الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثاني
في ذكر ما روي عن السلف في ذم المزاح والإكثار منه
وردت نقول كثيرة جدًّا عن السلف الكرام في ذم المزاح والتزهيد فيه، والتحذير من الإكثار منه، لما يعقب ذلك من وحشة وتنافر وقطيعة وتناكر.
فمن تلك نقول:
1.
ما صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «لا يبلغ رجل حقيقة الإيمان حتى يدَعَ المِرَاءَ وهو مُحِقٌّ، والكذبَ في المزاح» .
فكأنَّ عمر رضي الله عنه أراد حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا، وبيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه» .
2.
رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «مَن مَزَح استُخِفَّ به» .
ويروى بلفظ: «مَن كَثُر ضحكه استُخِفَّ به وذهب بهاؤه» .
3.
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «اتقوا الله، وإياي والمزاحة، فإنها تورث الضَّغِينَةَ وتُثير الحَمَقَة. تحدثوا بالقرآن، وتجالسوا به، فإن ثقُل عليكم فحديث حسن من حديث الرجال» .
4.
ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «من كثر كلامه وضحكه ومزاحه، قلَّت هيبته، ومن أكثر من شيء عُرِفَ به» .
ويُروى مثله عن الأحنف بن قيس.
ويُروى نحوه مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
إلا أنه لا يصح بل هو حديث منكر كما في «العلل المتناهية»
لابن الجوزي (2/ 707).
5.
وقال إبراهيم النخعي: «لا يكون المزاح إلا من سُخْفٍ وبَطَرٍ» .
6.
وقال خالد بن صفوان: «المُزاح: سِبَاب النَوْكَى» .
7.
وقال في التحذير من سوء عاقبة الإكثار من المزاح: «يصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل، ويُنْشِقُهُ أَحَرَّ من الخردل، ويُفْرِغ عليه أحرَّ من المرجل، ثم يقول إنما كنت أمازحك» .
8.
وفي مثل هذا يقول محمد الورَّاق:
تلقى الفتى يلقى أخاه وَخِدْنَهُ
…
في لَحْنِ منطِقِهِ بما لا يُغْفَرُ
ويقول كنت ممازحًا وملاعبًا
…
هيهات نارك في الحشا تَتسعَّرُ
ألهبتها وطفقت تضحك لاهيًا
…
مما به وفؤاده يتفطرُ
أو ما علمت، ومثل جهلك غالبٌ
…
أن المزاح هو السِّباب الأكبرُ
9.
وروي عن الحسن بن حُيَي: «المزاح استدراج من
الشيطان واختداع من الهوى».
10.
وقال عبد الرحمن بن الحسين: «كان يُقال: المزاح مسلبة البهاء، مقطعة للصداقة» .
زاد ابن حبان: «
…
ويورث الضَغَنَ ويُنبتُ الغلَّ».
11.
وقال ميمون بن مِهْران الجَزَرِي: «إذا كان المزاح أمام الكلام، فآخره الشتم واللِّطام» .
وفي هذا يقول الشاعر:
فإياك إياك المزاح فإنه
…
يُجرِّي عليك الطفل والدَّنِسَ والنَّدلا
ويذهب ماء الوجه بعد بهائه
…
ويورثه من بعد عزته ذُلَّا
12.
وقال محمد بن المنكدر: «قالت لي أمي: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم» .
13.
وما أعظم ما أوصى مسعر بن كدام ابنه كدامًا به إذ يقول:
إني نَحَلْتُكَ يا كدام نصيحتي
…
فاسمع لقول أبٍ عليك شفيق
أما المزاحة والمراء فَدَعْهُما
…
خُلُقَان لا أَرضاهُما لصديق
إني بَلوتُهما فلم أحْمَدْهُما
…
لمجاور جارًا ولا لرفيق
والجهل يُزرِي بالفتى في قومه
…
وعروقُهُ في الناس أيُّ عروق
14.
وقال أبو حاتم بن حبان: «إن من المزاح ما يكون سببًا لتهييج المراء، والواجب على العاقل اجتنابه
…
».
وقال أيضًا: «والمزاح إذا كان فيه إثم فهو يُسَوِّدُ الوجه ويدمي القلب ويحيي الضغينة» .
15.
وقال الإمام ابن عبد البر: «وقد كره جماعة من العلماء الخوض في المزاح لما فيه من ذميم العاقبة، ومن التوصل إلى الأعراض واستحلاب الضغائن، وإفساد الإخاء؛ وكان يقال: لكل شيء بَدْءٌ، وبَدءُ العداوة المزاح، وكان يقال: لو كان المزاح فحلًا ما أَلقَحَ إلا الشر» .
إلى غير ذلك من النُّقُول وفيما ذكرناه غُنيَةً إن شاء الله.
ثم اعلم- رحمك الله وسَدَّدَك- أن هذه الآثار والنقولَ التي سقت لك بعضها وما كان في معناها محمولةٌ على الإكثار من
المزاح والضحك والمداومة عليه والإفراط فيه؛ لأن الإكثار منه مشغلٌ للعبد عن الذي خُلِقَ له، ومضيِّعٌ للأوقات في اللعب والهزل، كما أنه مسقط للمهابة والوقار. فضلًا عن أن يكون مُقَسٍّ للقلب، بل مُميتًا له، وعلى هذا يُحْمَل حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب» .