المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة - مرويات غزوة الخندق

[إبراهيم بن محمد المدخلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أسباب الغزوة وتاريخها

- ‌الفصل الأول: سبب الغزوة

- ‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

- ‌الباب الثاني: الدوافع والأسباب التي دعت إلى تكتل الأحزاب

- ‌الفصل الأول: دور اليهود في هذه الغزوة

- ‌المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم

- ‌المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض

- ‌المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين

- ‌الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة

- ‌الباب الثالث: موقف المسلمين من تحركات الأحزاب

- ‌الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق

- ‌الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه

- ‌الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها

- ‌الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره

- ‌الباب الرابع: وصول الأحزاب إلى مشارف المدينة

- ‌الفصل الأول: بيان عدد الجيش

- ‌المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده

- ‌المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين

- ‌الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف

- ‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

- ‌الباب الخامس: وصف ما دار في غزوة الأحزاب من مناوشات

- ‌الفصل الأول: اقتحام المشركين للخندق وتصدي المسلمين لهم

- ‌المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين

- ‌المبحث الثاني: المبارزة

- ‌المبحث الثالث: القتلى من الجانبين

- ‌الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة

- ‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة

- ‌الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة

- ‌الفصل الخامس: دور حذيفة بن اليمان في هذه الغزوة

- ‌الفصل السادس: حصول النزاع بين الأحزاب وانهزامهم

- ‌المبحث الأول: هبوب الريح

- ‌المبحث الثاني: "نتائج الغزوة

- ‌الخاتمة: في الأحكام والفوائد والعبر المستنبطة من هذه الغزوة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة

‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة

كان سعد بن معاذ رضي الله عنه من السابقين الأولين لاعتناق هذا الدين الحنيف بل أنه بإسلامه أسلم قومه بني عبد الأشهل وقد أسلم رضي الله عنه على يد أول سفير أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان ذلك على يد مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه-.

وقد شهد سعد رضي الله تعالى عنه بدراً وكان له الموقف المشجع والشهير والذي حمده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. حيث قال للرسول صلى الله عليه وسلم بعد كلام جميل

فامض يارسول الله لما أردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقي بنا عدونا غداً أنا لصبر في الحرب صدق عند اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله. قال فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه1.

وقال ابن الأثير: "ومقاماته في الإسلام مشهورة وكبيرة ولو لم يكن له إلا يوم بدر لكفى"2. أما دوره في هذه الغزوة فهو عظيم حيث أنه رضي الله عنه

1 البداية والنهاية 3/262.

2 أسد الغابة 2/298- 299.

ص: 349

جاهد في الله حق جهاده حتى ضحى في النهاية بنفسه في سبيل الله وفي سبيل إعلاء دينه حيث مات شهيداً من آثار رمية رماه بها أحد المشركين أيام غزوة الأحزاب، وسلم نفسه رضي الله عنه لله راضياً مرضياً.

بعد أن حكم في بني قريظة حيث كانت مشاعر التغيظ في أفئدة المسلمين نحوهم قد بلغت ذروتها. وعن مشاركته في الخندق يقول ابن إسحاق:

وحدثني أبو ليلي عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة1 أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ في الحصن قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة2 قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرقد3 بها ويقول:

1 أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري المدني ويقال اسمه عبد الله - ثقة - من الرابعة. قال البخاري عبد الله بن سهل سمع من عائشة. التقريب 424، تهذيب التهذيب 12/215.

2 مقلصة: "قصيرة قد ارتفعت يقال تقلص الشيء إذا ارتفع وانقبض. مختار الصحاح 548، النهاية في غريب الحديث 4/100 حيث قال ومنه حديث عائشة أنها رأت على سعد درعاً مقلصة. أي مجتمعة منضمة.

3 هكذا في سيرة ابن هشام 2/226 ثم قال الشراح في الهامش: "يرقد يسرع وفي سائر الأصول: "يرقل: "والظاهر أنها كما في الأصل: "يرقد - قال في القاموس المحيط أثناء شرحه لكلمة (الرقد) والأرقداد الأسراع. وهو مصدر. انظر القاموس 1/295. وكما قال السهيلي أن يرقد بمعنى يسرع - الروض الأنف 3/280 ويمكن أن تكون (يرقل) إلا أنها بعيدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في 3/386 في كلمة الرقلة وأرقل أسرع: "على وزن أفعل. ويمكن أن تكون (يرفل) بالفاء المعجمة الموحدة بناء على ما ذكره صاحب القاموس حيث قال في 3/386 في كلمة - رفل - وأرفل جر ذيله وتبختر أو خطر بيده. وقد جاء في غزوة أحد أن أباد جانة كما قال ابن إسحاق كان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب وأنه خرج عصابة حمراء فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال أنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. انظر البداية والنهاية 4/15 والله أعلم.

ص: 350

"لبث قليلاً يشهد الهيجاء حمل1 لا بأس بالموت إذا حان الأجل فقالت أمه2 إلحق بني فقد والله أخرت قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ3 مما هي عليه قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه فرمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل4

1 ورد في بعض الأصول (جمل) بالجيم المعجمة ويبدو أنه تصحيف والحق أنه حمل بن سعد بن حارثة بن معقل بن عليم بن جناب الكلبي. انظر: "الروض الأنف للسهيلي 3/280، فقه السيرة للغزالي هامش صفحة 327.

2 اسمها كبشة بنت رافع وهذا يدل على تضحيتها وفدائها حيث تحث ابنها على الإسراع إلى الجهاد في سبيل الله. وانظر ترجمتها في الاستيعاب 4/460.

3 أسبغ: "أكمل وأطول.

4 الأكحل عرق في الذراع ويسمى عرق الحياة وهو في وسط الذراع ويقال أن في كل عضو منه شعبة فهو في اليد الأكحل وفي الظهر الأبهر وفي الفخذ النساء إذا قطع لم يرقأ الدم. انظر النهاية في غريب الحديث 4/154، فتح الباري 7/413.

ص: 351

رماه كما حدثني عاصم بن قتادة1 حبان2 بن قيس بن العرقة3 أحد بني عامر بن لؤي فلما أصابه قال خذها وأنا ابن العرقة فقال له سعد: "عرق الله وجهك في النار4 اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله5 لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة"6. والحديث حسن على ضوء هذا السند.

وقد أورده الهيثمي بسياق أطول مما هنا وفيه تفسير لبعض الغريب وهذا نصه: "وعن عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي يعني حس الأرض قالت فإذا أنا بسعد

1 قد تقدمت ترجمته.

2 قال السهيلي في الروض 3/280 والذي رمى سعداً هو حبان بن قيس وقد قيل في الذي رماه غير ذلك وسيأتي.

3 العرقة اسمها قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم سميت العرقة لطيب ريحها وهي جدة خديجة أم أمها هالة وتكنى أم فاطمة. الروض الأنف 3/280.

4 وفي مكان آخر أن قائل هذا الدعاء هو النبي صلى الله عليه وسلم.

5 الضمير يرجع إلى الجرح الذي حصل له من الرمية التي رمي بها رضي الله عنه.

6 السيرة النبوية 2/227.

ص: 352

بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه1 قالت فجلست إلى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم قالت فمر وهو يرتجز2.

قالت: "فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من المسلمين وإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له تعني المغفر فقال عمر ما جاء بك لعمري إنك لجريئة وما يؤمنك ألا يكون تحوز3 قالت فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت لي ساعتئذ فدخلت فيها، قال4 فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال ويحك يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز والفرار إلا إلى الله تعالى قالت ويرمي سعداً رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم له فقال له

1 المجن: "هو الترس لأنه يواري حامله أي يستره والميم زائدة. النهاية في غريب الحديث 1/308.

2 قولها يرتجز إشارة إلى البيت الذي قاله وثبت عند ابن إسحاق وهو: "لبث قليلاً يشهد الهيجا حمل.

3 ذكر ابن الأثير في مادة (حوز) ومعناه التنحي إلى مكان آمن كما في قوله تعالى: " {أو متحيزاً إلى فئة} النهاية لابن الأثير بتصرف 1/459.

4 احسب أن بدل قال قلت حتى تعود لعائشة كسابقه.

ص: 353

خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال اللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فيخرجوا من صياصيهم1. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأمر بقبة من أدم2 فضربت على سعد في المسجد"3. أ. هـ. من حديث طويل ذكر فيه بني قريظة أيضاً.

وقد خرج حديث عائشة هذا الطبري4 كما ذكره ابن كثير5 وغيره من المؤرخين. قال الهيثمي قلت: "في الصحيح بعضه6 ثم قال: "رواه أحمد وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات".

وهو من زوائد عبد الله بن أحمد وهذا نصه:

حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا ابن نمير ثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن

1 صياصيهم: "حصونهم.

2 من أدم أي من جلد وقد جاء أنها خيمة رفيدة الأسلمية لأنها كانت تداوى فيها الجرحى. انظر: "البداية والنهاية 4/121.

3 مجمع الزوائد 6/137.

4 تاريخ الأمم والملوك 3/49- 50.

5 البداية والنهاية 4/108.

6 مجمع الزوائد 6/138.

ص: 354

العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب" 1. والحديث بهذا السند يعتبر صحيحاً والله أعلم.

قلت: "وذكره الألباني في الصحيحة2 وعزاه إلى من تقدم ذكرهم".

وقال الحاكم: "سعد يكنى أبا عمرو وكان لواء الأوس معه يوم الخندق فرمي في أكحله بسهم فقطعه ونزف وذلك في سنة خمس من الهجرة" أ. هـ. 3

وقال ابن الأثير: "ورمي سعد بن معاذ بسهم قطع أكحله رماه حبان بن قيس بن العرقة

وساق الكلام بمثل ما جاء في حديث عائشة المتقدم4. كما ذكر ذلك البيهقي عن ابن إسحاق5.

قال المقريزي في سياقه لحديث الخندق: "قال محمد بن مسلمة وغيره كان ليلنا بالخندق نهاراً وكان المشركون يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه.. إلى أن قال:

1 مسند الإمام أحمد 6/56، 141 وهو في الأخيرة أتم.

2 1/103.

3 المستدرك 3/205.

4 الكامل 2/124- 125.

5 الدلائل 3/441.

ص: 355

"حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفاً شديداً وكان معهم رماة يقدمونهم إذا غدوا متفرقين أو مجتمعين بين أيديهم وهم حبان بن العرقة وأبو أسامة الجشمي في آخرين1 فتناوشوا يوماً بالنبل ساعة وهم جميعاً في وجه واحد وجاه قبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم بسلاحه على فرسه فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله وقال خذها وأنا ابن العرقة فقال صلى الله عليه وسلم عرق الله وجهه في النار ويقال بل رماه أبو أسامة الجشمي" أ. هـ. 2

قال ابن الأثير: "وقيل إن الذي رمى سعداً هو أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم"3. قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك أنه كان يقول: "ما أصاب سعداً يومئذ بالسهم إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم وقال في ذلك شعراً ذكره ابن إسحاق حيث" قال: "وقد قال أبو أسامة في ذلك شعراً لعكرمة بن أبي جهل:

1 وقيل كان ثالثهم وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه في غزوة أحد.

2 إمتاع الأسماع 1/232.

3 الكامل 2/125.

ص: 356

أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي

فداك بآطام المدينة خالد

ألست الذي ألزمت سعداً مرشة

لها بين أثناء المرافق عاند1

قضى نحبه منها سعيد فاعولت

عليه مع الشمط العذاري النواهد2

وكان قد قال ابن إسحاق: "رماه كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة حبان بن قيس بن العرقة

الخ"3. وبهذا القول قال الطبري4.

أما ابن هشام فقد قال: "ويقال إن الذي رمى سعداً: "خفاجة بن عاصم بن حبان5. وعلى كل حال فالله أعلم أي ذلك كان فبالنسبة للقولين الذين ذكرهما ابن إسحاق فهما منقطعان والذين روى عنهما ابن إسحاق كلاهما ثقة إلا أنهما متأخران. فأحدهما من الطبقة الثالثة وهو عبيد الله بن كعب والثاني من الطبقة الرابعة وهو عاصم بن عمر بن قتادة".

1 العاند: "العرق الذي لا ينقطع منه الدم.

2 النحب: "الموت وأعولت بكت بصوت مرتفع والشمط جمع شمطاء وهي التي خالط شعرها الشيب والعذارى الأبكار والنواهد جمع ناهد وهي التي ظهر نهدها". السيرة النبوية 2/227.

3 انظر: "السيرة النبوية 2/227.

4 تاريخ الأمم والملوك 2/49.

5 السيرة النبوية 2/228.

ص: 357

أما رأي ابن هشام فقد ورد بصيغة التمريض فهو متنف وبعيد. والراجح مع القائلين بأنه - حبان بن العرقة - لكثرتهم أما من قال أنه أبو أسامة الجشمي فلعله شارك إلا أنه ينتفي لتحديدهم الرمية في الأكحل.

قال ابن الأثير: "فلما قال سعد ما قال انقطع الدم وقد أعطاه الله ما طلب فاندمل جرحه واستمر يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة"1.

قال ابن كثير: "وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك. فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذرايهم حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال له لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة"2.

هذا جانب من جهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه وهو جانب مشرق حقاً يدل لذلك دعاءه عندما أصيب في أكحله وقد روى البخاري حديثاً اشتمل على بعض ما تقدم وفيه زيادة حسنة وهذا نصه: "قال البخاري رحمه الله:

1 الكامل 2/125.

2 البداية والنهاية 4/108.

ص: 358

"حدثنا زكريا بن يحي1 حدثنا عبد الله بن نمير2 حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل عليه السلام وهو ينفض رأسه من الغبار" فقال: "قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج إليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم فأين: "فأشار إلى بني قريظة فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلوا على حكمه فرد الحكم إلى سعد قال فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم". قال هشام: "فأخبرني أبي عن عائشة أن سعداً قال: "اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه. اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني له حتى أجاهدهم فيك وإن كنت وضعت الحرب

1 زكريا بن يحي بن زكريا بن أبي زائدة الوادعي أبو زائدة الكوفي صدوق من الحادية عشرة روى له (خ) التقريب 108.

2 عبد الله بن نمير بنون مصغراً همداني أبو هشام الكوفي - ثقة صاحب حديث- من أهل السنة من كبار التاسعة مات سنة 199هـ. التقريب 192.

ص: 359

فأفجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته1 فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم". فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو2 جرحه دماً فمات منها رضي الله عنه". أ. هـ. 3

ورواه أحمد بأخصر من هذا4 عن ابن نمير وتقدم في أول هذا المبحث: "وقد ساق الترمذي حديثاً يبين معاناة سعد من ذلك الجرح ولما دعا الله استمسك حتى أقر الله عينه في بني قريظة ووفى له ما طلب مات رضي الله عنه.

قال أبو عيسى رحمه الله:

1 انفجرت من لبته: "اللبة بفتح اللام وتشديد الموحدة هي موضع القلادة من الصدر وهو مشكل حيث أنه الأكحل بعيد عن لبته إلا أن الحافظ بين ذلك حيث قال: "وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل إلى صدره فأنفجر من ثم. انظر: "الفتح 7/415 وعن سبب الانفجار قال الحافظ بين سبب ذلك في مرسل حميد بن هلال عند ابن سعد ولفظه: "أنه مرت به عنز وهو مضطجع فأصاب ظلفها الجرح فانفجر حتى مات". انظر: فتح الباري 7/415.

2 يغذو بغين وذال معجمتين أي يسيل.

3 صحيح البخاري 5/51، فتح الباري 7/411- 415.

4 مسند الإمام أحمد 6/56.

ص: 360

"حدثنا قتيبة حدثنا الليث1 عن أبي الزبير عن جابر أنه قال: "رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله أو أبجله2 فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنار فانتفخت يده فتركه فنزفه3 الدم فحسمه أخرى فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: "اللهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ فأرسل إليه فحكم أن يقتل رجالهم وتستحي نساؤهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله أصبت حكم الله فيهم، وكانوا أربعمائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات"4. ورواه مسلم5 بأخصر من هذا وفيه فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشقص6 وفيه بدل انتفخت ورمت ورواه أحمد7 والدارمي8 وقد

1 هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري - ثقة ثبت - فقيه إمام مشهور من السابعة مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة. التقريب 187.

2 شك من الراوي وكلاهما يصح فالأكحل تقدم بيانه والأبجل قال فيه صاحب القاموس هو عرق غليظ في الرجل وفي اليد بإزاء الأكحل. القاموس 3/332.

3 النزف: "هو السيلان بكثرة.

4 سنن الترمذي 3/71، 72 وقال هذا حديث حسن صحيح.

5 صحيح مسلم 4/1731 كتاب السلام.

6 المشقص: "هو حديد طويل غير عريض كنصب السهم. انظر: "القاموس 2/306.

7 مسند الإمام أحمد 3/312، 350، 386.

8 سنن الدارمي 2/156.

ص: 361

أورده ابن كثير1 بهذا اللفظ وعزاه للإمام أحمد.

فضله رضي الله عنه:

كان رضي الله عنه في أثناء حياته ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلى غزوة إلا خرج سعد معه فنجده في الغزوات المشهورة والعظيمة مثل بدر وما قام به من دور فيها مشهور وفي غزوة أحد كان له دوره المشرف وجاءت غزوة الخندق حيث أراد الله له الحسنى فضرب أروع الأمثلة.

وحتى بعد أن رمي في أكحله استمر مجاهداً في سبيل الله حتى حقق الله ما طلب وشفى قلبه من اليهود الذين خذلوا دين الله وخذلوا رسوله في وقت عصيب ولكن الله سبحانه وتعالى رد كيدهم في نحورهم، وحكم فيهم سعد رضي الله عنه فأخذوا وقتلوا تقتيلاً على مرأى ومسمع من المسلمين وذلك انتقام من الله جزاء بعض ما فعلوه.

عقب ذلك كله مات رضي الله عنه راضياً مرضياً. ويظهر فضله ويبرز للعيان بعد موته ونعمت النهاية التي جاهد في حياته لنيلها يتمثل ذلك في اهتزاز العرش لموته روى الإمام مسلم رحمه الله حيث قال:

1 البداية والنهاية 4/120، التفسير 4/478.

ص: 362

حدثنا عبد بن حميد1 أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج2 أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم: "إهتز لها عرش الرحمن" الحديث3.

كما رواه البخاري4 والترمذي5 والنسائي6 ولفظه " تحرك له العرش" - ولم يذكر فيه سعد - وابن ماجه7 وأحمد8.

ما قاله العلماء حول تفسير هذا الحديث:

قال النووي: "وقد اختلف العلماء في تأويله. فقالت طائفة هو على ظاهره واهتزاز العرش تحركه فرحاً بقدوم سعد وجعل الله في العرش تمييزاً

1 عبد بغير إضافة ابن حميد بن نصر أبو محمد - ثقة حافظ ت 249هـ. التقريب 219.

2 هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم المكي - ثقة فقيه فاضل وكان يدلس ويرسل. التقريب 219.

3 صحيح مسلم 4/1915 كتاب فضائل الصحابة.

4 صحيح البخاري مناقب الأنصار 12، الفتح 7/122.

5 سنن الترمذي 5/353 المناقب.

6 سنن النسائي 4/101.

7 سنن ابن ماجه المقدمة 1/56.

8 مسند أحمد 3/24، 234، 4/452، 6/329، 456.

ص: 363

حصل به هذا ولا مانع منه كما قال تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} 1الآية. وهذا القول هو ظاهر الحديث وهو المختار".

وقال آخرون المراد اهتزاز العرش وهم حملته وغيرهم من الملائكة فحذف المضاف والمراد بالاهتزاز الاستبشار والقبول ومنه قول العرب فلان يهتز للمكارم لا يريدون اضطراب جسمه وحركته وإنما يريدون ارتياحه إليها وإقباله عليها2.

وكانت هذه المنقبة العظيمة له عند موته.

كما أن منزلته رضي الله عنه في الجنة عظيمة وذلك لما قدمه من تضحيات وفداء في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمته ونصر دينه فوفاه الله ما وعده لذلك قال البخاري رحمه الله: "حدثنا مسدد3 حدثنا يحي بن سعيد4 عن سفيان5 قال حدثني أبو إسحاق6 قال سمعت البراء بن

1 سورة البقرة جزء من الآية 74.

2 صحيح مسلم وشرحه للنووي 4/1915.

3 مسدد بن مسرهد بن مسربل بن مستورد الأسدي البصري أبو الحسن - ثقة - حافظ من العاشرة ت سنة ثمان وعشرين بعد المائتين ويقال اسمه عبد الملك بن عبد العزيز ومسدد لقبه. التقريب 334.

4 يحي بن سعيد هو القطان وهو ثقة وقد تقدم.

5 سفيان هو الثوري وقد تقدم.

6أبو إسحاق هو السبيعي ثقة وقد تقدم.

ص: 364

عازب رضي الله عنهما قال أُتَي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوب من حرير فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أفضل من هذا؟ "1.

كما رواه مسلم2 والترمذي3 والنسائي4 وابن ماجه5 والإمام أحمد6. هذا جانب من دوره رضي الله عنه في سبيل نصر هذا الدين حتى إنه وفي آخر أيامه وبعد إصابته في أكحله صبر وصابر واحتسب وهانت نفسه في سبيل الله ودعا بدعائه المشهور وأبقاه الله حتى نفذ حكم الله في أعداء الله وأعداء رسوله وما مات حتى قرت عينه ورضي قلبه من أولئك اليهود الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام وأهله ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

أما حكمه رضي الله عنه في بني قريظة فكان قوياً ومؤثراً وقاطعاً لدابر أي محاولة أخرى من قبل اليهود حيث صدر الحكم ممن يرجون

1 صحيح البخاري كتاب المناقب ص 12، بدء الخلق ب 8، والفتح 6/319.

2 صحيح مسلم 4/1916 فضائل الصحابة.

3 سنن الترمذي 3/133، 5/352.

4 سنن النسائي 8/199.

5 سنن ابن ماجه 1/55- 56.

6 مسند الإمام أحمد 3/111، 122، 207.

ص: 365

ويأملون منه المساعدة وهذه حكمة الله حيث أهلكهم بحكم سعد رضي الله عنه وكانوا حلفاؤه ومواليه ولكنه رضي الله عنه أطلق كلمته المشهورة "قد آن لي أن لا أبالي في الله لومة لائم"1.

قال ابن سعد: "وبعد أن حكم فيهم مرت عنز وهو مضطجع فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات"2قال ابن إسحاق وقالت أمه حين احتمل سعد على نعشه تندبه:

ويل أم سعد سعدا

صرامة وجدا

وسؤدداً ومجدا

وفارساً معدا

سدبه مسدا

يقدها ما قدا3

قال ابن كثير: "وكانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة ثم استطرد مبيناً حديث عائشة رضي الله عنها حيث قالت: "ثم دعا سعد فقال: "اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئاً فأبقني لها وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك قال فانفجر

1 البداية والنهاية 4/124.

2 الطبقات الكبرى 2/78، فتح الباري 7/415.

3 يقدها يقطعها. انظر: "السيرة النبوية 2/252.

ص: 366

كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم" قالت عائشة: "فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر" قالت: "فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وانا في حجرتي وكانوا كما قال الله {رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} 1. قال علقمة فقلت يا أمه فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع قالت كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما آخذ بلحيته2. قال ابن كثير وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة.

1 سورة الفتح الآية الأخيرة.

2 البداية والنهاية 4/124، الصحيحة للألباني 1/105.

ص: 367