الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيات: (1- 8)[سورة الجمعة (62) : الآيات 1 الى 4]
بسم الله الرحمن الرحيم
يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4)
التفسير قوله تعالى:
أي يسجد لله- تعظيما، وولاء، وتمجيدا- كل من فى السموات والأرض، وإن أبى هؤلاء الكافرون والمشركون أن يكونوا فى الساجدين..
فإنهم- إن ظنوا أنهم يملكون من أنفسهم أن يخرجوا عن هذا المقام الذي ينتظم الوجود كله فى محراب التسبيح بحمد الله- فهم واهمون، لأنهم فى قبضة الله، وفى محيط سلطانه، وهم بهذا خاضعون لله كرها، وإن لم يخضعوا له طوعا..
«وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً» (15: الرعد) .
والملك: هو صاحب الملك، المتصرف فيه كيف يشاء.
والقدوس: الطاهر، المبرأ من كل نقص.
قوله تعالى:
هذا التسبيح الذي تسبح به السموات والأرض لله رب العالمين، هو وإن كان دائما لا ينقطع، إلا أنه هنا تسبيح خاص فى مواجهة هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على أهل الأرض، وهى بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق.
والأميون هم العرب، وسمّوا أميين، لأنه لم يكن لهم كتاب سماوى، وكان اليهود يطلقون على جميع الأمم لفظ الأميين بالإضافة إليهم هم.. يريدون بهذا أن يمتازوا على الناس، بأنهم هم الذين خاطبتهم السماء، وبعثت فيهم الرسل، وأنزلت عليهم الكتب.. أما غيرهم من سائر الأمم فلم يكونوا أهلا لأن يخاطبوا من الله، وأن يتلقوا رسالاته.. وبهذا صحّ فى زعمهم أن يدّعوا هذه الدعوة الضالة، وهى أنهم شعب الله المختار.. فلقد كانت هذه الدعوى شؤما وبلاء عليهم، إذ عزلتهم عن المجتمع الإنسانى، وأقامتهم فى الحياة الإنسانية مقاما مضطربا، لا يلقاهم الناس، ولا يلقون هم الناس، إلّا على عداوة وجفاء.
ففى قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ» امتنان على الأمة العربية، بهذا الفضل الذي ساقه الله سبحانه وتعالى إليهم، وردّ على اليهود، وإبطال لدعواهم بأن الله اختارهم على العالمين.. واختصهم بفضله وإحسانه..
فالأمية التي وصف بها العرب هنا هى أمية من نوع خاص، وهى أمية من لا كتاب لهم من عند الله. وإن كان هذا لا يمنع من تفشّى الأمية فيهم، وهى أمية الجهل بالكتابة والقراءة. وذلك أن الدّين كان هو الباعث الأول على العلم، وعلى تعلم القراءة والكتابة، وأن أصحاب الكتب السماوية هم الذين كانوا
يقبلون على العلم، وعلى مدارسة الكتب السماوية وما يتصل بها..
وفى قوله تعالى: «رَسُولًا مِنْهُمْ» - إشارة إلى أن هذا الرسول الذي بعثه الله سبحانه وتعالى إلى العرب، كان واحدا منهم، أي من هؤلاء الأميين، وليس من أهل الكتاب.. وهذا يعنى أن هؤلاء الأميين هم أهل لأن تختار منهم رسل الله، كما هم أهل لأن يتلقوا رسالات الله، وتنزل إليهم كتب الله..
وقوله تعالى: «يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ-» هو صفة للرسول صلوات الله وسلامه عليه، تبيّن محامل رسالته إلى العرب، ومنهج دعوته لهم.. فهو يتلو عليهم آيات الله، أي يسمعهم إياها، ويلقيها على أسماعهم مشافهة منه.. إنه هو الذي يتولى تبليغ رسالة ربه بنفسه، لا بوساطة كتب، أو رسل.. فما دام هو بين قومه، فهو الذي يلقى الناس برسالة ربه، وينقلها إليهم كما تلقاها وحيا من السماء، وهو بهذه التلاوة لآيات الله، إنما يريد أن يزكّى قومه، أي يطهرهم من الشرك، ومن ضلالات الجاهلية وأرجاسها.
وهو- صلوات الله وسلامه عليه- «يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ» أي أي يبين لهم ما فى كتاب الله من شرائع وأحكام، كما يقول الله سبحانه:«وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ» ويعلمهم كذلك «الحكمة» وهى السنّة التي يبين بها الرسول ما فى كتاب الله.. وسميت السّنة حكمة، لأنها مستفادة من كتاب الله، ومن النظر الملهم فى آياته وكلماته.. فليس كل ناظر فى كتاب الله قادرا على أن يتلقى الحكمة عنه.. وإنما رسول الله- صلى الله عليه وسلم هو الذي أخذ الحكمة كلّها من كتاب الله، بما أراه الله..
وفى هذا دعوة للعرب وللمؤمنين بهذا الدين، أن يتعلموا للكتاب والحكمة، وذلك بمدراسة كتاب الله، إذ كان هو الكتاب الجامع لكل ما فى الكتب، من سماوية وغير سماوية، فمن جعل همّه له، ووجه عقله وقلبه إليه، أصاب العلم
الجامع، والحكمة المشرقة، وهذا من شأنه أن يجعل من أمة الإسلام- لو أنهم استجابوا لدعوة الله هذه- موطن العلم، ومعدن الحكمة، وأن تكون لهم أستاذية الإنسانية فى العلم وفى الحكمة.
وقوله تعالى: «وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ» - هو بيان لحال العرب، حين جاءهم الرسول الكريم، يعلمهم الكتاب والحكمة. فقد كانوا قبله فى ضلال غليظ، وفى عمى مطبق، ومع ذلك استطاع هذا النور السماوي الذي حمله الرسول إليهم- أن يفتح به عيونا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فأبصروا من عمّى، وسمعوا من صمم، وفقهوا من جهل، وأصبحوا علماء حكماء.. وهذا يعنى أن الاتصال بكتاب الله، من شأنه أن يفيد منه كل إنسان، ولو كان أبعد الناس عن العلم والحكمة، شأنه فى هذا شأن الغيث، يبعث الحياة حيث كان موقعه، فى خصب أو جدب.
قوله تعالى:
«وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .
هو معطوف على «الْأُمِّيِّينَ» أي هو الذي بعث فى الأميين رسولا منهم، أي من العرب، وفى آخرين من الأميين، من غير العرب، وهم سائر الأمم الأخرى.
وهذا يعنى أن رسالة الرسول صلوات الله وسلامه عليه- وإن كانت للعرب أولا، فإن لغيرهم فيها نصيبهم منها، فهى رسالة عامة شاملة لكل الناس..
ثم إن هذا يشير من جهة أخرى إلى أن اليهود لا نصيب لهم فى هذه الرسالة لأنهم ليسوا من الأميين.. وهذا ما كشفت عنه الأيام، فقد دخل الناس الإسلام من كل أمة وجنس، وأما اليهود فلم يدخله منهم إلا نفر قليل.. على نفاق، وعلى كيد للإسلام.. فا آمن أحد منهم بالإسلام- مذ كان إلى اليوم- إيمانا خالصا من هوى، أو مبرّأ من غرض.
وفى قوله تعالى: «لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ» .. إشارة بظهر الغيب إلى هؤلاء الآخرين الذين سيلحقون بالعرب فى الدخول فى الإسلام، والذين لم يكونوا قد دخلوا بعد، عند نزول هذه الآية..
وقد روى أن بعض صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم سألوه عن هؤلاء الآخرين، وكان فيهم سلمان الفارسىّ، فوضع صلوات الله وسلامه عليه، يده على سلمان، ثم قال:«لو كان الإيمان عند الثريّا لتناوله رجال من هؤلاء» ..
والإشارة هنا هى للفرس، قوم سلمان الفارسي، والمراد بكون الإيمان عند الثريّا وتناول الفرس له، أن الإسلام سيدخل فيه من كان بعيدا عن موطن الدعوة بعد الثريّا، وهذا يعنى امتداد رقعة الإسلام، وامتداد سلطانه فى أطراف الدنيا..
وهذا من أنباء الغيب، التي أوحاها الله إلى النبي، فقد دخلت فى الإسلام طوائف وجماعات من جميع الأمم.
وقوله تعالى: «وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» .. إشارة إلى سلطان الله الغالب، وأنه سينصر هذا الدين، ويعزّه، باجتماع الناس إليه من جميع الأمم والأجناس، وأن ذلك إنما يكون عن حكمة الحكيم العليم، فيدخل فى هذا الدين من شاء له الهدى والنجاة..
قوله تعالى:
«ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» .
«ذلك» إشارة إلى بعث الرسول الكريم إلى الأميين من العرب، وهذا من فضل الله، الذي يؤتيه من يشاء من عباده، والله ذو الفضل العظيم، الذي يسع فضله الناس جميعا، وأنه إذا أصاب فضله قوما، فليس بالمحجوز عن غيرهم..