الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيات: (1- 5)[سورة الجاثية (45) : الآيات 1 الى 5]
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)
وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)
التفسير:
قوله تعالى:
«حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» .
مضى تفسير «حم» فى مطلع أكثر من سورة من الحواميم.. وقد جاء بدء سورة غافر، هكذا:
«حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» .
والاختلاف بين مطلع السورتين، فى وصف الله سبحانه وتعالى هنا بالحكمة بعد العزة، على حين جاء الوصف فى سورة غافر، بالعلم بعد العزة..
وهذا الاختلاف يقتضيه المقام هنا وهناك.. ففى سورة غافر، كان العلم مطلوبا للكشف عما يدور فى نفوس المشركين من هواجس، وما يبّيتون من مكر..
وهنا الحكمة مطلوبة، حيث تعرض الآيات القرآنية مشاهد من هذا الوجود فى أرضه وسمائه،.. وكل مشهد منها تتجلّى فيه الحكمة الإلهية التي أبدعت هذا الوجود وأقامته على أكمل نظام وأروعه..
قوله تعالى:
«إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ» ..
هو عرض عام للوجود كله، فى السموات والأرض.. ففى كل نظرة ينظر بها المؤمن فى هذا الوجود، يرى آيات دالة على قدرة الله، وعلمه، وحكمته..
فالكون كله- فى نظر المؤمن بالله- هو كتاب مفتوح، يقرأ فى صفحاته آيات تحدث عن جلال الله، وعظمته، وكماله..
وفى كل شىء له آية
…
تدلّ على أنه الواحد
أما غير المؤمن فلا يرى فيما يرى من هذا الوجود، إلا أشباحا تتحرك، وكائنات تظهر وتختفى.. وقد ينبهر بما يرى، ويفتن بما يملأ عينيه من جمال، ولكنه يظل حيث هو فى تعامله مع كائنات الوجود وعوالمه، دون أن يصله شىء من هذا بخالق الكون ومبدعه! قوله تعالى:
«وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» .
وهذه نظرة فى أفق محدود من آفاق الوجود.. إنها نظرة ينظر بها الإنسان إلى نفسه.. وكيف خلق؟ ومن أين جاء؟ ثم نظرة أخرى يتجاوز بها حدود نفسه، إلى عوالم الأحياء التي تدب على الأرض وتعيش فيها. فهى عوالم كثيرة،
مختلفة الأشكال والصور، بعضها يعيش على اليابسة، وبعضها يعيش فى الماء، وبعضها يسبح فى الجو.. وفى كل عالم منها أجناس كثيرة لا تكاد تقع تحت حصر..
ففى هذه النظرة القائمة على حدود الإنسان وما يحيط به من كائنات حية، يرى المؤمن ما يملأ قلبه يقينا بما لله سبحانه وتعالى من حكمة، وعلم، وقدرة، حيث تصنع القدرة الإلهية من تراب هذه الأرض، تلك الكائنات المنتشرة فى كل أفق من آفاقها، والتي تملأ وجه الأرض حياة، وحركة، وجمالا..
قوله تعالى:
وهذه نظرة أخرى فيما وراء الحياة وصورها المختلفة، فى الإنسان والحيوان.. نظرة فى هذه الحركة الدائمة بين الليل والنهار، حيث يخلف أحدهما الآخر، كما يقول الله تعالى:«وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً» (62: الفرقان) .
وعلى امتداد هذه النظرة فى الليل والنهار، حيث تلبس الأرض ثوبا من ضياء بالنهار، ثم تخلعه لترتدى ثوبا أسود بالليل- على امتداد هذه النظرة، ترى السماء وقد نزل منها الغيث الذي ينزع عن الأرض ثوب الموت، ويلبسها ثوب الحياة، كما ترى الرياح التي تدفع السحب، وتسوقها إلى كل اتجاه.
فهذه النظرة تحوى فى أعماقها نظرات معطية لكثير من الدلائل والآيات الدالة على قدرة الله.. وإنها لن تتجلى إلا لأولى العقول السليمة، والمدركات