المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي - مرويات غزوة الخندق

[إبراهيم بن محمد المدخلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أسباب الغزوة وتاريخها

- ‌الفصل الأول: سبب الغزوة

- ‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

- ‌الباب الثاني: الدوافع والأسباب التي دعت إلى تكتل الأحزاب

- ‌الفصل الأول: دور اليهود في هذه الغزوة

- ‌المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم

- ‌المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض

- ‌المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين

- ‌الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة

- ‌الباب الثالث: موقف المسلمين من تحركات الأحزاب

- ‌الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق

- ‌الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه

- ‌الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها

- ‌الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره

- ‌الباب الرابع: وصول الأحزاب إلى مشارف المدينة

- ‌الفصل الأول: بيان عدد الجيش

- ‌المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده

- ‌المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين

- ‌الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف

- ‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

- ‌الباب الخامس: وصف ما دار في غزوة الأحزاب من مناوشات

- ‌الفصل الأول: اقتحام المشركين للخندق وتصدي المسلمين لهم

- ‌المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين

- ‌المبحث الثاني: المبارزة

- ‌المبحث الثالث: القتلى من الجانبين

- ‌الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة

- ‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة

- ‌الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة

- ‌الفصل الخامس: دور حذيفة بن اليمان في هذه الغزوة

- ‌الفصل السادس: حصول النزاع بين الأحزاب وانهزامهم

- ‌المبحث الأول: هبوب الريح

- ‌المبحث الثاني: "نتائج الغزوة

- ‌الخاتمة: في الأحكام والفوائد والعبر المستنبطة من هذه الغزوة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله سبحانه وتعالى أولاً بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة1 بين لنا الله سبحانه وتعالى مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} 2، وبين سبحانه وتعالى أن في قلوبهم مرضاً وزادهم الله مرضاً فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال ابن كثير3: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله

1 قيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة ما عدا {وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} فقد كانت آخر ما نزل كما قيل. انظر: تفسير القرآن العظيم 1/35.

2 سورة البقرة الآتين 7، 8.

3 تفسير القرآن العظيم 1/47.

ص: 259

صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضاً؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأساً في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب" أ. هـ.

قال1: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحاً له ما ينطوون عليه من الكذب. {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} 2.

1 أي ابن كثير.

2 سورة المنافقين الآية16.

ص: 260

وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جداً لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلاً فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه"

الخ1.

واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني2 ما ندري علام

1 صفات المنافقين 16.

2 يشير إلى المشاورة التي دارت قبل الخروج إلى أحد وكان من رأي كبير المنافقين القعود في المدينة ووافق الرسول مع القائلين بالخروج فأخذ من هذا حجة وذريعة.

ص: 261

نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن إتبعه من قومه من أهل النفاق، والريب هكذا قال ابن إسحاق1 واستمر وضعهم هذا حتى جاءت هذه الغزوة - غزوة الخندق- فأنزل الله سبحانه وتعالى فيهم سورة الأحزاب كما قال شيخ المفسرين وابن كثير وصاحب2 الفتوحات الإلهية3 أنها نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الآيات من سورة الأحزاب فقد ذكر سبحانه المنافقين في تسع آيات منها حيث قال تعالى بعد أن ذكر وامتن على عباده المؤمنين بنعمته عليهم وصرف عدوهم، وبين مجئ الأحزاب والحالة الشديدة التي عاناها المسلمون والبلاء الذي امتحنهم الله به فثبت المؤمنون وانكشف أعداء الله المنافقون فقال تعالى:

1-

{وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَاّ غُرُوراً} 4.

1 السيرة النبوية 2/64.

2 وهو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المصري المعروف بالجمل ت 1204هـ. انظر: معجم المؤلفين 4/271.

3 انظر: تفسير الطبري 21/133، تفسير ابن كثير 3/470، والفتوحات الإلهية 3/421.

4 سورة الأحزاب الآية 12.

ص: 262

2-

{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} 1.

3-

{وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً} .

4-

{وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} .

5-

{قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً} .

6-

{قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} .

7-

{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً} .

8-

{أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً} .

9-

{يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً} 2.

1 سورة الأحزاب الآية 13.

2 سورة الأحزاب الآيات من 11- 20.

ص: 263

وسأورد ملخصاً بتفسير الآيات من تفسير ابن كثير حيث قال في قوله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ} . يقول تعالى مخبراً عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالاً شديداً فحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ثم قال بعد إيراد الآية الأولى - {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ

} : أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى:{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} يعني المدينة كما جاء في الصحيح1: "أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلى2 أنها هجر فإذا هي يثرب".

قوله: {لا مُقَامَ لَكُمْ} 3. أي ها هنا يعنون عند النبي صلى الله عليه وسلم في مقام المرابطة. أما ابن الجوزي4 فقد قال: "إن المنافقين قالوا ذلك لكثرة العدو"

1 صحيح البخاري مع الفتح 7/226.

2 الوهل - وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه النهاية 5/333.

3 سورة الأحزاب الآية 13.

4 زاد المسير 6/359.

ص: 264

قال: وهذا قول الجمهور قال: "وحكى الماوردي قولين آخرين أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن1، والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي". أ. هـ2.

وقوله {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السراق" قال ابن كثير: "وكذا قال غير واحد، قال وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم ثم كذبهم الله فقال {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ} أي ليست كما يزعمون {إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} أي هرباً من الزحف"3.

1 هو الحسن البصري.

2 هو: محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (أبو النضر) مفسر أخباري نسابة راوية ولد بالكوفة وشهد دير الجماجم مع ابن الأشعث. وتوفي في الكوفة سنة 146. من آثاره تفسير القرآن وهو متهم بالكذب عند المحدثين روى له (ت فق) . انظر في ذلك: التقريب 298، وانظر ترجمته في معجم المؤلفين 15/15.

3 تفسير القرآن العظيم 3/473.

ص: 265

قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً

} الآيات.

قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن هؤلاء الذين {يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ

الآية} أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعاً. وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع

وهذا ذم لهم في غاية الذم".

ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف: {وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} أي وأن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لابد من ذلك. ثم قال تعالى: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ

} الآيات1.

1 يشير إلى أن أناساً غابوا عن بدر ورأو ما أعز الله به دينه وما أعطى عباده من الفضل والكرامة قالوا لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة فصنعوا ما قص الله عليكم قاله قتادة. انظر: الدر المنثور 5/188 قال ابن جرير وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد. جامع البيان 21/137.

ص: 266

وقال: "يخبر تعالى عن احاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم {هَلُمَّ إِلَيْنَا} أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك {وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً} ويستمر سبحانه وتعالى يبين لنبيه صفات هؤلاء المنافقين وأنهم من جبنهم وخوفهم {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلاً} وذلك لضعف يقينهم والله سبحانه وتعالى العالم بهم"1.

الآثار الواردة في ذلك:

قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} 2 قال: "قال ذلك أناس من المنافقين قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ما وعدنا ورسوله إلا غرورا3. والأثر على ضوء هذا السند يعتبر حسناً".

1 تفسير القرآن العظيم 3/473.

2 الأحزاب الآية 11.

3 جامع البيان 21/131.

ص: 267

وقال رحمه الله: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد1 قال: "قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف {مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} فقال له كذبت لأخبرن رسول الله خبرك قال: فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول الله ما قلت شيئاً ما خرج هذا من فمي قط قال الله {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ} حتى بلغ {وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ} قال فهذا قول الله {إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ} " 2. والأثر ضعيف لضعف ابن زيد لكنه يتقوى بانضمام غيره إليه.

وقال: حدثنا ابن بشار3 قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال ثنى أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق

وساق الحديث إلى أن قال:

1 هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم ضعيف من الثامنة مات سنة اثنتين وثمانين بعد المائة. روى له الترمذي وابن ماجه. التقريب 202.

2 جامع البيان 21/133.

3 هو محمد بن بشار وقد تقدم السند.

ص: 268

"فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل1 قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ضارب عليه قبة تركية2 فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة3 فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجئ منها قليل ولا كثير فمرنا بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك".

فهبط رسول الله صلى الله عليه وسلم مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها4 يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون.

1 عدل عن الطريق جار ومال. انظر: مختار الصحاح 418.

2 لعلها مصنوعة بها فتنسب إليها.

3 المروة هي الحجارة البيض البراقة توري النار أو أصل الحجارة. القاموس المحيط 4/392.

4 اللابة هي الحرة والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. النهاية في غريب الحديث 4/274.

ص: 269

وضربها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحاً في جوف مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح. ثم أخذ بيد سلمان فرقى. فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا"1.

قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئاً غير ذلك قال: "صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهر عليها.

1 جامع البيان 21/134.

ص: 270

ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا الله النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال المسلمون: {

هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ

} . الآية1.

وقال المنافقون: "ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق2. ولا تستطيعون أن تبرزوا"3.

وأنزل القرآن {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً} 45.وهكذا انتهى هذا الحديث الطويل مع أني اختصرت أوله؛ بل حذفته ومداره على كثير المزني وهو ضعيف كما تقدم إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات.

1 سورة لأحزاب جزء من آية 12.

2 الفرق: بفتح الفاء المعجمة الموحدة والراء المهملة. الخوف. مختار الصحاح 500.

3 جامع البيان 21/134.

4 سورة الأحزاب الآية 12.

5 جامع البيان 21/134.

ص: 271

وقد جاء بمعناه عند النسائي1 إلا إن عنده في الضربة الثالثة قال

"فرفعت لي مدائن الحبشة" وأخرجه أبو نعيم2. كما أخرجه البيهقي3 بلفظ مقارب له وقد ذكره ابن كثير4 وقال في آخره: حديث غريب.

وقد ذكر ابن كثير عن الطبراني حديثاً يقوي الحديث السابق وهو مطابق له في المعنى مخالف له في اللفظ من طريق عبد الله بن يزيد5 وفيه قال: "فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصاراً" الحديث6.

1 سنن النسائي 6/43- 44.

2 في الدلائل 3/432.

3 في دلائل النبوة 3/399. وفيه ذكر فتح الشام وفارس واليمن.

4 البداية والنهاية 4/101.

5 هو عبد الله المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة - ثقة - من الثالثة مات سنة مائة بأفريقية روى له (بخ م 4) أي البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة.

6 البداية والنهاية 4/100.

ص: 272

قال ابن كثير: "حديث غريب من هذا الوجه وقال: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - أحد رجال السند- فيه ضعف- إلا أنه لم يرد فيه ذكر للمنافقين. ثم أورد حديثاً آخر عند الطبراني وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه قال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوني فأكون أول من ضربها وقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم"1.

وقد سكت ابن كثير عن هذا الحديث أما الهيثمي2 فقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري وهما ثقتان".

وهذه الأحاديث متقاربة المعنى ويشد بعضها بعضا.

1 البداية والنهاية 4/101.

2 مجمع الزوائد 6/132 وقد تقدم الحديث بكامله في مبحث: دور المنافقين في هذه الغزوة.

ص: 273

قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثنى يزيد بن رومان في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ} 1 الآية إلى قوله تعالى

فرارا} .

يقول أوس بن قيظي: "ومن كان على ذلك من رأيه من قومه2. والسند إلى يزيد بن رومان فيه ضعف لضعف ابن حميد".

قال ابن إسحاق: "وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله: إن بيوتنا عورة من العدو وذلك في ملأ من قومه"أ: هـ3.

وقال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا قال متعب بن قشير كان محمداً يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.

1 سورة الأحزاب الآية رقم 13: ويثرب اسم للمدينة قديم فغيرها النبي صلى الله عليه وسلم وسماها طيبة وطابة كراهية التثريب وهو اللوم والتغيير، وقيل هو اسم أرضها، وقيل سميت باسم رجل من العماليق. النهاية في غريب الحديث 5/292.

2 جامع البيان 21/135.

3 السيرة النبوية 3/222، تفسير ابن كثير 3/473، البداية والنهاية 4/104.

ص: 274

وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه بني حارثة: "إن بيوتنا عورة وهي خارجة من المدينة آئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا" فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا

} الخ الآية1. ثم قال الطبري معقباً على ذلك عند قوله تعالى: {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيّ} الآية قال: "يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم"2.

قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا} أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ثم سئلوا الفتنة أي الشرك {لَآتَوْهَا} 3 يقول: لأعطوها {وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً}

1 الدر المنثور 5/186.

2 جامع البيان 21/135.

3 قوله تعالى لآتوها: فيها قراءتان بالمد أعطوها وبالقصر جاءوها. انظر: جامع البيان 21/136- 137.

ص: 275

يقول: "إلا أعطوها طيبة بها أنفسهم"1

وعند قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولاً} الآية2.

وقال رحمه الله: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثني يزيد بن رومان في قوله: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} الآية وهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم3. مشيراً بذلك إلى قوله تعالى: {إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} 4.

وقال السيوطي أيضا: "أخرج ابن أبي حاتم عن السدي5 رضي الله عنه في قوله:

1 جامع البيان 21/136- 137.

2 سورة الأحزاب الآية 15.

3 جامع البيان 21/137.

4 سورة آل عمران الآية 122.

5 هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير القرشي (أبو محمد) مفسر سكن الكوفة توفي سنة 127هـ. من آثاره التفسير. معجم المؤلفين 1/276. وهو عند المحدثين صدوق يهم روى له (م والأربعة) وانظر في ذلك التقريب 34.

ص: 276

{وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا} قال: "إلى المدينة عن قتال أبي سفيان {وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ} قال: "جاءه رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظي فقالا يارسول الله: "أن بيوتتنا عورة يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصي المدينة ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله {وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً} " الآية1.

وقال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} الآية. قال: "كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة" فقالوا: "لئن أشهدنا الله قتالاً لنقاتلن فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة"2.

هذا الأثر سنده حسن إلى قتادة حيث إن بشر العقدي صدوق ويزيد وسعيد ثقتان. وهكذا بين الله سبحانه وتعالى لنبيه بأن هؤلاء الذين

1 الدر المنثور 5/188.

2 جامع البيان 21/137.

ص: 277

يستأذنون بأنه لن ينفعهم الفرار وذلك في قوله تعالى: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً} .الآيات1.

وقال بالنسبة للمعوقين: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً} 2.

أما الآثار فقد قال الطبري رحمه الله: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ} : "قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقوله: {وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً} أي لا يشهدون القتال يغيبون عنه"

الخ3. وسند هذا الأثر مثل سابقه.

وقال رحمه الله: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:

1 سورة الأحزاب الآية 15، 16.

2 سورة الأحزاب الآية 17.

3 جامع البيان 21/139.

ص: 278

{قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ} الخ الآية قال: "هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ فقال له أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين الرماح والسيوف؟ فقال: "هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها1 محمد أبداً فقال كذبت والذي يحلف به" قال: "وكان أخاه من أبيه وأمه أما والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم أمرك".

قال وذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره قال فوجده قد نزل جبرائيل عليه السلام يخبره {قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ} ". الخ2.

سند هذا الأثر ضعيف لضعف ابن زيد وكون يونس - صدوق يخطئ أما ابن وهب فهو ثقة وقد ذكره السيوطي عن أبن أبي حاتم ينفس اللفظ3.

1 قال في جامع البيان 21 (هامش 139 قال كذا في الأصل وفي الدر المنثور للسيوطي - لا يستقي لها- وما ذكره السيوطي ليس بواضح والذي ذكره الطبري أوضح نوعاً ما ومعناه والله أعلم: أن محمداً وأصحابه مهزومون لا محالة ولا يمكن أن يستقبل هذه الجموع مرة أخرى.

2 جامع البيان 21/139.

3 الدر المنثور 5/188.

ص: 279