقْبَلُ جَوَائِزَ السُّلْطَانِ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَصْحَابِهِ أَتْبَاعُهُ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. (وَجُنْدَبٌ) أَيْ: حَضْرَتُهُمْ وَالْحَالُ أَنَّ جُنْدَبُ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ (يُوصِيهِمْ) ، بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، وَالْمَعْنَى يَعِظُهُمْ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْمُجَاهَدَةِ، أَوْ بِزِيَادَةِ الْعِبَادَةِ، أَوْ بِالِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ، أَوْ بِالِاحْتِرَازِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، وَعَنِ الْإِشَارَةِ وَالشُّهْرَةِ، وَالْأَظْهَرُ الْأَخِيرَانِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ. (فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا) ؟ أَيْ: مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَحَدِّثْنَا بِهِ وَأَفِدْنَا مِنْ كَلَامِهِ، فَإِنَّهُ أَقْوَى تَأْثِيرًا وَأَلْطَفُ تَعْبِيرًا (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ") : سَبَقَ مَبْنَاهُ (" وَمَنْ شَاقَّ ") : صِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُبَغَالَةِ فَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ، فَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ شَقَّ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنْ يُكَلِّفَهَا فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ شَقَّ عَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ حَمَّلَهُ فَوْقَ اسْتِطَاعَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:" لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ ") ، قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: أَطْلَقَ لِيَشْمَلَ، فَتَأَمَّلْ (" شَقَّ اللَّهُ ")، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ شَاقَّ اللَّهُ (" عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا) أَيِ: الصَّحَابَةُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَلَالَةِ الْمَقَامِ عَلَى ذِكْرِهِمْ، وَهُوَ الظَّاهِرُ، أَوْ صَفْوَانُ وَأَصْحَابُهُ لِجُنْدَبٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَاعِدَةِ رُجُوعِ الضَّمِيرِ (أَوْصِنَا، فَقَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ، أَيْ: مَا يَفْسُدُ (مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ) أَيْ: فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُ مَحَلُّ النَّتَنِ، أَوْ فِي الْقَبْرِ بِالتَّفَقُّعِ (فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا) أَيْ: حَلَالًا (فَلْيَفْعَلْ) أَيْ: مَا اسْتَطَاعَ، أَوْ مَعْنَاهُ فَلْيَأْكُلْ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ أَنَّ مَالَ الْمَأْكُولِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَحْوَالِ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي لَذَّاتِ النَّفْسِ مِنْ طُرُقِ الْوَبَالِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْحَلَالِ وَلَوْ بِقَلِيلٍ مِنَ الْمَالِ، وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ أَدْهَمَ:
وَمَا هِيَ إِلَّا جَوْعَةٌ قَدْ سَدَّدْتُهَا
…
وَكُلُّ طَعَامٍ بَيْنَ جَنْبَيَّ وَاحِدُ
وَتَكَلَّفَ الطِّيبِيُّ رحمه الله حَيْثُ قَالَ: نَتَنُ الْبَطْنِ كِنَايَةٌ عَنْ مَسِّهِ النَّارَ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيَّبًا أَيْ: حَلَالًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] وَلَا دَلَالَةَ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَمَسُّ النَّارَ مِنْهُ هُوَ الْبَطْنُ. (وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ) أَيْ: مَنْ قَدَرَ عَلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ) أَيْ: دُخُولِهَا أَوَّلًا مَعَ الْفَائِزِينَ (مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيُسَكَّنُ، أَيْ: صَبَّهُ (فَلْيَفْعَلْ) أَيْ: مَا اسْتَطَاعَ مِمَّا ذُكِرَ، وَقَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ " مِلْءُ كَفٍّ " إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْقَلِيلَ يَحُولُ فَكَيْفَ بِالْكَثِيرِ، وَقِيلَ: إِشْعَارٌ إِلَى أَنَّ تَسْفِيهَ الْقَائِلِ بِأَنْ فَوَّتَ الْجَنَّةَ عَلَى نَفْسِهِ بِهَذَا الشَّيْءِ الْحَقِيرِ الْمُسْتَرْذَلِ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) ، وَذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي بَابِ نَتَنِ الْمَيِّتِ وَبَلَاءِ جَسَدِهِ، إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ وَمَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ مِنْ كِتَابِ شَرْحِ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْقُبُورِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبِ الْبَجَلِيِّ: أَوَّلُ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ بِكَمَالِهِ مَرْفُوعٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
5328 -
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه «أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ الْأَتْقِيَاءَ الْأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُتَفَقَّدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقَرَّبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، والْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) .
ــ
5328 -
(وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْكِي، فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - (مَا يُبْكِيكَ؟) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ بَاكِيًا أَشَوْقًا إِلَى اللِّقَاءِ، أَمْ وُقُوعًا مِنَ اللَّهِ بَعْضُ الْبَلَاءِ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْبُكَاءِ؟ (قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ (يَقُولُ: " إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ ") أَيْ: قَلِيلَهُ (" شِرْكٌ ")، أَيْ: عَظِيمٌ، أَوْ نَوْعٌ مِنَ الشِّرْكِ، يَعْنِي وَهُوَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْخَفَاءِ، لِأَنَّهُ أَدَقُّ مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَقَلَّمَا يَسْلَمُ مِنْهُ الْأَقْوِيَاءُ، فَكَيْفَ الضُّعَفَاءُ؟ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْبُكَاءِ، وَسَبَبٌ آخَرُ أَذَى الْأَوْلِيَاءِ وَغَالِبُهُمْ أَخْفِيَاءُ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ:( «أَوْلِيَائِي تَحْتَ قِبَائِي لَا يَعْرِفُهُمْ غَيْرِي» ) وَالْإِنْسَانُ لَا يَخْلُو عَنْ بَذَاذَةِ اللِّسَانِ مَعَ الْإِخْوَانِ مِمَّا يَجُرُّ إِلَى الْعِصْيَانِ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ:(" وَمَنْ عَادَى ") أَيْ: آذَى وَأَغْضَبَ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ (" لِلَّهِ وَلِيًّا ") أَيْ: وَاحِدًا مِنْ أَوْلِيَائِهِ تَعَالَى (" فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ ") أَيْ: أَظْهَرَ لَهُ نَفْسَهُ (" بِالْمُحَارَبَةِ ") ، وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ الْمُخَالَفَةِ بِالْمُحَارَبَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ وَجِنَايَةٌ جَسِيمَةٌ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: قَوْلُهُ: (لِلَّهِ) لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا (بِعَادَى) ، فَهُوَ إِمَّا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلِيًّا، أَوْ صِفَةٌ لَهُ قُدِّمَ فَصَارَ حَالًا مِنْهُ. (" إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْأَبْرَارَ ") أَيِ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ الْبِرِّ وَهُوَ الطَّاعَةُ لِلْحَقِّ، وَالْإِحْسَانُ لِلْخَلْقِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَدَارُ الدِّينِ عَلَى التَّعْظِيمِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ (" الْأَتْقِيَاءَ ") أَيْ: عَنِ الشِّرْكِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ، وَعَنِ الْمَنَاهِي، وَالْمَلَاهِي (" الْأَخْفِيَاءَ ") أَيْ: عَنْ نَظَرِ الْخَلْقِ مِنْ عَامَّتِهِمْ، وَعَنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ (" الَّذِينَ إِذَا غَابُوا ") أَيْ: مِنْ غَايَةِ الْخُمُولِ (" لَمْ يُتَفَقَّدُوا ") : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، فَفِي الْقَامُوسِ: تَفَقَّدَهُ طَلَبَهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ} [النمل: 20](" وَإِنْ حَضَرُوا ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَهُمْ (" لَمْ يُدْعَوْا ") : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: لَمْ يُطْلَبُوا إِلَى الدَّعْوَةِ وَغَيْرِهَا (" وَلَمْ يُقَرَّبُوا ") بِالْمَجْهُولِ أَيْضًا، أَيْ: وَلَمْ يُقَرِّبْهُمُ الْعَامَّةُ، وَلَمْ يَعْرِفُوا قَدْرَ قُرْبِهِمْ، وَمِقْدَارَ مَنْزِلَتِهِمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله قَوْلُهُ: إِنَّ اللَّهَ، اسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحَقِيقَةِ الْوَلِيِّ، وَذَكَرَ لَهُمْ أَحْوَالًا ثَلَاثَةً: إِذَا كَانُوا سَفَرًا لَمْ يُتَفَقَّدُوا، وَإِذَا كَانُوا حَاضِرِينَ لَمْ يُدْعَوْا إِلَى مَأْدُبَةٍ، وَإِنْ حَضَرُوهَا لَمْ يُقَرَّبُوا وَتُرِكُوا فِي صَفِّ النِّعَالِ، وَهَذَا تَفْصِيلُ مَا وَرَدَ:" «رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ لَا يُؤْبَهُ بِهِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ". (" قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى ") أَيْ: هُمْ أَدِلَّةُ الْهِدَايَةِ، وَهُدَاةُ الْعِنَايَةِ فَيَسْتَحِقُّونَ الرِّعَايَةَ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُطْلُبَ مِنْهُمُ الْحِمَايَةُ (" يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ") أَيْ: مِنْ عُهْدَةِ كُلِّ مَسْأَلَةٍ مُشْكِلَةٍ، أَوْ بَلِيَّةٍ مُعْضِلَةٍ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: كِنَايَةٌ عَنْ حَقَارَةِ مَسَاكِنِهِمْ وَأَنَّهَا مُظْلِمَةٌ مُغْبَرَّةٌ لِفُقْدَانِ أَدَاةِ مَا يُتَنَوَّرُ وَيُتَنَظَّفُ بِهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، أَيْ: فِي سُنَنِهِ (والْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . وَقَدْ جَاءَ فِي صَدْرِ حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَرْبَعِينَ مِمَّا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» ". قَالَ شَارِحٌ لَهُ: أَيْ أَعْلَمْتُهُ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُعَادَاتِهِ مَعِي، أَوْ بِأَنِّي سَأُحَارِبُهُ، وَأَقْهَرُهُ، وَأَنْتَصِرُ مِنْهُ، وَأَنْتَقِمُ لَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: وَإِنِّي لَأَغْضَبُ لِأَوْلِيَائِي كَمَا يَغْضَبُ اللَّيْثُ لِلْجَرْوِ، أَيْ: لِوَلَدِهِ، وَفِي أُخْرَى: أَنَّهُ يَنْتَقِمُ بِعَدُّوِهِ، ثُمَّ الْوَلِيُّ بِحَسَبِ التَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلَى الْقُرْبِ، فَكَأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِاسْتِغْرَاقِهِ فِي نُورِ مَعْرِفَتِهِ، وَجَمَالِهِ، وَجَلَالِهِ، وَكَمَالِ مُشَاهَدَتِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْرِيفِهِ، فَقَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ: الْوَلِيُّ مَنْ كَانَ آتِيًا بِالِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الدَّلِيلِ، وَبِالْأَعْمَالِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْ كَذَلِكَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْكُبَرَاءِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ لَيْسُوا بِأَوْلِيَاءَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ وَلِيٌّ.
وَقَالَ الْغَزَّالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْوَلِيُّ مَنْ كُوشِفَ بِبَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِإِصْلَاحِ النَّاسِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهُمَا نَظَرٌ، إِذْ أَكْثَرُ الْأَوْلِيَاءِ لَا سِيَّمَا مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ كَرَامَةٌ وَكَشْفُ حَالَةٍ، بِخِلَافِ بَعْضِ الْخَلَفِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَقِيلَ: لِقُوَّةِ قُلُوبِ الْأَوَّلِينَ وَضَعْفِ دِينِ الْآخِرِينَ؛ وَلِأَنَّ الْأَوْلِيَاءَ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، لَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَامِلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ، مُكَمِّلُونَ لِغَيْرِهِمْ، فَهُمُ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ، وَالْوَاعِظُونَ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِهَا سِوَاهُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ: مَصَابِيحُ الْهُدَى، فَطُوبَى لِمَنْ بِهِمُ اقْتَدَى وَبِنُورِهِمُ اسْتَضَاءَ وَاهْتَدَى، فَالْأَقْرَبُ فِي مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيُّ رحمه الله: مِنْ أَنَّ الْوَلِيَّ إِمَّا فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ حِفْظَهُ وَحِرَاسَتَهُ عَلَى التَّوَالِي، أَوْ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَيْ: مَنْ يَتَوَلَّى عِبَادَةَ اللَّهِ وَطَاعَتَهُ، وَيَتَوَالَى عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَخَلُّلِ مَعْصِيَةٍ، وَكِلَا الْوَصْفَيْنِ شَرْطٌ فِي الْوِلَايَةِ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَإِيمَاءٌ فِي الْأَوَّلِ إِلَى الْمَجْذُوبِ السَّالِكِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُرَادِ، وَفِي الثَّانِي إِلَى السَّالِكِ الْمَجْذُوبِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْمُرِيدِ، وَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِمَا سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ:{اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] وَتَحْقِيقُهُ أَنْ يُقَالَ: الْوَلِيُّ هُوَ مَنْ يَتَوَلَّى اللَّهُ بِذَاتِهِ أَمْرَهُ، فَلَا تَصَرُّفَ لَهُ أَصْلًا إِذْ لَا وُجُودَ لَهُ، وَلَا ذَاتَ، وَلَا فِعْلَ، وَلَا وَصْفَ، فَهُوَ الْفَانِي بِيَدِ الْبَاقِي، كَالْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ حَتَّى يَمْحُو رَسْمَهُ وَاسْمَهُ، وَيَمْحُو عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ، وَيُحْيِيهِ بِحَيَاتِهِ، وَيُبْقِيهِ بِبَقَائِهِ، وَيُوصِلَهُ إِلَى لِقَائِهِ.
5329 -
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ، وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا عَبْدِي حَقًّا» ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
5329 -
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ)، أَيْ: فِي أَدَاءِ صَلَاتِهِ بِالْقِيَامِ بِشَرَائِطِهِ، وَوَاجِبَاتِهِ، وَسُنَنِهِ، وَمُسْتَحَبَّاتِهِ، وَكَذَا فِي سَائِرِ طَاعَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ (" وَصَلَّى فِي السِّرِّ ") أَيْ: فِي الْخَلْوَةِ عَنِ الْخَلْقِ (" فَأَحْسَنَ ") أَيْ: عَمَلَهُ اكْتِفَاءً بِنَظَرِ الْحَقِّ (" قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا ") أَيِ: الْعَبْدُ (" عَبْدِي ") أَيِ: الْمُخْلِصُ لِي (" حَقًّا ") أَيْ: صِدْقًا، خَالِيًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِي الْعَلَانِيَةِ نِفَاقًا، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّرَفُ فِي حَثِّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُصَلِّيَ السُّنَنَ وَالنَّوَافِلَ فِي الْبَيْتِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
5330 -
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ، إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ ". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ» ".
ــ
5330 -
(وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " يَكُونُ ") أَيْ: يُوجَدُ وَيَحْدُثُ (" فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ ") أَيْ: جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ أَوْ مُخْتَلِفَةٌ مُؤْتَلِفَةٌ (" إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ، أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ ") . أَيْ: أَحِبَّاءٌ فِي الظَّوَاهِرِ وَأَعْدَاءٌ فِي السَّرَائِرِ، ذَكَرَهُمَا مِنْ غَيْرِ عَطْفٍ عَلَى سَبِيلِ التَّعْدَادِ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الْخَبَرِ بَعْدَ الْخَبَرِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: (فِي) مُقَدَّرَةٌ فِيهَا، وَفِي قَرِينَتِهَا. الْجَوْهَرِيُّ: السِّرُّ مَا يُكْتَمُ، وَالسَّرِيرَةُ مِثْلُهُ (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟) أَيْ: مَا ذُكِرَ وَمَا يَكُونُ سَبَبُهُ؟ (قَالَ: " ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ ") أَيْ: بِسَبَبِ طَمَعِ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ إِلَى أُخْرَى (" وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ ") أَيْ: خَوْفِهِمْ (" مِنْ بَعْضٍ ") ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ، بَلْ أُمُورُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأَغْرَاضِ الْفَاسِدَةِ، وَالْمَقَاصِدِ الْكَاسِدَةِ، فَتَارَةً يَرْغَبُونَ فِي قَوْمٍ لِأَغْرَاضٍ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ الصَّدَاقَةَ، وَتَارَةً يَكْرَهُونَ قَوْمًا لِعِلَلٍ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ، وَخُلَاصَتُهُ: أَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِمَحَبَّةِ الْخَلْقِ وَعَدَاوَتِهِمْ، فَإِنَّهُمَا مَبْنِيَّتَانِ عَلَى غَرَضِهِمْ وَشَهْوَتِهِمْ.
5331 -
وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ» ". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ.
ــ
5331 -
(وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " مَنْ صَلَّى يُرَائِي ") أَيْ: مُرَائِيًا (" فَقَدْ أَشْرَكَ ")، أَيْ: شِرْكًا خَفِيًّا كَمَا سَيَجِيءُ مُصَرَّحًا فِيمَا يَلِيهِ مِنْ حَدِيثِهِ، (" وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ") فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الرِّيَاءَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الصِّيَامِ أَيْضًا، خِلَافًا لِمَنْ نَفَاهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ مَدَارَ الصَّوْمِ عَلَى النِّيَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الرِّيَاءُ، وَلَا عِبْرَةَ بِعَدَمِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ الطَّوِيَّةِ، فَإِنَّا نَقُولُ: الرِّيَاءُ الْمَحْضُ لَا يُتَصَوَّرُ فِي الصَّوْمِ، لَكِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يُوجَدُ عَلَى وَجْهِ الِاشْتِرَاكِ، بِأَنْ يُرِيدَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ، يُرِيدُ بِهِ أَيْضًا التَّشْهِيرَ أَوْ غَرَضًا سِوَاهُ، سَوَاءٌ يَكُونُ الْمَقْصِدَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ أَوْ مُتَقَابِلَيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ الْمَرَامِ فِي كَلَامِ حُجَّةِ الْإِسْلَامِ. (" وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ ". رَوَاهُمَا) أَيِ: الْحَدِيثَيْنِ (أَحْمَدُ) .
5332 -
ــ
5332 -
(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ شَدَّادٍ (أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: شَيْءٌ) أَيْ: يُبْكِينِي شَيْءٌ (سَمِعْتُ) أَيْ: سَمِعْتُهُ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) فِيهِ اسْتِعْمَالُ مِنْ عَلَى أَصْلِهِ (يَقُولُ) أَيْ: حَالَ كَوْنِهِ قَائِلًا، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّأْكِيدِ (فَذَكَرْتُهُ) أَيِ: الْمَسْمُوعَ أَوِ الْمَقُولَ (فَأَبْكَانِي) أَيْ: فَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُزْنِي وَبُكَائِي، وَفِيهِ نَوْعٌ مِنَ الْإِجْمَالِ ; وَلِذَا اسْتَأْنَفَ بَيَانَهُ فَقَالَ:(سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: " أَتَخَوَّفُ " قَالَ الرَّاغِبُ: الْخَوْفُ تَوَقُّعُ أَمْرٍ مَكْرُوهٍ عَنْ أَمَارَةٍ مَظْنُونَةٍ أَوْ مَعْلُومَةٍ، وَالتَّخَوُّفُ ظُهُورُ الْخَوْفِ مِنَ الْإِنْسَانِ، انْتَهَى، وَالظَّاهِرُ أَنَّ التَّاءَ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالْمَعْنَى أَخَافُ خَوْفًا كَثِيرًا (عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ) أَيِ: الْخَفِيَّ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ تَقْدِيرِنَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ:«أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» . (" وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ ") .
أَيِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا أَصْحَابُ الرِّيَاضَاتِ الرَّضِيَّةِ، وَالْمُجَاهَدَاتِ الْقُدْسِيَّةِ، وَالْمُخَالَفَاتِ النَّفْسِيَّةِ. (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُشْرِكُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَتُؤَنَّثُ (أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: " نَعَمْ. أَمَا ") : بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ الشِّرْكَ الْجَلِيَّ (" إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا ") أَيْ: وَلَا صَنَمًا وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ (" وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ") : وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] . (" وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا ")، أَيْ: نَاوِيًا لِلصَّوْمِ (" فَتَعْرِضَ ") : بِكَسْرِ الرَّاءِ مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا أَيْ: فَتَظْهَرُ (" لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ ") أَيْ: كَالْأَكْلِ، وَالْجِمَاعِ، وَغَيْرِهِمَا، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ رحمه الله. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّهْوَةِ الْخَفِيَّةِ شَهْوَةٌ خَاصَّةٌ عَزِيزَةُ الْوُجُودِ مِنْ بَيْنِ مُشَبَّهَاتِهِ بِحَيْثُ لَا تُوجَدُ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِهِ فَيَمِيلُ إِلَيْهَا بِالطَّبْعِ، وَلَا يُلَاحِظُ مُخَالَفَتَهُ لِلشَّرْعِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى:{وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] وَالنَّقْلُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فَيَجِبُ إِتْمَامُهُ (" فَيَتْرُكَ صَوْمَهُ ") أَيْ: وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ دَاعِيَةٍ إِلَيْهِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: يَعْنِي إِذَا كَانَ الرَّجُلُ فِي طَاعَةٍ مِنْ طَاعَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِ نَفْسِهِ، يُرَجِّحُ جَانِبَ النَّفْسِ عَلَى جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَتْبَعُ هَوَى نَفْسِهِ فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إِلَى الْهَلَاكِ وَالرَّدَى. قَالَ تَعَالَى {فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37] اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْهَوَى فِي الْآيَةِ الشَّهْوَةُ الْجَلِيَّةُ، وَهِيَ الْمُحَرَّمَاتُ وَالْأُمُورُ الْمَنْهِيَّةُ، ثُمَّ قَالَ: وَسُمِّيَ خَفِيًّا لِخَفَاءِ هَلَاكِهِ أَوْ مَشَاكِلِهِ لِقَوْلِهِ: الشِّرْكَ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الشِّرْكُ الْخَفِيُّ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي، انْتَهَى. وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْمُشَاكَلَةِ، لَا فِي الْإِطْلَاقِ، وَلَا فِي التَّقْيِيدِ بِحَسَبِ الْمُقَابَلَةِ، (رَوَاهُ أَحْمَدُ) أَيْ: فِي مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ") . قَالَ مِيرَكُ: رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَفِي الْجَامِعِ: الشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ وَالرِّيَاءُ شِرْكٌ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ شَدَّادٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ:" «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً» ".
5333 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ " فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: " الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ، فَيَزِيدَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
ــ
5333 -
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَيِ: الْخُدْرِيِّ كَمَا فِي نُسْخَةٍ (فَقَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: (أَلَا) لَيْسَتْ لِلتَّنْبِيهِ، بَلْ هِيَ لَا النَّافِيَةُ دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ، يَعْنِي بِقَرِينَةِ بَلَى فِي جَوَابِهِمْ، وَالْمَعْنَى: أَلَا أُعَلِّمُكُمْ (" بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ ") أَيْ: لِعُمُومِهِ وَخَفَائِهِ (" عِنْدِي ") أَيْ: فِي شَرِيعَتِي وَطَرِيقَتِي (" مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ") ، أَيْ لِخُصُوصِ وَقْتِهِ، وَلِظُهُورِ مَقْتِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْكُمْ رِعَايَةُ مُحَافَظَتِهِ (فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: " الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ ") بَدَلٌ مِمَّا قَبْلَهُ، أَوِ التَّقْدِيرُ هُوَ أَنْ يَقُومَ (" الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ ") بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ، وَكَذَا قَوْلُهُ:(" فَيَزِيدَ ") أَيْ: فِي الْكَمِّيَّةِ أَوِ الْكَيْفِيَّةِ (" صَلَاتَهُ ") أَيْ: فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا أَوْ بَعْضِهَا (" لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ") أَيْ: مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ (" إِلَيْهِ ") ، وَلَمْ يَكْتَفِ بِاطِّلَاعِهِ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .
5334 -
وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي (شُعَبِ الْإِيمَانِ) :" «يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟» ".
ــ
5334 -
(وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ) ، أَنْصَارِيٌّ أَشْهَلِيٌّ، وُلِدَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحَدَّثَ عَنْهُ أَحَادِيثَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: لَهُ صُحْبَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَا يُعْرَفُ لَهُ صُحْبَةٌ، وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي التَّابِعِينَ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الصَّحِيحُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ؟) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوَّلًا، (قَالَ:" الرِّيَاءُ ") ، أَيْ جِنْسُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، مِنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: " يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ ") أَيْ: لِلْمُرَائِينَ (" يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ ") : عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ الْعِبَادِ، وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ وَرَفْعِ الْعِبَادِ (" بِأَعْمَالِهِمْ ") أَيْ: إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ (" اذْهَبُوا ") أَيْ: أَيُّهَا الْمُرَاؤُونَ (" إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ ")، أَيْ: فِي حُسْنِ الْعِبَادَةِ أَوْ أَصْلُهَا نَظَرَهُمْ تُرَاعُونَ (" فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟) : الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " كَمَا فِي نُسْخَةٍ، أَوْ عَطْفُ تَفْسِيرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ هَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، والْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ وَغَيْرِهِ.
5335 -
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ، خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ» ".
ــ
5335 -
(وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ ") أَيْ: فِي دَاخِلِ حَجَرٍ صُلْبٍ - فَرْضًا - أَوْ جَوْفِ كَهْفِ جَبَلٍ (" لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ ") بِفَتْحِ الْكَافِ وَتُضَمُّ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ طَاقَةَ، وَقِيلَ: هِيَ بِالْفَتْحِ إِذَا كَانَتْ غَيْرُ نَافِذَةٍ، وَبِالضَّمِّ إِذَا كَانَتْ نَافِذَةً، فَالْأُولَى أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا فِي بَابِ الْمُبَالَغَةِ أَعْلَى. (" خَرَجَ عَمَلُهُ إِلَى النَّاسِ ") أَيْ: ظَهَرَ عَلَيْهِمْ (" كَائِنًا ") أَيْ: ذَلِكَ الْعَمَلُ (" مَا كَانَ ") . أَيْ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَنَصَبَ كَائِنًا عَلَى الْحَالِ، أَيْ: حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ الْعَمَلِ أَيَّ شَيْءٍ كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ: مَنْ كَانَ، فَالتَّقْدِيرُ: كَائِنًا ذَلِكَ الْعَامِلُ أَوْ صَاحِبُ الْعَمَلِ مَنْ كَانَ، أَيْ: سَوَاءٌ أَرَادَ ظُهُورَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 72] .