المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة - مرويات غزوة الخندق

[إبراهيم بن محمد المدخلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الباب الأول: أسباب الغزوة وتاريخها

- ‌الفصل الأول: سبب الغزوة

- ‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

- ‌الباب الثاني: الدوافع والأسباب التي دعت إلى تكتل الأحزاب

- ‌الفصل الأول: دور اليهود في هذه الغزوة

- ‌المبحث الأول: الحقد اليهودي على البشرية منذ القدم

- ‌المبحث الثاني: الوفد اليهودي المحرض

- ‌المبحث الثالث: القبائل التي أغراها اليهود على قتال المسلمين

- ‌الفصل الثاني: دور المنافقين في هذه الغزوة

- ‌الباب الثالث: موقف المسلمين من تحركات الأحزاب

- ‌الفصل الأول: مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه حول خطة الدفع "حفر الخندق

- ‌الفصل الثاني: تواضعه صلى الله عليه وسلم ومباشرته الحفر بنفسه

- ‌الفصل الثالث: الكدية وتغلب المسلمين عليها

- ‌الفصل الرابع: مكان الخندق وسرعة إنجاز المسلمين لحفره

- ‌الباب الرابع: وصول الأحزاب إلى مشارف المدينة

- ‌الفصل الأول: بيان عدد الجيش

- ‌المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده

- ‌المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين

- ‌الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف

- ‌الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي

- ‌الباب الخامس: وصف ما دار في غزوة الأحزاب من مناوشات

- ‌الفصل الأول: اقتحام المشركين للخندق وتصدي المسلمين لهم

- ‌المبحث الأول: الحصار الذي لحق بالمسلمين

- ‌المبحث الثاني: المبارزة

- ‌المبحث الثالث: القتلى من الجانبين

- ‌الفصل الثاني: اشتداد المعركة يمنع المسلمين من الصلاة

- ‌الفصل الثالث: "دور سعد بن معاذ وبلاؤه في هذه الغزوة

- ‌الفصل الرابع: دور نعيم بن مسعود الأشجعي في هذه الغزوة

- ‌الفصل الخامس: دور حذيفة بن اليمان في هذه الغزوة

- ‌الفصل السادس: حصول النزاع بين الأحزاب وانهزامهم

- ‌المبحث الأول: هبوب الريح

- ‌المبحث الثاني: "نتائج الغزوة

- ‌الخاتمة: في الأحكام والفوائد والعبر المستنبطة من هذه الغزوة

- ‌مصادر ومراجع

الفصل: ‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

‌الفصل الثاني: تاريخ الغزوة

أما بالنسبة لتحديد زمن هذه الغزوة فقد اختلف العلماء في ذلك وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والخامسة للهجرة النبوية الشريفة، وقد شذ اليعقوبي1 فقال: إنها كانت في السنة السادسة بعد مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة وخمسين شهراً2.

وهذا التحديد يبدو أنه خطأ بدليل التفصيل بعده بالأشهر ولأن الخمسة والخمسين شهراً تأتي أقل من خمس سنوات فلينظر.

وسأذكر فيما يلي رأي كل فريق مع أدلته وترجيح ما يظهر بالدليل بعد المناقشة والتحليل حسب الإمكان:

أ- القائلون بأنها كانت سنة أربع:

1 هو أحمد بن أبي يعقوب إسحاق بن جعفر ابن وهب بن واضح العباسي، ويعرف بابن واضح وباليعقوبي واليعقوبي - مؤرخ - من مؤلفاته التاريخ - توفي سنة 284، معجم المؤلفين 1/161.

2 تاريخ اليعقوبي 2/50.

ص: 61

الزهري ثم تابعه موسى بن عقبة صاحب المغازي قال ابن كثير1: "وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع، وكذلك قال الإمام مالك بن أنس فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى2 بن داود عنه"3.

وقد ذكر البخاري رأي موسى بن عقبة في صحيحه فقال: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" هكذا رواه تعليقاً وبه قال4 أثبت ذلك الحافظ حيث قال: "ومال المصنف إلى قول موسى بن عقبة5

1 هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن زرع البصروي ثم الدمشقي المعروف بابن كثير - عماد الدين أبو الفداء - محدث مؤرخ مفسر فقيه ولد عام 700 وتوفي 774. انظر معجم المؤلفين 2/283.

2 موسى بن داود هو الضبي، أبو عبد الله الطرسوسي نزيل بغداد، ولي قضاء طرسوس الخلقاني بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف - صدوق فقيه - له أوهام من صغار التاسعة مات سنة (217) روى له (م د س ق) التقريب 350.

3 البداية والنهاية 4/93.

4 صحيح البخاري 5/44.

5 فتح الباري 5/278 و 7/393.

ص: 62

وقد تابع هؤلاء في ذلك ابن قتيبة1 والفسوي2 وابن حزم3 والنووي4 وابن خلدون"5.

1 المعارف 70، وابن قتيبة هو: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد عالم مشارك في أنواع العلوم كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار وأيام الناس وغير ذلك. سكن بغداد وحدث بها ولي قضاء الدينورت 276هـ. تاريخ بغداد 10/170، انظر السير 13/296.

2 المعرفة والتاريخ 3/258 تحقيق أكرم العمري والفسوي هو: يعقوب بن سفيان الفارسي أبو سفيان - ثقة حافظ - من الحادية عشرة مات سنة سبع ومائتين، روى له (س ق) التقريب 386.

3 جوامع السيرة 185 وابن حزم هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن سفيان بن يزيد الفارسي الأندلسي القرطبي اليزيدي - أبو محمد - فقيه أديب أصولي محدث حافظ متكلم مشارك في التاريخ والأنساب واللغة والشعر ولد بقرطبه وتوفي عام (456) تذكرة الحفاظ 3/1146، السير 18/184.

4 في تهذيب الأسماء واللغاب 1/20، والروضة 10/207، والنووي هو: محي الدين أبو زكريا يحى بن شرف بن مرى الحزامي الحوراني صاحب التصانيف النافعة ولد سنة (631) وتوفي (676هـ) انظر في ذلك تذكرة الحفاظ 4/1470-1474.

5 تاريخ ابن خلدون 2/29، وابن خلدون هو: عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن محمد الحضرمي الأشبيلي التونسي ثم القاهري المالكي المعروف بابن خلدون ولي الدين أبو زيد عالم أديب مؤرخ توفي (808) ، انظر الضوء اللامع للسخاوي 4/145، ومعجم المؤلفين 5/188.

ص: 63

كما قال به النسفي1. أمّا خليفة2 بن خياط فلم توجد الغزوة في تاريخه3 ويبدو أنها سقطت منه4.

وذكر ابن العربي5 أن ابن وهب6 وابن القاسم7 قالا بذلك8 ولذلك قال ابن حزم:

1 مدارك التنزيل وحقائق التأويل 4/156 والنسفي هو: عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي حافظ الدين أبو البركات فقيه أصولي مفسر متكلم توفي في ايزخ قرب أصبهان ت (710هـ) معجم المؤلفين 6/32.

2 خليفة بن خياط بن خليفة العصفري التميمي البصري الملقب - شباب - بفتح المعجمة وموحدتين الأولى خفيفة صدوق ربما أخطأ وكان اخبارياً علامة من العاشرة مات سنة أربعين ومائتين وقد روى له البخاري. انظر التقريب 94.

3 تاريخ خليفة بن خياط ص 77.

4 قاله محقق الكتاب الدكتور أكرم العمري.

5 هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد الله المعافري الأندلسي الأشبيلي المالكي المعروف بابن العربي أبو بكر عالم مشارك في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتاريخ وغير ذلك توفي (543) . تذكرة الحفاظ 4/1294.

6 عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه ثقة حافظ عابد من التاسعة مات سنة سبع وتسعين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، روى له (ع) التقريب 193.

7 عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة بعدها قاف، أبو عبد الله البصري الفقيه صاحب مالك (ثقة) من كبار العاشرة مات سنة إحدى وتسعين ومائة روى له (خ مد س) التقريب 208.

8 أحكام القرآن 3/151.

ص: 64

"والثابت أنها في الرابعة بلا شك مستدلاً بحديث ابن عمر الآتي. ثم عقب قائلاً فصح أنه لم يكن بينهما - أي بين أحد والخندق - إلا سنة واحدة فقط"1.

والقائلون بأنها كانت سنة أربع جميعهم يستدلون بحديث ابن عمر وهذا سياقه. قال البخاري رحمه الله: "حدثنا يعقوب بن إبراهيم2 حدثنا يحيى بن سعيد3 عن عبيد الله4 قال أخبرني نافع5 عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عرضه يوم

1 جوامع السيرة 185.

2 هو الدروقي - حافظ فقيه - من العاشرة روى له (ع) ت (252) التقريب 386، وتهذيب التهذيب 11/381.

3 يحى بن سعيد القطان ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة روى له (ع) ت (198) التقريب 375.

4 هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني - أبو عثمان ثقة ثبت - وهو أحد الفقهاء السبعة من الخامسة روى له (ع) ت (147) تهذيب التهذيب 7/38.

5 نافع هو أبو عبد الله الفقيه مولى عبد الله بن عمر أصابه ابن عمر في بعض مغازيه ثقة ثبت فقيه مشهور من الثالثة روى له (ع) مات سنة (117) أو بعد ذلك، تهذيب التهذيب 10/412.

ص: 65

أحد وهو ابن أربع عشرة فلم يجزه وعرضه يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه"1.

الحديث رواه أيضا مسلم2 وأبو داود3 والترمذي4 والنسائي5 وابن ماجه6 وأحمد7 وأبو عوانه8 والبيهقي9.

هذا الحديث مخرج في الصحيحين كما هو مبين وفي غيرهما من كتب السنة وقد أورده القائلون بأن هذه الغزوة كانت سنة أربع دليلاً لهم.

1 صحيح البخاري 5/89 كتاب المغازي باب غزوة الخندق.

2 صحيح مسلم كتاب الإمارة باب سن البلوغ. حديث رقم (1868)

3 سنن أبي داود 2/124 كتاب الخراج والفي باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، 2/453كتاب الحدود باب في الغلام يصيب الحد.

4 سنن الترمذي 2/407 باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، 3/127 باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له.

5 سنن النسائي 6/127 كتاب الطلاق باب متى يقع طلاق الصبي.

6 سنن ابن ماجه 2/850 كتاب الحدود باب من لا يجب عليه الحد.

7 مسند أحمد 3/17.

8 مسند أبي عوانة 4/53-54.

9 دلائل النبوة 3/395.

ص: 66

والزهري من القائلين بهذا القول وقد مر أن موسى بن عقبة روى عنه أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع1.

ومع ذلك فقد صرح في موضع آخر بأن الخندق بعد أحد بسنتين2 وأحد كانت في السنة الثالثة3 وهو قول الجمهور.

ب - القائلون بأن هذه الغزوة كانت في شوال سنة خمس:

أما الذين قالوا بأنها كانت سنة خمس فهم كثيرون وهم الجمهور كما قال ابن كثير4. ويتقدمهم أمام أهل المغازي ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة5 والبيهقي6 وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً7.

1 البداية والنهاية 4/93، أحكام القرآن 3/1510.

2 البداية والنهاية 4/93، أحكام القرآن 3/1510.

3 وهو قول جل أهل المغازي والسير.

4 البداية والنهاية 4/94.

5 قتادة بن دعامة السدوسي (أبو الخطاب) البصري (ثقة) ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة ت (117) أو (118) روى له (ع) . التقريب 381، وتهذيب التهذيب 8/351.

6 هو أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي البيهقي الخراساني أبو بكر محدث فقيه ولد عام 384هـ، وتوفي عام 458، وعمل كتباً كثيرة لم يسبق إلى تحريرها. تذكرة الحفاظ 3/132.

7 البداية والنهاية 4/93.

ص: 67

وممن قال به أيضا الواقدي وكاتبه ابن سعد1 لكنهما قالا: "إنها كانت في ذي القعدة وتابعهما في ذلك المقريزي"2. حيث قال: "وكان من خبرها أن رسول صلى الله عليه وسلم عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة سنة خمس"3.

أما ابن هشام4 فقد قال: "بأنها كانت في شوال وفي سنة خمس متابعاً في ذلك ابن إسحاق"5.

1 محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم البصري نزيل بغداد كاتب الواقدي صدوق فاضل من العاشرة توفي سنة (30) وهو ابن اثنتين وستين، روى له أبو داود فقط. التقريب 298، وانظر مغازي الواقدي 2/440، والطبقات الكبرى 2/65.

2 أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد إبراهيم بن محمد بن تميم بن عبد الصمد المحيوي الحسيني ت (845) انظر الضوء اللامع 2/21.

3 الامتاع 1/216.

4 عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري الذهلي السدوسي المعافري البصري (أبو محمد) أخباري نسابة أديب لغوي نحوي قدم مصر وحدث بها وتوفي فيها سنة (263) . انظر سير أعلام النبلاء 10/428.

5 السيرة النبوية 2/214.

ص: 68

وقال به أيضاً البلاذري1 والطبري2 والمسعودي3 وابن عبد البر4 والخطيب5.

1 أحمد بن يحى بن جابر بن داود البغدادي البلاذري أديب شاعر مؤرخ من أهل بغداد سمع بدمشق وبإنطاكية وهو صاحب التصانيف وسمع من ابن سعد والدولابي قال ابن عساكر بلغني أنه كان أديباً راوية وأنه مدح المأمون وجالس المتوكل وتوفي في أيام المعتمد وشوش في آخر أيامه وكانت وفاته (279) لسان الميزان 1/322، وتذكرة الحفاظ (293) .

2 محمد بن جرير الطبري أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان، أكثر التطواف وسمع محمداً بن عبد الملك بن أبي الشوارب وأبا همام السكوني وغيرهما ت 310هـ، انظر تذكرة الحفاظ 2/710، وقال ذلك في كتابه تاريخ الأمم والملوك 2/43.

3 قاله في التنبيه والإشراف ص 216، والمسعودي هو: علي بن الحسين بن علي المسعودي أبو الحسن أخباري صاحب تصانيف ذكر بعضها ابن حجر في اللسان 4/224، وذكره ابن دحية في كتاب صفين فقال مجهول لا يعرف ونكره لا يتعرف كذل قال ولم يصب. قال الحافظ وكتبه طافحة بأنه كان شيعياً معتزلياً توفي (345) لسان الميزان 4/224-225، ومعجم المؤلفين 7/80.

4 ابن عبد البر قال الذهبي: "هو الإمام شيخ الإسلام حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي ولد سنة (368) " قال أبو الوليد الباجي: "لم يكن بالأندلس مثل أبي عمر في الحديث، وقال ابن حزم التمهيد لصاحبنا أبي عمر لا أعلم في الكلام على فقه الحديث مثله أصلاً فكيف أحسن منه ت (463) ". تذكرة الحفاظ 3/1128.

5 قال الذهبي هو: "الحافظ الكبير الإمام محدث الشام والعراق أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدى البغدادي صاحب التصانيف ولد سنة (392هـ) كان والده خطيب قرية درزيجان من سواد العراق. سمع وقرأ القرآن على الكتاني فحرص على ولده هذا وأسمعه في الصغر سنة ثلاث وأربع مائة ثم أُلهم طلب هذا الشأن ورحل فيه إلى الأقاليم وبرع وصنف وجمع وسارت بتصانيفه الركبان" قال ابن ماكولا: "كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظاً واتقاناً وضبطاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم" وقال ذلك في تاريخه 1/170. انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ 3/1135-1146.

ص: 69

وممن قال بهذا القول أيضا السهيلي1 وابن الأثير2 والنويري3 حيث حكاه عن ابن إسحاق وممن قال به من المشاهير ابن كثير4 والسمهودي5.

1 انظر: الروض الأنف 3/258، والسهيلي هو: الحافظ العلامة البارع أبو القاسم أبو زيد أبو الحسن عبد الرحمن بن أحمد بن أصبع بن حسين بن سعدون ولد الخطيب أبي محمد بن الأمام الخطيب أبي عمر الخثعمي الأندلسي المالقي الضرير صاحب التصانيف المؤنقة. ولد عام 508هـ. وتوفي عام 581هـ. انظر: تذكرة الحفاظ 4/1348.

2 قال ذلك في الكامل 2/122، وابن الأثير هو: أبو الحسن علي ابن الأثير أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري المحدث اللغوي، صاحب التاريخ ومعرفة الصحابة والأنساب وغير ذلك. ولد عام 555هـ، وتوفي 630هـ. تذكرة الحفاظ 4/1399 قال ذلك في الكامل 2/122.

3 هو: أحمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عبد الوهاب بن عبادة البكري النويري (شهاب الدين) أبو العباس. مؤرخ أديب مشارك في علوم كثيرة من تصانيفه نهاية الأدب. ولد عام 677هـ، توفي عام 733هـ. انظر قوله في كتابه نهاية الأرب 17/166.

4 البداية والنهاية 4/94.

5 هو علي بن عبد الله بن أحمد بن علي بن عيسى بن محمد بن عيسى الحسني نور الدين أبو الحسن. مؤرخ فقيه. ولد بسمهود ونشأ بها وتوفي بالمدينة. من تصانيفه وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى. ولد عام 844هـ، توفي عام 911هـ. انظر قوله في وفاء الوفاء 10/112، وانظر ترجمته في الضوء اللامع 5/245.

ص: 70

وممن قال به من المعاصرين محمد محمد أبو شهبه1، وعماد الدين خليل2، ومصطفى السباعي3.

وهكذا يتبين أن الكثرة الكاثرة هم القائلون بأنها كانت سنة خمس. قال الذهبي4: "وهو المقطوع به"، وقال ابن القيم5:"وهو الأصح"، وقال الحافظ6: "وهو المعتمد حكى ذلك كله القسطلاني7. وقد أجابوا عن

1 السيرة النبوية على ضوء الكتاب والسنة 2/228.

2 دراسة في السيرة 216.

3 السيرة النبوية دروس وعبر 88.

4 الذهبي هو: محمد بن أحمد بن عثمان قايماز. انظر: معجم المؤلفين 8/280.

5 هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حرير الزرعي. نسبة إلى بلدة أزرع ثم الدمشقي. أبو عبد الله شمس الدين. كان رضي الله عنه من أجلة العلماء، وكذلك كان أبوه فقد كان قيماً على الجوزية (مدرسة في دمشق ولذلك عرف بابن القيم الجوزية) . ولد عام 69هـ في شهر صفر، وتوفي عام 751هـ. وله مصنفات قيمة مثل زاد المعاد، وأعلام الموقعين، وغيرهما، شذرات الذهب 6/168، والدبر الطالع 1/143.

6 هو: أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد الكناني العسقلاني المصري المولد والمنشأ والدار والوفاة. ويعرف بابن حجر، شهاب الدين ابو الفضل، محدث مؤرخ أديب شاعر. ولد عام 773هـ، وتوفي عام 852هـ. زادت تصانيفه على مائة وخمسين مصنفاً منها: فتح الباري، الإصابة في تمييز الصحابة، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغير ذلك. انظر: الضوء اللامع 2/36 ترجمة 104.

7 المواهب اللدنية 2/103، والقسطلاني هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن محمد بن حسين بن علي القسطلاني الأصل المصري. شهاب الدين. أبو العباس، محدث مؤرخ فقيه ومقرئ. ولد بمصر عام 851هـ. وتوفي عام 923. من تصانيفه إرشاد الساري علي صحيح البخاري، المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، فتح الداني في شرح الأماني، منهاج الابتهاج وغيرها.

ص: 71

حديث عرض ابن عمر المتقدم مؤلين له وقالوا: "يحتمل أنه عرض في أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة، وهذا هو جواب البيهقي"1.

وعقب ابن كثير2 على قول ابن حزم المتقدم، والثابت أنها في الرابعة بلا شك بقوله: "هذا الحديث مخرج في الصحيحين، وليس يدل على ما ادعاه ابن حزم، لأن مناط إجازة الحرب كان عنده صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سنة، فكان لا يجيز من لم يبلغها، ومن بلغها أجازه. فلما كان ابن عمر يوم أحد ممن لم يبلغها لم يجزه. ولما كان قد بلغها يوم الخندق أجازه.

وليس ينفي هذا أن يكون قد زاد عليها بسنة أو سنتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك فكأنه قال: وعرضت عليه يوم الخندق، وأنا بالغ أو من أبناء الحرب.

1 دلائل النبوة 3/395.

2 الفصول في سيرة الرسول ص 56، البداية والنهاية 4/94.

ص: 72

وقال البيهقي: "ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنين وقبل استكمال خمس"1.

وقد أورد ابن حجر هذا الجواب عن البيهقي ومفاده:"بأن قول ابن عمر "عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة" أي دخلت فيها، وأن قوله عرضت يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، أي تجاوزتها فألغى الكسر في الأولى، وجبره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم. وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح"2.

وقد روى الطبراني3 بسنده عن ابن إسحاق أثراً يعتبر شاهداً لأصحاب هذا الرأي حيث قال:

1 دلائل النبوة 3/395.

2 فتح الباري 5/278، التلخيص 4/89- 90.

3 المعجم الكبير 6/16، والطبراني هو: كما قال الذهبي فيه.

الحافظ الإمام العلامة الحجة (بقية الحفاظ) أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي بمفتوحة وسكون الخاء المعجمة نسبة إلى لخم وهو مالك بن عدي - المغني 67. الشامي الطبراني مسند الدنيا. ولد سنة 260هـ، وتوفي 360هـ. وقال الحافظ:"لا ينكر له التفرد في سعة ما روى. لينه الحافظ أبو بكر بن مردويه لكونه غلط أو نسى فمن ذلك أنه وهم وحدث بالمغازي عن أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم البرقي، وإنما أراد عبد الرحيم أخاه فتوهم أن شيخه عبد الرحيم اسمه أحمد واستمر على هذا يروي عنه ويسميه أحمد. وقد مات أحمد قبل دخول الطبراني مصر بعشر سنين أو أكثر وإلى الطبراني المنتهى في كثرة الحديث وعلوه. ومن تصانيفه المعاجم الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، الدعاء في مجلد كبير، دلائل النبوة، كتاب الأوائل، وتفسير كبير". تذكرة الحفاظ 3/912، لسان الميزان 3/73، معجم المؤلفين 4/253.

ص: 73

حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي1 ثنا محمد بن محمد بن عبد الله ابن نمير2 ثنا يونس بن بكير3 عن محمد بن إسحاق قال: "لما كانت4

1 محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الحافظ مطّين بفتح المثناة التحتية. قال صاحب المغني هو لقب أبي جعفر محمد بن عبد الله قال وبكسرها (المثناة) لقب عبد الله بن محمد. قال الحافظ: "هو محدث الكوفة، وقد وثقه الناس". قال الذهبي سئل عنه الدارقطني فقال: "ثقة جبل". قال: "وبكل حال فمطين ثقة مطلقاً. ولد 202هـ، وتوفي عام 297هـ". انظر: لسان الميزان 5/233- 234، تذكرة الحفاظ 2/662، المغني في أسماء الرجال 72.

2 محمد بن عبد الله بن نمير الهمذاني بسكون الميم الكوفي أبو عبد الرحمن، ثقة حافظ، فاضل من العاشرة. مات سنة أربع وثلاثين أي 234هـ. وروى له (ع) . التقريب 306.

3 يونس بن بكير بن واصل الشيباني أبو بكر الحمال الكوفي، صدوق يخطئ من التاسعة. مات سنة 199. روى له (خت م ت ق) . قال الذهبي هو حسن الحديث. التقريب 390، ميزان الاعتدال 4/478.

4 كذا في المطبوعة ولما هنا زائدة.

ص: 74

الخندق في شوال سنة خمس وفيها مات سعد بن معاذ رضي الله عنه. وهذا الأثر يعتبر على ضوء هذا السند حسناً إلى ابن إسحاق منقطعاً بعده والله أعلم.

وكذا أورد هذا الأثر البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ1 حدثنا أبو العباس2 محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار3 العطاردي حدثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق به 4.

1 أبو عبد الله الحافظ الكبير إمام المحدثين محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري المعروف بابن البيع. صاحب التصانيف قال الحافظ: "إمام صدوق ولكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة فيكثر من ذلك فما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل ذلك، وإن علم فهو خيانة عظيمة ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. مات 405هـ". لسان الميزان 5/232، تذكرة الحفاظ 3/1039، والمترجم له هو: الحاكم.

2 هو الإمام المفيد الثقة محدث المشرق (أبو العباس) محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، وكان يكره أن يقال له الأصم. قال الحاكم: وإنما ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة ت 284هـ. تذكرة الحفاظ 3/860.

3 أحمد بن عبد الجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زراره التميمي العطاردي أبو عمر الكوفي. قال مطين: "كان يكذب"، وقال أبو أحمد "الحاكم ليس بالقوى عندهم تركه ابن عقدة"، وقال الحافظ:"ضعيف وسماعه للسيرة صحيح من العاشرة ولم يثبت أن أبا داود أخرج له. مات سنة 272هـ". تهذيب التهذيب 1/51

4 دلائل النبوة 3/395.

ص: 75

كما أورده الهيثمي1 عن ابن إسحاق، وقال رواه الطبراني ورجاله ثقات.

وقال الحافظ: "ويؤيد قول ابن إسحاق أن أبا سفيان قال للمسلمين لما رجع من أحد: موعدكم العام المقبل ببدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من السنة المقبلة إلى بدر فتأخر مجيء أبي سفيان تلك السنة للجدب الذي كان حينئذ، وقال لقومه إنما يصلح الغزو في سنة الخصب فرجعوا بعد أن وصلوا عسفان أو دونها".

ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي.

وعقب2 على ذلك بقوله: "وقد بين البيهقي سبب هذا الاختلاف، وهو أن جماعة من السلف كانوا يعدون التاريخ من المحرم الذي وقع بعد الهجرة ويلقون الأشهر التي قبل ذلك إلى ربيع الأول، وعلى ذلك جرى يعقوب بن سفيان في تاريخه فذكر أن غزوة بدر الكبرى كانت في السنة الأولى، وأن غزوة أحد كانت في السنة الثانية، وأن الخندق كانت في الرابعة، وهذا عمل صحيح على ذلك البناء، ثم قال: ولكنه بناء واهٍ مخالف

1 مجمع الزوائد 6/142. قلت: "حكم الهيثمي على هذا السند جيد لأن يونس بن بكير أكثرهم على توثيقه ومن هؤلاء ابن معين خلافاً لما توصل إليه الحافظان الذهبي وابن حجر فيما تقدم".

2 أي الحافظ ابن حجر.

ص: 76

لما عليه الجمهور من جعل التاريخ من المحرم سنة الهجرة، وعلى ذلك تكون بدر في الثانية، وأحد في الثالثة، والخندق في الخامسة وهو المعتمد"1.

أما ابن العربي فقد قال: "إن الخندق بعد مضي أربع سنين وعشرة أشهر وخمسة أيام من الهجرة"2، وهذا موافق لأصحاب الرأي القائل بأنها كانت في الخامسة، وموافق لابن سعد حيث قال بأنها كانت في الخامسة، وفي شهر ذي القعدة، وذلك بناءً على التاريخ من بداية المحرم. وأخيراً نعرج على كلام البيهقي لنراه يقول: قلت: "لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة

1 فتح الباري 7/303.

2 عارضة الأحوذي 7/173.

ص: 77

فمن قال سنة أربع أراد أربع سنين، وقبل بلوغ الخمس، ومن قال سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة، وقبل انقضائها"1 والله أعلم.

هذا نص كلام البيهقي وهو توجيه حسن أخذ به كثير من العلماء لفك الإشكال، أما ابن سيد الناس2 فقد نقل كلا القولين، ولم يرجح أحدهما على الآخر3.

الخلاصة:

استعرضنا أدلة الفريقين، وتبين من ذلك أن الحق مع القائلين بوقوع هذه الغزوة في سنة خمس لما يأتي:

1-

احتمال حديث ابن عمر لتأويلهم.

2-

اطباق أهل المغازي والسير والمؤرخين والعلماء من بعدهم على هذا الرأي.

1 دلائل النبوة 3/395.

2 هو: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى اليعمري الأندلسي الأشبيلي المصري المعروف بابن سيد الناس، فتح الدين أبو الفتح، محدث حافظ مؤرخ فقيه ناظم ناشد نحوي أديب، وهو من شيوخ الذهبي. ولد عام 671هـ، وتوفي عام 734هـ. انظر: تذكرة الحفاظ 4/1503.

3 عيون الأثر 2/55.

ص: 78

3-

ما ذكر من مواعدة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد -بدر الموعد- يجعل ذلك واضحاً ومواعدة قريش لملاقاته صلى الله عليه وسلم ساقها ابن حجر كاملة1، وقد بين رحمه الله في المقدمة2 أن ما يورده في كتابه منتزعاً من أمهات المسانيد، والجوامع والمستخرجات، والأجزاء، والفوائد بشرط الصحة أو الحسن.

1 فتح الباري 7/393.

2 هدي الساري 4.

ص: 79