الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره
…
الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجازهم لحفره
لقد بدأ المسلمون في حفر الخندق في وقت عصيب - ذلك لأنهم يبادرون قدم العدو. وقد وكل صلى الله عليه وسلم لكل أناس جزءاً من المكان المتفق على حفره وفي ذلك تنشيط لهم ودافع على المسابقة في إكمال ما يلزم كل طائفة علماً بأنه صلى الله عليه وسلم قد وضع يده معهم ليدفعهم ويرغبهم أكثر في ذلك فقد روى الطبراني:
عن عمرو بن عوف المزني أن رسول صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر السبختين1 طرف بني حارثة عام حزّب الأحزاب2 حتى بلغ المذابح3
1 كذا في المجمع 6/130 -أحمر السبختين- وفي بقية الكتب ورد غير ذلك- ولعله تصحيف فقد جاء عند الطبري في جامع البيان 21/133 - أحمر الشيخين- وفي تاريخ الأمم والملوك 3/45 أجم الشيخين، وفي دلائل النبوة للبيهقي 3/400 الأجم - السمر- وهذا هو الحق لأن الا جم هي الحصون، وفيه (حتى توارت بآجام المدينة) أي حصونها واحدها أُجُم بضمتين. النهاية في غريب الحديث 1/26.
2 في الطبري عام -ذكرت الأحزاب- جامع البيان 21/133، وتاريخ الأمم والملوك 3/45.
3 اختلف فيها كثيراً، ولكن التحقيق سيأتي في نهاية هذا الفصل نقلاً عن ياقوت الحموي وغيره.
فقطع لكل - عشرة أربعين ذراعاً واحتج1 المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرين: "سلمان منا وقالت الأنصار منا" فقال رسول صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت". الحديث2.
قال الهيثمي3: "رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه. وقد كذبه الشافعي. وتركه أحمد". وفي الميزان عن ابن حبان - له عن جده نسخة موضوعة - وقال الشافعي وأبو داود: "هو ركن من أركان الكذب"4.
وقد أورده ابن جرير الطبري5 مطولاً ومداره على كثير هذا.
وعلى ذلك فهو ضعيف لضعف كثير إلا أنه يتقوى بما سيأتي من المتابعات والشواهد، مما يدل على أن له أصلاً.
وقد حصل اختلاف بين روايات هذا الحديث مع أن مدارها على واحد. فقد نقل الحافظ حيث قال:
1 عند الطبري في التفسير 21/134 -اختلف- وفي التاريخ 3/45 - (احتق) - وهو الأصح. انظر: لسان العرب 10/49.
2 المعجم الكبير للطبراني 6/260 حديث (6040) وفيه (النسختين) بدل السبختين.
3 مجمع الزوائد 6/130.
4 تهذيب التهذيب 8/421، سبل السلام 3/59.
5 جامع البيان 21/133، تاريخ الأمم والملوك 3/45.
وأخرجه البيهقي مطولاً من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده وساق الحديث إلى أن قال:
وخط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق لكل عشرة أناس عشرة أذرع -وفيه- فمرت بنا صخرة بيضاء كسرت معاويلنا فأردنا أن نعدل عنها فقلنا: حتى نشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنا إليه سلمان - وفيه- فضرب ضربة صدع الصخرة وبرق منها برقة وكبر المسلمون - وفيه - رأيناك تكبر فكبرنا بتكبيرك فقال: إن البرقة الأولى اضاءت لها قصور الشام فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليهم - وفي آخره- ففرح المسلمون واستبشروا1.
وهذه الرواية سبق في الفتح أنها للطبراني وفيها أن كل أربعين ذراع لعشرة من الناس2 كذلك أورد ابن كثير هذه الرواية بلفظ "بين كل عشرة أربعين ذراعاً"3.
وفي الدلائل للبيهقي: فلما وكل رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل جانب من الخندق قال المهاجرون يا سلمان احفر معنا. الحديث4. وليس فيه تحديد الناس والأذرع.
1 فتح الباري 7/397.
2 مجمع الزوائد 6/130.
3 البداية والنهاية 4/99.
4 دلائل النبوة للبيهقي 3/400.
ورواه ابن جرير: عن ابن بشار عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكره - وفيه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعاً. قال واحتق1 المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت" قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً. الحديث2.
ولقد حفروا رضي الله عنهم بجد ونشاط وكانت المسافة طويلة وشاقة حيث كان الحفر من طرف بني حارثة - وبنو حارثة- في طرف الحرة الشرقية - إلى المذاد- من طرف بني سلمة بعد جبل بني عبيد من بني سلمة3.
وكان هذا مع ما كان بهم من الجوع وبدائية الأدوات التي كانوا يستخدمونها إلا أن اعتمادهم على الله ثم على قوة إيمانهم به وبرسوله
1 وهي عند ابن كثير هكذا -ومعناها- اختلفوا وتنازعوا. انظر: البداية والنهاية 4/99
2 جامع البيان 21/133-134، وقد تقدم رجال السند مترجمين في ص 169.
3 المدينة بين الماضي والحاضر 377.
وبمشروعية الدفاع عن الإسلام وعن النفس كل ذلك جعلهم ينجزون ما بدأوا فيه بسرعة فائقة إذا قيس بأعمال الآلات الحديثة اليوم.
أما بالنسبة لتحديد المكان المحفور على ضوء الأدلة فقد قال صاحب المواهب1 اللدنية: روى الطبراني بسند لا بأس به عن عمرو بن عوف المزني أنه صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر الشيخين
…
وهما أطمان طرف بني حارثة حتى بلغ المذاد2.
ولقد عمل صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة مع المسلمين ليقوي نشاطهم وتزداد رغبتهم كما أنه صلى الله عليه وسلم كان يبادلهم الأهازيج. لأن الشعر والتمثل به مما يزيد في النشاط. وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز3 لذلك روى البخاري رحمه الله حيث قال:
1 المواهب اللدنية 2/102، وهو محمد بن عبد الباقي بن يوسف بن أحمد بن علوان الزرقاني المالكي أبو عبد الله ت 1122. معجم المؤلفين 10/124.
2 هذا ما قاله الزرقاني بالنسبة لهذا الحديث - بسند لا بأس به- ولم أطلع على الجزء من مسند الطبراني الذي فيه مسند - عمرو بن عوف-.
3 نوع من الشعر - وقد جاء في حديث الوليد بن المغيرة حين قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم أنه شاعر فقال: "لقد عرفت الشعر رجزه وهزجه وقريضه فما هو به" والرجز: بحر من بحور الشعر وتسمى قصائده أراجيز واحدها أرجوزه فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر ويسمى قائله راجزاً. النهاية في غريب الحديث 2/199.
حدثنا عبد الله بن محمد1 حدثنا معاوية بن عمرو2 حدثنا أبو إسحاق3 عن حميد4 سمعت أنساً رضي الله عنه يقول: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم إن العيش عيش الآخرة
…
فاغفر للأنصار والمهاجرة.
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمداً
…
على الجهاد ما بقينا أبداً5
ورواه مسلم من طريق محمد بن حاتم السمين بنفس اللفظ إلا أن فيه تقديماً وتأخيراً6. قال الحافظ قوله: "فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك" أي أنهم عملوا فيه بأنفسهم لاحتياجهم إلى ذلك لا لمجرد الرغبة في الأجر7
1 هو المسندي وترجمته في تهذيب التهذيب 10/215.
2 هو الأزدي المعنى -بفتح الميم وسكون المهملة- الكوفي أبو عمرو البغدادي، تهذيب التهذيب 10/215.
3 أبو إسحاق هو - الفزاري واسمه إبراهيم بن محمد بن الحارث- ثقة حافظ من الثامنة روى له (ع) التقريب 22.
4 هو الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه -ثقة مدلس- من الخامسة- روى له (ع) التقريب 84.
5 صحيح البخاري 5/45 كتاب المغازي باب غزوة الخندق.
6 صحيح مسلم 3/1432 كتاب الجهاد والسير.
7 فتح الباري 5/394.
أقول: "إنه قد يفهم من كلام الحافظ أن الحاجة وحدها هي التي دفعتهم للعمل ولكنه واضح أن الرغبة في الأجر هي السمة الغالبة في ذلك وأن الحاجة مضافة إلى ذلك خصوصاً أولئك الذين مدحهم الله في أكثر من آية بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 1 الآية.
أما قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إن العيش عيش الآخرة" فقد بين الحافظ سبب هذا القول وهو لما رأى ما بهم من النصب والجوع قال ذلك.
قال: "وعند الحارث بن أبي أسامة من مرسل طاوس زيادة في هذا الرجز:
والعن عضلاً والقارة
…
هم كلفونا ننقل الحجارة
ثم قال: "والشطر الأول غير موزون ولعله" كان: "والعن الهي عضلاً والقارة".
وفي الطريق الثانية لأنس أنه قال ذلك جواباً لقولهم: "نحن الذين بايعوا محمداً" قال: "ولا أثر للتقديم والتأخير فيه لأنه يحمل على أنه كان يقول" إذا قالوا ويقولون إذا قال.
1 سورة الفتح الآية الأخيرة.
قال: "وفيه أن إنشاد الشعر سبب للتنشيط في العمل وبذلك جرت عادتهم في الحرب وأكثر ما يستعملون في ذلك الرجز".
وقال في قوله: "على الجهاد ما بقينا أبداً" في رواية عبد العزيز على الإسلام بدل - الجهاد - والأول اثبت1. وهذا الحديث ورد في عدة مواضع في صحيح البخاري2.
أقول: "إن المسلم عليه أن يتأسى برسوله صلى الله عليه وسلم فحينما يرى البذخ الذي فيه بعض الناس والفقر الذي فيه آخرون - يقول - اللهم إن العيش عيش الآخرة. لأنها كلمة ترتفع بالنفس عن الدنيا الفانية وإغراءاتها المذلة".
وقد جاء عند البخاري من طريق ثانية عن أنس وفيها قال البخاري رحمه الله: حدثنا أبو معمر3 حدثنا عبد الوارث4 عن
1 فتح الباري 7/394-395 كتاب الجهاد - باب غزوة الخندق.
2 فتح الباري 6/45 كتاب الجهاد باب التحريض على القتال، 6/46، 6/117، 13/192 كتاب الأحكام باب كيف يبايع الإمام الناس.
3 عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي أبو معمر المقعد المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف البصري واسم أبي الحجاج ميسرة ثقة ثبت - رمي بالقدر من العاشرة. مات سنة أربع وعشرين ومائتين روى له (ع) التقريب 183.
4 هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي بفتح المثناة وتشديد النون البصري - ثقة ثبت - رمي بالقدر ولم يثبت عنه - من الثامنة مات سنة ثمان ومائة. روى له (ع) . التقريب 222.
عبد العزيز1 عن أنس رضي الله عنه2 قال: "جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم3 وهم يقولون:
نحن الذين بايعوا محمداً
…
على الإسلام ما بقينا أبداً
قال: "يقول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجيبهم:
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة
…
فبارك في الأنصار والمهاجرة.
قال: "يؤتون بملئ كفِّى من الشعير فيصنع لهم بإهالة4 سنخة5 توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة6 في الحلق ولها ريح منتن"7
…
الحديث.
1 هو عبد العزيز بن صهيب البناني بموحدة ونونين البصري ثقة من الرابعة مات سنة ثلاثين ومائة روى له (ع) التقريب 215.
2 أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة. التقريب 39. والاستيعاب 1/198.
3 المتن هو الكتف (وقد جاء في رواية أخرى على أكتاف) وفي أخرى على أكتادنا وكلاهما بمعنى واحد) .
4 الإهالة: بكسر الهمزة وتخفيف الهاء. الدهن مما يؤتدم به وقيل هو ما أذيب من الألية والشحم وقيل الدسم الجامد. النهاية في غريب الحديث 1/84.
5 السنخة: المتغيرة الريح وذلك لقدمها. النهاية 1/84، وفتح الباري 7/395.
6 بشعة: كريهة الطعم عند ازدرادها. فتح الباري 7/395.
7 فتح الباري 7/392-393.
هكذا كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه في صراع دائم مع الدنيا وإغراءاتها ولم تجد إليهم سبيلاً بل كانوا على يقين تام بأن الآخرة أحسن وأولى {وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى} 1. وكانوا يعملون هذه الأعمال المجيدة الشاقة دفاعاً عن هذا الدين الحنيف وهم في حالة صعبة حيث الجوع والبرد القارس ومع ذلك كانت عزائمهم صلبة تكسر الصخور.
ومن أيقن مثلهم بخراب الدنيا وذهابها عمل لعمارة الآخرة ونسي الآلام كلها وتخطى كل العقبات.
وقد روى البخاري حديثاً آخر بمعنى مقارب لما سبق قال فيه:
حدثنا قتيبة2 حدثنا عبد العزيز3 عن أبي حازم4 عن
1 سورة الضحى الآية 4.
2 قتيبة بن سعيد بن جميل بفتح الجيم ابن طريف الثقفي أبو رجاء البغلاني وبغلان من قرى بلخ وهي بفتح الموحدة وسكون المعجمة يقال: اسمه يحيى وقيل: علي -ثقة ثبت- من العاشرة مات سنة 240هـ عن تسعين سنة (ع) التقريب 281.
3 عبد العزيز بن محمد بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني -صدوق- كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ومائة (ع) التقريب 216.
4 سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج الأفزر التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان -ثقة عابد- من الخامسة مات في خلافة المنصور (ع) التقريب 130.
سهل بن سعد1 رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب2 على أكتادنا3 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار" الحديث4.
كما رواه مسلم5 والترمذي6 والطبراني7:
أما الأماكن الواردة في الخندق فقد اختلف فيها كثيراً وقد يذكر البعض ما لا يذكره الآخر كما أنه يحدث في بعض الأحيان تصحيف لبعضها وخاصة المتشابهة في الحروف وسأذكر ما وجدته في كتب المؤرخين وبعد ذلك نستطيع المقارنة والحكم.
1 سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبو العباس له ولأبيه صحبة مشهور، وهو آخر من مات بالمدينة أحاديثه 188، الاستيعاب 2/224، وكشف المشكل من حديث الصحيحين 2/266.
2 فيه دلالة على صغر سن سهل في ذلك الوقت وأنه كان ومن في مثل سنه مخصصين لنقل التراب المحفور.
3 الكتد بتفح التاء وكسرها مجمع الكتفين وهو الكاهل. النهاية 4/149.
4 صحيح البخاري 5/45، الفتح 7/392.
5 صحيح مسلم 3/1432.
6 سنن الترمذي 5/356 أبواب المناقب.
7 المعجم الكبير 6/205.
قال الفيروز أبادي1: "فحفر صلى الله عليه وسلم طولاً من أعلى وادي بطحان2 غربي الوادي مع الحرة إلى غربي المصلى يوم العيد ثم إلى مسجد الفتح ثم إلى الجبلين الصغيرين غربي الوادي وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع وضرب قبته على موضع مسجد الفتح اليوم3 والخندق بينهم وبين المشركين". أ. هـ.
وقد مر في الحديث الذي رواه كثير بن عبد الله المزني وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خط الخندق من أحمر (السبختين) وقد ظهر في الكلمة
1 المغانم المطابة 134 تحقيق الجاسر.
2 بطحان بضم فسكون عند المحدثين وحكى أهل اللغة بطحان بفتح أوله وكسر ثانيه وهو: واد بالمدينة وهو أحد أوديتها الثلاثة: العقيق وبطحان وقناة. وقد روى الزبير بن بكار -بطحان على ترعة من ترع الجنة- انظر المغانم المطابة 56، والنهاية في غريب الحديث 1/136.
3 مسجد الفتح الذي يسمى حالياً بهذا الاسم يقع على طرف جبل سلع في الشمال الغربي منه مطلاً على مسيل بطحان (أبي جيده) ويبعد عن المدينة بـ 3 كيلوات المغانم المطابة 958، وقد رد هذا - حمود التويجري- حيث قال لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أسس في المدينة مسجداً سوى مسجده ومسجد قباء ومن زعم غير هذا فقوله بعيد من الصحة والذي يظهر أن هذه المساجد كانت من إنشاء المفتونين بالآثار ونسبتها إلى الأكابر ليكون لذلك موقع عند الجهال، مجلة البحوث الإسلامية 279-280 العدد الخامس محرم - جمادى الآخرة 1400. قلت: وبالنظر إلى طبيعة المكان نجد أنه يقع في الجنوب الغربي وليس في الشمال كما قال صاحب المغانم المطابة. والله أعلم.
بين قوسين تصحيف وأنها أجم الشيخين كما في الطبري1 والبيهقي2 وعلى ذلك (فاجم الشيخين) الأجم: بضمتين: الحصن3 والشيخان تثنية شيخ وهو موضع بالمدينة كان فيه معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة خرج لقتال المشركين بأحد. وقيل: هما اطمان سميا به لأن شيخاً وشيخة كانا يتحدثان هناك4.
وقال العياشي: "جاء فيما ساقه السمهودي عن الطبراني ما سماهما فيه باجم الشيخين والبيهقي في دلائل النبوة سماهما - الاجم السمر5 - وكل هذا ينطبق على الشيخين الاطمين المذكورين"6.
ومن هنا بدأ مكان حفر الخندق وقد ورد في حديث - كثير - المتقدم خط الخندق من أحمر السبختين طرف بني حارثة وعليه فقد ذكر السمهودي - ضمن المساجد- مسجد بني حارثة وقد ذكر العياشي7 أن هذا المسجد يقع في طريق المستراح من الغرب أ. هـ.
1 تاريخ الأمم والملوك 3/45.
2 دلائل النبوة 3/419.
3 القاموس المحيط 4/73.
4 معجم البلدان 3/380.
5 دلائل النبوة 3/418.
6 المدينة بين الماضي والحاضر 373.
7 المدينة بين الماضي والحاضر 373.
أقول: "والمستراح موضع معروف اليوم على يسار الذاهب إلى شهداء أحد ويبعد عن المسجد النبوي بحوالي ثلاثة كيلو مترات. وهذا يعني أن مكان الخندق بشكل عام كما يذكره المؤرخون من حرة واقم إلى حرة الوبرة وهما تسميان اليوم (بالشرقية والغربية) ".
لذلك قال العياشي1: "من هنا بدأ خط الخندق - وذلك حينما ذكر الاجم السمر- أو الشيخين - طرف بني حارثة التي عند القلعة التي تتوسط طريق الشهداء حتى تنتهي إلى المذاد من طرف بني سلمة أ. هـ. أما (المذاد) فقد حصل فيها اختلاف أيضا فقد ورد عند الهيثمي2 (المداحج) بالدال المهملة وعند الطبري3 وياقوت4 أنها المذاد وقال ياقوت: هو بالفتح وأخره دال مهملة وهو اسم المكان من ذاده يذوده إذا طرده" قال ابن الأعرابي: "المذاد والمزاد بالزاي المعجمة - المرتفع موضع بالمدينة حيث حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق. وقيل: هو واد بين سلع وخندق المدينة. قال كعب بن مالك:
1 المدينة بين الماضي والحاضر 377.
2 مجمع الزوائد 6/130.
3 جامع اليبان 21/133 تاريخ الأمم والملوك 3/45.
4 معجم البلدان 5/88، النهاية في غريب الحديث 4/311.
من سره ضرب يرعبل بعضه
…
بعضاً كمعمعة الإباء المحرق
فليات مأسدة تسل سيوفها
…
بين المذاد وبين جزع الخندق أ. هـ. 1
وعليه فالمذاد ورد ذكره في هذا البيت كما ترى مما يدل على شهرته عندهم أما المداحج فلم أقف لها على ذكر في المصادر التي رجعت إليها ولعل فيها تصحيفاً.
وهناك موضعان ورد ذكرهما في الخندق وهما - الندى، الصرى2- ولم أجد لهما ذكراً في معالم المدينة إلا أن هناك ذكراً لما يشابه الصرى حيث قال ياقوت: صرار، بكسر أوله وآخره مثل ثانيه وهي الأماكن المرتفعة التي لا يعلوها الماء يقال لها صرار، وصرار: اسم جبل وقيل موضع على ثلاثة أميال من المدينة على طريق العراق قاله الخطابي. أهـ3.
أما بالنسبة للندى، ومع إني لم أجد لها ذكراً في المواقع إلا أني وجدت في دلائل النبوة للبيهقي ما قد يوضح هذا الالتباس، وإن لم
1 معجم البلدان 5/88، والنهاية في غريب الحديث 4/311.
2 جامع البيان 21/134، تاريخ الأمم والملوك فيه - الندى- وليس فيه الصرى 3/45.
3 معجم البلدان 3/398.
يوضحه فهو لا يخلو من فائدة، وعليه فقد روى اليبهقي من طريق كثير ابن عبد الله المزني حديثاً، وفيه قال عمرو بن عوف: فكنت أنا وسلمان وحذيفة بن اليمان والنعمان بن مقرن وستة من الأنصار في أربعين ذراعاً فحفرنا حتى بلغنا الثّديّ1 أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مدّورة2. الحديث.
وعلى ذلك فهذه الكلمة - الثدى- محتملة لما يأتي:
1-
أنهم حفروا إلى ما يبلغ الثدى وفي هذا دلالة على عمق الخندق.
2-
ويحتمل أنها الثرى -بالثاء المعجمة والراء المهملة- ويكون فيها تصحيف.
والثرى بمعنى الندى3، وتكون الندى لا تصحيف فيها. وهذا يدل على أنه ليس هناك مكان معروف يسمى الندى، وإنما الندى هو الجود وهو المطر والبلل4، ويطلق على قطرات الماء التي تصبح على أوراق الأشجار. ولذلك قال الطبري والصرى هو الماء5.
1 وهذا العمق قد يكون أكثر من متر لأن طول الرجل المتوسط متر ونصف فأكثر.
2 دلائل النبوة 3/419.
3 القاموس المحيط 4/394.
4 مختار الصحاح 653.
5 جامع البيان 21/134.
عقب ذلك قال السفاريني1:
وكان الخندق بسطة ونحوها وكان سلع الجبل خلف ظهورهم، والخندق من المذاد2 إلى ذباب3 إلى راتج4.
وكان قد عمل فيه صلى الله عليه وسلم، وأصحابه رضي الله عنهم مستعجلين. ثم قال في الهامش تعليقاً على هذه الأماكن:
المزاد: هو أطم لبني حرام غربي مساجد الفتح، وذباب: كغراب اسم جبل بالمدينة، وراتج: اسم أطم أيضاً. أهـ5.
قال ابن سعد: "ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وكل بكل جانب منه قوماً
1 هو محمد بن أحمد بن سالم بن سليمان السفاريني النابلسي الحنبلي (أبو العون) شمس الدين محدث فقيه أصولي صوفي مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد عام 1114هـ، وتوفي 1188هـ، من تصانيفه معارج الأنوار في سيرة النبي المختار. انظر معجم المؤلفين 8/262.
2 هو المذاد: بالذال أخت الدال وهذا بدليل ما جاء في شعر كعب بن مالك وقد مر في هذا البحث في صفحة 197.
3 ذباب: قال ياقوت ذكره الحازمي بكسر أوله وباءين جبل بالمدينة له ذكر في المغازي والأخبار معجم البلدان 3/3.
4 راتج: بعد الألف تاء مثناه من فوق مكسورة وجيم: اطم من آطام بالمدينة وتسمى الناحية به. معجم البلدان 3/12.
5 شرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد 1/199- 200.
وكان المهاجرون من ناحية راتج إلى ذباب وكانت الأنصار من ذباب إلى جبل بني عبيد وكان سائر المدينة مشبكاً بالبنيان، فهي كالحصن وخندقت بنو عبد الأشهل عليها مما يلي راتج إلى خلفها حتى جاء الخندق من وراء المسجد، وخندقت بنو دينار من عند جربا إلى موضع دار ابن أبي الجنوب اليوم"1.
ويستنتج من هذا وذاك أن أقصى نقطة من الشرق بالنسبة للخندق هي راتج، وآخر نقطة من الغرب جبل بني عبيد، وفيما بينهما جرى الحفر.
أما المدة التي استغرقوها في أثناء الحفر ففيها أقوال:
1-
قول ابن سعد "وفرغوا من حفره في ستة أيام، ورفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام"2.
2 -
وقول القسطلاني: "وقد وقع عند موسى بن عقبة أنهم أقاموا في عمل الخندق قريباً من
1 الطبقات الكبرى 2/66- 67.
2 المصدر السابق 2/67.
عشرين ليلة، وعند الواقدي أربعاً وعشرين ليلة. وعند النووي في الروضة خمسة عشر يوماً. وعند ابن القيم في الهدي النبوي شهراً". أهـ1.
3 -
وقول السمهودي: "وما تقدم من فراغ الخندق في ستة أيام هو المعروف لكن قال الحافظ ابن حجر إن في مغازي ابن عقبة: أنهم أقاموا في عمله قريباً من عشرين ليلة ثم ساق الكلام كما ساقه القسطلاني ثم عقب قائلاً: "والذي في الهدي - وأقام المشركون شهراً- أي يحاصرون. وكذا ما قاله في الروضة إنما هو في الحصار وكذا ابن عقبة إنما ذكر ذلك في الحصار" ثم قال: "لكن نقل ابن سيد الناس عن ابن سعد أن المدة في عمل الخندق ستة أيام ثم قال وغيره يقول بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين"2.
قال القسطلاني: "ولست بواثق من هذا التعقيب فإن الحافظ نقل أولاً عن ابن عقبة أن مدة الحصار عشرون يوماً ثم بعد قليل ذكر هذا الخلاف في مدة الحفر وتوهيم مثله لا ينبغي"3.
1 المواهب اللدانية 1/112.
2 وفاء الوفاء 4/1208- 1209، وذكره الحافظ في الفتح 7/394.
3 المواهب اللدانية 1/110.
4-
قول المقريزي: "إنهم فرغوا من حفره في ستة أيام"1.
5-
قول ابن الجوزي: "إن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة، وقيل أربعاً وعشرين ليلة ثم قال: وفرغوا من حفره في ستة أيام"2.
ومن المعاصرين:
6-
محمد محمد أبو شهبة: "أثبت أنهم أتموا حفر الخندق في خلال ستة أيام"3.
7-
أما عماد الدين خليل فقال: "وكان لتقسيم العمل وإسهام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه إلى جانب أصحابه، والإيمان العميق الذي كان يدفع المسلمين إلى بذل كل طاقاتهم لإنجاز الخطة الدفاعية وشعورهم بعظم الخطر المحدق إن هوجمت المدينة قبل أن ينجز حفر الخندق. فضلاً عن تأميل الرسول صلى الله عليه وسلم جنده بالنصر القريب في الأرض والأجر العريض في السماء.
1 الإمتاع 1/216.
2 الوفاء بأحوال المصطفى 693، التلقيح 59.
3 السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة 2/229.
وكان لهذه الأمور جميعاً الأثر الحاسم في تمكين المسلمين من حفر الخندق الذي يمتد "اثنا عشر ألف ذراع"1. في ستة أيام قبل أن يدهمهم الأعداء.
1 هذه المسافة تقدر بستة كيلوات.