الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذا الخلق، إذ أسلموا أمرهم للشيطان، الذي قادهم إلى الضلال فانقادوا، ودعاهم إلى الخروج عن أمر الله فأجابوا.. «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» (4- 6 التين) ..
وفى قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» إنذار باليوم الآخر، وتحذير منه، حيث يصير الناس جميعا إلى الله يوم القيامة، ويحاسبون على ما قدموا من خير، أو سوء..
قوله تعالى:
هو تعقيب على قوله تعالى: «وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ» .. أي أن مصيركم أيها الناس، إلى من يعلم ما فى السموات والأرض، ويعلم سركم وجهركم، بل إنه يعلم ما يدور فى الصدر من خلجات ومشاعر، قبل أن تتخلق هذه الخلجات وتلك المشاعر فى صورة كلمات لها مدلول ومفهوم عندكم.. فعلم الله علم شامل، قديم، يعلم ما كان قبل أن يكون، ويعلم ما سيكون على ما يكون..
الآيات: (5- 10)[سورة التغابن (64) : الآيات 5 الى 10]
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (5) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (6) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8) يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (10)
التفسير:
قوله تعالى:
الخطاب هنا للناس جميعا، مؤمنين، وكافرين.. فهو للمؤمنين عبرة، وعظة، وتثبيت على الإيمان.. وهو للكافرين، وعيد، وزجر، وتهديد..
وقوله تعالى: «فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ» .. الفاء للسببية، أي أن كفر الذين كفروا، كان سببا فى هذا البلاء الذي حلّ بهم فى الدنيا، بما أخذهم الله به من نكال، وما أرسل عليهم من مهلكات، كما أنه سيسكون سببا فى العذاب الأليم الذي سيلقونه يوم القيامة..
والوبال: أصله من الوبل، والوابل، وهو المطر الشديد الثقيل، ولهذا قيل للأمر الثقيل الذي يخاف ضرره: وبال، ووبيل.
قوله تعالى:
الإشارة هنا إلى كفر الكافرين، وإلى المنزلق الذي دفع بهم إلى الكفر..
فلقد جاءتهم رسلهم بالبينات، أي بالآيات البينة الواضحة، والمعجزات الناطقة التي تشهد بأنهم رسل الله.. ومع هذا فقد أبى القوم إلا ركوب رءوسهم، ثم نظروا إلى تلك الآيات فرأوها وهم فى هذا الوضع المنكوس..
رأوا حقها باطلا، ونورها ظلاما، وهداها ضلالا.. ثم عجبوا أن يكون بشر مثلهم، ورجل منهم، هو الذي يدلّهم على الخير، ويقودهم إلى الحق!! فكفروا به، وبالآيات التي معه، وبالله الذي أرسله..
وقوله تعالى: «فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا» أي أنهم لم يكفروا ويكذبوا بالرسول وحسب، بل تولوا معرضين عن الحق، الذي كان من شأنه- لو تمهلوا قليلا، ولم يستبد بهم العناد- أن يهتدوا إليه بأنفسهم، ولرأوا أن ما يدعوهم الرسول إليه، هو دعوة موجهة إليهم من عقولهم، قبل أن يوجهها الرسول إليهم..
وقوله تعالى: «وَاسْتَغْنَى اللَّهُ» أي أنهم بكفرهم وتولّيهم هذا كأنهم قد استغنوا عن الله، وقطعوا كل صلة تصلهم به، سواء أكان ذلك عن دعوة رسول من عند الله، أو عن دعوة من عقولهم، ولهذا فإن الله قد استغنى عنهم، وطردهم من مواقع الإيمان به..
وفى التعبير عن إعراض الله عنهم، وطرده إياهم- بالاستغناء، إنما هو من باب الردّ عليهم بمثل منطفهم وأنهم إذ قد استغنوا عن الله، فالله قد استغنى عنهم..
وهذا يعنى أن الله سبحانه لا يخذل من عباده، إلا من يخذل نفسه ولا يطرد من رحمته إلا من يعمل على طرد نفسه، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ» (19: الحشر) .. وكما يكون هذا فى حال الردع والعقاب، يكون فى مقام الفضل والإحسان، كما يقول سبحانه:«فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ» (152: البقرة) .. ومنه قوله تعالى: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (60: غافر) ..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» أي أنه سبحانه غنىّ غنى مطلقا، لا حاجة به إلى شىء من خلقه:«ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ» (57: الذاريات) .. وهو سبحانه «حميد» أي المستحق الحمد وحده، المحمود من جميع خلقه، لأنه هو الخالق الرازق المنعم، المتفضل، من غير سابقة إحسان من مخلوق، أو ابتغاء نفع يرجى منه.
قوله تعالى:
الزعم هنا، بمعنى الادعاء الكاذب، الذي يقع من صاحبه موقع اليقين..
أي ادعى الذين كفروا- افتراء وكذبا- أنهم لن يبعثوا.. وعلى هذا الزعم الباطل، والادعاء الكاذب، قطعوا كل ما يصلهم بالحياة الآخرة، وما يذكّرهم بها..
وقد كذّب الله سبحانه هذا الزعم، وردّه على زاعميه بقوله سبحانه:«قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ» .. والأمر «قل» هنا متوجه إلى النبي صلوات الله وسلامه
عليه، لينذر به الكافرين، وليوقظهم به من غفلتهم، وليزعج به اطمئنانهم إلى هذا الزعم الذي زعموه!! وقوله تعالى:«ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ» أي ليس الأمر مجرد بعث ونشور، وإنما وراء هذا البعث والنشور، حساب وجزاء، حيث تعرض عليه- جلّ شأنه- أعمالكم، وتلقون الجزاء عليها.. «وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ» لا يحتاج إلى معاناة ومراجعة.. كما أن بعثكم لا يحتاج إلى جهد ونصب..
قوله تعالى:
«فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» ..
هو تعقيب على قوله تعالى: «زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا.. الآية» ..
أي أنه إذا كان البعث أمرا لا مفرّ منه، والحساب والجزاء لا معدى عنه- فبادروا إلى الإيمان بالله، وأسرعوا بالخروج مما أنتم فيه أيها الكافرون، من أوهام وضلالات.. والإيمان بالله لا يتم، إلا بالإيمان برسوله.. والإيمان برسوله، لا يقع إلا مع الإيمان بالنور الذي أنزله الله إليه..
والنور الذي أنزله الله إلى النبي، هو القرآن الكريم، لأنه من نور الله، الذي يجلو عمى البصائر، ويبدد ظلام العقول..
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» - هو تعقيب على الدعوة إلى الإيمان بالله ورسوله، والقرآن الذي بين يديه، وأن حصيلة هذا الإيمان واقعة فى علم الله.. ذلك العلم المحيط بكل شىء، الخبير بالحسن والسيء من الأعمال
وسيجزى المؤمنين على حسب إيمانهم، وعلى حسب ما عملوا بمقتضى هذا الإيمان.
قوله تعالى:
هو جواب لسؤال يتردد على الخاطر ممن سمع قوله تعالى: «وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» - وهو: ما وراء هذا العلم الذي يعلمه الله من أعمالنا؟
فكان الجواب: ستعلمون ماوراء هذا العلم يوم تردّون إلى الله، يوم يجمعكم ليوم الجمع، وهو يوم القيامة، حيث يجزى المحسنون الجزاء الحسن، ويلقى المسيئون ما يسوءهم وما يخزيهم من عذاب وهوان..
وسمّى يوم القيامة يوم الجمع، لأن الناس جميعا يحضرونه، ويحشرون إليه من قبورهم، لا يغيب عنه أحد منهم.
وسمّى يوم القيامة كذلك يوم التغابن، لأنه اليوم الذي يرى الناس فيه أنهم غبنوا من جهة أنفسهم، وأن غبنا أصابهم فى حياتهم الدنيا، فلم يأخذوا حقهم كاملا فيها، ولم يستوفوا المطلوب منهم للحياة الآخرة..
فالغبن، هو الظلم الذي يجىء من وراء عدوان على حق.. ومنه الغبن الذي يقع فى البيع، بين البائع والمشترى، حيث يخرج الشيء المبيع عن الحدود المثلية له، زيادة أو نقصا، فإذا زاد الثمن زيادة فاحشة، كان الغبن واقعا على المشترى، وإذا نقص الثمن نقصانا فاحشا، كان الغبن واقعا على البائع.. ومنه الغبن فى الرأى، حيث يجىء الرأى فى الأمر بعيدا عن مرمى الإصابة لموقع الحق فيه، فيقال: فلان غبين الرأى، أي فاسده..
وكل إنسان يبدو له يوم القيامة أنه قد غبن فى حياته الدنيا، سواء أكان فى المحسنين أم فى المسيئين.. أما المحسن، فلأنه لم يزدد فى إحسانه، وهو يرى فى هذا الموقف- موقف الحساب والجزاء- أن كل ما عمله من أعمال حسنة هو قليل- وإن كثر- بالنسبة لما يطلبه، ويتمناه فى هذا الموقف، الذي يحتاج فيه الإنسان إلى رصيد عظيم من الأعمال الصالحة، حتى يلحق بالسابقين الذين سبقوا إلى الجنة، ولم يقفوا موقف الحساب، بل طاروا إليها طيرانا.
وأما المسيء فإنه يرى أنّه ظلم نفسه ظلما مبينا، إذ أطلق العنان لشهواته وأهوائه، وأنه باع نجاته وسلامته بثمن بخس، لا يعدو أن يكون ساعات من اللهو واللعب.
وهكذا يرى كل إنسان يومئذ، أنه على حال غير محمودة عنده، وأن أمورا كثيرة كان يمكن أن يأخذ فيها وضعا آخر غير الوضع الذي أخذه فى الدنيا..
إنه يوم تكثر فيه الحسرات، وزفرات الندم، وصرير الأسنان! قوله تعالى:«ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفّر عنه سيئاته ويدخله جنّات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم» .
هو تعقيب على هذا الوصف الذي وصف به يوم القيامة، بأنه يوم التغابن، ويراد بهذا التعقيب دفع ما يقع من وهم يجعل من هذا اليوم يوم سوء للناس جميعا، وأنهم جميعا واقعون تحت مشاعر الغبن، التي من شأنها أن تملأ النفس حسرة وألما.. فجاء قوله تعالى:«ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار» - جاء هذا، ليقيم نفوس المؤمنين الذين عملوا الصالحات على الرضا، والحمد، لما هداهم الله إليه من الإيمان، ولما وفّقهم إليه من أعمال صالحة، وأنه لا بأس عليهم من هذه الأعمال السيئة الّتى عملوها إلى جانب الأعمال الصالحة، الّتى يسوؤهم أن يروها فى يومهم هذا،