الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو بيان للجهة التي جاء منها هذا الهلاك والبوار لأولئك المخلّفين، وهو أنهم لم يكونوا مؤمنين بالله ورسوله، إذ لو كانوا مؤمنين حقّا لما كان منهم هذا التخلف عن دعوة الرسول لهم.. إذ الإيمان- فى حقيقته- ولاء مطلق، ومتابعة يلا تردد، ولا مراجعة..
قوله تعالى:
هو إلفات إلى الإيمان الصحيح بالله سبحانه وتعالى، وهو الإيمان القائم على اليقين بأن الله سبحانه، له ملك السموات والأرض، وأنه وحده سبحانه، يملك الضر والنفع، فمن آمن بالله على هذا المفهوم واستيقنه، فإنه- فى سبيل الاحتفاظ بهذا الإيمان، والدفاع عنه- يتحدّى الناس جميعا، لا يخاف سلطانا، ولا يرهب قوة..
وقوله تعالى: «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» - هو دعوة إلى الذين ساء ظنهم بالله، أن يقيموا إيمانهم بالله على هذا المفهوم، فإن هم فعلوا، غفر الله سبحانه وتعالى لهم ما كان من تقصير فى حق الله، وسوء ظنّ به.
الآيات (17- 15)[سورة الفتح (48) : الآيات 15 الى 17]
سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَاّ قَلِيلاً (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (16) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (17)
التفسير:
قوله تعالى:
هو إخبار من الله سبحانه وتعالى، لما سيكون من هؤلاء المخلّفين، بعد أن يلتقوا بالنبي، وقد رجع من مسيرته منتصرا غانما، من حيث قدّروا الهزيمة، والهلاك.. إنهم سيعرضون على النبي أن يقبلهم فى المجاهدين إذا هو سار مسيرة كتلك المسيرة، التي يكون منها الغنم والظفر.. وهذا ما يكشف عما فى قلوبهم من إيمان زائف.. فهم إنما يكونون فى المؤمنين المجاهدين، إذا كان من وراء هذا الإيمان والجهاد، سلامة ومغنم.. والإيمان- فى حقيقته- هو بذل، وتضحية، غير منظور فيه إلى تحصيل كسب، أو ظفر بمغنم..
وقوله تعالى: «إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ» -
بيان للغاية التي يتغيّاها هؤلاء المخلفون من الأعراب، من هذا العرض الذي يعرضونه على النبي بالسير معه إلى الجهاد، وأنهم إنما يسيرون حيث تكون هناك مغانم يملئون أيديهم منها..
وقوله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» .. كلام الله: هو حكمه وقضاؤه، وهو أن تكون المغانم من حظّ المجاهدين، لا أولئك الذين يتصيدون الفرص لتقع إلى أيديهم الغنائم من غير قتال.. وهؤلاء المخلفون لا يخرجون مع المجاهدين إلا إذا كان الخروج إلى مغانم من غير قتال، وهذا من شأنه- لو حدث ولن يحدث- أن يبدل حكم الله الذي جعل الغنائم المجاهدين..
وفى هذا النظم الذي جاء عليه الخبر، تيئيس للمخلفين أن يكون لهم فى هذه المغانم نصيب، لأن أخذهم شيئا منها، فيه تبديل لكلمات الله، وإنه لا مبدّل لكلمات الله..
وقوله تعالى: «قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا» هو تعقيب على قوله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» وتصريح بالحكم الذي تضمنه، فإن من مضمون قوله تعالى:«يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» أنهم لن يخرجوا مع المؤمنين، لأن فى خروجهم تبديلا لكلمات الله، ولا مبدل لكلمات الله..
وقوله تعالى: «كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ» .. الإشارة هنا هى إلى الحكم الذي جاء فى قوله تعالى: «لَنْ تَتَّبِعُونا» .. أي مثل هذا الحكم الذي قضينا به عليكم، وهو ألا تتبعونا، كان قضاء الله فيكم وحكمه عليكم من قبل هذا الحكم الصريح الذي واجهناكم به، أيها المخلفون، فقد قال الله
من قبل فيكم: «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ» - ومضمون هذا أنكم لن تخرجوا معنا..
هذا، وقد اضطربت آراء المفسرين فى هذا، وكثرت مقولاتهم، ولم نر فيما رأينا من آراء ومقولات، ما نطمئن إليه.. فكان هذا رأينا الذي نرجو أن يكون صوابا.. والله أعلم..
قوله تعالى: «فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا» - هو من مقولات المخلفين التي يمكن أن يقولوها، ردّا على قول النبي والمؤمنين لهم:
«لن تتبعونا» - وهو ردّ أحمق جهول، فيه مغالطة فاضحة.. إذ كيف يحسدهم المؤمنون، وقد دعوا من قبل إلى الجهاد، فأبوا وتخلفوا؟
وكيف وطريق الجهاد مفتوح على مصراعيه للمجاهدين حقّا، الذين يريدون بجهادهم وجه الله، وإعلاء دين الله؟.
وقوله تعالى: «بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا» أي أن هؤلاء الأعراب المخلفين، إنما هم على عمى وجهل، ولو أنهم كانوا على شىء من العلم بدين الله، وبحقائق هذا الدين، لما وقفوا هذا الموقف من الجهاد، ثم لما كان منهم هذا الاعتراض فى طريق المجاهدين بهذا المنطق الجهول.. أما مالهم من فقه قليل، فهو ما كان من أمر الدنيا وشئونها، ومع هذا فهو قشور من الفقه، لا يصل إلى شىء من لباب المعرفة، وهذا مثل قوله تعالى:«يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا، وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ» (7: الروم) .
قوله تعالى:
«قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ، فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً» .
هذه دعوة إلى هؤلاء المخلفين، تقطع عليهم مقولتهم للمؤمنين:«بل تحسدوننا» .. وهم فى هذه الدعوة مدعوون إلى قتال قوم أولى بأس شديد، وأنهم مطالبون كذلك فى هذا القتال أن يقفوا موقف المجاهدين حقّا، وهو ألا يتحولوا عن القتال إلّا إذا استسلم لهم العدوّ، ودخل فى دين الله..
وقد اختلف المفسّرون فى هؤلاء القوم ذوى البأس الشديد، الذين سيدعى هؤلاء المخلفون إلى قتالهم، حين يندب المؤمنون إلى قتالهم..
ويذهب كثير من المفسرين، إلى أن هؤلاء القوم هم فارس، والروم..
وهذا غير صحيح من وجهين:
أولهما: أن قتال فارس والروم لا يكون فيه قتالهم إلى أن يدخلوا فى الإسلام، بل إنه يكتفى منهم بقبول الجزية فى حال هزيمتهم، وإبائهم أن يدخلوا فى الإسلام، وإنما حكم القتل أو الإسلام هو فى حقّ العرب وحدهم، لأنهم هم الذين تقوم عليهم الحجة كاملة، بتلك المعجزة التي فى كتاب الله المعجز، الذي جاء بلسانهم..
والوجه الآخر، هو أن هؤلاء المخاطبين المخلفين، ينبغى أن تكون دعوتهم إلى قتال هؤلاء القوم بعد زمن قليل من وقت نزول هذه الآية..
حتى لا يذهب الموت بكثير منهم، إذ طال الزمن بهم، وقتال الفرس والروم جاء بعد نزول هذه الآيات، بنحو عشر سنين..
والذي يصحّ عندنا من هذه المقولات، هو القول بأن القوم ذوى البأس الشديد، هم بنو حنيفة، قوم مسيلمة الكذاب، الذين ارتدوا عن الإسلام،
بعد وفاة النبي، صلوات الله وسلامه عليه، وكان ذلك بعد أربع سنين من نزول هذه الآية..
وبنو حنيفة، قد ارتدّوا عن الإسلام، بعد وفاة الرسول، فندب أبو بكر- رضى الله عنه- المسلمين إلى جهادهم، وقد حاربوا جيوش المسلمين حربا قاسية، حتى لقد استشهد من المسلمين أعداد كثيرة، كان من بينهم سبعون شهيدا من القرّاء وحدهم، كما يقول ذلك أصحاب المغازي..
وهذا كله حديث عن مستقبل لم يجىء بعد، وإنما هى أحداث ومواقف سوف تقع تباعا، ابتداء من نزول هذه الآيات..
قوله تعالى:
رفع الحرج هنا عن هؤلاء الذين ذكرت الآية الكريمة صفاتهم، إنما هو فى مقام الجهاد فى سبيل الله.. فهؤلاء معفون من الجهاد، بحكم الأعذار التي معهم.. وقد رتّبوا ترتيبا تنازليا.. فالعمى عذر قاطع، لا شبهة فيه فى الحرب، والعرج عذر غير ظاهر، قد يكون معه عجز عن القتال أو قدرة عليه، وأمر ذلك موكول إلى تقدير ولىّ الأمر، وإلى ضمير صاحب الآفة ودينه..
أما المرض، فهو عذر يغلب عليه الخلفاء، وأمره متروك تقديره للمريض نفسه، وإلى ما يمليه عليه دينه..