المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب الغضب والكبر] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٨

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَمِنَ اللَّهِ]

- ‌[بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنَ التَّهَاجُرِ وَالتَّقَاطُعِ وَاتِّبَاعِ الْعَوْرَاتِ]

- ‌[بَابُ الْحَذَرِ وَالتَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ]

- ‌[بَابُ الرِّفْقِ وَالْحَيَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ]

- ‌[بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ]

- ‌[بَابُ الظُّلْمِ]

- ‌[بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ]

- ‌[كِتَابُ الرِّقَاقِ]

- ‌[بَابُ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ وَمَا كَانَ مِنْ عَيْشِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[بَابُ الْأَمَلِ وَالْحِرْصِ]

- ‌[بَابُ اسْتِحْبَابِ الْمَالِ وَالْعُمُرِ لِلطَّاعَةِ]

- ‌[بَابُ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ]

- ‌[بَابُ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ]

- ‌[بَابُ الْبُكَاءِ وَالْخَوْفِ]

- ‌[بَابُ تَغَيُّرِ النَّاسِ]

- ‌[بَابُ التَّحْذِيرِ مِنَ الْفِتَنِ]

- ‌[كِتَابُ الْفِتَنِ]

- ‌[بَابُ الْمَلَاحِمِ]

- ‌[بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ]

- ‌[بَابُ الْعَلَامَاتِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ وَذِكْرِ الدَّجَّالِ]

- ‌[بَابُ قِصَّةِ ابْنِ صَيَّادٍ]

- ‌[بَابُ نُزُولِ عِيسَى عليه الصلاة والسلام]

- ‌[بَابُ قُرْبِ السَّاعَةِ وَأَنَّ مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ]

- ‌[بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ]

- ‌[كِتَابُ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ] [

- ‌بَابُ النَّفْخِ فِي الصُّورِ]

- ‌[بَابُ الْحَشْرِ]

- ‌[بَابُ الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ وَالْمِيزَانِ]

- ‌[بَابُ الْحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ]

- ‌[بَابُ صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِهَا]

الفصل: ‌[باب الغضب والكبر]

الْفَرِيقِ الْكَمَلِ. (ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ) أَيْ: خِصَالٌ (كُلُّهُنَّ حَقٌّ) أَيْ: ثَابِتٌ وَصِدْقٌ (مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمَظْلِمَةٍ) : بِكَسْرِ اللَّامِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا، وَأَنْكَرَهُ بَعْضٌ. وَحَكَى الْفَرَّاءُ بِالضَّمِّ أَيْضًا. وَفِي الْمُغْرِبِ: الْمَظْلِمَةُ الظُّلْمُ وَاسْمُ الْمَأْخُوذُ، وَفِي الْقَامُوسِ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَالْمَظْلِمَةِ بِكَسْرِ اللَّامِ مَا يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ. (فَيُغْضِي) : مِنَ الْإِغْضَاءِ بِالْغَيْنِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ، وَهُوَ إِدْنَاءُ الْجُفُونِ بِمَعْنَى الْإِغْمَاضِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا الْإِعْرَاضُ، وَفِي نُسْخَةٍ فَيُعْفَى بِالْعَيْنِ الْمُهْمِلَةِ مِنَ الْإِعْفَاءِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْعَفْوِ وَالْمَعْنَى فَيُسَامِحُ (عَنْهَا) أَيْ: عَنْ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَيَتْرُكُ جَوَاهَا أَوِ الْمُطَالَبَةَ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَوْ مُطْلَقًا (لِلَّهِ عز وجل أَيْ: لَا لِفَخْرٍ وَلَا سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ (إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا) أَيْ: بِمُقَابَلَةِ تِلْكَ الْمَظْلِمَةِ وَالْإِهَانَةِ أَوْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْخَصْلَةِ الْمُعَانَةِ (نُصْرَةً) أَيْ: إِعَانَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ) أَيْ: صَدَقَةٍ (يُرِيدُ بِهَا صِلَةً) أَيْ: صِلَةً لِلرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ أَوْ وَصْلَةً لِلْقُرْبَةِ وَفِي رِوَايَةٍ (بَابَ عَطِيَّةٍ) بِصَدَقَةٍ أَوْ صِلَةٍ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: بَرَكَةً صُورِيَّةً وَمَعْنَوِيَّةً (وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ) أَيْ: سُؤَالٍ مِنْ مَخْلُوقٍ (يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً) أَيْ: لَا دَفْعَ حَاجَةٍ ضَرُورِيَّةٍ تُلْجِئُهُ (إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً) أَيْ: حِسِّيَّةً أَوْ حَقِيقِيَّةً، وَفِي رِوَايَةٍ (إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِي الْمَوْضِعَيْنِ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَلَفْظُهُ: ( «ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ مَا نَقَصَ مَالٌ قَطُّ مِنْ صَدَقَةٍ فَتَصَدَّقُوا، وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عَزًّا فَاعْفُوا يَزِدْكُمُ اللَّهُ عِزًّا، وَلَا فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ» ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ وَلَفْظُهُ:«ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ: مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ، وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عز وجل عِزًّا، وَلَا فَتْحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهَ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا. فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ» .

ص: 3186

5103 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا يَحْرِمُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ".

ــ

5103 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ) أَيِ: اللَّهُ بِهِ (وَلَا يَحْرِمُهُمْ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَقِيلَ بِضَمِّهِ أَيْ: وَلَا يَمْنَعُ أَهْلَ بَيْتٍ (إِيَّاهُ) أَيِ: الرِّفْقَ (إِلَّا ضَرَّهُمْ) أَيْ: أَضَرَّهُمُ اللَّهُ بِهِ. (رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ) .

ص: 3186

[بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ]

ص: 3186

[20]

بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

5104 -

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِنِي. قَالَ: " لَا تَغْضَبْ ". فَرَدَّدَ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ: " لَا تَغْضَبْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

[20]

بَابُ الْغَضَبِ وَالْكِبْرِ

قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ فَوَرَانُ دَمِ الْقَلْبِ أَوْ عَرَضٌ يَتْبَعُهُ ذَلِكَ لِدَفْعِ الْمُؤْذِيَاتِ، وَلِلِانْتِقَامِ بَعْدَ وُقُوعِهَا. فَإِطْلَاقُهُ عَلَى اللَّهِ كَمَا فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ:" «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» " مَجَازٌ أَيْ: يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ الْمَلِكُ إِذَا غَضِبَ عَلَى مَنْ تَحْتَ يَدِهِ مِنَ الِانْتِقَامِ لِإِنْزَالِ الْعُقُوبَةِ، وَأَمَّا الْكِبْرُ فَقَالَ الرَّاغِبُ: هُوَ الْحَالَةُ الَّتِي يَتَخَصَّصُ بِهَا الْإِنْسَانُ مِنْ إِعْجَابِ نَفْسِهِ بِأَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَكْبَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَأَعْظَمُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِذْعَانِ لِلْعِبَادَةِ، وَالِاسْتِكْبَارُ عَلَى وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَحَرَّى الْإِنْسَانُ أَنْ يَصِيرَ كَبِيرًا، وَذَلِكَ مَتَى كَانَ عَلَى مَا يُحَبُّ فَهُوَ الْمَحْمُودُ، وَالثَّانِي: أَنْ يَتَشَبَّعَ فَيُظْهِرُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَيْسَ لَهُ فَهُوَ الْمَذْمُومُ كَقَوْلِهِ: أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَالْمُتَكَبِّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ، إِمَّا مَحْمُودٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ أَفْعَالُهُ الْحَسَنَةُ كَثِيرَةً زَائِدَةً فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَحَاسِنِ غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا وَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُتَكَبِّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 23] أَوْ مَذْمُومٌ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُتَكَلِّفًا مُتَشَبِّعًا لِذَلِكَ، وَهَذَا وَصْفُ عَامَّةِ النَّاسِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى:{فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 72] وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الْكِبْرُ يَنْقَسِمُ إِلَى ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ، فَإِذَا ظَهَرَ عَلَى الْجَوَارِحِ يُقَالُ تَكَبُّرٌ، وَإِذَا لَمْ يَظْهَرُ يُقَالُ فِي نَفْسِهِ كِبْرٌ، فَالْأَصْلُ هُوَ الْخُلُقُ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الِاسْتِرْوَاحُ وَالرُّكُونُ إِلَى رُؤْيَةِ النَّفْسِ فَوْقَ الْمُتَكَبِّرِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْكِبْرَ يَسْتَدْعِي مُتَكَبِّرًا عَلَيْهِ لِيَرَى نَفْسَهُ فَوْقَهُ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ وَمُتَكَبِّرًا بِهِ، وَبِهِ يُفْصَلُ الْكِبْرُ عَنِ الْعُجْبِ، فَإِنَّ الْعُجْبَ لَا يَسْتَدْعِي غَيْرَ الْمُعْجَبِ بِهِ، بَلْ لَوْ لَمْ يُخْلُقْ إِلَّا وَحْدَهُ تُصُوِّرَ أَنْ يَكُونَ مُعْجَبًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

5104 -

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا) : هُوَ ابْنُ عُمَرَ أَوْ حَارِثَةُ بْنُ قُدَامَةَ أَوْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: أَوْصِنِي) أَيْ: أَرْشِدْنِي بِخُصُوصِي إِلَى عُمُومِ مَا يَنْفَعُنِي دِينًا وَدُنْيَا وَيُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (قَالَ: " لَا تَغْضَبْ " فَرَدَّدَ) أَيِ: الرَّجُلُ السُّؤَالَ وَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ لِذَلِكَ عَلَى مَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (مِرَارًا) أَيْ: ثَلَاثًا أَوْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى رَجَاءَ أَنْ يَضُمَّ مَعَهُ إِيصَاءً آخَرَ (قَالَ: لَا تَغْضَبْ) : قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْغَضَبُ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ يَخْرُجُ بِهِ الْإِنْسَانُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ صُورَةً وَسُرَّةً حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْبَاطِلِ وَيَفْعَلَ الْمَذْمُومَ شَرْعًا وَعُرْفًا، وَيَنْوِيَ الْحِقْدَ وَالْبُغْضَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ الَّتِي كُلُّهَا مِنْ أَثَرِ سُوءِ الْخُلُقِ، بَلْ قَدْ يَكْفُرُ، وَلِهَذَا قَالَ: لَا تَغْضَبْ وَأَصَرَّ عَلَيْهِ مَعَ إِلْحَاحِ السَّائِلِ مُرِيدًا لِلزِّيَادَةِ أَوِ التَّبْدِيلِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهُ: حَسِّنْ خُلُقَكَ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، فَالْحَدِيثُ مِنْ بَدَائِعِ الْكَلِمِ، ثُمَّ عِلَاجُهُ مَعْجُونٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ بِأَنْ يَرَى الْكُلَّ مِنَ اللَّهِ، وَيُذَكِّرَ نَفْسَهُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ أَعْظَمُ وَفَضْلَهُ أَكْثَرُ، وَكَمْ خَالَفَ أَمْرَهُ وَلَمْ يَغْضَبْ عَلَيْهِ، وَيَتَعَوَّذَ وَيَتَوَضَّأَ وَيَشْغَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: قَدْ كَانَ صلى الله عليه وسلم مُكَاشِفًا بِأَوْضَاعِ الْخَلْقِ عَارِفًا بِأَدْوَائِهِمْ يَضَعُ الْهَنَا مَوْضِعَ النَّقْبِ يَأْمُرُهُمْ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِمْ، فَلَمَّا اسْتَوْصَاهُ الرَّجُلُ وَقَدْ رَآهُ مَمْلُوءًا بِالْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ لَمْ يَرَ لَهُ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَتَجَنَّبَ عَنْ دَوَاعِي الْغَضَبِ وَيُزَحْزِحَ نَفْسَهُ عَنْهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا رَأَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ وَتَعْتَرِيهِ إِنَّمَا تَعْرُضُ لَهُ مِنْ فَرْطِ شَهْوَتِهِ وَاسْتِيلَاءِ غَضَبِهِ، وَالشَّهْوَةُ مَكْثُورَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَقْتَضِيهُ الْغَضَبُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهَا، فَلَمَّا سَأَلَهُ الرَّجُلُ أَنْ يُشِيرَ إِلَيْهِ مَا يَتَوَسَّلُ بِهِ إِلَى التَّجَنُّبِ عَنِ الْقَبَائِحِ وَالتَّحَرُّزِ عَنْ مَظَانِّهَا نَهَاهُ عَنِ الْغَضَبِ الدَّاعِي إِلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ ضَرَرًا وَأَكْثَرَ وِزْرًا، فَإِنَّ ارْتِفَاعَ السَّبَبِ يُوجِبُ ارْتِفَاعَ مُسَبِّبَاتِهِ لَا مَحَالَةَ.

قُلْتُ: هُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ وَبَيَانٌ مُسْتَحْسَنٌ إِلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَدَارَ الْغَضَبِ عَلَى شَهْوَةِ النَّفْسِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْضَبُ غَضَبًا مَذْمُومًا إِلَّا بِتَوَهُّمِ فَوْتِ شَهْوَةٍ لَهُ أَوْ بَعْدَ تَحَقُّقِ فَرْقًا، وَلِهَذَا تَرَى كُلَّ مَا كَانَ شَهْوَتُهُ أَكْثَرَ كَالْمُلُوكِ وَالْأُمَرَاءِ يَكُونُ غَضَبُهُ أَكْبَرَ، وَيَجُبُّ عَنْهُ الْحَذَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الَّذِي يَلِيهُ (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدَ وَالْحَاكِمِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ قُدَامَةَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي ذَمِّ الْغَضَبِ عَنْ رَجُلٍ وَلَفْظُهُ: لَا تَغْضَبْ، فَإِنَّ الْغَضَبَ مَفْسَدَةٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَالطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ:«لَا تَغْضَبْ وَلَكَ الْجَنَّةُ» .

ص: 3187

5105 -

وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

5105 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ الشَّدِيدُ) أَيِ: الْقَوِيُّ كَامِلُ الْقُوَّةِ (بِالصُّرَعَةِ) : بِضَمٍّ فَفَتَحِ هَمْزَةٍ مِنْ يُكْثِرُ الصَّرْعَ وَهُوَ إِسْقَاطُ الْمُصَارِعِ لَهُ، لِأَنَّهُ قُوَّةٌ صُورِيَّةٌ نَفْسِيَّةٌ، فَنِّيَّةُ (إِنَّمَا الشَّدِيدُ) أَيِ: الْكَامِلُ (الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْدَ الْغَضَبِ) : فَإِنَّهُ قُوَّةٌ دِينِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ إِلَهِيَّةٌ بَاقِيَةٌ، فَحَوَّلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعْنَى هَذَا الِاسْمِ مِنَ الْقُوَّةِ الظَّاهِرَةِ إِلَى الْبَاطِنَةِ، وَمِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى الدِّينِ. وَفِي النِّهَايَةِ: الصُّرَعَةُ بِضَمِّ الصَّادِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُبَالِغُ فِي الصَّرْعِ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، فَنَقَلَهُ إِلَى الَّذِي يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَإِنَّهُ إِذَا مَلَكَهَا كَانَ قَدْ قَهَرَ أَقْوَى أَعْدَائِهِ وَشَرَّ خُصُومِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ، وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي نَقَلَهَا عَنْ وَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ بِضَرْبٍ مِنَ التَّوَسُّعِ وَالْمَجَازِ، وَهُوَ مِنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَضْبَانُ بِحَالَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ الْغَيْظِ، وَقَدْ ثَارَتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ الْغَضَبِ، فَقَهَرَ بِحِلْمِهِ وَصَرَعَهَا بِثَبَاتِهِ كَانَ كَالصُّرَعَةِ الَّذِي يَصْرَعُ الرِّجَالَ وَلَا يَصْرَعُونَهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ.

ص: 3188

5106 -

وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: " كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ ".

ــ

5106 -

(وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ) : ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الصَّحَابَةِ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ) : بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِيرٍ هُوَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ. قَالَ شَارِحٌ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ النَّاسُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَرِينَتُهُ الْآتِيَةُ، فَالْحُكْمُ كُلِّيٌّ لَا غَالِبِيٌّ عَلَى مَا سَيَجِيءُ وَقَوْلُهُ:(مُتَضَعِّفٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَيُكْسَرُ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ كَجُنُودٍ مُجَنَّدَةٍ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ وَظِلٍّ ظَلِيلٍ، وَفَائِدَةُ التَّاءِ الْمَوْضُوعِ لِلطَّلَبِ أَنَّ الضَّعْفَ الْحَاصِلَ فِيهِ كَأَنَّ مَطْلُوبٌ مِنْهُ التَّذَلُّلَ وَالتَّوَاضُعَ، مَعَ إِخْوَانِهِ وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا مُتَرَجِّلًا مَعَ أَعْدَائِهِ. قَالَ تَعَالَى:{أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ كَثُرَ تَوَاضُعُهُ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يَكُونُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمُقَرَّبِينَ، كَمَا أَنَّ مَنْ يَكُونُ أَكْثَرَ تَكَبُّرًا وَتَجَبُّرًا يَكُونُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ.

وَقَالَ النَّوَوِيُّ: ضَبَطُوهُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا، وَالْمَشْهُورُ الْفَتْحُ، وَمَعْنَاهُ يَسْتَضْعِفُهُ النَّاسُ وَيَحْتَقِرُونَهُ وَيَتَجَرَّأُونَ عَلَيْهِ لِضَعْفِ حَالِهِ فِي الدُّنْيَا، يُقَالُ: تَضَعَّفَهُ وَاسْتَضْعَفَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْكَسْرِ فَمَعْنَاهُ مُتَوَاضِعٌ مُتَذَلِّلٌ خَامِلٌ وَاضِعٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَغْلَبَ أَهْلِ الْجَنَّةِ هَؤُلَاءِ، كَمَا أَنَّ مُعْظَمَ أَهْلِ النَّارِ الْقِسْمُ الْأَخِيرُ (لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ) أَيْ: فِي فِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ (لَأَبَرَّهُ) أَيْ: لَأَمْضَاهُ عَلَى الصِّدْقِ وَجَعَلَهُ بَارًّا غَيْرَ حَانِثٍ فِي طَلَبِهِ مِنَ الْحَقِّ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا طَمَعًا فِي كَرَمِ اللَّهِ بِإِبْرَارِهِ لَأَبَرَّهُ (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ) : بِضَمَّتَيْنِ فَتَشْدِيدٌ أَيْ: جَافٍ شَدِيدُ الْخُصُومَةِ بِالْبَاطِلِ، وَقِيلَ: الْجَافِي الْفَظُّ الْغَلِيظُ (جَوَّاظٍ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ أَيْ: جَمُوعٍ مَنُوعٍ أَوْ مُخْتَالٍ، وَقِيلَ: السَّمِينُ مِنَ التَّنْعِيمِ، وَقِيلَ: الْفَاجِرُ بِالْجِيمِ، وَقِيلَ: بِالْخَاءِ (مُسْتَكْبِرٍ) أَيْ: مُتَكَبِّرٍ عَنِ الْحَقِّ أَوْ عَلَى أَهْلِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُعَاذٍ وَلَفْظُهُ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مُسْتَضْعَفٌ ذُو طِمْرَيْنِ لَا يَؤُبَّهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: " «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ، كُلُّ جَعْظَرِيِّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمَّاعٍ مَنُوعٍ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ مِسْكِينٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» ".

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: (كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ) : وَالزَّنِيمُ: الدَّعِيُّ فِي النَّسَبِ الْمُلْصَقِ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ تَشْبِيهًا لَهُ بِالزَّنَمَةِ وَهِيَ شَيْءٌ يُقْطَعُ مِنْ أُذُنِ الشَّاهِ وَيُتْرَكُ مُعَلَّقًا بِهَا ذَكَرُهُ الطِّيبِيُّ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْآيَةِ الْوَارِدَةِ فِي حَقِّ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ وَأَضْرَابِهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَيَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَهُوَ اللَّئِيمُ الْمَعْرُوفُ بِلُؤْمِهِ أَوْ شَرِّهِ عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الزَّنِيمُ كِنَايَةً عَنْ هَذَا الْوَصْفِ، فَإِنَّهُ لَازَمَهُ غَالِبًا، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:( «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» )، وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا عَمِلَ بِعَمَلِ أَبَوَيْهِ، وَأَمَّا حَدِيثُ ( «وَلَدُ الزِّنَا لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» ) فَلَا أَصْلَ لَهُ أَصْلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 3188

5107 -

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

5107 -

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَدْخُلُ النَّارَ) أَيْ: دُخُولَ خُلُودٍ (أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ) أَيْ: مِقْدَارُ وَزْنِ حَبَّةٍ (مِنْ خَرْدَلٍ) : قِيلَ: إِنَّهُ الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ وَهُوَ تَمْثِيلٌ لِلْقِلَّةِ كَمَا جَاءَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ (مِنْ إِيمَانٍ) أَيْ: مِنْ ثَمَرَتِهِ وَهِيَ أَخْلَاقُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَاطِنِ أَوِ الظَّاهِرِ الصَّادِرِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ، وَظُهُورِ الْإِيقَانِ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ وَهُوَ التَّصْدِيقُ لَيْسَ قَابِلًا لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَقَوْلُ الطِّيبِيِّ فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ صَدَرَ مِنْ غَيْرِ شُعُورٍ بِحَقِيقَةِ الْإِيقَانِ وَالْإِتْقَانِ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَجَزَّأُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْمُؤْمِنِ بِهِ، وَلَا شَكَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِبَعْضِ مَا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ كَلَا إِيمَانَ. نَعَمْ لَهُ شُعَبٌ كَثِيرَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَمَاهِيَّتِهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَسَائِرِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، وَكَالتَّوَاضُعِ وَالتَّرَحُّمِ وَسَائِرِ الْأَخْلَاقِ الْبَاطِنَةِ الْبَاهِرَةِ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ:" «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» " وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَوْلُهُ: «وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي مَفْهُومِ الْإِيمَانِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُقَابَلَتُهُ بِقَوْلِهِ:(وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ: مَعَ السَّابِقِينَ (أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ) : فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ أَنَّ " الْكِبْرَ الْمُجَرَّدَ لَيْسَ بِكُفْرٍ، كَمَا أَنَّ الْكِبْرَ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ كُفْرٌ إِجْمَاعًا، نَعَمِ الْكُفْرُ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ عَلَى مَا لَا يَخْفَى، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة: 257] أَيْ: مِنْ أَنْوَاعِ ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ وَالْكُفْرَانِ إِلَى النُّورِ أَيْ: نُورِ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَعَ الْكِبْرِ، بَلْ يُصَفَّى مِنْهُ وَمِنْ كُلِّ خَصْلَةٍ مَذْمُومَةٍ إِمَّا بِالتَّعْذِيبِ أَوْ بِعَفْوِ اللَّهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ.

قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لِلْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرَادَ بِالْكِبْرِ الْكُفْرُ وَالشِّرْكُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ قَابَلَهُ فِي نَقِيضِهِ بِالْإِيمَانِ. وَثَانِيهِمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ نَزَعَ مِنْ قَلْبِهِ مَا كَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكِبْرِ، حَتَّى يَدْخُلَهَا بِلَا كِبْرٍ وَغِلٍّ فِي قَلْبِهِ، وَقَوْلُهُ:(لَا يَدْخُلُ النَّارَ) يَعْنِي دُخُولَ تَأْيِيدٍ وَتَخْلِيدٍ اهـ. وَأَرَادَ فِي الْمَعْنَى الثَّانِي بِالْكِبْرِ التَّكَبُّرَ عَلَى النَّاسِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَسِهَا فَإِنَّهُ أَشَارَ بِالْإِيمَانِ، إِلَى أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَجْتَنِبَ عَنْهُ، وَبِالْكِبْرِ تَلْمِيحٌ إِلَى أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ سِمَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْغَبَ فِيهِ، وَهُوَ الْوَجْهُ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْأَوْلَى فِي سِيَاقِ الْكَلَامِ، وَإِيرَادَهُ إِلَى مَعْنَى الْوَصْفَيْنِ لِلتَّرْغِيبِ فِي أَحَدِهِمَا، وَالتَّنْفِيرِ عَنِ الْآخَرِ لَا إِلَى حُكْمِ الْمَوْصُوفِينَ وَإِنْ لَزِمَهُ تَبَعًا اهـ. وَهُوَ غَايَةُ التَّحْقِيقِ وَنِهَايَةُ التَّدْقِيقِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 3189

5108 -

وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ". فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا. قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبَرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

5108 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ " فَقَالَ رَجُلٌ: هُوَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَوْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَوْ رَبِيعَةُ بْنُ عَامِرٍ أَقْوَالٍ. (إِنَّ الرَّجُلَ) أَيْ: جِنْسُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّخْصُ (يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَاعِيَ نَظَرَ الْخَلْقِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَعَلَامَةُ صِدْقِهِ أَنْ يُحِبَّ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْخَلَاءِ، ثُمَّ النَّعْلُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ جَمَاعِيَّةٌ. ذَكَرَهَا ابْنُ الْحَاجِبِ فِي رِسَالَتِهِ فِيمَا يَجِبُ تَأْنِيثُهُ، وَفِي الْمَشَارِقِ: وَنَعْلُهُ حَسَنَةٌ فَالتَّذْكِيرُ هُنَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَاهَا، هُوَ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ التَّقْدِيرُ: وَنَعْلُهُ ذَاتُ حُسْنٍ، أَوْ عَدَلَ عَنْ فَعْلَاءَ أَيْ فَعَلَ لِلْمُشَاكَلَةِ مَعَ قَابِلِيَّةِ اللَّفْظِ أَنْ يُقْرَأَ كَذَلِكَ، وَلَعَلَّ سَبَبَ السُّؤَالِ مَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى الرَّجُلُ الْعَادَةَ فِي الْمُتَكَبِّرِينَ لِبْسَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ سَأَلَ مَا سَأَلَ.

ص: 3189

(قَالَ) أَيْ: مُجِيبًا لَهُ (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ) أَيْ: فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَفِعَالِهِ وَكُلِّ جَمَالٍ صُورِيٍّ أَوْ جَمِيلٍ مَعْنَوِيٍّ، فَهُوَ أَثَرُ جِمَالِهِ، فَلَا جَمَالَ وَلَا جَلَالَ وَلَا كَمَالَ إِلَّا لَهُ سُبْحَانَهُ (يُحِبُّ الْجَمَالَ) أَيْ: ظُهُورَهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ، وَلِذَلِكَ أَظْهَرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ مَظَاهِرَهُ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ:" «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» "(الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُهْمَلَةِ أَيِ: الْكِبْرُ الْمَذْمُومُ بُطْلَانُ جَمَالِ الْحَقِّ (وَغَمْصِ النَّاسِ) أَيِ: اسْتِحْقَارِ الْخَلْقِ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ، وَالْمُرَادُ هُنَا قِيلَ سَوَاءٌ احْتِمَالُ الْغِنَى، وَقِيلَ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ. وَفِي النِّهَايَةِ: بَطَرُ الْحَقِّ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ مَا يَجْعَلُهُ اللَّهُ حَقًّا مِنْ تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ بَاطِلًا، وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَجَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَرَاهُ حَقًّا. وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَتَكَبَّرَ عَنِ الْحَقِّ فَلَا يَقْبَلُهُ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَتَفْسِيرُهُ عَلَى الْبَاطِلِ أَشْبَهُ لِمَا وَرَدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ سَفَهِ الْحَقِّ، وَغَمْصِ النَّاسِ أَيْ: رَأَى الْحَقَّ سَفَهًا. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالطَّبَرَانِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بِزِيَادَةِ:" «وَيُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ» ". وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِزِيَادَةِ: " سَخِيٌّ يُحِبُّ السَّخَاءَ نَطِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ ".

ص: 3190

5109 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

5109 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (ثَلَاثَةٌ) أَيْ: أَشْخَاصٌ (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أَيْ: كَلَامَ رِضًا أَوْ مُطْلَقًا (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أَيْ: وَقْتَ ظُهُورِ عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ وَغَضَبِهِ وَرِضَاهُ (وَلَا يُزَكِّيهِمْ) أَيْ: لَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ لَا يُطَهِّرُهُمْ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ (وَفِي رِوَايَةٍ) : بَدَلًا عَمَّا قَبْلَهُ أَوْ زِيَادَةً عَلَيْهِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ) أَيْ: نَظَرَ لُطْفٍ وَعِنَايَةٍ وَرَحْمَةٍ وَرِعَايَةٍ (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ تَتِمَّةِ الرِّوَايَةِ، وَأَنْ يَكُونَ عَوْدًا إِلَى أَصْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَقَوْلِهِ:(شَيْخٌ زَانٍ) : لِأَنَّ الزِّنَا إِذَا كَانَ قَبِيحًا مِنَ الشَّابِّ مَعَ كَوْنِهِ مَعْذُورًا طَبْعًا، فَمِنَ الشَّيْخِ الْمُنْطَفِئِ شَهْوَتُهُ الْمُنْتَفِي غُلْمَتُهُ يَكُونُ أَقْبَحَ، وَفِي نَظَرِ الْعَقْلِ أَسْمَجَ (وَمَلِكٌ كَذَّابٌ) أَيْ: كَثِيرُ كَذِبٍ أَوْ ذُو كَذِبٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصِّيغَةَ لِلْمُبَالَغَةِ، أَوِ النِّسْبَةِ، وَالثَّانِي أَبْلَغُ (وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ) أَيْ: فَقِيرٌ مُتَكَبِّرٌ، لِأَنَّ كِبْرًا مَعَ انْعِدَامِ سَبَبِهِ فِيهِ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَالِ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ بِالطَّبْعِ ذَمِيمًا فِي الشَّرْعِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْعَائِلِ ذُو الْعِيَالِ، فَتَكَبُّرُهُ عَنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ قَدْرَ مَا يَسُدُّ خَلَّتَهُ وَخَلَّةَ عِيَالِهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِاسْتِيلَاءِ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ وَعِيَالَهُ الضَّرَرُ الشَّدِيدُ مِنْ تَكَبُّرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي الزِّنَا قَبِيحٌ وَمِنَ الشَّيْخِ أَقْبَحُ وَالْكَذِبُ سَمِجٌ، وَمِنَ الْمَلِكِ أَسْمَجُ، وَالتَّكَبُّرُ مَذْمُومٌ وَمِنَ الْفَقِيرِ أَذَمُّ اهـ.

وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالشَّيْخِ الْمُحْصَنُ سَوَاءٌ يَكُونُ شَابًّا أَوْ لَا. وَلِكَوْنِ الزِّنَا أَقْبَحَ مِنْهُ شَرْعًا وَعُرْفًا وَجَبَ فِيهِ الرَّجْمُ كَمَا فِي الْآيَةِ الْمَنْسُوخَةِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهِ عَزِيزُ حَكِيمُ، وَالْمُرَادُ بِالْمَلِكِ الْغَنِيُّ، فَإِنَّ الْفَقِيرَ قَدْ يَكْذِبُ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ مِنْ مَنْفَعَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ضَرُورِيَّةٍ، وَالْغَنِيُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مُطْلَقًا. فَالْكَذِبُ مِنْهُ أَقْبَحُ، وَالْمُرَادُ بِالْفَقِيرِ الَّذِي يَتَكَبَّرُ عَلَى الْفُقَرَاءِ ; لِأَنَّ التَّكَبُّرَ عَلَى الْمُتَكَبِّرِينَ مِنَ الْأَغْنِيَاءِ صَدَقَةٌ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْفَقِيرُ الْمُتَكَبِّرُ عَنِ الْكَسْبِ وَالْكَدِّ لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ فِي أَهْلِ زَمَانِنَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا التَّكَبُّرَ الْمُتَضَمِّنَ لِلرُّعُونَةِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ مَعَ إِضْرَارِ النَّفْسِ، وَارْتِكَابِ السُّؤَالِ، وَأَخْذِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ حَلَالٍ أَقْبَحُ مِنْ تَكَبُّرِ الْأَغْنِيَاءِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ يَتَكَلَّفُ وَيَتَزَيَّا بِزِيِّ الْأَكَابِرِ، كَبَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْقَائِلِينَ، بِأَنَّ الْحَلَالَ مَا حَلَّ بِنَا وَأَنَّ الْحَرَامَ مَا حَرَّمْنَا، فَإِنَّ الْعِلَلَ الْمُرَكَّبَةَ دَاءٌ عُضَالٌ يَعْجِزُ عَنْهُ الْحُكَمَاءُ وَإِنْ بَلَغُوا مَبْلَغَ الْكَمَالِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَفِي الْجَامِعِ بِلَفْظِ: " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» ".

ص: 3190

5110 -

وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرَيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ ". وَفِي رِوَايَةٍ: " قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ» ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ

ــ

5110 -

(وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: (الْكِبْرِيَاءُ) أَيِ: الذَّاتِيُّ (رِدَائِي) أَيْ: بِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَكُمْ (وَالْعَظْمَةُ) أَيِ: الصِّفَاتِيُّ (إِزَارِي) أَيْ: فِي مَرْتَبَتِهِ لَدَيْكُمْ، فَإِنَّ رُتْبَةَ الصِّفَةِ دُونَ رُتْبَةِ الذَّاتِ، وَلِذَا خُصَّ التَّكْبِيرُ بِكَوْنِهِ تَحْرِيمَةً لِلصَّلَاةِ فِي الْقِيَامِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالتَّعْظِيمُ بِالرُّكُوعِ الْمَنْدُوبِ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ، وَمِنْهُ التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَحَقِيقَتُهُ تَرْكُ الِاشْتِغَالِ بِمَا سِوَاهُ، فَالتَّرْكِيبُ نَوْعٌ مِنَ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمَا مُخْتَصَّانِ بِيَ اخْتِصَاصًا ظَاهِرًا كَنِسْبَةِ الثَّوْبَيْنِ إِلَيْكُمْ حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الْمُنَازَعَةُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِأَحَدٍ عَلَيْكُمْ، فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ وَعَلِمْتُمْ مَا هُنَالِكَ. (فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَيْ: مِنَ الْوَصْفَيْنِ بِأَنْ تَكَبَّرَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، أَوْ تَعْظِيمٍ مِنْ حَيْثِيَّةِ صِفَاتِهِ وَأَرَادَ نَوْعًا مِنَ الْمُشَارَكَةِ مَعِي فِي نُعُوتِ ذَاتِي وَصِفَاتِي (أَدْخَلْتُهُ النَّارَ) أَيْ: نَارَ الْعَذَابِ وَعِقَابَ الْحِجَابِ، فَإِنَّهُ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ وَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.

وَفِي رِوَايَةٍ: (قَذَفْتُهُ) أَيْ: رَمَيْتُهُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِهِ (فِي النَّارِ) : هَذَا مُجْمَلُ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَأَمَّا تَفْصِيلُهُ فَفِي النِّهَايَةِ: الْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ وَالْمُلْكُ وَقِيلَ: هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَمَالِ الذَّاتِ وَكَمَالِ الْوُجُودِ، وَلَا يُوصَفُ بِهِمَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ مِنَ الْكِبْرِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْعَظَمَةُ وَيُقَالُ: كَبُرَ بِالضَّمِّ يَكْبُرُ أَيْ: عَظُمَ فَهُوَ كَبِيرٌ اهـ. وَقِيلَ: إِنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالْعَظَمَةَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ مُعْظَمُهُمْ لِلْفَرْقِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْفَرْقِ إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّرَادُفِ، وَلِمَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ مِنَ الْفَرْقِ فِي مَرْتَبَةِ الْجَمْعِ.

قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: جُعِلَ الْكِبْرِيَاءُ قَائِمًا مَقَامَ الرِّدَاءِ، وَالْعَظْمَةُ قَائِمَةً مَقَامَ الْإِزَارِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَاءَ أَرْفَعُ دَرَجَةً مِنَ الْإِزَارِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ صِفَةُ الْكِبْرِيَاءِ أَرْفَعَ حَالًا مِنْ صِفَةِ الْعَظَمَةِ، ثُمَّ قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مُتَكَبِّرًا فِي ذَاتِهِ سَوَاءٌ اسْتَكْبَرَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا. وَسَوَاءٌ عَرَفَ هَذِهِ الصِّفَةَ أَحَدٌ أَمْ لَا. وَأَمَّا الْعَظَمَةُ فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ بِحَيْثُ يَسْتَعْظِمُهُ غَيْرُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَتِ الصِّفَةُ الْأَوْلَى ذَاتِيَّةً، وَالثَّانِيَةُ إِضَافِيَّةً، وَالذَّاتِيُّ أَعْلَى مِنَ الْإِضَافِيِّ اهـ.

وَأَطْنَبَ الطِّيبِيُّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ الْفَخْرِ وَتَوْضِيحِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ عَرَفْتُ مَا قِيلَ أَنَّ الْكِبْرَ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنِ الْحَقِّ وَتَحْقِيرِ النَّاسِ، فَالتَّوَاضُعُ هُوَ الْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ وَتَوْقِيرُ النَّاسِ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: التَّعْظِيمُ لِأَمْرِ اللَّهِ وَالشَّفَقَةُ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ، فَالْمَعْنَى مَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى الْخَلْقِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِقَذْفِهِ فِي أَقْصَى دَرَكَاتِ النِّيرَانِ، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ مَعَ الْخَلْقِ رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : وَكَذَا أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ:( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي فَمَنْ نَازَعَنِي رِدَائِي قَصَمْتُهُ» ) : وَرَوَاهُ سَمُّوَيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ( «الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعِزُّ إِزَارِي مَنْ نَازَعَنِي فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا عَذَّبْتُهُ» ) .

ص: 3191

الْفَصْلُ الثَّانِي

5111 -

عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

5111 -

(عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ) : صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ) : قَالَ الْمُظْهِرُ وَغَيْرُهُ: الْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ: يُعْلِي نَفْسَهُ وَيَرْفَعُهَا وَيُبْعِدُهَا عَنِ النَّاسِ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَيَعْتَقِدُهَا عَظِيمَةَ الْقَدْرِ أَوْ لِلْمُصَاحَبَةِ أَيْ: يُرَافِقُ نَفْسَهُ فِي ذَهَابِهَا إِلَى الْكِبْرِ وَيُعَزِّزُهَا وَيُكْرِمُهَا، كَمَا يُكْرِمُ الْخَلِيلُ الْخَلِيلَ، حَتَّى تَصِيرَ مُتَكَبِّرَةً، وَفِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ يُقَالُ: ذَهَبَ بِهِ مَرَّ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قُلْتُ: وَمِنْ قَبِيلِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} [البقرة: 17] أَيْ: أَذْهَبُ نُورَهُمْ، وَخُلَاصَةُ الْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُذْهِبُهَا عَنْ دَرَجَتِهَا وَمَرْتَبَتِهَا إِلَى مَرْتَبَةٍ أَعْلَى وَهَكَذَا. (حَتَّى يُكْتَبَ) أَيِ: اسْمَهُ أَوْ يُثْبَتَ رَسْمُهُ (فِي الْجَبَّارِينَ) أَيْ: فِي دِيوَانِ الظَّالِمِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ أَوْ مَعَهُمْ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ (فَيُصِيبَهُ) : بِالنَّصْبِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ أَيْ: فَيَنَالُ الرَّجُلُ مِنْ بَلِيَّاتِ الدُّنْيَا وَعُقُوبَاتِ الْعُقْبَى (مَا أَصَابَهُمْ) أَيِ: الْجَبَّارِينَ كَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

ص: 3191

5112 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ» "، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

5112 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يُحْشُرُ الْمُتَكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ) أَيْ: فِي الصِّغَرِ وَالْحَقَارَةِ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ) أَيْ: مِنْ جِهَةِ وُجُوهِهِمْ أَوْ مِنْ حَيْثِيَّةِ هَيْئَتِهِمْ مِنِ انْتِصَابِ الْقَامَةِ (يَغْشَاهُمْ) أَيْ: يَأْتِيهِمْ (الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) أَيْ: مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي غَايَةٍ مِنَ الْمَذَلَّةِ وَالنَّقِيصَةِ يَطَؤُهُمْ أَهْلُ الْمَحْشَرِ بِأَرْجُلِهِمْ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ، هَذَا وَفِي النِّهَايَةِ: الذَّرُّ النَّمْلُ الْأَحْمَرُ الصَّغِيرُ وَاحِدُهَا ذَرَّةٌ، وَقِيلَ: الذَّرَّةُ يُرَادُ بِهَا مَا يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ الدَّاخِلَ فِي النَّافِذَةِ. قُلْتُ: نَعَمْ قَدْ يُرَادُ بِهَا، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ فِي قَوْلِهِ:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [الزلزلة: 8] كَمَا أَنَّهُ الْمُرَادُ جَزْمًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ، وَأَمَّا إِرَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِقَوْلِهِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَقَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ أَيْ: أَذِلَّاءَ مُهَانِينَ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ بِأَرْجُلِهِمْ، وَإِنَّمَا مَنَعَنَا عَنِ الْقَوْلِ بِظَاهِرِهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ صلى الله عليه وسلم:" «إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ حَتَّى إِنَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا يُعَادُ مِنْهُمْ مَا انْفَصَلَ عَنْهُمْ مِنَ الْقُلْفَةِ» " وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ بِقَوْلِهِ: يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ. قَالَ الْأَشْرَفُ: إِنَّمَا قَالَ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَعْدَ قَوْلِهِ: أَمْثَالَ الذَّرِّ قَطْعًا مِنْهُ حَمْلَ قَوْلِهِ أَمْثَالَ الذَّرِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَدَفْعًا لِوَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْمُتَكَبِّرَ لَا يُحْشُرُ فِي صُورَةِ الْإِنْسَانِ وَتَحْقِيقًا لِإِعَادَةِ الْأَجْسَادِ الْمَعْدُومَةِ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ. وَقَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي صُوَرُهُمْ صُوَرُ الْإِنْسَانِ، وَجُثَّتُهُمْ كَجُثَّةِ الذَّرِّ فِي الصِّغَرِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: لَفْظُ الْحَدِيثِ يُسَاعِدُ هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَمْثَالَ الذَّرِّ تَشْبِيهٌ لَهُمْ بِالذَّرِّ، وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ وَجْهِ الشَّبَهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ الشَّبَهِ الصِّغَرَ فِي الْجُثَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ الْحَقَارَةَ وَالصَّغَارَ، فَقَوْلُهُ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ بَيَانٌ لِلْوَجْهِ وَدَفُعُ وَهْمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ خِلَافَهُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْأَجْسَادَ تُعَادُ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، فَلَيْسَ فِيهِ أَنْ لَا تُعَادَ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ الْأَصْلِيَّةُ فِي مِثْلِ الذَّرِّ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَيْهِ، وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، وَعَلَى هَذَا الْحَقَارَةُ مَلْزُومُ هَذَا التَّرْكِيبِ، فَلَا يُنَافِي إِرَادَةَ الْجُثَّةِ مَعَ الْحَقَارَةِ اهـ.

وَفِيهِ أَنَّهُ لَا كَلَامَ فِي قُدْرَتِهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي أَنَّهُ هَلْ تُعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِهِ أَمْ لَا؟ وَإِذَا صَحَّ فِي الْخَبَرِ: أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يُحْشُرُونَ غُرْلًا، فَلَا شَكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ إِعَادَةِ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ الْأَصْلِيَّةِ مِنَ الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ، كَالْأَظْفَارِ الْمَقْلُوعَةِ، وَالشُّعُورِ الْمَحْلُوقَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ تَصْمِيمًا لِكَلَامِ الشَّارِعِ، وَتَحْقِيقًا لِمَا أَخْبَرَهُ بِهِ، وَحُصُولُ هَذَا كُلِّهِ فِي ذَرَّةٍ مِنَ الْمُحَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَنَفْيُهُ يُعْتَبَرُ فِي الْقَوَاعِدِ النَّقْلِيَّةِ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف: 40] ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ دُخُولَ الْكُفَّارِ الْجَنَّةَ مِنَ الْمُحَالِ الَّذِي لَا يَقَعُ أَبَدًا كَوُجُودِ الْجَمَلِ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَلِمْتَ أَنَّ الشَّيْخَ التُّورِبِشْتِيَّ عَدَلَ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ لِلضَّرُورَةِ الْمُلْجِئَةِ لَهُ إِلَيْهِ، لَكِنْ يَأْبَاهُ مَا فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ بَقِيَّةُ الشُّرَّاحِ، فَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللَّهَ يُعِيدُهُمْ عِنْدَ إِخْرَاجِهِمْ مِنْ قُبُورِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ صُوَرِهِمْ، وَجَمْعُ أَجْزَائِهِمُ الْمَعْدُومَةِ تَحْقِيقًا لِوَصْفِ الْإِعَادَةِ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ، ثُمَّ فِي يَجْعَلُهُمْ فِي مَوْقِفِ الْجَزَاءِ عَلَى الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ إِهَانَةً وَتَذْلِيلًا لَهُمْ جَزَاءً وِفَاقًا، أَوْ يَتَصَاغَرُونَ مِنَ الْهَيْبَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إِلَى مَوْضِعِ الْحِسَابِ، وَظُهُورِ أَثَرِ الْعُقُوبَةِ السُّلْطَانِيَّةِ الَّتِي لَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْجِبَالِ لَصَارَتْ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَقَدْ ثَبَتَ تَبْدِيلُ صُوَرِ أَهْلِ جَهَنَّمَ عَلَى أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَصُوَرٍ مُتَبَايِنَةٍ كَصُوَرِ الْكِلَابِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْحَمِيرِ، بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِصِفَاتِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ، وَقَدْ تَكْبُرُ جُثَّتُهُمْ حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُ الْكَافِرِ كَجَبَلِ أُحُدٍ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا تَغْيِيرُ صُوَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ السَّوَادِ إِلَى الْبَيَاضِ، وَمِنَ الْقِصَرِ إِلَى الطُّولِ الْمُعْتَدِلِ، وَمِنَ الْكِبَرِ إِلَى السَّنِّ الْمُتَوَسِّطِ، وَجَعْلِهِمْ جُرْدًا مُكَحَّلَيْنِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ.

ص: 3192

وَيَدُلُّ عَلَى مَا قَرَّرْنَا أَنَّ تَبْدِيلَهُمْ إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ أَمْرِهِمْ قَوْلَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنَافِ الْبَيَانِيِّ أَوْ عَلَى الْحَالِ الْبَيَانِيِّ (يُسَاقُونَ) : بِضَمِّ الْقَافِ أَيْ: يُسْحَبُونَ وَيُجَرُّونَ (إِلَى سِجْنٍ) أَيْ: مَكَانِ حَبْسٍ مُظْلِمٍ مُضَيَّقٍ مُنْقَطِعٍ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ (يُسَمَّى) أَيْ: ذَلِكَ السِّجْنُ (بَوْلَسُ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ وَاوٍ وَفَتْحِ لَامٍ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ، فَفِي الْقَامُوسِ: بَوْلَسُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ سِجْنُ جَهَنَّمَ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْمُوَحِّدَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ اللَّامِ ذَكَرَهُ مِيرَكُ. وَقَالَ شَارِحٌ: بِفَتْحِ الْمُوَحِّدَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا فَوْعَلُ مِنَ الْإِبْلَاسِ بِمَعْنَى الْيَأْسِ سُمِّيَ بِهِ لِيَأْسِ دَاخِلِهِ مِنَ الْخَلَاصِ، وَفِي النِّهَايَةِ: فَكَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُسَمًّى، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِضَبْطِهِ، فَالِاعْتِمَادُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ، وَصَاحِبُ الْقَامُوسِ أَوْلَى مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِمَا لِجَلَالَتِهِمَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (تَعْلُوهُمْ) أَيْ: تُحِيطُ بِهِمْ وَتَغْشَاهُمْ كَالْمَاءِ يَعْلُو الْغَرِيقَ (نَارُ الْأَنْيَارِ) أَيْ: نَارُ النِّيرَانِ. قَالَ شَارِحٌ: أَنْيَارٌ جَمْعُ نَارٍ كَأَنْيَابٍ جَمْعٌ نَابٍ، وَفِيهِ أَنَّ النَّابَ يَائِيٌّ وَالنَّارَ وَاوِيٌّ، وَلِذَا لَمْ يُذْكَرْ أَنْيَارٌ فِي الْقَامُوسِ لِكَوْنِهِ شَاذًّا، وَالْقِيَاسُ الْأَنْوَارُ إِلَّا أَنَّهُ قِيلَ الْأَنْيَارُ لِئَلَّا يُشْتَبَهُ بِجَمْعِ النُّورِ.

قَالَ الْقَاضِي: وَإِضَافَةُ النَّارِ إِلَيْهَا لِلْمُبَالَغَةِ كَأَنَّ هَذِهِ النَّارَ لِفَرْطِ إِحْرَاقِهَا وَشِدَّةِ حَرِّهَا تَفْعَلُ بِسَائِرِ النِّيرَانِ مَا تَفْعَلُ النَّارُ بِغَيْرِهَا. أَقُولُ: أَوْ لِأَنَّهَا أَصْلُ نِيرَانِ الْعَالَمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى} [الأعلى: 12] وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: " نَارُكُمْ هَذِهِ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ " عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ، وَفِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ: نَارُ الْأَنْيَارِ لَمْ أَجِدْهُ مَشْرُوحًا وَلَكِنْ هَكَذَا يُرْوَى، فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ نَارَ النِّيرَانِ، فَجَمَعَ النَّارَ عَلَى أَنْيَارٍ، وَأَصْلُهَا أَنْوَارٌ، لِأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ، وَكَمَا جَاءَ فِي رِيحٍ وَعِيدٍ أَرْيَاحٌ وَأَعْيَادٌ وَهُمَا مِنَ الْوَاوِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُمَا وَتَوْجِيهُهُ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَخَافَةِ الِالْتِبَاسِ، فَإِنَّ الْأَعْوَادَ بِمَعْنَى الْأَخْشَابِ، وَالْأَرْوَاحَ جَمْعُ الرُّوحِ. (يُسْقَوْنَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْإِكْرَاهِ وَإِيمَاءٌ إِلَى زِيَادَةِ الْإِحْرَاقِ الْمُؤْثَرِ إِلَى بِطُونِهِمْ أَيْضًا (مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ) أَيْ: صَدِيدِهِمُ الْمُنْتِنِ الْمُحْمَى غَايَةِ الْحَرَارَةِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِحَمِيمٍ (طِينَةِ الْخَبَالِ) : تَفْسِيرٌ لِمَا قَبِلَهُ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ بِمَعْنَى الْفَسَادِ. قَالَ شَارِحٌ: هُوَ اسْمُ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْهُمْ مَنِ الصَّدِيدِ وَالْقَيْحِ وَالدَّمِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «يُجَاءُ بِالْجَبَّارِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ رِجَالٌ فِي صُوَرِ الذَّرِ يَطَؤُهُمُ النَّاسُ مِنْ هَوَانِهِمْ عَلَى اللَّهِ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ يُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى نَارِ الْأَنْيَارِ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا نَارُ الْأَنْيَارِ؟ قَالَ: " عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ.

ص: 3193

5113 -

وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» ".

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

5113 -

(وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ) : مَنْسُوبٌ إِلَى سَعْدٍ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ فِي أَسْمَائِهِ (قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ» ) أَيْ: مِنْ أَثَرِ وَسْوَسَتِهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ) : قَالَ تَعَالَى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27]، وَقَالَ:{خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} [الأعراف: 12] ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَمَعْنَى خَلْقِهِ مِنْهَا أَنَّ عُنْصُرَهُ النَّارِيَّ غَالِبٌ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ (وَإِنَّمَا يُطْفَأُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزٌ أَيْ: يَدْفَعُ (النَّارُ)، أَيْ: الْحِسِّيَّةَ (بِالْمَاءِ) أَيِ: الْحَقِيقِيِّ (فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: وَاشْتَعَلَتْ نَارُ غَضَبِهِ مِنْ جَوْفِهِ، وَيُرِيدُ إِحْرَاقَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ عَذَابِهِ. (فَلْيَتَوَضَّأْ) : فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُرَكَّبٌ

ص: 3193

مَعْجُونٌ مِنَ الْمَاءِ الْحِسِّيِّ وَالْمُطَهِّرِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُؤَثِّرِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَهَذَا مِنْ طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي غَفَلُوا عَنْهُ الْحُكَمَاءُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ مِنَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ; فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَصَوَّرَ حَالَةَ الْغَضَبِ وَمَنْشَأَهُ، ثُمَّ الْإِرْشَادَ إِلَى تَسْكِينِهِ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ هَذَا الْمَخْرَجَ لِيَكُونَ أَجْمَعَ وَأَنْفَعَ، وَلِلْمَوَانِعِ أَزْجَرَ، وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ اهـ.

وَالصَّوَابُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ عِلَاجٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجُرْزِيُّ فِي الْحِصْنِ، حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ غَضِبَ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُّ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنِّسَائِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: " «إِذَا غَضِبَ الرَّجُلُ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ سَكَنَ غَضَبُهُ» " وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا عِلَاجٌ قَوْلِيٌّ سَهْلُ التَّنَازُلِ وَالْحُصُولِ، وَالْوُضُوءَ مُعَالَجَةٌ فِعْلِيَّةٌ صَعْبُ الْوُصُولِ، لَا سِيَّمَا وَالْوُضُوءُ مُقَدِّمَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْجُونِ الْمُسَهِّلِ الْمُخْرِجِ لِلْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَصْلِهَا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِعَاذَةِ فَهَمٌّ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِفْرَاغِ لِتَخْلِيَةِ الْمَعِدَةِ مِنْ آثَارِ التُّخَمَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنِ الْحَكِيمَ الْكَامِلَ يُدْرِجُ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَيَعْلَمُ مِزَاجَ كُلِّ صَاحِبِ عِلَّةٍ بِمَا يُوَافِقُهُ، وَيُنَاسِبُهُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ وَأَنْوَاعِ الْغَضَبِ كَالْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ فَعَلَى الْعَلِيلِ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمًا وَيَجْعَلَ حِسَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الطَّيِّبِ الْحَبِيبِ الْكَامِلِ كَالْمَيْتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا أَحَسَّ بِالْغَضَبِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا رَأَى أَنَّهُ مَا يَزُولُ لَهُ يَقُومُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ دَوَاءُ صَبْرٍ كَرِيهٌ عَلَى الطَّبْعِ الشَّيْطَانِيِّ وَالْمِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ، بَلْ هُوَ كَعُرُوقِ السُّوسِ يُخْرِجُ كُلَّ مَرَضٍ مَدْسُوسٍ. قَالَ تَعَالَى:{وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45](رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا أَحْمَدُ.

ص: 3194

5114 -

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» " رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ.

ــ

5114 -

(وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: ظَهَرَ أَثَرُ غَضَبِهِ عَلَى أَحَدٍ (وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ) : لِأَنَّ الْمُعَالَجَةَ بِالْأَضْدَادِ وَالْقُوَّةِ الْغَضَبِيَّةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْوَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ تَقْتَضِي الْخِفَّةَ وَالتَّعْلِيَةَ الَّتِي مِنْ خَوَاصِّ النَّارِ وَالْقِيَامِ لِأَجْلِ الِانْتِقَامِ، فَمُخَالَفَتُهُ بِالْجُلُوسِ الْمُشِيرِ إِلَى الْقُعُودِ عَنِ الْفِتْنَةِ نَافِعَةٌ جِدًّا (فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ) أَيْ: أَثَرُ حَرَارَتِهِ وَقُوَّةُ مَرَارَتِهِ بِالْجُلُوسِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهِ (فَلْيَضْطَجِعْ) : مُبَالَغَةٌ فِي الْمُعَالَجَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى رُجُوعِ الْإِسْنَادِ إِلَى مَأْخَذِهِ مِنَ التَّوْبَةِ الْمُنَاسِبَةِ لِلتَّوَاضُعِ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِ الشَّيْطَانِ بِمُقْتَضَى جِبِلَّيَّتِهِ مِنَ الشُّعْلَةِ النَّارِيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّكَبُّرِ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَرْجِعُ إِلَى أَصْلِهِ، هَذَا وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِالْقُعُودِ وَالِاضْطِجَاعِ لِئَلَّا يَحْصُلَ مِنْهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ مَا يَنْدَمُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمُضْطَجِعَ أَبْعَدُ مِنَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدَ مِنَ الْقَائِمِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ التَّوَاضُعَ وَالْخَفْضَ، لِأَنَّ الْغَصْبَ مَنْشَؤُهُ التَّكَبُّرُ وَالتَّرَفُّعُ. قُلْتُ: لَا مَنْعَ مِنَ الْجَمْعِ، فَإِنَّ كَلَامَهُ صلى الله عليه وسلم مَنْبَعُ الْحِكَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الصَّنِيعُ مِنْهُ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يَذْهَبِ الْغَضَبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالسَّرَائِرِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ.

ص: 3194

5115 -

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رضي الله عنها قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ، وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى، وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ - عَبْدٌ عَتَى وَطَغَى، وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبَهَاتِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ ". وَقَالَا: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

ــ

5115 -

(وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ) : بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا وَقَدْ تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهَا (قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: بِئْسَ الْعَبْدُ) : لَمْ يُقِلْ بِئْسَ الرَّجُلُ أَوِ الْمَرْءُ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ الْأَوْصَافَ الْآتِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ

ص: 3194

مُقْتَضَيَاتِ الْعَبْدِيَّةِ، وَلَا مِنْ نُعُوتِ الْعُبُودِيَّةِ (عَبْدٌ تَخَيَّلَ) أَيْ: تَكَبَّرَ وَتَجَبَّرَ (وَاخْتَالَ) أَيْ: تَمَايَلَ وَتَبَخْتَرَ مِنَ الْخُيَلَاءِ وَهُوَ الْكِبَرُ وَالْعُجْبُ بِالْجَاهِ وَالْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَحْوَالِ. وَتَوَهَّمَ الْكَمَالَ، حَيْثُ يُخَيَّلُ لَهُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْكَمَالِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: تَخَيَّلَ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ غَيْرِهِ وَاحْتَالَ أَيْ: تَكَبَّرَ (وَنَسْيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ) : بِحَذْفِ الْيَاءِ مُرَاعَاةً لِلْفَاصِلَةِ وَهُوَ لُغَةٌ فِي الْمَنْقُوصِ الْمُعَرَّفِ، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 9] وَأَثْبَتَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي الْحَالَيْنِ، وَمَعْنَى الْكَبِيرِ عَلِيُّ الشَّأْنِ جَلِيُّ الْبُرْهَانِ، وَالْمُتَعَالِي أَيْ: عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ أَيْ: نَسِيَ أَنَّ الْكِبْرِيَاءَ وَالتَّعَالِي لَيْسَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ نَسِيَ مُحَاسَبَتَهُ وَمُعَاتَبَتَهُ وَمُعَاقَبَتَهُ فِي الْعُقْبَى، حَيْثُ لَمْ يُرَاعِ مُرَاقَبَتَهُ فِي الدُّنْيَا بِالتَّقْوَى (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ) أَيْ: قَهَرَ عَلَى الْمَظْلُومِينَ (وَاعْتَدَى) أَيْ: تَجَاوَزَ قَدْرَهُ وَمَا رَاعَى حُكْمَ رَبِّهِ وَأَمْرَهُ. (وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الْأَعْلَى) أَيِ: الْقَهَّارَ الَّذِي فَوْقَ عِبَادِهِ الْغَالِبَ عَلَى أَمْرِهِ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَى وَلَهَى) : حَقُّهُمَا أَنْ يُكْتَبَا بِالْأَلْفِ لِأَنَّهُمَا وَاوِيَّانِ مَأْخُوذَانِ مِنَ السَّهْوِ وَاللَّهْوِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالْيَاءِ، فَلَعَلَّهُ لِلْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ فِي الْفَوَاصِلِ السَّجْعِيَّةِ، وَمَعْنَى سَهَا أَيْ: صَارَ غَافِلًا عَنِ الْحَقِّ وَالطَّاعَةِ وَإِلَّا فَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَعَامَّةُ الصُّلَحَاءِ قَدْ سَهَوْا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5] قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ لَمْ يُقِلْ فِي صَلَاتِهِمْ وَإِلَّا كَانَ لَهُمُ الْوَيْلُ كُلَّ الْوَيْلِ عَلَى الْكُلِّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلِ، وَلَهَا أَيِ: اشْتَغَلَ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] وَخُلَاصَتُهُمَا أَنَّهُ سَهَا عَنْ أُمُورِ الدِّينِ الرَّضِيَّةِ وَلَهَا بِأَمْرِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةِ (وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ) أَيْ: أَهْلَهَا بِالتَّذَكُّرِ وَالْعِبْرَةِ بِهِمْ أَوْ بِذِكْرِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الرَّحْمَةِ وَزِيَارَتِهِمْ، وَذِكْرُ الْمَقَابِرِ كِنَايَةٌ عَنِ الْمَعْنَى أَيْ: نَسِيَ الْمَوْتَ بِعَدَمِ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ، وَكَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، أَوْ نَسِيَ مَرْجِعَ الْأَحْيَاءِ مِنْ أَمَاكِنِ الْأَمْوَاتِ، وَمَا يَحْصُلُ لَهُمْ فِيهَا مِنَ الْوَحْشَةِ وَالظُّلْمَةِ وَالْغُرْبَةِ وَالضِّيقِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَعْسُرُ ضَبْطُهَا وَحَصْرُهَا. (وَالْبِلَى) : بِكَسْرِ الْمُوَحِّدَةِ وَهُوَ تَفَتُّتُ الْأَعْضَاءِ وَتَشَتُّتُ الْأَجْزَاءِ إِلَى أَنْ تَصِيرَ رَمِيمًا وَرُفَاتًا (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا) : مِنَ الْعُتُوِّ أَيْ: أَفْسَدَ (وَطَغَى) : مِنَ الطُّغْيَانِ أَيْ: تَجَاوَزَ عَنِ الْحَدِّ، وَقِيَامُ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَأَتَى بِهِمَا تَأْكِيدًا أَوِ الثَّانِي تَفْسِيرًا وَأَتَى بِهِ لِلْفَاصِلَةِ (وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ. قَالَ الْأَشْرَفُ أَيْ: نَسِيَ ابْتِدَاءَ خَلَقِهِ وَهُوَ كَوْنُهُ نُطْفَةً وَانْتِهَاءَ حَالِهِ الَّذِي يَؤُولُ إِلَيْهِ وَهُوَ صَيْرُورَتُهُ تُرَابًا أَيْ: مَنْ كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَهُ، وَيَكُونُ انْتِهَاؤُهُ، هَذَا جَدِيرٌ بِأَنْ يُطِيعَ اللَّهَ تَعَالَى فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِمَا اللَّهُ أَيْ نَسِيَ الْذِي صَدَرَ ابْتِدَاءُ وَجُودِهِ مِنْهُ، وَلَا بُدَّ مِنَ انْتِهَاءِ رُجُوعِهِ إِلَيْهِ فَتَرَكَ مُرَاعَاةَ أَمْرِهِ أَوَّلًا وَمُحَافَظَةَ نَهْيِهِ آخِرًا (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ) : بِكَسْرِ التَّاءِ أَيْ: يَطْلُبُ (الدُّنْيَا بِالدِّينِ) أَيْ: بِعَمَلِ الْآخِرَةِ مِنْ خَتَلَهُ إِذَا خَدَعَهُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَالْمَعْنَى لَمْ يَخْدَعْ أَهْلَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الصُّلَحَاءِ لِيَعْتَقِدُوا فِيهِ، وَيَنَالَ مِنْهُمْ مَالًا أَوْ جَاهًا مِنْ خَتَلَ الذِّئْبُ لِصَيْدٍ خَدَعَهُ وَخَفَى لَهُ. قَالَ الْقَاضِي: خَتَلَ الصَّائِدُ إِذَا مَشَى الصَّيْدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، لِئَلَّا يُحِسَّ بِهِ، شَبَّهَ فِعْلَ مَنْ يُرَى وَرِعًا وَدَيِّنًا لِيَتَوَسَّلَ إِلَى الْمَطَالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِخَتْلِ الذِّئْبِ الصَّائِدَ. (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدَّيْنَ) أَيْ: يُفْسِدُهُ (بِالشُّبَهَاتِ) : بِضَمَّتَيْنِ وَبِفَتْحِ الثَّانِيَةِ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ) أَيْ: لَهُ طَمَعٌ أَوْ ذُو طَمَعٍ، أَوْ وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ مُبَالَغَةً، وَلَوْ قُرِئَ بِإِضَافَةِ الْعَبْدِ لَاسْتَقَامَ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ وَقَوْلُهُ:(يَقُودُهُ) أَيْ: يَسْحَبُهُ الطَّمَعُ عَنْ وُجْهَةِ الْمَوْلَى إِلَى جِهَةِ السَّوِيِّ، وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حُكِيَ عَنِ السَّيِّدِ الشَّاذِلِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ الْكِيمْيَاءِ؟ فَقَالَ: هُوَ كَلِمَتَانِ: اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ، وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ الْحَقِّ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ حَدِيثُ الْقَنَاعَةِ مَالٌ لَا يَمُدُّ عَلَى مَا رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ عَنْ أَنَسٍ (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ) : قَالَ الْأَشْرَفُ: كَأَنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ الطَّمَعِ وَالْهَوَى اللَّازِمَيْنِ لِلْعَبْدِ وَشِدَّةِ اتْصَالِهِمَا بِهِ أَطْلَقَ نَفْسَ الطَّمَعِ وَالْهَوَى عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَا قَائِمَيْنِ بِهِ، وَتَقْدِيرُهُ ذُو طَمَعٍ يَقُودُهُ وَذُو هَوًى يُضِلُّهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ (طَمَعٌ) فَاعِلُ (يَقُودُهُ)(وَهَوًى) فَاعِلُ (يُضِلُّهُ) مُقَدَّمَيْنِ عَلَى فِعْلِهِمَا عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:

ص: 3195

صَدَدْتَ فَأَطْوَلْتَ الصُّدُودَ وَقَلَّمَا

وِصَالٌ عَلَى طُولِ الصُّدُودِ يَدُومُ

أَيْ: قَلَّمَا يَدُومُ وِصَالٌ عَلَى الصُّدُودِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: الْوَجْهُ الثَّانِي أَقْرَبُ مِنَ الْأَوَّلِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ وَصْفُ الْوَصْفِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: يَقُودُهُ عَلَى هَذَا صِفَةُ طَمَعٍ وَهُوَ صِفَةُ عَبْدٍ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ (طَمَعٌ) مُبْتَدَأً (وَيَقُودُهُ) خَبَرَهُ أَيْ: طَمَعٌ عَظِيمٌ يَقُودُهُ، نَحْوَ: شَرٌّ أَهِرٌّ ذَا نَابٍ، وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ عَبْدٍ. قُلْتُ: هَذَا مُرَاعَاةٌ لِلْمَبْنَى وَغَفْلَةٌ عَنِ الْمَعْنَى، فَإِنَّ الذَّمَّ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مُطْلَقِ الطَّمَعِ الَّذِي يَقُودُهُ إِلَى الْهَوَى، وَكَذَا حُكْمُ الْهَوَى عَلَى مَا لَا يَخْفَى. (بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ) : بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَبِفَتَحَاتٍ فَفِي الْقَامُوسِ: رَغِبَ فِيهِ كَسَمِعَ رَغَبًا وَيُضَمُّ وَرَغْبَةً أَرَادَهُ، وَإِلَيْهِ رَغْبَةٌ مُحَرِّكَةٌ. وَفِي الْمَشَارِقِ الرَّغْبِ بِسُكُونِ الْغَيْنِ وَفَتْحِهَا وَبِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا الْقَاضِي كَمَا سَيَأْتِي، وَهُوَ يُؤَيِّدُ جَوَازَ كَوْنِهَا فِيمَا قَبْلَهَا مِنَ الْوَصْفَيْنِ أَيْضًا. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ الشَّرَهُ وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا، وَقِيلَ: الرُّغْبُ سِعَةُ الْأَمَلِ وَطَلَبُ الْكَثِيرِ، وَيُرْوَى بِفَتْحِ الرَّاءِ بِمَعْنَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَقَوْلُهُ:(يُذِلُّهُ) أَيْ: يَجْعَلُهُ ذَلِيلًا. قَالَ الْإِمَامُ التُّورِبِشْتِيُّ: الرِّوَايَةُ عِنْدِي بِفَتْحِ الْغَيْنِ أَيْ: مَذَلَّةَ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: الرُّغْبُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُوَ الشَّرَهُ، يُقَالُ: الرُّغْبُ شُؤْمٌ، وَلَعَلَّ الْأَصْلَ فِيهِ السِّعَةُ يُقَالُ: جَوْفٌ رَغِيبٌ أَيْ: وَاسِعٌ، فَكُنِّيَ بِهِ عَنِ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ، كَذَا ذَكَرَهُ شَارِحٌ، وُفِي الْقَامُوسُ: الرُّغُبُ بِضَمٍّ وَبِضَمَّتَيْنِ كَثْرَةُ الْأَكْلِ وَشِدَّةُ النَّهَمِ، وَفِعْلُهُ كَكَرُمَ فَهُوَ رَغِيبٌ كَكَرِيمٍ. قَالَ الْقَاضِي: لِإِضَافَةِ الْعَبْدِ لِلْإِهَانَةِ كَقَوْلِهِمْ: عَبُدُ الْبَطْنِ لِأَنَّ مَجَامِعَ هَمَّتِهُ وَاجْتِهَادِهِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِ عَائِدَةٌ إِلَيْهِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ تَكْرَارَ جُمْلَةِ الذَّمِّ فِي صَدْرِ الْجَمَلِ الْمَذْكُورَةِ وَالنُّعُوتِ الْمَسْطُورَةِ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ مُسْتَقِلَّةٌ فِي اسْتِحْقَاقِ ذَمِّ فَاعِلِهَا، وَأَنَّ مُرَاعَاةَ السَّجْعِ. مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ الطَّبْعِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ فِي الشَّرْعِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَقَالَا) أَيْ: كِلَاهُمَا (لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ لَهُ عَنْ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي كِتَابِهِ وَقَالَ: عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: قَدْ وُجِدَ لِهَذَا الْحَدِيثِ مُتَابِعٌ، فَإِنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّازٍ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، وَلَا شَكَ أَنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تُقَوِّي الضَّعِيفَ وَتَجْعَلُهُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَبِهِ يُتْمُ الْمَقْصُودُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا) أَيْ: مَعَ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) : وَأَنْتَ تَعْرِفُ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَالْحُسْنُ غَايَتُهُ أَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا، فَفِي الْمَوَاعِظِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالْأَوْلَى.

ص: 3196

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

5116 -

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ عز وجل مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى» ". رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

5116 -

(عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ) أَيْ: تَجَرُّعًا أَفْضَلَ (عِنْدَ اللَّهِ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُ) : بِكَسْرِ الظَّاءِ أَيْ: يَبْلَعُهَا وَيَمْنَعُهَا مِنْ إِظْهَارِهَا مَعَ كَثْرَتِهَا وَمَلْءِ بَاطِنِهِ مِنْهَا مِنْ كَظَمَ الْقِرْبَةَ مَلَأَهَا وَشَدَّ فَمَهَا عَلَى مَا فِي أَسَاسِ الْبَلَاغَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ الْجَامِعِ:(كَظَمَهَا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي (ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ: طَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ لَا لِغَرَضٍ آخَرَ وَلَا لِعَجْزٍ عَنْ إِمْضَائِهَا (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : وَكَذَا الطَّبَرَانِيُّ.

ص: 3196

5117 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [المؤمنون: 96] قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْإِسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمَهُمُ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ قَرِيبٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.

ــ

5117 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ادْفَعْ) أَيِ: السَّيِّئَةَ لِدَلَالَةِ مَا قَبْلَهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ} [فصلت: 34](بِالَّتِي) أَيْ: بِالْخَصْلَةِ الَّتِي (هِيَ أَحْسَنُ) فِيهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ حَيْثُ عَدَلَ عَنِ الْحَسَنَةِ إِلَى الْأَحْسَنِ مَعَ الرُّخْصَةِ الْمَفْهُومَةِ مِنْ قَوْلِهِ عز وجل: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] أَمِ الْمُرَادُ أَنَّهَا أَحْسَنُ مِنْ مُجَازَاةِ السَّيِّئَةِ بِالسَّيِّئَةِ، فَإِنَّهَا أَحْسَنُ، لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ سَيِّئَةً فِي الْآيَةِ لِلْمُشَاكَلَةِ أَوْ بِالنِّسْبَةِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَحْسَنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَمَا بَعْدَهَا:{فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ - وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ - وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 34 - 36] فَفِي الْآيَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ بِهَا أَكْمَلُ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْهَا أَكْثَرُ الْأَفْرَادِ الْبَشَرِيَّةِ.

(قَالَ) أَيِ: ابْنُ عَبَّاسٍ بَيَانًا لِلْخَصْلَةِ (الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ) : قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ غَضَبُ الْغَيْرِ، فَإِنَّهُ سَيِّئَةٌ مِنْهُ فَيُقَابِلُهُ بِالصَّبْرِ الَّذِي هُوَ أَحْسَنُ مِنْ مُجَازَاتِهِ بِالْغَضَبِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: اللَّهُ يَصْبِرُ عِنْدَ أَثَرِ ظُهُورِ الْغَضَبِ، فَإِنَّ كَظْمَ الْغَيْظِ أَحْسَنُ مِنْ إِمْضَائِهِ (وَالْعَفْوُ) أَيْ: عَنِ الْمُسِيءِ (عِنْدَ الْإِسَاءَةِ) أَيْ: وَقْتَ تَحَقُّقِهَا وَالْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَفْرَادِ الْخَصْلَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَكَأَنَّهُ رضي الله عنه مَثَّلَ بِأَقَلِّ الْمَطْلُوبِ مِنَ السَّالِكِ وَإِلَّا فَالسَّادَةُ الصُّوفِيَّةُ عَلَى الْمُجَازَاةِ بِأَحْسَنِ مَا يُتَصَوَّرُ لَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ مِنَ التَّوَاضُعِ وَتَقْبِيلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، وَبِإِعْطَاءِ الْبِرِّ الْمَالِيِّ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، وَأَقَلُّ الْمَرَاتِبِ أَنْ يُحَلِّلَهُ وَيَدْعُوَ لَهُ بِالتَّوْبَةِ وَالْهِدَايَةِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ: الْوَعْدُ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا خَوَارِقُ عَادَاتٍ تَطْوِي بِسَاطَ كَرَامَاتٍ رُبَّمَا يَكُونُ تَحْتَهَا غُرُورٌ فِي بِدَايَاتٍ أَوْ نِهَايَاتٍ، وَلِذَا قَالُوا: الِاسْتِقَامَةُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ كَرَامَةٍ، وَقَدْ وَرَدَ " «شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ» " فَقِيلَ لِمَا فِيهَا مِنْ آيَةِ {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112] وَقِيلَ لِمَا فِيهَا مِنْ وَقَائِعِ الْأُمَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَإِذَا فَعَلُوا) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنَ الْمِثَالَيْنِ وَأَمْثَالِهِمَا (عَصَمَهُمُ اللَّهُ) أَيْ: حَفِظَهُمْ مِنَ الزَّيْغِ وَالتَّعَدِّي عَلَى أَحْبَابِهِمْ (وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ) أَيْ: حَيَاءً مِنْهُمْ وَرَجَعُوا عَنْ إِسَاءَتِهِمْ إِلَيْهِمْ وَالْغَضَبِ عَلَيْهِمْ (كَأَنَّهُ) أَيِ: الْعَدُوَّ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْمُفْرَدُ وَالْجَمْعُ (وَلِيٌّ) أَيْ: نَاصِرُهُمْ (حَمِيمٌ) : صَدِيقٌ يَهْتَمُّ لِأَمْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَيُحَمَّمُ بِحَرَّارَتِهِمْ وَحُرْقَتِهِمْ (قَرِيبٌ) أَيْ: ذُو قُرَابَةٍ مِنْهُمْ.

وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ تَقْلِبُ الْعَدَاوَةَ مَحَبَّةً، وَتَرَفَعُ الْأَخْلَاقَ الذَّمِيمَةَ مِنَ الْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا التَّفْسِيرُ عَلَى أَنْ تَكُونَ (لَا) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَلَا السَّيِّئَةُ) مَزِيدَةٌ وَالْمَعْنَى لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَالسَّيِّئَةُ، فَعَلَى هَذَا يُرَادُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ الَّتِي هِيَ حَسَنَةٌ، فَوَضَعَ الْأَحْسَنَ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الدَّفْعِ بِالْحَسَنَةِ، وَإِذَا لَمْ تَجْعَلْ لَا مَزِيدَةً يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ الْحَسَنَةَ وَالسَّيِّئَةَ مُتَقَارِنَتَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا فَخُذْ بِالْحَسَنَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ مِنْ أُخْتِهَا، فَإِذَا اعْتَرَضَتْكَ حَسَنَاتٌ، فَادْفَعْ بِهَا السَّيِّئَةَ الَّتِي تَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ بَعْضِ أَعْدَائِكَ، وَمِثَالُهُ رَجُلٌ أَسَاءَ إِلَيْكَ إِسَاءَةً، فَالْحَسَنَةُ أَنْ تَعْفُوَ عَنْهُ، وَالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أَنْ تُحْسِنَ إِلَيْهِ مَكَانَ إِسَاءَتِهِ إِلَيْكَ مِثْلَ أَنْ يَذُمَّكَ فَتَمْدَحَهُ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ انْقَلَبَ عَدُوُّكَ الْمَشَاقُّ مِثْلَ الْوَلِيِّ الْحَمِيمِ مُصَافَاةً لَكَ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) أَيْ: بِلَا إِسْنَادٍ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ مَا عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ ضَعِيفٌ، وَمَا رَوَاهُ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ صَحِيحٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 3197

5118 -

وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِنَّ الْغَضَبَ لَيُفْسِدُ الْإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ» ".

ــ

5118 -

(وَعَنْ بَهْزٍ) : بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ هَاءٍ فَزَايٍ تَابِعِيٌّ (ابْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ) : تَابِعِيٌّ حَسَنُ الْحَدِيثِ (عَنْ جَدِّهِ) أَيْ: مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقَشِيرِيِّ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الْغَضَبَ لَيُفْسِدُ الْإِيمَانَ) أَيْ: كَمَالَهُ أَوْ نُورَهُ وَبَهَاءَهُ، وَقَدْ يَجُرُّ إِلَى بُطْلَانِهِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمَّا كَانَ بَعْضُ أَفْرَادِهِ كَذَلِكَ صَحَّ التَّشْبِيهُ بِقَوْلِهِ:(كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ) : وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَيُسَكَّنُ عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ لَكِنْ قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ: الصَّبِرُ كَكَتِفٍ وَلَا يُسَكَّنُ إِلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ عُصَارَةُ شَجَرٍ مُرٍّ اهـ. وَأَمَّا كَسْرُ الصَّادِ وَسُكُونُ الْبَاءِ عَلَى مَا اشْتُهِرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: كَكَتِفٍ، فَإِنَّ الْكَتِفَ فِيهِ لُغَتَانِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

ص: 3197

5119 -

«وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَوَاضَعُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ» ".

ــ

5119 -

(وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ وَهُوَ) أَيْ: عُمَرُ (عَلَى الْمِنْبَرِ) : فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِفْظِ الْقَضِيَّةِ وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ كَالْمَسْأَلَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ لِكَوْنِهِ فِي مَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) : وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَيْهِ لِإِفَادَةِ الْعُمُومِ وَنَفْيِ تَوَهُّمِ الْخُصُوصِ (تَوَاضَعُوا) أَيْ: لِيَتَوَاضَعَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ وَيَتْرُكَ التَّكَبُّرَ عَلَى إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة: 54] وَالتَّعْبِيرُ بِالْأَذِلَّةِ لِلْإِشْعَارِ بِكَمَالِ التَّوَاضُعِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ (فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ» ) : هَذِهِ الْجُمْلَةُ فَقَطْ رَوَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَهُوَ) : الْفَاءُ تَفْرِيعِيَّةٌ أَيْ: فَالْمُتَوَاضِعُ الْمَرْفُوعُ نَتِيجَتُهُ أَوْ عَلَامَتُهُ أَنَّهُ (فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ) : أَوْ جَزَائِيَّةٌ وَتَقْدِيرِيَّةٌ، وَإِذَا رَفَعَهُ اللَّهُ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ حَقِيرٌ خَالٍ عَنِ الْعُجْبِ وَالْكِبْرِ. (وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ) أَيْ: عَظِيمُ الْقَدْرِ جَلِيلُ الشَّأْنِ لِرَفْعِهِ تَعَالَى إِيَّاهُ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الْحَمِيدَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي فِي نَفْسِي صَغِيرًا. وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرًا. (وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى) : مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ صَغِيرٌ أَوْ بِحَاصِلِ الْمَجْمُوعِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ حَتَّى هَذِهِ ابْتِدَائِيَّةٌ فَفِي الْمُغْنِي أَنَّ حَتَّى قَدْ تَكُونُ حَرْفَ ابْتِدَاءٍ أَيْ: حَرْفًا يُبْتَدَأُ بَعْدَهُ الْجُمَلُ أَيْ: تُسْتَأْنَفُ فَيَدْخُلُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:

فَمَا زَالَتِ الْقَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا

بِدِجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دِجْلَةَ أَشْكَلُ

وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى دُخُولُ لَامِ الِابْتِدَاءِ فِي قَوْلِهِ: (لَهُوَ) أَيِ: الْمُتَكَبِّرُ الْمَوْضُوعُ، (أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ) أَيْ: أَذَلُّ وَأَحْقَرُ عَلَى النَّاسِ (مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ) : وَالتَّنْوِيعُ إِمَّا بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُتَكَبِّرِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَحْوَالِ النَّاسِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَهُوَ جَزَائِيَّةٌ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَعْنِي مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ هَضَمَ حَقَّهُ مِنْ نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ نَفْسَهُ دُونَ مَنْزِلَتِهِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ) ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُهُ مِنْ تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، الَّتِي هِيَ حَقُّهُ إِلَى مَا هِيَ أَرْفَعُ مِنْهَا وَيُعَظِّمُهُ عِنْدَ النَّاسِ وَبِعَكْسِهِ فِي الْقَرِينَةِ الْأُخْرَى، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَوَاضَعَ رَفَعَ اللَّهَ حِكْمَتَهُ، وَقَالَ: انْتَفِشْ نَفْسَكَ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ كَبِيرٌ، وَإِذَا بَطَرَ وَعَدَا طَوَرَهُ وَهَضَهُ اللَّهُ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالَ: اخْسَأْ أَخْسَأَكَ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ، حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْخِنْزِيرِ.

ص: 3198

5120 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عليه السلام: يَا رَبِّ! مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ» ".

ــ

5120 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ) : عليه السلام: (يَا رَبِّ مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ) : وَالْمُرَادُ أَنَّ الْأَعَزَّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْجَمْعِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ الْعِنْدِيَّةِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَ كَوْنَهُ أَذَلَّ فِي طَرِيقِ الْعُبُودِيَّةِ الْعَبْدِيَّةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ وَالْعِبَادَةَ مَأْخُوذَانِ مِنْ طَرِيقٍ مُعَبَّدٍ أَيْ: مُذَلَّلٍ، وَقَدْ قَالُوا: الْعِبَادَةُ هِيَ أَقْصَى غَايَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَلِذَلِكَ لَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى، مَعَ أَنَّ الْغُفْرَانَ مَعَ الْقُدْرَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ:{إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا} [النساء: 149] ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ عليه السلام عَلَى الْعَفْوِ لَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْحِدَّةَ الْجَلَالِيَّةَ، لِيَحْصُلَ لَهُ الِاعْتِدَالُ كَمَا يَقْتَضِيهِ الْكَمَالُ، بَلْ يَنْبَغِي غَلَبَةُ نَعْتِ الْجَمَالِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ:( «غَلَبَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» ) وَلِكَوْنِ الرَّحْمَةِ غَالِبَةً عَلَى نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وُصِفَ بِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأُمَّتُهُ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، فَإِنَّ الرَّاحِمِينَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ عَلَى مَا سَبَقَ فِيهِ الْبَيَانَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:«مَنْ عَفَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْعُسْرَةِ» ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ.

ص: 3198