المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ منهاج السورة - التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون - جـ ٥

[مأمون حموش]

فهرس الكتاب

- ‌20 - سورة طه

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌ دروس ونتائج وأحكام

- ‌21 - سورة الأنبياء

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌22 - سورة الحج

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌23 - سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌24 - سُوْرَةُ النَّوُرِ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام:

- ‌1 - الولاء والبراء هو محور منهج الإيمان عند المسلمين:

- ‌2 - بشرية الرسول وعدم علمه بالغيب:

- ‌3 - براءة عائشة إلى يوم القيامة:

- ‌4 - الأصل في المؤمنين الظن بأنفسهم خيرًا:

- ‌5 - تمحيص الله لقلوب المؤمنين بالابتلاء وتأخر الوحي:

- ‌6 - ثبوت إقامة الحد على القاذفين:

- ‌7 - مشروعية الإقراع بين النساء في السفر وجواز خروجهن للغزو ومشاركتهن بذلك:

- ‌آداب الاستئذان:

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌25 - سورة الفرقان

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌26 - سُورَةُ الشُّعَراءِ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌27 - سُورَةُ النَّمْلِ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌28 - سُورَةُ القصَصِ

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

- ‌دروس ونتائج وأحكام

- ‌29 - سورة العنكبوت

- ‌موضوع السورة

- ‌ منهاج السورة

الفصل: ‌ منهاج السورة

‌26 - سُورَةُ الشُّعَراءِ

وهي سورة مكية، وعدد آياتها (227)

‌موضوع السورة

هلاك المكذبين من الأمم والشعراء.

-‌

‌ منهاج السورة

-

1 -

انتصار الله تعالى للقرآن، وتسلية للنبي عليه الصلاة والسلام.

2 -

تكذيب المشركين بالحق، وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون، فهلّا نظروا كيف ينبت الله من كل زوج كريم، إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم.

3 -

ذكر مناداة الله موسى وتكليمه، ومدّه بأخيه هارون ليعينه، وحواره مع فرعون وتكذيبه، وجمعه السحرة لتثبيت سلطانه، وإيمان السحرة وكفرهم به، وشروع فرعون بالتهديد والبطش والتوعد للسحرة الذي قابلوه بإيمان كالجبال، ووصف نهاية فرعون وجنوده وغرقهم ونجاة موسى والمؤمنين بأمر الله الكبير المتعال.

4 -

ثناء الله على خليله إبراهيم، في براءته من أوثان المشركين، وخضوعه الكامل لله ربّ العالمين، وسؤاله النجاة يوم الدين.

5 -

دُنُوُّ الجنة يوم القيامة للمتقين، وتكدس المشركين في نار جهنم صاغرين.

ص: 455

6 -

تكذيب قوم نوح المرسلين، وحثهم له على طرد المؤمنين، واستمرارهم بالعناد والكفر حتى دكّهم الطوفان فأغرقهم أجمعين.

7 -

تكذيب عاد رسولهم وإصرارهم على الشرك والكبر، حتى جاء أمر هلاكهم من الله العزيز الحكيم، وقد كان سبق في علمه أن أكثرهم لا يؤمنون.

8 -

تكذيب ثمود نبيهم وعقرهم الناقة وقصة إهلاكهم.

9 -

تكذيب قوم لوط رسولهم، وإصرارهم على الفاحشة حتى قلب الله عليهم مدينتهم، وأمطر عليهم حجارة فأهلكهم.

10 -

تكذيب أهل مدين نبيّهم، والعبث بحقوق الناس وكيلهم، حتى جاء أمر الله بنزول نقمته بهم.

11 -

نزول جبريل بهذا القرآن بلسان عربي مبين، وخبر القرآن في كتب الأولين.

12 -

سؤال المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال، وسنة الله في أهل القرى أن لا يهلكهم حتى يأتيهم الإنذار.

13 -

حفظ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشُّهب عليهم.

14 -

الأمر بالبدء بإنذار العشيرة والأقربين، وخفض الجناح للمؤمنين.

15 -

تنزّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناء المؤمنين الصالحين الذين ينتصرون للحق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

* * *

ص: 456

بسم الله الرحمن الرحيم

1 -

9. قوله تعالى: {طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}.

في هذه الآيات: انتصارٌ لهذا القرآن وتسلية للنبي الكريم، وذكر حكمة الله تعالى في اختيار العباد أحد الطريقين، فالمشركون معرضون مكذبون وسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون. فهلّا نظروا إلى الأرض كيف ينبت الله فيها من كل زوج كريم؟ ! إن في ذلك لآية من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

قوله تعالى: {طسم} .

تقدم القول في مفهوم الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن غاية ما يقال: إن هذا القرآن هو من جنس هذه الأحرف، وهذه السورة الجامعة لتاريخ الأمم مع رسلها ومفهوم الخلق من مبدئه إلى منتهاه قد صيغت في بيان رائع من مثل هذه الحروف التي يتكلم العرب ويتخاطبون بها، ومع ذلك هم عاجزون عن معارضة هذا القرآن بمثله أو بسورة نحوه، أضف إلى ذلك ذكر الانتصار لهذا الكتاب المعجز بعد ذكر هذه الأحرف.

قال ابن القيم رحمه الله في "الكافية الشافية":

وانظر إلى السور التي افتتحت بأحْرفها

ترى سرًّا عظيم الشان

لم يأت قط بسورة إلا أتى

في إثرها خبر عن القرآن

إذ كان إخبارًا به عنها وفي

هذا الشفاء لطالب الإيمان

ص: 457

ويدل أن كلامه هو نفسها

لا غيرها، والحق ذو تبيان

فانظر إلى مبدا الكتاب وبعدها الـ

أعراف ثم كذا إلى لقمان

مع تلوها أيضًا ومع حم مع

يس وافهم مقتضى الفرقان

وقوله تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ} .

أي: هذه آيات هذا القرآن البيّن الجلي، الفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل.

وقوله تعالى: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِين} .

أي: لعلك - يا محمد - مهلك نفسك إن أصر قومك على كفرهم.

والبَخْعُ في كلام العرب: القتل والإهلاك. قال الرازي: (بَخَعَ نفسه قتلها غَمًّا).

وعن ابن عباس: ({بَاخِعٌ نَفْسَكَ}: قاتل نفسك). قال قتادة: (لعلك من الحرص على إيمانهم مخرج نفسك من جسدك، قال: ذلك البخع).

وقوله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} .

أي: إن نشأ أن ننزل عليهم آية تحملهم على الإيمان قهرًا، وتضطرهم إلى الإذعان للحق جبرًا، لفعلنا ذلك، ولكن لا نريد لأحد أن يؤمن إلا باختياره، فمضت حكمة الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب.

قال ابن جريج: (لو شاء الله لأراهم أمرًا من أمره لا يعمَل أحد منهم بعده بمعصية).

وعن ابن عباس: (قوله: {فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} قال: ملقين أعناقهم).

وعن مجاهد: (فظلوا خاضعة أعناقهم لها). وقال ابن زيد: (الخاضع: الذليل).

وخلاصة المعنى كما قال قتادة: (لو شاء الله لنزل عليه آية يذلون بها، فلا يَلْوي أحد عنقه إلى معصية الله).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99].

2 -

وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119].

ص: 458

يروي أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ الله لو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس](1).

ورواه البيهقي في "الأسماء" من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:[يا أبا بكر! لو أراد الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس].

وقوله تعالى: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ} .

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وما يجيء هؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون ما أتيتهم به يا محمد من عند ربك من تذكير وتنبيه على مواضع حجج الله عليهم على صدقك، وحقيقة ما تدعوهم إليه مما يحدثه الله إليك ويوحيه إليك، لتذكرهم به، إلا أعرضوا عن استماعه، وتركوا إعمال الفكر فيه وتدبيره).

وقوله تعالى: {فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .

وعيد وإنذار، وتهديد بالهلاك والدمار، لأولئك المتمادين في تكذيبك يا محمد.

قال النسفي: ({فَقَدْ كَذَّبُوا} محمدًا صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به {فَسَيَأْتِيهِمْ} فسيعلمون {أَنْبَاءُ} أخبار {مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} وهذا وعيد لهم وإنذار بأنهم سيعلمون اذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة ما الشيء الذي كانوا يستهزئون به وهو القرآن، وسيأتيهم أنباؤه وأحواله التي كانت خافية عليهم).

وقوله تعالى: {وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} .

تذكير بعظمته تعالى، وتنبيه إلى بعض آلائه جل ذكره.

أي: أولم ير هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث من القبور، والنشر إلى الأرض يوم النشور، كم أنبتنا فيها بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها، من كل زوج كريم: أي حسن بهي من الزروع والثمار.

قال مجاهد: ({أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} قال: من نبات الأرض، مما تأكل الناس والأنعام).

(1) حديث حسن. أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 92)، والبيهقي في "الأسماء"(157)، واللالكائي في "السنة"(1/ 141/ 1)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1642).

ص: 459

وعن قتادة: ({مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ} قال: حسن).

قال الشعبي: (الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم).

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} .

أي: إن فيما ذكر من الإنبات في الأرض لدلالة على قدرة الله تعالى الذي لا يعجزه شيء، ولكن أكثر الناس في غفلة وبُعد عن الإيمان والصدق واليقين.

وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

قال القرطبي: (يريد المنيع المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه).

10 -

22. قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)}.

في هذه الآيات: ذِكْرُ الله نداءه عبده ورسوله وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام حين ناداه وناجاه من جانب الطور الأيمن وأرسله إلى القوم الظالمين - أي الكافرين - قوم فرعون الطاغية يحذرهم بأس الله وعقابه كي يتقوه. فرغب موسى صلى الله عليه وسلم إلى ربه تعالى بإزاحة أعذار يجدها: من خوف تكذيبه، وضيق صدره، وعدم انطلاق لسانه - للعلة القديمة التي كانت به -، فرجا ربه أن يؤازره بأخيه هارون. ثم إن ذنب القتل الذي عليه يجعله يخشى ثأر القوم وبطشهم به، فأيده ربه ليبلغ رسالته هو وهارون، إلى فرعون الذي أخذ يمتن عليه برعايته أيام طفولته ويأخذ عليه ذنب القتل والفرار، فقابله موسى بإساءته الأكبر من ذلك، وهي جعله بني إسرائيل عبيدًا له وخدمًا، يقهرهم ويظلمهم.

ص: 460

والآيات الأولى من هذه الفقرة تشبه قوله تعالى في سورة طه: {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} [طه: 25 - 36].

وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} . قال مجاهد: (قتل النفس التي قتل منهم). وعن قتادة: ({فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ} يقول: فأخاف أن يقتلوني قودًا بالنفس التي قتلت منهم). والمقصود: قتله ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر.

وقوله تعالى: {قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} .

أي: كلا لا تخف بطش القوم، فاذهب أنت وهارون، إنني معكما بحفظي وكلاءتي ونصري وتأييدي. وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ} [القصص: 35].

2 -

وقال تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46].

قلت: فجاءت صفة السمع والبصر لتفسر المعية. أي إنه سبحانه بذاته فوق عرشه معهما بسمعه وبصره. كما في الآية الأخرى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7]. قال الإمام البغوي الشافعي (1): (أي: إلا هو رابعهم بالعلم).

وقوله تعالى: {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} .

قال ابن كثير: (وقال في الآية الأخرى: {إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ} [طه: 47]، أي: كلٌّ منا رسولٌ من ربك إليك، {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}، أي: أطلقهم من إسارِكَ وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحِزْبُه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين. فلما قال له موسى ذلك أعرض فرعونُ عما هُنالك بالكلية، ونظر بعين الازدراء والغَمْص فقال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ}).

(1) هو الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي صاحب "معالم التنزيل"(436 - 516 هـ). قال الذهبي: (كان محيي السنة من كبار أئمة المذهب، زاهدًا، ورعًا، متعبدًا، ألف كتاب "التهذيب" في المذهب فأتقنه، وصنف كتاب "شرح السنة"). انظر مختصر العلو (281).

ص: 461

وقوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} . قال القرطبي: (على جهة المنّ عليه والاحتقار. أي: ربيناك صغيرًا ولم نقتلك في جملة من قتلنا).

وقال النسفي: (والوليد الصبي لقرب عهده من الولادة، أي: ألم تكن صغيرًا فربيناك).

وقوله تعالى: {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} . أي: مكثت فينا تحت نعمتنا لك مدة من السنين، فمتى كان هذا الذي تدعيه؟ ! .

وقوله تعالى: {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} . أي: الجاحدين.

قال ابن زيد: (قال: ربيناك فينا وليدًا، فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منا نفسًا، وكفرت نعمتنا). وعن ابن عباس: {وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} يقول: كافرًا للنعمة أن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر).

فالمعنى: يقول فرعون: أفبعد أن أنعمنا عليك بالرعاية والتربية والإطعام مدة من السنين في بيتنا، قابلت تلك النعمة أن قتلت منا رجلًا، وجحدت إحساننا إليك.

وقوله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ} . قال مجاهد: (من الجاهلين). أي: أقدمت على ذلك القتل قبل أن يوحى إليّ ويكرمني الله تعالى بالرسالة والنبوة.

وقوله تعالى: {فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .

قال القاسمي: (أي تقتلوني على القتل الخطأ، فنجاني الله منكم، وزادني إنعامًا {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا} أي حكمة أو نبوة {وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ} أي: لإبطال دعواك الربوبية، واستئصال شُبَه ما عليه قومك من الوثنية. وطلب إرسال قومي إلى مواطنهم الأصلية).

وقوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .

قال مجاهد: (قهرتهم واستعملتهم). وقال قتادة: (يقول موسى لفرعون: أتمنّ علي أن اتخذت أنت بني إسرائيل عبيدًا). قال ابن كثير: (أي: وما أحسنتَ إليَّ ورَبَّيْتَني مُقابل ما أسأتَ إلى بني إسرائيل! فجعلتهم عبيدًا وخدمًا، تُصرِّفُهم في أعمالك ومشاقِّ رَعيَّتِك، أَفَيفي إحسانُكَ إلى رجلٍ واحدٍ منهم بما أسأتَ إلى مجموعهم؟ ! . أي: ليس ما ذكرتَه شيئًا بالنسبة إلى ما فعلتَ بهم).

ص: 462

23 -

28. قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)}.

في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عتو فرعون وطغيانه، وعن تمرّده وجحوده وعناده، فهو يريد إثبات الربوبية لنفسه، وموسى عليه السلام يحاجّه بقوارع الوحي ولوازم الربوبية التي لا تكون إلا لله رب السماوات والأرض والمشرق والمغرب، ورب كل شيء ومليكه.

فقوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} . فيه تطاول ومماداة من فرعون اللعين، لأنه صَدَّقَ كَذِبَه حين قال:{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]. ولأنه استجهل قومه واستصغر عقولهم كما قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54].

وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} .

قال ابن جرير: ({قَالَ} موسى هو {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ومالكهن {وَمَا بَيْنَهُمَا} يقول: ومالك ما بين السماوات والأرض من شيء {إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} يقول: إن كنتم موقنين أن ما تعاينونه كما تعاينونه، فكذلك فأيقنوا أن ربنا هو رب السماوات والأرض وما بينهما).

وقوله تعالى: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ} .

محاولة من فرعون لكسب تأييد الجماهير له عن طريق الاستخفاف بقيل موسى له.

قال القرطبي: (فقال فرعون: {أَلَا تَسْتَمِعُونَ} على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك).

وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} .

أي: قال لهم موسى - حين أرادوا إظهار التعجب - بل هو الله تعالى ربكم ورب

ص: 463

آبائكم وأجدادكم. فجاء بدليل يفهمونه عنه، ففناء الآباء والأجداد بانتظام واستمرار لابد لتلك الحوادث من مُغَيِّر، ولا يُعقل أنها تجري جزافًا.

وقوله تعالى: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} .

هو محاولة جديدة من فرعون لصرف قوة تأثير موسى على قومه عن طريق الاستخفاف والاتهام بالجنون، شأن المفلسين من الحجة على مدار الزمان.

وقوله تعالى: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} .

قال النسفي: ({إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} فتستدلون بما أقول فتعرفون ربكم، وهذا غاية الإرشاد، حيث عَمَّمَ أولًا بخلق السماوات والأرض وما بينهما، ثم خَصَّصَ من العام للبيان أنفسهم وآباءهم، لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من أحواله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته، ثم خَضَصَ المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الاخر على تقدير مستقيم في فصول السنة، وحساب مستو من أظهر ما استدل به).

والمقصود: أن موسى عليه الصلاة والسلام أراد تصغير فرعون وكبرياءه أمام قومه بحجة الوحي البالغة، فكأنه يقول له: إنك إن كنت تملك بلدًا واحدًا وقومًا تتحكم بحياتهم وشؤونهم فلست بشيء أمام مالك ما بين المشرق والمغرب وما بين السماوات والأرض فاعقلوا معشر السامعين.

29 -

37. قوله تعالى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33) قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37)}.

في هذه الآيات: تهديدُ فرعون لموسى إن صرف الإلهية لغيره، ومقابلة موسى له بالآيات الباهرات، والدلالات المعجزات، واتهامُ فرعون له بالسحر وجمعه السحرة للانتصار لسلطانه وطغيانه.

ص: 464

فقوله تعالى: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} .

لجوء من فرعون لبسط نفوذه وسلطانه لاحتواء الموقف قبل أن يتدهور ويُكشف الكذب. فقال لموسى: لئن أقررت بمعبود غيري لأسجننك مع من في السجن من أهله.

وقوله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} .

قال ابن جرير: (- يقول - أتجعلني من المسجونين {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ} يبين لك صدق ما أقول يا فرعون وحقيقة ما أدعوك إليه. وإنما قال ذلك له، لأن من أخلاق الناس السكون للإنصاف، والإجابة إلى الحق بعد البيان).

وقوله تعالى: {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ} .

قال ابن عباس: (يقول: مبين له خلق حية).

وقوله تعالى: {وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} . أي: وأخرج موسى يده من جيبه فإذا هي بيضاء تلمع لمن ينظر إليها. قال النسفي: (فيه دليل على أن بياضها كان شيئًا يجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، وكان بياضها نوريًا).

وقوله تعالى: {قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ} .

قال ابن كثير: (أي: فاضِلٌ بارعٌ في السِّحْر. فَرَوّجَ عليهم فرعونُ أن هذا من قبيل السِّحر لا من قبيل المعجزة، ثم هَيَّجَهُمْ وحَرَّضَهم على مخالفته والكفْر به. فقال: {يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}، أي: أراد أن يذهب بقلوب الناس معه بسبب هذا، فيكثر أعوانُه وأنصارُه وأتباعُه ويغلبكم على دولتكم، فيأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ فيه ماذا أصنعُ به؟ ).

وقوله تعالى: {قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ} .

أي: فأجابوه قائلين: أخِّره وأخاه حتى تحشد له عمالقة السِّحر في أرجاء مملكتك ليقارعوا سحره بخبرتهم العالية في هذا الفن، فتكون الغلبة لك في النهاية بعد اندحار أمره وانحسار سحره.

38 -

48. قوله تعالى: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38) وَقِيلَ لِلنَّاسِ

ص: 465

هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42) قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48)}.

في هذه الآيات: مجيءُ السحرة للميقات المعلوم، وتقريب فرعون لهم، واجتماع الناس لرؤية من تكون له الغلبة، وابتداء السحرة المشهد بِسحر حبالهم وعصيهم، وإلقاء موسى عصاه لتلقف ما يأفكون، وليخر السحرة ساجدين، معلنين الإيمان بالله رب العالمين، رب موسى وهارون.

فقوله تعالى: {فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} .

قال النسفي: (أي: يوم الزينة وميقاته وقت الضحى، لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى عليه السلام من يوم الزينة في قوله تعالى: {مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى} [طه: 59]).

وقوله تعالى: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ} .

قال القاسمي: (أي: لرؤية ما يعارض معجزة موسى. وكان خَامَرَ فؤادهم عجب منها واندهاش. والاستفهام مجاز عن الحث والاستعجال).

وقوله تعالى: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} .

قال ابن كثير: (وحُشِد الناسُ في الاجتماع ذلك اليوم، وقال قائلهم: {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ}، ولم يقولوا: نَتَّبع الحق سواءٌ كان من السَّحَرة أو من موسى، بل الرعية على دين ملكهم).

وقوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} .

أي: فلما جاء السحرة للمكان المخصص لهم وقد حشد فرعون حشمه وخدَمه ووزراءه ورؤساء دولته وجنود مملكته، كلّم السحرة فرعون قبل الشروع في مهمتهم يذكّرونه بما يأملون من الإحسان منه إليهم والرفع لمنزلتهم عنده إذا هم أفلحوا في

ص: 466

وظيفتهم وربحوا الجولة على موسى. فأجابهم: نعم وبكل تأكيد إنكم ستكونون من أخص المقربين، ومن أقرب الجلساء والمعنيّين.

وقوله تعالى: {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ} .

أي: لما اطمأنوا من فرعون على ما يطمحون لديه من المنزلة بعد النصر، عادوا إلى مقام المناظرة. وفي الكلام اختصار يفسره قوله تعالى:{قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا} [طه: 65 - 66].

فألقوا حبالهم وعصيهم التي تشكل أدوات سحرهم وأقسموا بعزة فرعون ليكونن من يكسب هذه المنافسة والمناظرة. قال النسفي: (أقسموا بعزته وقوته وهو من أيمان الجاهلية). قال ابن كثير: (وهذا كما يقول الجهلة من العوام إذا فعلوا شيئًا: هذا بثواب فلان).

وقوله تعالى: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} .

فيه اختصار لتفصيل أكبر ورد في سورة الأعراف وطه.

1 -

قال تعالى: {قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 116].

2 -

وقال تعالى: {فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 66 - 69].

3 -

وقال ها هنا: {فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ} . قال ابن جرير: (يقول: فإذا عصا موسى تزدرد ما يأتون به من الفرية والسحر الذي لا حقيقة له، وإنما هو مخاييل وخدعة).

والمقصود: أن عصا موسى تحولت بإذن الله إلى حَيَّة تخطف وتبتلع كل أدوات مكر السحرة ضمن مشهد رهيب.

وقوله تعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} .

قال عكرمة: (أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء).

فنصر الله الحق في يوم مشهود، وكان نصرًا كبيرًا مؤزرًا خُذِلَ فيه فرعون بغطرسته أيما خذلان، إذ استنصر بالسحرة ومهّد لهم من الوعود والآمال الكبيرة، فإذا بهم

ص: 467

يؤمنون ويخذلونه ويخرون لله ساجدين، قائلين آمنا برب العالمين، رب موسى وهارون، كافرين بربوبية فرعون الكاذبة ومكر أتباعه وجنده المجرمين.

49 -

51. قوله تعالى: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)}.

في هذه الآيات: شروعُ فِرعون باللجوء إلى التهديد والبطش والتوعد للسحرة الذين قابلوه بإيمان كالجبال، مستخفين ببأسه طامعين بمغفرة الله رب العالمين.

فقوله: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} .

يقول فرعون: إنه كان ينبغي أن تستأذنوني في أمر إيمانكم فإني أنا الحاكم المطاع والأمر لي ولا يكون الإيمان إلا بي.

وقوله: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} . قال ابن كثير: (وهذه مكابرة يعلم كُلُّ أحدٍ بُطلانَها، فإنهم لم يجتمعوا بموسى قبل ذلك اليوم، فكيف يكون كبيرَهم الذي أفادهم صناعة السحر؟ ! هذا لا يقوله عاقل).

وقوله: {لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ} . توعَّدهم بقطع الأيدي والأرجل والصَّلب.

قال القاسمي: ({مِنْ خِلَافٍ} أي: جانبين متخالفين). وقال النسفي: ({مِنْ خِلَافٍ} من أجل خلاف ظهر منكم).

وقوله: {قَالُوا لَا ضَيْرَ} . أي: لا حرج، فليكن ما يكون، لقد ظهر الحق وكُشِفَ عن القلوب حجاب الكفر، فما كان من أمر موسى لا يصدر عن بشر، إلا أن يكون عن خالق البشر، الذي أيده بنصره وتمكينه وأبطل المكر والسحر، فافض ما أنت قاض فإنا لا نبالي {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} - أي: المرجع والمآل إليه، والثواب والعقاب بين يديه، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيب عنده جهاد المؤمنين وصبرهم على الأذى والظلم. قال ابن زيد: ({لَا ضَيْرَ} هو يقول: لا يضرّنا الذي تقول، وإن

ص: 468

صنعته بنا وصلبتنا {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ} يقول: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به).

وقوله: {إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا} .

قال ابن زيد: (السحر والكفر الذي كانوا فيه).

وقوله: {أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ} . قال ابن وهب، قال ابن زيد:(كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رأوها).

والمقصود: إنا نرجو عفو الله ومغفرته عما انغمسنا فيه من السحر والكفر وطاعة فرعون، ونتوسل إليه سبحانه بعمل صالح: أن كنا أول من أعْلنَ إيمانه بالله العظيم.

52 -

59. قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ}.

في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى موسى عليه السلام الخروج ليلًا مع بني إسرائيل، واتباع فرعون وجنوده لهم، وإغراق الله تعالى فرعون وجنده واستخلاف بني إسرائيل.

فقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} .

سنة الله تعالى في التوطئة لإنجاء المؤمنين، وإهلاك الكافرين، بعد رضاه سبحانه عن منهاج فئة الإيمان، وبلاع حجة الرحمان، حجة الوحي البالغة. فإنه لما قام موسى عليه السلام ببلاد مصر يدعو إلى عبادة الله وحده والكفر بفرعون وغروره في دعواه الربوبية، لم يكن بُدٌّ بعد حين مِن استعارِ نار العداوة من الطاغية إلى حد الطغيان، فهنا جاء أمر الله لموسى والمؤمنين بالهجرة فقد اقترب يوم الفصل.

قال القرطبي: (أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلًا وسمّاهم عباده، لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى:{إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم، فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سَحَرًا،

ص: 469

فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر. قال: فلما أصبح فرعون وعلم بِسُرى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم).

وقوله تعالى: {فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} .

قال النسفي: (أي جامعين للناس بعنف). والمقصود: أن فرعون قد استنفر وبعث بأمره إلى مدائن مصر لتلحقه العسكر.

وقوله تعالى: {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} .

قال القاسمي: (-أي- جامعين لعسكره، قائلين ما يقلِّل به الأعداء في أعين الجنود).

وأصل الشِّرذمة - في كلام العرب - الجمع القليل المحتقر، والجمع: الشَّراذِم. قال الجوهري: (الشِّرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء).

والمقصود: يقول فرعون مشجعًا جنوده في الأمصار، على الالتحاق به بسرعة واستنفار، إن هؤلاء - يعني بني إسرائيل - طائفة قليلة خرجت عن الطاعة ولا بد من تأديبها.

وقوله تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} . هو من قيل فرعون الممتلئ صدره غيظًا مما يجري ضده.

أي: وإنهم في مسلكهم هذا يفعلون أفعالًا تغيظنا، وتضيق به صدورنا، من اختيارهم الإيمان على غير طريقتنا، وخلاف أمرنا، وخروجه دون إذننا.

وقوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} . أي: متيقظون مستعدون حذرون، متهيئون بالسلاح لاستئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم والإجهاز عليهم.

قال النسفي: (وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به العجز والفتور).

وقوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} . أي: انقلب المكر على أهله.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: فأخرجنا فرعون وقومه من بساتين وعيون ماء، وكنوز ذهب وفضة، ومقام كريم).

ص: 470

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} .

أي: وأورث الله ذلك الجاه والمنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق مؤمني بني إسرائيل.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137].

2 -

وقال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 5 - 6].

ومن كنوز السنة العطرة في آفاق تلك الآيات أحاديث:

الحديث الأول: أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: [لما فتحت قبرس فرق بين أهلها، فبكى بعضهم إلى بعض، رأيت أبا الدرداء جالسًا وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهونَ الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة، لهم الملك، تركوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى](1).

الحديث الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن مُرَّة قال: سمعت أبا البختري يقول: أخبرني مَنْ سَمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [لَنْ يَهْلِكَ الناسُ حتى يُعْذَروا من أنْفسهم](2).

الحديث الثالث: أخرج الإمام أحمد بسند حسن من حديث جرير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(1) أخرجه أحمد من حديث الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه. انظر: "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" ص (45).

(2)

أخرجه أبو داود (4347) - كتاب الملاحم - باب الأمر والنهي، وأخرجه أحمد (4/ 260)، (5/ 293)، وهو حديث صحيح كما قال الألباني في "صحيح الجامع" رقم (5107).

ص: 471

[ما مِنْ قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، هُمْ أَعَزُّ وأكثرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، لمْ يُغيِّروه، إلا عَمَّهم الله بعقاب](1).

الحديث الرابع: أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" بسند حسن في الشواهد عن عائشة مرفوعًا: [إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله عز وجل بأسه بأهل الأرض، وإن كان فيهم صالحون، يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يرجعون إلى رحمة الله](2). وله شاهد عند الطبراني والحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا: [إذا ظهر الزِّنا والرِّبا في قرية، فقد أحَلُّوا بأنفسهم عذاب الله].

60 -

68. قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)}.

في هذه الآيات: قصةُ غرق الطاغية فرعون وجنده الظالمين، وانفلاق البحر ونجاة موسى عليه السلام والمؤمنين، وفي ذلك أكبر آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

فقوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} . قال مجاهد: (فرعون وأصحابه، وخيل فرعون في ملء أعنتها في رأي عيونهم، ولا تبرح، حبست عن موسى وأصحابه حتى تواروا). وقوله: {مُشْرِقِينَ} حال، أي: داخلين في وقت شروق الشمس وهو طلوعها، أدرك فرعون - الذي خرج في جَحْفلٍ عظيم وجمع كبير من الجنود والأعوان والأمراء والوزراء - موسى وقومه وقت طلوع الشمس.

(1) حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (4009) في الفتن. باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبيهقي في "السنن"(10/ 91)، ورواه أحمد وغيره.

(2)

حديث حسن. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(2/ 441/ 2). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1372). وانظر للشاهد صحيح الجامع الصغير (692).

ص: 472

وقوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} .

أي: فلما رأى كل فريق من الفريقين صاحبه قال أصحاب موسى له: إنا لملحقون.

قال النسفي: (أي: قرب أن يلحقنا عدونا وأمامنا البحر).

وقوله تعالى: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} . قال السدي: (يقول: سيكفيني).

أي: قال موسى لقومه كلا لا تخافوا وأحسنوا ثقتكم بالله فإنكم لن تُدْرَكُوا، إنَّ معي ربي سيهديني. قال ابن جرير:(يقول: سيهديني لطريق أنجو فيه من فرعون وقومه).

وقوله تعالى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} . قال ابن عباس: (يقول: كالجبل). وقال السدي: ({كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ}: كالجبل العظيم). أي: فأوحينا أمرنا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق بإذن الله فكان كل جزء متفرق منه كالجبل الكبير.

قال ابن عباس: (صار البحر اثني عشر طريقًا، لكل سِبْطٍ طريق). وزاد السدي: (وصار فيه طاقاتٌ ينظر بعضهم إلى بعض، وقام الماء على حَيْلِهِ كالحيطان، وبعثَ الله الريح على قَعر البحر فَلَفَحته، فَصَار يَبَسًا كوجه الأرض، قال الله تعالى: {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى} [طه: 77]).

وقوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ} . قال ابن عباس: (قرّبنا).

وقال قتادة: (هم قوم فرعون قربهم الله حتى أغرقهم في البحر).

قال القاسمي: ({وَأَزْلَفْنَا} أي: قرّبنا {ثَمَّ} أي: حيث انفلق البحر {الْآخَرِينَ} يعني قوم فزعون، أي: قدمناهم إلى البحر حتى دخلوا على أثر بني إسرائيل).

وقوله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} .

أي: حفظنا البحر على تلك الهيئة حتى عبر موسى ومن معه ونجوا. ثم أطبقنا البحر على قوم فرعون فهلكوا ولم يبق منهم أحد.

أخرج الإمام الترمذي في جامعه، والإمام أحمد في مسنده، بسند صحيح عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لمَّا أغرق الله فِرْعونَ قال: آمَنْتُ أنَّه لا إله إلا الذي آمنت به

ص: 473

بنو إسرائيل. فقال جبرئيل: يا مُحمَّدُ لو رَأَيْتَني وأنا آخذ من حالِ البَحْر وأدُسُّهُ في فيهِ مخافةَ أنْ تدركَهُ الرَّحْمة] (1).

وكذلك روى الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، ذكر أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم:[أنّهُ ذَكَرَ أنَّ جِبْرَئيل جعل يَدُسُّ في فِي فِرْعونَ الطينَ، خَشْيةَ أن يقولَ: لا إلهَ إلا الله فَيرحَمَهُ الله، أوْ خَشْيَةَ أن يَرْحَمَهُ](2).

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

أي: إن في هذا الخبر عن فرعون ومصيره هو وقومه وما في ذلك من العجائب والنصر والتأييد من الله لعباده المؤمنين، لدلالة وحجة بالغة لمن أراد الاعتبار والتدبر، ولكن ما كان أكثر قومك - يا محمد - مؤمنين بما آتاك الله من الآيات والحق المبين. وإن ربك لهو {الْعَزِيزُ} في انتقامه ممن كفر به وكذب رسله {الرَّحِيمُ} بأوليائه وأتباع رسله ومن أنجى منهم أن ينالهم الغرق والعذاب الذي نزل بأعدائه.

قال ابن جرير: {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} يقول: وما كان أكثر قومك يا محمد مؤمنين بما آتاك الله من الحق المبين، فسابق في علمي أنهم لا يؤمنون).

69 -

77. قوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77)}.

في هذه الآيات: إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم، عليه أفضل الصلاة والتسليم، إمام الحنفاء وقدوة الموحدين، وأسوة المخلصين والمتوكلين، في خطابه لأبيه وقومه المشركين، الذين يعبدون الأصنام محتجين بفعل آبائهم الضالين، وقد أعلن لهم براءته من أوثانهم وخضوعه الكامل لله رب العالمين.

(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3320). انظر صحيح الترمذي (2483) -في التفسير- من سورة يونس. ورواه أحمد عن ابن عباس. انظر صحيح الجامع (5082).

(2)

صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي - حديث رقم - (2484) - أبواب تفسير القرآن.

ص: 474

فقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} .

أي: واقصص يا محمد على قومك من المشركين خبر أبيهم إبراهيم، إذ استنكر على أبيه وقومه ما يعبدون من دون الله من الأصنام والأوثان.

وقوله تعالى: {قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} .

قال ابن عباس: (الصلاة لأصنامهم). قال ابن جرير: (قالوا له نعبد أصنامًا. فنظل لها خدمًا مقيمين على عبادتها وخدمتها).

وقوله تعالى: {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} .

أي: قال لهم إبراهيم: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، أو يجلبون لكم النفع إن عبدتموها، أو يضرونكم بأذى إن تركتم عبادتها؟ ! فأجابوه معترفين بأن أصنامهم لا تفعل شيئًا من ذلك وإنما هو تعظيم ميراث الآباء وطريقتهم.

قال أبو السعود: (اعترفوا بأنها بمعزل مما ذكر من السمع والمنفعة والمضرّة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أن لا سند لهم سوى التقليد).

وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ} .

قال ابن كثير: (أي: إن كانت هذه الأصنام شيئًا ولها تأثير فَلْتخْلُص إليَّ بالمساءة، فإني عَدُوٌّ لها لا أباليها ولا أفكِّرُ فيها).

وفي التنزيل من سير الأنبياء نحو ذلك:

1 -

قال تعالى - مخبرًا عن نوح عليه السلام: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ} [يونس: 71].

2 -

وقال تعالى - مخبرًا عن هود عليه السلام: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 54 - 56].

3 -

وقال تعالى - مخبرًا عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة: 4].

ص: 475

4 -

وقال تعالى عنه أيضًا: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا} [الأنعام: 81].

78 -

82. قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)}.

في هذه الآيات: إعلانُ إبراهيم لقومه بعض صفات ربه الكريم، فهو الذي خلقه ويهديه، ويطعمه ويسقيه، وإذا مرض فهو يشفيه، وهو الذي يميته ويحييه، وهو بذلك خاضع له طامع بمغفرته، والنجاة من سخطه وعذابه.

فقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} . أي: يرشدني إلى الدين الحق. قال ابن جرير: ({فَهُوَ يَهْدِينِ} للصواب من القول والعمل، ويسدّدني للرشاد).

وقوله تعالى: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} .

أي: والذي هو يغذوني بالطعام والشراب، ويرزقني الأرزاق والطيبات.

قال القرطبي: (ودخول {هُوَ} تنبيه على أن غيره لا يُطعم ولا يسقي، كما تقول: زيد هو الذي فعل كذا، أي: لم يفعله غيره).

وقوله تعالى: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} .

أي: وإذا اعتل جسمي ونزلت به الأسقام والآلام، فهو وحده الذي يبرئه ويشفيه ويعافيه. وفي الآية دلالة على أدب رفيع تألق به إبراهيم صلى الله عليه وسلم، إذ نسب المرض لنفسه والشفاء لله، مع أن الكل من عند الله، وإنما هذا منهاج العبودية الصحيحة لله جل ثناؤه، فإن المؤمن يعتبر ما يعتريه من المصائب والأسقام والهموم والآلام بسبب ذنوبه وتقصيره.

كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

ص: 476

وفي معجم الطبراني "الصغير" بسند حسن عن البراء بن عازب مرفوعًا: [ما اخْتلَجَ عِرْقٌ ولا عَيْنٌ إلا بِذَنْبٍ، وما يَدْفَعُ الله عنه أكثر](1).

وقوله تعالى: {وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} .

أي: وهو الذي يميتني إذا شاء ثم يحييني متى شاء، فالبدء والمنتهى إليه، وبأمره البعث للقيام بين يديه.

قال النسفي: (ولم يقل إذا مت لأنه الخروج من حبس البلاء، ودار الفناء، إلى روض البقاء، لوعد اللقاء، وأدخل ثم في الإحياء لتراخيه عن الإفناء، وأدخل الفاء في الهداية والشفاء لأنهما يعقبان الخلق والمرض لا معًا معًا).

وقوله تعالى: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} .

قال مجاهد: (قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقوله لسارة: إنها أختي، حين أراد فرعون من الفراعنة أن يأخذها).

وهذه الأخطاء التي كان يخشى منها إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما هي إلا من المعاريض الجائزة، وإنما استغفار الأنبياء تواضع منهم لربهم، وهضم لأنفسهم، وتربية وتعليم لأمتهم، لينهجوا نهج الاستغفار، الذي هو مفتاح كثير من الفرج ونزول طيب الأقدار.

83 -

89. قوله تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}.

في هذه الآيات: التجاءُ إبراهيم عليه السلام إلى ربه سائلًا العلم والحكمة واللحاق بركب الصالحين، وحفظ السمعة العطرة له في الآخرين، وجعله من ورثة جنة

(1) حديث حسن. أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير"(رقم 1053)، وعنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان"(2/ 247)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (2215).

ص: 477

النعيم، والمغفرة لأبيه الذي كان من الضالين، وحفظه من الخزي يوم الدين، يوم لا ينفع المال والولد بل العمل الصالح والقلب السليم.

فقوله: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} . قال ابن عباس: (وهو العِلْم). وقال مجاهد: (هو القرآن). وقال السدي: (هو النبوة) - وبه قال ابن جرير. قال النسفي: ({رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا} أي: حكمة، أو حكمًا بين الناس بالحق، أو نبوة، لأن النبيّ عليه السلام ذو حكمة وذو حكم بين عباد الله).

وقوله: {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} .

قال القاسمي: (أي: وفقني لأنتظم في سلكهم، لأكون من الذين جعلتهم سببًا لصلاح العالم وكمال الخلق).

وفي المسند وسنن النسائي من حديث ابن رفاعة الزُّرَقي عن أبيه - في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد: [اللهم توفنا مسلمين، وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين](1).

وقوله تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} . قال ابن عباس: (هو اجتماع الأمم عليه). وقال مجاهد: (يعني الثناء الحسن). وقال ابن زيد: (اللسان الصِّدق، والذكر الصدق، والثناء الصالح، والذكر الصالح، في الآخرين من الناس، من الأمم).

والمقصود: أنَّ إبراهيم عليه السلام سأل ربه تعالى أن يجعل له الذكر الجميل في الأمم وأن يجعله قدوة تتأسى به الأجيال. وقد حصل له ذلك بفضل الله، كما قال ليثُ بن أبي سُلَيم:(كُلُّ ملة تُحِبُّه وتتولّاه).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات: 108 - 110].

2 -

وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27].

3 -

وقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 122].

(1) حديث حسن. أخرجه أحمد في المسند (3/ 424)، والنسائي في "الكبرى"(10445).

ص: 478

وقوله تعالى: {وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ} .

قال القرطبي: (دعاء بالجنة وبمن يرثها). وقال ابن جرير: (أورثني يا ربّ من منازل مَنْ هلك من أعدائك المشركين بك من الجنة، وأسكني ذلك).

قلت: ومن السنة المطهرة في آفاق هذا المعنى للآية أحاديث:

الحديث الأول: روى مسلم عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إنَّ أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مَقْعَدُهُ بالغداة والعشي، إنْ كانَ مِن أهل الجنة فَمِنْ أهل الجنة، وإنْ كان من أهل النار فمِنْ أهل النار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثكَ الله إليه يوم القيامة](1).

وفي رواية: [ثم يقال: هذا مَقْعَدكَ الذي تُبْعَثُ إليه يوم القيامة].

الحديث الثاني: روى مسلم كذلك عن أنس - في حديث سؤال الملكين - قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: [فأما المؤمن فيقول: أشهدُ أنه عبدُ الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدِك مِنَ النار، قد أبدلك الله به مَقْعَدًا من الجنة. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: فيراهُما جميعًا](2).

قال قتادة: (وذُكِرَ لنا أنَّهُ يُفْسَحُ له في قبره سبعون ذِراعًا، وَيُمْلأُ عليه خَضِرًا إلى يوم يُبعثون).

الحديث الثالث: أخرج ابن عساكر، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" من طرق عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[إذا كان يومُ القيامة بُعِثَ إلى كُلِّ مُؤْمِنٍ بِمَلَكٍ مَعَهُ كافِرٌ، فيقول المَلكُ للمؤمِن: يا مؤمن! هاكَ هذا الكافر، فهذا فِداؤك من النار](3).

وقوله تعالى: {وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ} .

أي: واصفح عن شرك أبي بك وتجاوز عنه، إنه كان ممن ضَلّ عن سبيل الهدى

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2866) - كتاب الجنة ونعيمها، من حديث عبد الله بن عمر.

(2)

حديث صحيح - أخرجه مسلم (2870) - كتاب الجنة ونعيمها، باب عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه، وإثبات عذاب القبر، والتعوذ منه.

(3)

حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر (18/ 2/143)، وبنحوه أبو نعيم في "أخبار أصبهان"(2/ 80)، وانظر مسند أحمد (4/ 391)، وصحيح مسلم (8/ 104).

ص: 479

والحق. وهو كقوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} [إبراهيم: 41]. وقد تراجع إبراهيم صلى الله عليه وسلم عن مثل هذا الدعاء حين علم نهي الله تعالى عن ذلك.

كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114].

وقوله تعالى: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} . أي: نجني من الخزي يوم تبعث عبادك.

قال البخاري في كتاب التفسير من صحيحه - باب: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} : [وقال إبراهيم بن طَهْمان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُرِيّ، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يرى أباه يَوْمَ القيامة عليه الغَبَرَةُ والقَترَة". والغَبَرَة: هي القترة](1).

ثم قال البخاري: حَدّثنا إسماعيل، حدثنا أخي عن ابنِ أبي ذِئب، عن سعيد المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يَلْقى إبراهيم أباهُ فيقول: يا رب إنك وَعَدْتني أن: {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} فيقول الله: إني حَرَّمتُ الجنة على الكافرين](2).

وقد أورد البخاري تفصيل هذه الرواية في كتاب أحاديث الأنبياء، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يَلْقى إبراهيمُ أباه آزرَ يَوْمَ القيامة وعلى وجهِ آزر قتَرَةٌ وغَبَرَة، فيقول له إبراهيم: أَلَمْ أَقُلْ لك: لا تَعْصِني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أَعْصِيكَ، فيقول إبراهيم: يا رَبِّ إنَّك وَعَدْتني أنْ لا تُخْزِيَني يوم يُبعثون، فأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِنْ أبي الأبْعَد؟ فيقول الله تعالى: إني حَرَّمْتُ الجنة على الكافرين، ثم يُقال: يا إبراهيمُ ما تَحْتَ رجْلَيْك؟ فَينْطرُ فإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخ فَيُؤْخَذُ بقوائِمِه فَيُلقى في النار](3).

وقوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} .

قال القاسمي: (أي: لا يقي المرء من عذاب الله ماله، ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا. ولا بنوه، وإن كانوا غاية في القوة. فإن الأمر ثمة ليس كما يعهدون في الدنيا،

(1) ذكره البخاري تعليقًا (4768) - كتاب التفسير من صحيحه - سورة الشعراء، آية (87).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4769) - كتاب التفسير- الباب السابق، آية (87).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (3350) - كتاب أحاديث الأنبياء. وانظر (4769) - نحوه.

ص: 480

بل لا ينفع إلا الموافاة بقلب سليم من مرض الكفر والنفاق والخصال المذمومة والملكات المشؤومة).

قلت: فأما إن صرف المال في وجوه البر وكان بنوه صالحين فإنه ينتفع بهم، فيكون المال والبنون حينئذ من الباقيات الصالحات.

ففي التنزيل:

1 -

قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46].

2 -

وقال تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92].

ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:

الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: [كانَ أبو طَلْحَةَ رضي الله عنه أكثرَ الأنصار بالمدينة مالًا مِنْ نَخْل، وكانَ أَحَبُّ أمْوالِهِ إليه بَيْرَحَاء، وكانت مستقبلةَ المسجد (1)، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخُلُها ويَشْرَبُ مِنْ ماءٍ فيها طَيِّبٍ (2). قال أنس: فلما نزلت هذه الآية: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن الله تعالى أَنْزلَ عَلَيْك: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وإنَّ أحَبَّ مالي إليَّ بَيْرَحاءُ، وإنها صَدَقَةٌ لله تعالى أرجو بِرَّها (3) وذُخْرَها عند الله تعالى، فَضَعْها يا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أراك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخٍ (4)! ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، وقد سَمِعْتُ ما قُلْتَ، وإني أرى أن تَجْعَلَها في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فَقَسَّمَها أبو طلحة في أقاربه، وبني عَمِّه](5).

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عقبة بن عامر يقول: سمعت

(1) أي: المسجد النبوي. وبَيْرَحاءُ: حَدِيقَةُ نَخْلٍ، وروي بكسر الباء وفتحها.

(2)

أي: ماء عذب.

(3)

"بِرَّها": أي خيرها، و"وذُخرها" أي: أجرها عند الله تعالى.

(4)

"بَخٍ" بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد تنون مع التثقيل والتخفيف، بالكسر والرفع: كلمة تقال لتفخيم الأمر والإعجاب به.

(5)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (3/ 257)، وأخرجه مسلم في الصحيح (998).

ص: 481

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [من كان له ثلاث بنات، فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن من جدته، كن له حجابًا من النار يوم القيامة](1).

الحديث الثالث: أخرج أبو يعلى في مسنده بإسناد صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من كن له ثلاث بنات، أو ثلاث أخوات، فاتقى الله وأقام عليهن كان معي في الجنة هكذا، وأومأ بالسباحة والوسطى](2).

الحديث الرابع: أخرج أحمد وابن حبان بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من عالَ ابنتين، أو ثلاث بنات، أو أختين أو ثلاث أخوات، حتى يمتن (وفي رواية: يبلغن) أو يموت عنهن كنت أنا وهو كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى](3).

وله شاهد في صحيح مسلم وسنن الترمذي من حديث أنس مرفوعًا: [من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه](4).

الحديث الخامس: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[إذا ماتَ الإنسانُ انْقَطَعَ عنه عَمَلُهُ إلا من ثلاثة: إلا مِنْ صَدَقَةٍ جارية، أو عِلْمٍ ينُتَفَعُ به، أو وَلَدٍ صالحٍ يدعو له](5).

وأما قولهُ تعالى: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ففيه أقوال متقاربة متكاملة.

1 -

عن ابن عباس: ({إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، يعني: يشهد أن لا إله إلا الله).

2 -

وقال مجاهد: ({بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} يعني: من الشرك). أو قال: (ليس فيه شك في الحق).

3 -

وقال ابن زيد: (سليم من الشرك، فأما الذنوب فليس يسلم منها أحد).

(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (3669)، والبخاري في "الأدب المفرد"(76)، وأخرجه أحمد (4/ 154)، وإسناده صحيح.

(2)

أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(1/ 170)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (295).

(3)

حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 147 - 148)، وابن حبان (2045) من طريقين، وأورده الهيثمي في "المجمع"(8/ 157) بنحوه من رواية الطبراني في "الأوسط".

(4)

حديث صحيح. رواه مسلم (8/ 38 - 39) واللفظ له، ورواه الترمذي (1/ 349).

(5)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (1631) - كتاب الوصية. باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 482

4 -

وقال سعيد بن المسيِّب: (القلب السليمُ: هو القلب الصحيح، وهو قلبُ المؤمن، لأن قلب المنافق مريض، قال الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [البقرة: 10]).

5 -

وقال أبو عثمان النيسابوري: (هو القلب الخالي من البِدعة، المطمئِنُّ على السُّنَّةِ).

6 -

وقال الضحاك: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} قال: هو الخالص).

قلت: وكل هذه الأقوال يدل على المعنى، وهو أن القلب السليم هو القلب الذي سلم من الشرك والنفاق وخلص فيه التوجه إلى الله تعالى على منهاج النبوة.

90 -

104. قوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104)}.

في هذه الآيات: يخبر تعالى عن جنة الخلد كيف قربت يوم القيامة من أهلها وأدنيت منهم مزخرفة مزينة لأهل التقوى أهل النعيم، وعن نار جهنم كيف أظهرت وهي تزفر لأهلها المشركين والمجرمين، ثم ألقوا فيها أذلاء صاغرين، فهم فيها وإبليس وجنوده يختصمون، وقد حيل بينهم وبين الشفاعة وما يشتهون، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون.

فقوله تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} .

قال القرطبي: (أي قربت وأدنيت ليدخلوها). وقال الزجاج: (قرب دخولهم إياها).

وقوله تعالى: {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: وأظهرت النار للذين غووا فضلوا عن سواء السبيل). وقال ابن كثير: (أي: أُظهِرت وكُشِفَ عنها، وبدت

ص: 483

منها عُنُقٌ فَزَفرت زَفرة بلغت منها القلوب الحناجر). وقال القرطبي: (أي: أظهرت {الْجَحِيمُ} يعني جهنم. {لِلْغَاوِينَ} أي: الكافرين الذين ضلوا عن الهدى. أي: تظهر جهنم لأهلها قبل أن يدخلوها حتى يستشعروا الروع والحزن، كما يستشعر أهل الجنة الفرح لعلمهم أنهم يدخلون الجنة).

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مَعَ كل زمام سبعون ألف ملك يجرُّونها](1).

وقوله تعالى: {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} .

تقريع وتوبيخ لأهل النار الذين استحقوا دخولها بعبادتهم الأوثان والأنداد والطواغيت من دون الله. فيقال لهم: أين الأنداد اليوم لينقذوكم من عذاب الله وبأسه وغضبه؟ ! أو ينصرون أنفسهم فينجون من دخول النار معكم! ؟

قال النسفي: (يوبخون على إشراكهم فيقال لهم: أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم؟ لأنهم وآلهتهم وقود النار).

وقوله تعالى: {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ} . أي: فرمي ببعضهم في الجحيم على بعض منكبين على وجوههم إذلالًا لهم. قال ابن عباس: ({فَكُبْكِبُوا فِيهَا} يقول: فجمعوا فيها). وقال مجاهد: ({فَكُبْكِبُوا}: فدهوروا). وقال ابن زيد: (طرحوا فيها). وعن قتادة: ({وَالْغَاوُونَ}: الشياطين).

وفي لغة العرب: كبكَبهُ أي كبَّهُ، وكبَّه الله لوجهه أي: صرعه. والمقصود: ألقي الكفار بعضهم على بعض في جهنم وقادتهم الذين دعوهم إلى الشرك. قال الزمخشري: (والكبكبة تكرير الكب - وهو الإلقاء على الوجه - جعل التكرير في اللفظ دليلًا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها).

وقوله تعالى: {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} .

قال ابن جرير: (يقول: وكبكب فيها مع الأنداد والغاوين جنود إبليس أجمعون. وجنوده، كل من كان من تباعه من ذرّيته كان أو من ذرّية آدم).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (8/ 149) - كتاب صفة النار، باب: في ذكر أزِمَّةِ النار. والزمام: ما يزم به الشيء أي يشد ويربط. انظر مختصر صحيح مسلم (1975).

ص: 484

وقوله تعالى: {قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} .

أي: يتخاصم الضعفاء مع الطغاة في نار جهنم، يقولون لهم: تالله لقد كنا في ضلال عن الحق حين نعدلكم برب العالمين، فنطيعكم في غيكم ومكركم وكفركم بدلًا من طاعة الله رب العالمين.

وقوله تعالى: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} . قال عكرمة: (إبليس وابن آدم القاتل).

قال القاسمي: {وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ} أي: رؤساؤهم، كما في آية:{رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67]).

وقوله تعالى: {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ} .

تحَسُّرٌ من أصحاب النار على أنفسهم. أي: كانوا يظنون في أصنامهم أنهم شفعاؤهم عند الله، وفي أصدقائهم من شياطين الإنس والجن أنهم أهل منفعة لهم في مثل هذه النوائب.

قال قتادة: (يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحًا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحًا شفع).

قال الزمخشري: (و"الحميم" من الاحتمام وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك. أو من "الحامة" بمعنى الخاصة. وهو الصديق الخاص. وفيه معنى الحدة والسخونة. كأنه يحتدّ ويحمى، لحماية خليله ورعايته، والقيام بمهماته. وهذا هو الذي قيل: "إنه أعز من بيض الأنوق" وإنه اسم بلا مسمى).

وفي التنزيل:

{الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67].

وقوله تعالى: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

أي: فلو أن لنا رجعة إلى دار الدنيا فنحسن الإيمان والعمل ونستأنف طريق النجاة. قال ابن كثير: (وذلك أنهم يتَمنَّون أن يُردُّوا إلى الدار الدنيا، ليعملوا بطاعة ربهم فيما يزعمون، وهو سبحانه وتعالى يعلم أنه لو رَدَّهم إلى الدار الدنيا لعادُوا لما نُهوا عنه وإنهم لكاذبون).

ص: 485

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

أي: إن في احتجاج إبراهيم على قومه بحجج الوحي البالغة أنه لا إله إلا الله، وأن من قلّد قوم إبراهيم في شركهم مآله كمآلهم يكبكبون في النار مع جنود إبليس أجمعين، {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ}. قال ابن جرير:(وما كان أكثرهم في سابق علمه مؤمنين. وإن ربك يا محمد لهو الشديد الانتقام ممن عبد دونه ثم لم يتب من كفره حتى هلك، الرحيم بمن تاب منهم أن يعاقبه على ما كان سلف منه قبل توبته من إثم وجرم).

105 -

122. قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122)}.

في هذه الآيات: تكذيبُ قوم نوح رسولهم واستخفافهم بالمؤمنين، وحثهم له على طردهم والانتهاء من دعوته أو ليكونن من المرجومين، ولجوء نوح صلى الله عليه وسلم إلى الله ليفصل بينه وبين قومه المكذبين، وإجابة الله تعالى له بنجاته في السفينة والمؤمنين، وفي ذلك أكبر الآيات من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

فقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} .

قال القرطبي: ({كَذَّبَتْ} والقوم مذكر، لأن المعنى: كذبت جماعة قوم نوح، وقال:{الْمُرْسَلِينَ} لأن من كذب رسولًا فقد كذب الرسل، لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. وقيل: كذبوا نوحًا في النبوة وفيما أخبرهم به من مجيء المرسلين بعده. وقيل: ذكر الجنس والمراد نوح عليه السلام.

ص: 486

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} .

قال النسفي: ({إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ} نسبًا لا دينًا {نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} خالق الأنام، فتتركوا عبادة الأصنام).

قلت: وقد ضل بعض المغرورين في هذا الزمان من المتعالمين حين استدلوا بهذه الآية على جواز الإشارة إلى أهل الكتاب بأنهم إخوانهم ويقصدون الأخوة في الدين، مع أن الآية تدل على أخوة المجانسة كما قال تعالى:{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [إبراهيم: 4]، أو أن نوحًا ابن أبيهم وهي أخوة نسب لا أخوة دين، كقول العرب: يا أخا بني عمرو، يعنون: يا واحدًا منهم.

وقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} .

إن نوحًا صلى الله عليه وسلم هو أول رسول بُعث إلى أهل الأرض. كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة - حديث الشفاعة -: [فيأتون نوحًا صلى الله عليه وسلم فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسمّاك الله عبدًا شكورًا فاشفع لنا إلى ربك] الحديث (1). فقال لقومه: إني لكم رسول {أَمِينٌ} أي: صادق في إبلاغي لكم رسالة ربي أن تعبدوه وحده لا شريك له، وتستتروا بطاعته من عقابه. وتطيعوني فيما آمركم به من الإيمان.

وقوله تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . أي: وما لي طمع في أموالكم وإنما أرجو جزاء دعوتي إليكم عند الله رب العالمين. {فَاتَّقُوا اللَّهَ} أي: استتروا بطاعته وتعظيم أمره، وأطيعوني في نصحي لكم.

وقوله تعالى: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} .

قال ابن جرير: (قالوا: أنؤمن لك يا نوح، ونقرّ بتصديقك فيما تدعونا إليه، وإنما اتبعك منا الأرذلون دون ذوي الشرف وأهل البيوتات).

قلت: وهذا شأن الملأ الكافر على مر الزمان، فإنهم يحتجون على رسلهم بالكبر وحب الرياسة والشرف ويترفعون عن الجلوس مع ضعفاء المؤمنين. لقد اعتادوا الظلم والعلو والبغي في الأرض بغير الحق. وقد واجه مشركو قريش النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة كما جاء في السنة الصحيحة في أحاديث، منها:

الحديث الأول: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن سعد رضي الله عنه قال: [فيَّ

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (1/ 127 - 129)، في أثناء حديث طويل. ورواه البخاري وأحمد.

ص: 487

نزلت: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} ، قال: نزلت في ستة: أنا وابن مسعود منهم، وكان المشركون قالوا: تدني هؤلاء] (1).

الحديث الثاني: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن سعد قال: [كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا. قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدّث نفسه، فأنزل الله عز وجل:{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} (2).

وقوله تعالى: {قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} .

قال ابن جريج: (هو أعلم بما في نفوسهم).

قال القرطبي: ("كان" زائدة، والمعنى: وما علمي بما يعملون، أي: لم أكلف العلم بأعمالهم إنما كلفت أن أدعوهم إلى الإيمان، والاعتبار بالإيمان لا بالحِرَف والصَّنائع. وكأنهم قالوا: إنما اتبعك هؤلاء الضعفاء طمعًا في العزة والمال. فقال: إني لم أقف على باطن أمرهم وإنما إليّ ظاهرهم. وقيل: المعنى إني لم أعلم أن الله يهديهم ويضلكم، ويرشدهم ويغويكم، ويوفقهم ويخذلكم. {إِنْ حِسَابُهُمْ} أي: في أعمالهم وإيمانهم {إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ} وجواب {لَوْ} محذوف، أي: لو شعرتم أن حسابهم على ربهم لما عبتموهم بصنائعهم).

وقوله تعالى: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} .

أي: إنما بعثت نذيرًا إلى الناس كافة، وما أرسلت خصوصًا لأهل الغنى والشرف دون أهل الفقر والحاجة. ومن ثمَّ فلا يجوز لي أن أطرد المؤمنين لخساسة أحوالهم وأشغالهم، وأقدم الشرفاء والرؤساء.

وقوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} . قال ابن عباس: (من المقتولين). وقال قتادة: ({مِنَ الْمَرْجُومِينَ}: أي بالحجارة). وقال ابن جرير: (يقول: قال لنوح قومه: لئن لَمْ تنته يا نوح عما تقول، وتدعو إليه، وتعيب به آلهتنا، لتكوننّ من المشتومين، يقول: لنشتمنك).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (4/ 1878)، حديث رقم (2413). وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النبوية (1/ 242 - 244).

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (2/ 1383)، وانظر المرجع السابق (1/ 243).

ص: 488

قلت: ومثل هذا التهديد عادة يشمل الشتم وبسط الأيدي في الأذى كما حصل لكثير من الرسل من أقوامهم.

وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} . أي: احكم بيننا بما ينبغي لكل واحد منا، ونجني ومن اتبعني من المؤمنين. فهو لجوءٌ من نوح صلى الله عليه وسلم إلى ربه تعالى حين استعصى القوم وأصروا على الكفر، كما قال جل ثناؤه في سورة القمر:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [10 - 14].

قال الزمخشري: (الفتاحة: الحكومة. والفتاح: الحاكم. لأنه يفتح المستغلق. كما سمي فيصلًا لأنه يفصل بين الخصومات).

وفي "التهذيب": (الفتح أن تحكم بين قوم يختصمون إليك).

قلت: والله تعالى هو: "الفتّاح" أي: الحاكم بين عباده، كما قال جل ذكره في سورة "سبأ":{قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]. قال الحافظ ابن كثير: ({وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور).

وقوله تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} .

قال ابن عباس: ({فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ}: يعني الموقر). وقال مجاهد: (المفروغ منه تحميلًا). وقال قتادة: (هو المحمل).

والمقصود: فاستجاب الله دعاء نوح عليه السلام فأنجاه والمؤمنين معه في الفلك المملوء بالأمتعة والأزواج التي أُمِرَ أن يحمل، ثم كان الغرق والهلاك على القوم المكذبين، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

123 -

140. قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا

ص: 489

تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)}.

في هذه الآيات: تكذيبُ عاد رسولهم الذي حذّرهم نقمة الله بهم إن أصرّوا على شركهم وكبرهم، وكفرهم بنعمه تعالى عليهم، فما زالوا في عنادهم واستهزائهم حتى نزل أمر هلاكهم من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

فقوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} . أي: كذبوا رسولهم- هودًا- صلى الله عليه وسلم، فهم بذلك يكذبون جميع المرسلين.

قال القرطبي: (التأنيث بمعنى القبيلة والجماعة). وقال النسفي: (هي قبيلة، وفي الأصل اسم رجل هو أبو القبيلة).

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

قال ابن كثير: (وهذا إخبارٌ من الله تعالى عن عبده ورسوله هُودٍ عليه السلام: أنه دعا قومه عادًا وكانوا قومًا يسكنُون الأحقاف، وهي جبالُ الرمل قريبًا من بلاد حَضْرَموتَ، متاخمةٌ لبلاد اليمن، وكان زمانُهم بعد قوم نوح، كما قال في سورة الأعراف: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف: 69]، وذلك أنهم كانوا في غاية من قُوَّة التركيب، والقُوَّة والبطش الشديد، والطولِ المَديدِ، والأرزاقِ الدارَّة، والأموالِ والجَنّاتِ والعيونِ، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غيرَ الله معه، فبعث الله إليهم رجلًا منهم رسولًا وبشيرًا ونذيرًا، فدعاهم إلى الله وحدَه، وحذّرهم نِقمَتَه وعذابه في مخالفته، فقال لهم كما قال نوح لقومه).

وقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} .

الرِّيع كل مكان مشرف من الأرض مرتفع، أو طريق أو واد. قال الرازي في "مختار الصِّحاح":"الرِّيع" بالكسر المُرْتَفِع من الأرض، وقيل الجبل، ومنه قوله تعالى:

ص: 490

{أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} ). فالمراد المكان المرتفع عند جواد الطرق المشهورة.

وعن ابن عباس: (قوله: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ} يقول: بكل شَرَف). أو قال: (بكل طريق). قال: (الآية: علم). قال: ({تَعْبَثُونَ}: تلعبون).

وعن مجاهد: (الريع: الثنية الصغيرة. أو قال: فجّ وواد. وقال: بين جبلين). وقال أيضًا: ({بِكُلِّ رِيعٍ}: شرف ومنظر. {آيَةً} بنيان). وقال النسفي: ({آيَةً} برج حمام أو بناء يكون لارتفاعه كالعلامة يسخرون بمن مرّ بهم).

قلت: - والمقصود - قال هود لقومه: أتبنون على كل مرتفع وشرف من الأرض بناء محكمًا باهرًا هائلًا ليكون مَعْلمًا مشهورًا تفعلون ذلك عبثًا ولهوًا وكبرًا لا لحاجة لكم، وإنما بقصد الزينة والتفاخر وإظهار القوة وتضييع الأموال والأوقات فيما لا جدوى منه.

وقوله تعالى: {وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} . أي: تتخذون القصور والبنيان المشيدة كأنكم تخلدون.

قال مجاهد: ({وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ}: قصور مشيدة، وبنيان مخلدة). أو قال: (قصور مشيدة وبنيان). أو قال: (حصون وقصور). وقال قتادة: (هي مآخذ الماء). قال الجوهري: (المصنَعة كالحوض يجتمع فيها ماء المطر، وكذلك المصنُعة بضم النون. والمصانع الحصون).

قال ابن جرير: (المصانع جمع مصنعة، والعرب تسمي كل بناء مصنعة، وجائز أن يكون ذلك البناء كان قصورًا وحصونًا مشيدة، وجائز أن يكون كان مآخذ للماء).

قال القاسمي: {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} أي: راجين الخلود في الدنيا إشارة إلى أن عملهم ذلك، لقصر نظرهم على الدنيا والإعجاب بالآثار، والتباهي بالمشيدات، والغفلة عن أعمال المجدّين البصيرين بالعواقب، الصالحين المصلحين).

وقال ابن أبي حاتم رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا الحَكَمُ بن موسى، حدثنا الوليد، حدثنا ابن عَجْلان، حدثني عَونُ بن عبد الله بن عُتْبةَ، أن أبا الدرداء رضي الله عنه لما رأى ما أحدث المسلمون في الغوطة من البُنيان ونَصْبِ الشَّجر قام في مسجدهم فنادى: (يا أهل دمشقَ! فاجتمعوا إليه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ألا تَستحيُون! ألا تَستحيون! ألا تَسْتَحيون! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنُون ما لا تسكُنون، وتأملُون ما لا تُدرِكون! قد كانت قبلكم قرونٌ، يجمعون فَيُوعون، ويثنون فيوثِقون، ويأمُلونَ فيُطيلون، فأصبح أملُهم غرورًا، وأصبح جمعُهم بورًا،

ص: 491

وأصبحت مساكِنُهم قبورًا، ألا إن عادًا مَلكت ما بين عَدَن وعُمان خيلًا ورِكابًا، مَنْ يشتري مني ميراثَ عادِ بدرهمين) - ذكره الحافظ ابن كثير.

قلت: والبناء الضروري لحاجة العبد مما يُكِنُّ من المطر ويظلل من الشمس يؤجر به العبد إن شاء الله، وأما تضييعُ الأموال في تشييد البنيان الذي لا يسكنه العبد ولا حاجة له به فهذا لا يؤجر عليه. وفي ذلك أحاديث:

الحديث الأول: أخرج ابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال:[مرّ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نُعالِجُ خُصًّا لنا (1). فقال: ما هذا؟ فقلت: خُصٌّ لنا وَهَى، نحن نُصْلِحُه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَا أُرَى الأمْرَ إلا أعْجَلَ مِنْ ذلك](2).

الحديث الثاني: أخرج البخاري في صحيحه، وابن ماجة في سننه - واللفظ له - عن ابن عمر قال:[لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيتُ بيتًا يُكِنُّني من المطر ويكنني من الشمس. ما أعانني عليه خلق الله تعالى](3).

الحديث الثالث: أخرج الطبراني بسند صحيح عن خباب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[كل نَفَقة يُنْفقُها العبدُ يُؤْجَرُ فيها إلا البنيانَ](4). وفي لفظ: [ما أنفقَ مُؤمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلا نفقتَه في هذا التراب].

وله شاهد أخرجه ابن ماجة عن حارثة بن مُضَرِّب قال: [أتينا خبابًا نعوده فقال: لَقَدْ طال سُقْمِي. ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تَتَمنَّوا المَوْتَ" لتَمَنَّيْتُه. وقال: "إن العَبْدَ لَيُؤْجَرُ في نَفقَتِهِ كُلِّها، إلا في التراب. أو قال: "في البناء"]. والمقصود: البناء فوق الحاجة.

وشاهد آخر رواه الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه].

(1) نعالج: أي نُصلح. "خصًا" الخص بيت من قصب. وهي: أي ضعف واسترخى.

(2)

حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن (4160) - كتاب الزهد. باب في البناء والخراب. وانظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (3356).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح، وابن ماجة في السنن (4162) - واللفظ له -. انظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (3357)، الباب السابق.

(4)

حديث صحيح. أخرجه الطبراني والترمذي وابن ماجة بألفاظ متقاربة. انظر تخريج المشكاة (5182) - (5183). وانظر صحيح سنن ابن ماجة (3358)، وصحيح الجامع (4442).

ص: 492

وقوله تعالى: {وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ} . أي: وإذا أخذتم أحدًا بعقوبة كنتم غلاظًا جبابرة قُساة. قال ابن جُريج: (القتل بالسيف والسياط).

وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} . أي: فاستتروا بعبادة ربكم وطاعة رسولكم.

وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .

تذكير لهم ببعض نعم الله الجليلة عليهم عسى أن ينتهوا بذلك عن الكفر والظلم.

قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هود لقومه من عاد: اتقوا عقاب الله أيها القوم بطاعتكم إياه فيما أمركم ونهاكم، وانتهوا عن اللهو واللعب، وظلم الناس، وقهرهم بالغلبة والفساد في الأرض، واحذروا سخط الذي أعطاكم من عنده ما تعلمون، وأعانكم به من بين المواشي والبنين والبساتين والأنهار {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ} من الله {عَظِيمٍ}).

وقوله تعالى: {قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ} .

أي: فأجابت عاد هودًا عليه الصلاة والسلام: إن وعظك إيانا وعدمه سواء، فلا تتعب نفسك فلن نؤمن لك.

وهذا كما في التنزيل:

1 -

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]. قال القاسمي: (تناهوا في الغواية والضلال، إلى حيث لا يجديهم الإنذار والتذكير).

2 -

وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 96 - 97].

3 -

وقال تعالى: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [هود: 53].

قال ابن عباس: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله السعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله الشقاوة في الذكر الأول).

أخرج الإمام أحمد في المسند بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما -

ص: 493

قال: [خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قال: قلنا لا إلا أن تُخْبِرنا يا رسول الله، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أُجمِل على آخرهم، فلا يُزاد فيهم ولا يُنْقَصُ منهم أبدًا. ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين، فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقَصُ منهم أبدًا. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلأي شيء إذن نعمَلُ إن كان هذا أمْرًا قد فُرغَ منه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سدّدوا وقاربوا، فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال بيده فقبضها، ثم قال: فرغ ربكم عز وجل من العباد، ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال: فريق في الجنة، ونبذ باليسرى فقال: فريق في السعير](1).

وقوله تعالى: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} .

قال ابن عباس: (دين الأولين). وقال مجاهد: (كذبهم). والمقصود: طريقة الأولين وعادتهم وأخلاقهم في التعامل مع الوحي والمرسلين، فهم سائرون على نهجهم، يعيشون كما عاشوا، ويموتون كما ماتوا، ولا يؤمنون ببعث ولا نشور ولا حساب.

وقوله تعالى: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} . أي: لا يقرّونَ بالعذاب الذي كتبه الله على مخالفة الرسل سواء في الدنيا أو الآخرة.

وقوله تعالى: {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ} .

أي: فلما كذبت عاد هودًا أهلكناهم بريح صرصر عاتية، أي: شديدة الهُبوب، ذات برد شديد قارس، فكان الجزاء من جنس العناد والعتو والتجبر، وتركهم الله عبرة لمن يعتبر، وكان قد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} [فصلت: 15].

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (2/ 167)، والنسائي في "الكبرى"(11473)، والترمذي (2141)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (46)، وكذلك (47)، (48)، (49) - (50). وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 821) - لتفصيل مفهوم الكتابة في اللوح المحفوظ.

ص: 494

2 -

وقال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة: 6 - 7].

قال ابن كثير: (أي: بَقُوا أبدانًا بلا رُؤوس، وذلك أن الريح كانت تأتي الرجل منهم فتَقتلِعهُ وتَرْفَعُه في الهواء، ثم تَنْكِسهُ على أُمِّ رأسه فتَشدَخ دِماغَه، وتكسِر رأسه، وتُلقِيه، كأنهم أعجاز نخلٍ مُنْقَعِر. وقد كانوا تَحَصَّنُوا في الجبال والكُهوفِ والمغارات، وحَفَروا لهم في الأرض إلى أنصافِهم، فلم يُغن عنهم ذلك من أمر الله شيئًا).

وقوله تعالى: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} . أي: العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجاء أوليائه وأتباع رسله.

141 -

159. قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156) فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159)}.

في هذه الآيات: ذِكْرُ قصة ثمود الذين كانوا عَرَبًا يسكنون مدينة الحِجْر، التي بين وادي القرى وبلاد الشام، وتحذيرُ صالح عليه الصلاة والسلام لهم مغبة الاستمرار على الشوك بالله والإفساد في الأرض وَعَقْر الناقة التي جعلها الله اختبارًا لهم، فكذبوه وعقروها فأصبحوا نادمين، وأخذهم العذاب ليكونوا آية لمن بعدهم وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

ص: 495

فقوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} .

قال القرطبي: (ذكر قصة صالح وقومه وهم ثمود، وكانوا يسكنون الحِجْر: وهي ذوات نخل وزروع ومياه).

ولقد دعاهم نبيّهم صالح عليه الصلاة والسلام فقال: ألا تتقون عقاب الله - يا قوم - على خلافكم أمره، ولزومكم معصيته، والإفساد في الأرض.

وقوله تعالى: {إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

أي: إني أرسلت إليكم وأنا أمين على رسالة الله لكم، فاتقوا الله أيها القوم واستمعوا نصيحتي لكم، {وَأَطِيعُونِ} في تحذيري إياكم، فإني لا أبتغي من وراء بلاغي لكم أجرًا ولا منزلة، وإنما أرجو بذلك الثواب الجزيل عند الله تعالى.

وقوله تعالى: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} .

أي: قال صالح لقومه ثمود: أتظنون أنكم متروكون في هذه الدنيا آمنين، في بساتين وعيون ماء، وزروع ونخل قد أرطب ثمره فهو لين نضيج.

قال النسفي: (إنكار لأن يتركوا خالدين في نعيمهم لا يزالون عنه {فِي مَا هَاهُنَا} في الذي استقر في هذا المكان من النعيم {آمِنِينَ} من العذاب والزوال والموت).

وعن ابن عباس: (قوله: {وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ} يقول: أينع وبلغ فهو هضيم). أو قال: (إذا رَطُبَ واسترخى). وقال عكرمة: (الهضيم: الرطب اللين).

وقوله تعالى: {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} . قال ابن عباس: (يعني حاذقين). أو قال: (شَرهين أشرين). قال ابن كثير: (كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبَطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين مُتقِنين لنحتِها ونَقْشِها، كما هو المشاهَدُ من حالهم لمن رأى مَنَازِلهم).

وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ} .

أي: فخافوا الله ربكم، {وَأَطِيعُونِ} في نصحي لكم، ولا تتبعوا أمر الرؤساء

ص: 496

والكبراء دعاة الشرك والبطر فيكم، الذين يسعون في أرض الله بالمعاصي والآثام، ولا يصلحون أنفسهم ولا ما يعود نفعه بخير على الأنام.

وقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} . قال مجاهد وقتادة: (إنما أنت من المسحورين). قال القرطبي: (أي: أصبت بالسحر فبطل عقلك، لأنك بشر مثلنا فلِمَ تدّع الرسالة دوننا).

وقوله تعالى: {مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

قال ابن عباس: (قالوا إن كنت صادقًا فادع الله يخرج لنا من هذا الجبل ناقة حمراء عشراء (1) فتضع ونحن ننظر، وترد هذا الماء فتشرب وتغدو علينا بمثله لبنا). فدعا الله وفعل الله ذلك.

وقوله تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .

أي: هذه ناقة أخرجها الله لكم ترِدُ ماءكم يومًا، ويومًا تردونه أنتم، ليس لكم في يوم وردها أن تشربوا من شربها شيئًا، ولا لها أن تشرب في يومكم مما لكم شيئًا. ولا تنالوها بضرب أو أذى فينالكم عذاب أليم. قال ابن جرير:(ويعني بالشرب: الحظّ والنصيب من الماء).

وعن ابن جريج: ({وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} لا تعقروها. وقوله: {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ} يقول: فيحل بكم من الله عذاب يوم عظيم عذابه).

وقوله تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ} .

أي: فانبعث أشقاهم فعقرها برضاهم فأصبحوا نادمين على عقرها خوفًا من نزول العذاب بهم وحلول النقمة عليهم.

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

أي: إن في خبر ثمود لعبرة كبيرة، وقد سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون. وإن ربك - يا محمد - هو العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بإنجائه أولياءه.

(1) أي: مضى لحملها عشرة أشهر. فهي الناقة العشراء في كلام العرب.

ص: 497

160 -

175. قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175)}.

في هذه الآيات: تكذيبُ قوم لوط رسولهم حين دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالتعظيم، ونبذ الفواحش وإتيان الذكران من العالمين، فهدّدوه إن لم ينته عن نصحهم ليكونن من المخرجين، وما زالوا على فاحشتهم حتى دكهم الله بعذاب مهين، وكان في ذلك آية من الله العزيز الرحيم، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لا يؤمنون.

فقوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

قال ابن كثير: (يقول الله تعالى مخبرًا عن عبده ورسولِه لوطٍ عليه السلام وهو: لوط بن هارانَ بن آزَرَ، وهو ابنُ أخي إبراهيم الخليل، وكان الله تعالى قد بَعَثَه إلى أمة عظيمةٍ في حياة إبراهيم، وكانوا يسكُنون "سَدُوم" وأعمالَها التي أهلكها الله بها، وجُعل مكانها بُحيرةٌ مُنْتِنهٌ خَبيثة، وهي مشهورة ببلاد الغَور، متاخمة لجبال بيت المقدس، بينها وبين بلاد الكَرَك والشَّوبَك. فدعاهم إلى الله عز وجل أن يعبدوه وحده لا شريك له، وأن يطيعوا رَسُولهم الذي بعثه الله إليهم، ونهاهم عن معصية الله، وارتكاب ما كانوا قد ابتدعوه في العالم، مما لم يسبقهُم الخلائقُ إلى فِعله، من إتيان الذُّكْرَان دونَ الإناث).

وقوله تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ} .

قال ابن جرير: (يعني: أتنكحون الذكران من بني آدم في أدبارهم .. يقول: وتدعون الذي خلق لكم ربكم من أزواجكم من فروجهنّ، فأحله لكم).

ص: 498

وقوله تعالى: {وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} .

قال مجاهد: (تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء). وقال ابن جريج: ({بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} قال: قوم معتدون).

وفي المسند ومستدرك الحاكم وسنن ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس، أن

رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ وَجَدْتُموه يَعْمَلْ عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعِلَ والمفعولَ به](1).

وفي صحيح سنن ابن ماجة بسند حسن عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يعمل عمل قوم لوط، قال:[ارجموا الأعْلَى والأسفل. ارجموهما جميعًا](2).

وفي الباب عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أخوف ما أخاف على أمتي عَمَلُ قومِ لوط](3).

وقوله تعالى: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} .

أي: - فأجابوه - لئن لم تنته يا لوط عن نهينا عن الاستمتاع بالذكران لننفينك من بين أظهرنا وبلدنا.

كما قال تعالى: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56].

وقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} . أي: من المبغضين المنكرين لعملكم اللواط. والقلي: البغض.

قال ابن جرير: (يقول لهم لوط: إني لعملكم الذي تعملونه من إتيان الذكران في أدبارهم من القالين، يعني من المبغضين، المنكرين فعله).

وقوله تعالى: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} .

أي: دعا لوط صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل حين استعصى عليه قومه وأصروا على ركوب

(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (2561) - كتاب الحدود - باب من عَمِلَ عملَ قوم لوط. ورواه أحمد والحاكم. انظر صحيح ابن ماجة (2075)، وصحيح الجامع الصغير (6465).

(2)

حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (2076)، والإرواء (6/ 17).

(3)

حديث حسن. انظر صحيح سنن ابن ماجة (2077)، الباب السابق. والمشكاة (3577).

ص: 499

الفاحشة المقيتة أن ينجيه الله من عذاب عملهم، فأنجاه الله تعالى وأهله الذين تابعوه على الإيمان. إلا امرأته كانت عجوز سوء. قال قتادة:(غبرت في عذاب الله عز وجل أي بقيت). قال ابن كثير: (بقيت فَهَلَكَتْ مع من بَقِيَ من قومها).

وقال ابن جرير: (فإنها أهلكت من بين أهل لوط، لأنها كانت تدل قومها على الأضياف). قلت: والله تعالى أعلم.

وقوله تعالى: {ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ} .

أي: أهلكناهم بالخسف والحصب. قال مقاتل: (خسف الله بقوم لوط وأرسل الحجارة على من كان خارجًا من القرية).

قال القرطبي: ({وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا} يعني الحجارة {فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ}. وقيل: إن جبريل خسف بقريتهم وجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها الله بالحجارة).

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

أي: إن في تدمير قرية قوم لوط على رؤوس أهلها لعبرة لمن سيأتي بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علم الله مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز في انتقامه من الطغاة والعتاة والمجرمين، الرحيم في إنجاء أوليائه الصالحين.

176 -

191. قوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)}.

في هذه الآيات: تكذيبُ أهل مدين نبيّهم شعيبًا عليه الصلاة والسلام، الذي

ص: 500

دعاهم إلى إفراد الله تعالى بالعبادة والوفاء بالقسط والميزان، فما زالوا على كبرهم وعنادهم حتى دكهم الله بالعذاب ليكون آية لمن بعدهم تتناقله الأجيال عبر الزمان، وقد كان سبق في علم الله أن أكثرهم لن يكونوا في أهل الإيمان.

فقوله تعالى: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} . يعني أهل مدين كذبوا نبيهم شعيبًا. والأيك: الشجر الملتف الكثير، والواحدة أيكة. قال ابن عباس:(قوله: {كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ} قال: أهل مدين، والأيكة: الملتف من الشجر). وقال ابن زيد: (بعث الله شعيبًا إلى قومه من أهل مدين وإلى أهل البادية، قال: وهم أصحاب ليكة. وليكة والأيكة: واحد). قال ابن كثير: (وكان نبيُّ الله شُعيب من أنفسهم، وإنما لم يَقُل ها هنا أخوهم شعيب، لأنهم نُسِبُوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجرة. وقيل: شجَرٌ مُلْتَفٌّ كالغيضةِ، كانوا يعبدونها).

وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

أي: إذ خاطبهم نبيّهم شعيب صلى الله عليه وسلم ألا تستترون بطاعة الله وتحرزون أنفسكم من عقابه، إني لكم رسول أمين على ما أرسلت به من الوحي إليكم، فخافوا الله ربكم وأطيعوا رسولكم في نصحه لكم، فما سألتكم أجرًا على بلاغي لكم، وإنما أحتسب ثواب ذلك عند الله بارئكم.

وقوله تعالى: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} .

أي: أوفوا الناس حقوقهم إذا وزنتم لهم أو كِلْتم إليهم، وإياكم والتطفيف.

قال القرطبي: ({وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ} الناقصين للكيل والوزن).

وقوله تعالى: {وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} .

القسطاس: هو الميزان. وقيل: القَبَّان. قال مجاهد: (القسطاس المستقيم: العدل بالروميّة).

وقوله: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ} . قال ابن جرير: (يقول: ولا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن).

وقوله: {وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} . قال النسفي: (ولا تبالغوا فيها في الإفساد، نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع، وكانوا يفعلون ذلك فنهوا عنه).

ص: 501

وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ} . قال مجاهد: (الخليقة). وقال ابن زيد: (الخَلْقَ الأولين، الجبلة: الخَلْق). قال ابن كثير: (يُخَوِّفهم بأس الله الذي خلقهم وخَلَقَ آباءهم الأوائل).

وقوله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ} - يعنون من المسحورين. وهذا كقيل ثمود لرسولها من قبل، تشابهت قلوبهم، فهم يلجؤون عند إفلاس حججهم إلى الاتهام والمكر.

وقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} .

أي: وما أنت إلا بشر مثلنا تأكل وتشرب، ومن ثَمَّ فلا يُعقل اصطفاؤك من بيننا. قال القاسمي:({وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} أي: فيما تدّعيه من النبوة).

وقوله تعالى: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} .

أي: فأسقط علينا قطعًا من السماء إن كنت صادقًا في دعواك النبوة. قال ابن عباس: ({كِسَفًا} يقول: قِطعًا). وقال الضحاك: (جانبًا من السماء). وقال ابن زيد: ({فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ}: ناحية من السماء، عذاب ذلك الكسف). وقال السدي: (عذابًا من السماء).

وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} .

قال القرطبي: (تهديد، أي إنما عليَّ التبليغ وليس العذاب الذي سألتم إليّ وهو يجازيكم). وقال ابن كثير: (يقول: الله أعلمُ بكم، فإن كنتم تستحقون ذلك جازاكم به غيرِ ظالم لكم. وكذلك وقع بهم كما سألوا، جزاءً وفاقًا، ولهذا قال تعالى:{فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} . وهذا من جنس ما سألوا من إسقاط الكِسف عليهم، فإن الله سبحانه وتعالى جعل عقوبتهم أن أصابهم حَرٌّ شديد جدًّا مُدَّةَ سبعة أيام لا يَكُنُّهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة أَظَلَّتهم، فجعلوا ينطلِقون إليها يستظِلّون بِظِلّها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها أرسل الله تعالى عليهم منها شَرَرًا من نار، ولهبًا وَوَهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض، وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم، ولهذا قال تعالى:{إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} .

وعن مجاهد: ({عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ} قال: أظلّ العذابُ قوم شعيب).

وقال ابن زيد: (بعث الله إليهم ظُلة من سحاب، وبعث إلى الشمس فأحرقت ما

ص: 502

على وجه الأرض، فخرجوا كلهم إلى تلك الظلة، حتى إذا اجتمعوا كلهمِ، كشف الله عنهم الظلة، وأحمى عليهم الشمس، فاحترقوا كما يحترق الجراد في المِقلى).

وقد ذُكِرَت قصة إهلاك أهل مدين في القرآن الكريم في أحوال ثلاثة، حسب ما يناسب السياق.

الحال الأول: قوله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 91].

الحال الثانية: قوله تعالى: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 94].

الحال الثالثة: قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189].

ففي آية "الأعراف ذكر هلاكهم بالرجفة، وناسب ذلك محاولتهم الإرجاف بنبيّ الله ومن اتبعه حيث قالوا له:{لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف: 88].

وفي آية "هود" ذُكر هلاكهم بالصيحة، وناسب ذلك محاولة التهكم بنبيِّهم والازدراء، حيث قالوا له:{أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]، فناسب أن تأتيهم صيحة تخرسهم.

وهنا في آية "الشعراء" ذُكر هلاكهم بإسقاط الكسف عليهم كما سألوا، وإنما كان الكسف شررًا ولهبًا من نار تحرق أجسامهم وتزهق أرواحهم وتخترق الظلة التي كانت من مكر الله بهم.

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} .

أي: إن في إهلاك أهل مدين بهذه الصورة المقيتة المؤلمة لعبرة لمن جاء بعدهم، وما كان أكثرهم في سابق علمه تعالى مؤمنين. وإن ربك - يا محمد - لهو العزيز في انتقامه من أعداء رسله، الرحيم في إنجائه الصالحين منهم.

192 -

202. قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ

ص: 503

لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202)}.

في هذه الآيات: نزولُ جبريل عليه السلام بهذا القرآن، بأمر من الرحمان، على رسول الأنام، عليه الصلاة والسلام، بلسان عربي مبين، ليكون نذيرًا للعالمين، وخبر هذا القرآن مذكور في كتب الأولين، ولو نزل على بعض الأعاجم ممن لا يحسن العربية فقرأه عليهم قراءة فصيحة لاتهموه بالسحر لفرط عنادهم، فهو لا يؤمنون حتى يروا العذاب المباغت الأليم.

فقوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ} . قال قتادة: (هذا القرآن).

أي: أنزله الله تعالى عليك - يا محمَّد - وأوحاه إليك.

وقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ} . قال ابن عباس: (جبريل).

وقوله تعالى: {عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: نزل به الروح الأمين فتلاه عليك يا محمَّد، حتى وعيته بقلبك. يقول: لتكون من رسل الله الذين كانوا ينذرون من أُرسلوا إليه من قومهم، فتنذر بهذا التنزيل قومك المكذّبين بآيات الله).

وقوله تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} . قال القرطبي: (أي لئلا يقولوا لسنا نفهم ما تقول). وقال ابن كثير: (أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك بلسانك العربيِّ الفَصِيح الكاملِ الشامل، ليكون بَيِّنًا واضحًا ظاهرًا، قاطِعًا للعُذر، مُقيمًا للحجَّة، دليلًا إلى المحجَّة).

وقوله تعالي: {وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} .

الزبر: الكتب، واحدها زبور، كما قال تعالى:{وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52]. أي: مكتوب في صُحف الملائكة. قال النسفي: ({وَإِنَّهُ} وإن القرآن {لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ} يعني ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية، وقيل إن معانيه فيها).

قلت: والبشارة بأحمد صلى الله عليه وسلم وصفاته مذكورة في التوراة والإنجيل نحو ما هي في القرآن.

ص: 504

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157].

2 -

وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6].

وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:

الحديث الأوّل: أخرج الحاكم بسند صحيح عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مكتوب في الإنجيل: لا فظٌّ، ولا غليظٌ، ولا سخَّابٌ بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلَها، بل يعفو ويصفح](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري عن عطاء بن يسار قال: [لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة؟ قال: أجل، والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن، {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45] وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا] (2).

الحديث الثالث: أخرج الدارمي وكذلك صاحب "مشكاة المصابيح " - واللفظ له - عن كعب يحكي عن التوراة قال: [نجد مكتوبًا محمَّد رسول الله، عبدي المختار، لا فظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام، وأمته الحمادون، يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة، ويكبرونه على كل شرف، رعاة للشمس، يصلون الصلاة إذا جاء وقتها، يتأزَّرون على أنصافهم، ويتوضؤون على

(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (2/ 614)، وابن عساكر (1/ 264/ 2)، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة (2458).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (2125) - كتاب البيوع - باب كراهية السَّخَب في السُّوق. وانظر كذلك - (4838) - كتاب التفسير.

ص: 505

أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء، صفّهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دوي كدوي النحل] (1).

وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ} .

قال مجاهد: (يعني عبد الله بن سَلام وسلمان وغيرهما ممن أسلم).

قال ابن كثير: (أي: أو ليس يكفيهم من الشاهد الصادق على ذلك أن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكر هذا القرآن في كتبهم التي يدرسونها؟ ! والمراد العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمَّد صلى الله عليه وسلم ومَبْعَثِهِ وأمَّتِهِ، كما أخبر بذلك مَنْ آمَنَ منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم).

قال القرطبي: (وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين، لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب، لأنهم مظنون بهم علمٌ).

قلت: وقد روى بعض أهل السنن خبر اكتشاف عبد الله بن سلام صدق النبوة في وجه النبي صلى الله عليه وسلم خلال تأمله فيه، وأن وجهه عليه الصلاة والسلام قد امتلأ صدقًا ونورًا.

فقد أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: [أول ما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، انجفَلَ الناس إليه، فكنت فيمن جاءه، فلما تأمَّلْتُ وجهَه واسْتَبَنْتُهُ، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، قال: فكان أول ما سمعتُ من كلامه أن قال: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام](2).

ثمَّ أقبل عبد الله بن سلام فأسلم وشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بأنّه رسول الله حقًّا، وأنه جاء بحق، ثمَّ باهت يهود في ذلك وكشف كذبهم ومكرهم أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبي أيوب بعد وصوله المدينة.

فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: [. . . فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: أيّ بيوت أهلِنا أقربُ؟ فقال أبو أيوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي، قال: فانطلقْ فَهيِّئ لنا مقيلًا. قال: قوما على بركة الله، فلما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام،

(1) هذا لفظ المصابيح، ورواه الدارمي مع تغيير يسير. انظر تخريج:"مشكاة المصابيح"(5771) - كتاب الفضائل والشمائل - وكتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 908 - 910) لتفصيل البحث.

(2)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي وابن ماجة والحاكم على شرط الشيخين. انظر صحيح الترغيب (1/ 612).

ص: 506

فقال: أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق، وقد علمت يهودُ أني سيدهم وابن سيِّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت، فإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا فِيَّ ما ليس فِيَّ، فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود! وَيْلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقًّا، وأني جئتكم بحق فأسلموا. قالوا: ما نَعْلَمُهُ. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، قالها ثلاثَ مرار. قال: فأيُّ رجل فيكم عبدُ الله بنُ سلام؟ قالوا: ذاكَ سيدنا وابن سيدنا، وأعلمُنا وابن أعلمنا. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان لِيُسْلِم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كان ليسلم. قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: حاشى لله ما كانَ لِيُسْلِم. قال: يا ابن سلام أخرج عليهم. فخرج فقال: يا معشر اليهود اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنَّه رسول الله وأنه جاء بحق. قالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] (1).

وقوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ} .

الأعجم هو الذي لا يفصح، وكذلك الأعجمي، ففيه زيادة ياء النسبة للتأكيد.

قال القاسمي: (أي: ولو نزلناه بنظمه البديع على بعض الأعاجم الذي لا يحسن العربية، فقرأه عليهم قراءة فصيحة، انفتق لسانه بها، خرقًا للعادة، لكفروا به كما كفروا. ولتمحّلوا لجحودهم عذرًا. ولسموه سحرًا، لفرط عنادهم).

وقوله تعالى: {كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ} .

قال ابن جريج: ({كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ} قال الكفر {فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ}). وقال عكرمة: (القسوة). وقال يحيى بن سلّام: (سلكنا التكذيب في قلوبهم، فذلك الذي منعهم من الإيمان).

والمقصود: كذلك أدخلنا في قلوب المجرمين ترك الإيمان بهذا القرآن، والجدال بالباطل لمحاربته، ليذوقوا وبال عنادهم وتكبرهم عذابًا أليمًا في عاجل الدنيا ويوم القيامة.

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - (3911) - كتاب مناقب الأنصار، وانظر تفصيل ذلك في كتابي: السيرة النبوية (1/ 465 - 467).

ص: 507

وقوله تعالى: {لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} .

قال النسفي: (المراد معاينة العذاب عند الموت ويكون ذلك إيمان يأس فلا ينفعهم).

وقال ابن جرير: (فعلنا ذلك بهم لئلا يصدقوا بهذا القرآن، حتى يروا العذاب الأليم في عاجل الدنيا، كما رأت ذلك الأمم الذين قصّ الله قصصهم في هذه السورة).

وقوله تعالى: {فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} .

أي: فيأتيهم العذاب الأليم فجأة وهم لا يعلمون اقترابه، وإنما يبغتهم بغتة فإذا هم في العذاب المهين المذل.

203 -

209. قوله تعالى: {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ}.

في هذه الآيات: سؤالُ المشركين حين نزول العذاب بهم النظرة والإمهال دون جدوى، وتوبيخٌ لهم وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وسنة الله إنذار أهل القرى قبل حلول العذاب، فما الله بظلام للعبيد.

فقوله تعالى: {فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ} .

قال النسفي: (يسألون النظِرة والإمهال طرفة عين فلا يجابون إليها).

وقال ابن كثير: (أي: يَتَمَنَّون حين يُشاهدون العذاب أن لو أنظِروا قليلًا ليعملوا في زعمهم بطاعة الله، كما قال الله تعالى: {وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ} [إبراهيم: 44]، فكل ظالم وفاجر وكافر إذا شاهد عقوبته نَدِم نَدَمًا شديدًا).

وقوله تعالى: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ} - توبيخ لهم، وإنكار عليهم الاستهزاء بقدوم العذاب، وقولهم تنطّعًا وغرورًا:{فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32]. وكقولهم: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 29].

ص: 508

وقوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} .

أي: أفرأيت - يا محمَّد - إن متعناهم في هذه الدنيا سنين - والمراد أهل مكة ومن ثمَّ فالآية عامة في أمثالهم من المستكبرين - ثمَّ نزل بهم العذاب والهلاك الذي وُعدوا به على بغيهم وعنادهم، فأي شيء يُجدي عنهم ما كانوا فيه من الزخارف والبهجة والنعيم، أو فما أغنى عنهم الزمان الذي كانوا يمتعونه.

وفي الأثر عن الزهري (1): إن عمر بن عبد العزيز كان إذا أصبح أمسك بلحيته ثمَّ قرأ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} ثمَّ يبكي ويقول:

نهارُك يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ

وليلُكَ نومٌ والرَّدى لك لازمُ

فلا أنتَ في الأيقاظ يقظانُ حازمٌ

ولا أنتَ في النُّوَّام ناجٍ فسالمُ

تُسَرُّ بما يَفنى وتفرحُ بالمنى

كما سُرَّ باللذات في النوم حالم

وتسعى إلى ما سوف تكره غِبَّهُ

كذلك في الدنيا تعيشُ البهائم

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46].

2 -

وقال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} [الأحقاف: 35].

3 -

وقال تعالى: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} [الليل: 11].

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يُؤتى بأنعمِ أهلِ الدنيا، مِنْ أهل النار، يوم القيامة، فَيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً، ثمَ يُقال: يا ابنَ آدمَ! هل رأيتَ خيرًا قطّ؟ هل مَرَّ بك نعيمٌ قط؟ فيقول: لا، والله! يا رب! ] الحديث (2).

وقوله تعالى: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} .

إخبار عن عدله تعالى في خلقه، فإنَّه قد أعذر إلى كل أمة قبل إهلاكها، فلما طغوا وأبوا إلا الكفر والعناد قابلهم بالعذاب والدمار.

(1) ذكره القرطبي في التفسير، عند هذه الآية.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2807)، وأحمد (3/ 203)، وأخرجه أبو يعلى (3521).

ص: 509

قال الكسائي: {ذِكْرَى} في موضع نصب على الحال. وقال الفراء: بل في موضع نصب على المصدر والتقدير: يذكّرون ذكرى. واختاره القرطبي وقال: (وهذا قول صحيح؛ لأنَّ معنى {إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ} إلا لها مذكّرون. ويجوز أن يكون {ذِكْرَى} في موضع رفع على إضمار مبتدأ. قال أبو إسحاق: أي إنذارنا ذكرى. وقال الفراء: أي ذلك ذكرى، وتلك ذكرى. {وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} في تعذيبهم حيث قدمنا الحجة عليهم وأعذرنا إليهم).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].

2 -

وقال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8].

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: [قال الله تعالى: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا](1).

210 -

212. قوله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء: 210: 212].

في هذه الآيات: حفظُ الله القرآن عن أيدي الشياطين وسمعهم برمي الشهب عليهم، فهو تنزيل رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قلب محمَّد النبي الأمين.

وعن قتادة: (قوله: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ} قال: هذا القرآن. وفي قوله: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} قال: عن سمع السماء).

فذكر سبحانه أن هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إنما هو تنزيل رب العالمين نزل به الروح جبريل الأمين، وما تنزلت به الشياطين، فإن ذلك ممتنع عليهم من ثلاثة أوجه:

الوجه الأوّل: {وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ} . قال ابن كثير: (أي: ليس هو من بُغيتهم ولا من

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 17)، وأحمد في المسند (5/ 160) من حديث أبي ذر.

ص: 510

طَلِبَتهم، لأنَّ من سَجَاياهم الفساد وإضلال العباد، وهذا فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونورٌ وهدى وبرهان عظيم، فبينه وبين الشياطين منافاةٌ عظيمة).

الوجه الثاني: {وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} . أي: ولو انبغى لهم لما استطاعوا ذلك. قال النسفي: (وما يتسهل لهم ولا يقدرون عليه). وقال ابن جرير: (يقول: وما يستطيعون أن يتنزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء).

الوجه الثالث: {إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} . قال القرطبي: (أي برمي الشهب).

والمقصود: إنهم عن استراق السمع أصبحوا ممنوعين بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

ففي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5].

2 -

وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 16: 18].

3 -

وقال تعالى: {وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 12].

وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: [انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين. فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب. قال: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث، فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر. فلما سمعوا القرآن تسمعوا له فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبًا] الحديث (1).

213 -

220. قوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4921)، كتاب التفسير، ورواه مسلم والترمذي وغيرهم.

ص: 511

وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.

في هذه الآيات: تحذيرُ الله تعالى من الشرك، وأمرُه نبيّه صلى الله عليه وسلم البدء بالقرابة والعشيرة في الدعوة وخفض الجناح للمؤمنين، والتوكل عليه إنه هو العزيز الرحيم، الذي يرى قنوتك له - يا محمَّد - وتقلبك في الساجدين.

فقوله تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} . قيل: المعنى قل لمن كفر هذا. وقيل: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد من حوله وأمته فهو المعصوم لا يشرك بالله شيئًا. قال القرطبي: (ودلّ على هذا قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} أي: لا يتكلون على نسبهم وقرابتهم فيدعون ما يجب عليهم).

وقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} .

أَمْرٌ بإنذار العشيرة والأقربين، فقد صحّ الخبر بانقضاء مرحلة الدعوة السرية بنزول هذه الآية، وفي ذلك أحاديث:

الحديث الأوّل: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للإمام البخاري - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرُجَ أرسلَ رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرْتُكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}](1).

الحديث الثاني: خرّج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: [لما أنزلت هذه الآية {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فَعَمَّ وخَصَّ، فقال:

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4770) - كتاب التفسير. وانظر (3525)، (4971). ورواه مسلم (208)، والترمذي (3363)، والنسائيُّ في "الكبرى"(10819)، وأخرجه أحمد (1/ 281)، (1/ 307)، وابن حبَّان (655).

ص: 512

يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مُرَّة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدِ شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مَنَافٍ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحِمًا سَأَبُلُّها بِبِلالِها] (1).

الحديث الثالث: أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: [قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبدِ مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباسُ بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمةُ بنتَ محمَّد سليني ما شِئت لا أغني عنك من الله شيئًا](2). وله شاهد عند الترمذي من حديث أبي موسى الأشعري قال: [لما نزل: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ}. وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعيه في أذنيه فرفع صوته فقال: "يا بني عبد مناف يا صباحاه"].

فكان الأمر بالبدء بالأهل والقرابة في الدعوة، فإن الأقارب والأرحام سند طبيعي للرجل، وصلة فطرية فطر الله الخلق عليها، فإن آمنوا كان ذلك قوة إلى قوة، ونورًا على نور، قد جمعوا بين قوة الإيمان ونور الإِسلام، وبين صلة القرابة والنسب وأُنس الأرحام.

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22].

2 -

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

وفي صحيح مسلم عن قبيصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يا بني عبد مناف، يا بني عبد

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (204) - كتاب الإيمان، وأخرجه الترمذي (3185)، والنسائيُّ (6/ 248)، وأخرجه أحمد (2/ 333). وانظر صحيح البخاري (2753) نحوه.

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4771) - كتاب التفسير، وانظر صحيح مسلم (206)، ح (352)، ومسند أحمد (2/ 398)، (2/ 350). وانظر للشاهد صحيح الترمذي (2547).

ص: 513

مناف! إني نذير، إنما مثلي ومثلكم، كمثل رجل رأى العدوَّ، فانطلق يريد أهله، فخشي أن يسبقوه إلى أهله، فجعل يهتف: يا صباحاه، يا صباحاه! أُتيتُم أُتيتم] (1).

ثمَّ إن الرحم المظلومة والقرابة المقطوعة ستقف يوم القيامة أمام ربها عز وجل تلتمس منه النصر من الذي قطعها ومن الذي ظلمها، فينتصر الله لها أمام الخلائق في مشهد الحساب.

فقد أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد" بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قالا: [عطف لنا النبي صلى الله عليه وسلم إصبعه فقال: الرحم شَجْنَةٌ من الرحمن، من يصلها يصله، ومن يقطعها يقطعه، لها لسان طلقٌ ذَلْقٌ يوم القيامة، تقول: يا ربّ إني ظلمت، يا ربّ إني قطعت، يا ربّ إني إني، فيجيبها: ألا ترضين أن أقطع من قطعك، وأصل من وصلك؟ (وفي رواية: قالت بلى يا ربّ. قال: فذلك لك). ثمَّ قال أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22]] (2).

وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

قال ابن زيد: (يقول: لِنْ لهم). قال ابن جرير: (يقول: وألن جانبك وكلامك لمن اتبعك من المؤمنين).

وقوله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} .

أي: فإن أصرّت عشيرتك - يا محمَّد - وقرابتك على عبادة الأوثان ولزوم تقاليد الآباء الفاسدة وأبوا إلا معصية أمرك فيما تدعوهم إليه من الوحي الكريم والهدي العظيم، فقل لهم: إني بريء مما أنتم عليه من عبادة الأصنام ومعصية رب الأنام.

وقوله تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} .

أي: واجعل اعتمادك - يا محمَّد - على العزيز في انتقامه من أعدائه، الرحيم بأوليائه وأهل الإنابة إليه.

وقوله تعالى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} . قال مجاهد: (أينما كنت).

(1) حديث صحيح. انظر صحيح مسلم (207) - كتاب الإيمان، وكتابي: السيرة النبوية (1/ 186 - 197) لتفصيل هذا البحث: "مرحلة الجهر بالدعوة وخصائص المرحلة الجهرية".

(2)

حديث صحيح. انظر: "صحيح الأدب المفرد"(39) باب فضل صلة الوحم. وكذلك (46) باب إثم قاطع الرحم، لتفصيل الروايات.

ص: 514

قال النسفي: ({الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ} متهجدًا). وقال ابن جرير: (الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك).

وقوله تعالى: {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} . قال ابن عباس: (يقول: قيامك وركوعك وسجودك). وقال عكرمة: (قائمًا وساجدًا وراكعًا وجالسًا).

وعن قتادة: ({وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} قال: في المصلين). قال ابن عباس: (يراك وأنت مع الساجدين تقلب وتقوم وتقعد معهم).

وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .

أي: السميع لأقوال عباده ومناجاتهم، العلم بأعمالهم وتقلبهم وحركاتهم وسكناتهم.

221 -

227. قوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

في هذه الآيات: تَنَزُّلُ الشياطين على الأفاكين الآثمين، وذمُّ الشعراء الضالين المنافقين، واستثناءُ الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وانتصروا للحق وكانوا من الذاكرين، وسيعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون.

فقوله تعالى: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} .

أي: يقول تعالى: هل أنبئكم أيها الناس على من تتنزل الشياطين؟ ! إنها تتنزل على كل كذاب بهات دجال آثم.

قال مجاهد: ({كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ}: كل كذّاب من الناس). وقال قتادة: (هم الكهنة تسترق الجن السمع، ثمَّ يأتون به إلى أوليائهم من الإنس).

وقوله تعالى: {يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ} . أي: يسترقون السمع فيقذفون

ص: 515

بالشهب فيزيدون الخبر بالكذب. قال مجاهد: (الشياطين ما سمعته ألقته على كلّ أفّاك كذّاب).

وفي صحيح السنة المطهرة من آفاق هذه الآية أحاديث:

الحديث الأوّل: أخرج البخاري عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت:[سألَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ناسٌ عن الكُهَّان، فقال: لَيْسَ بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنَّهم يُحَدِّثوننا أحْيانًا بشيءٍ فيكون حقًّا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك الكلمةُ من الحق يَخْطَفُها الجِنِّيُ فَيُقِرُّها في أُذُنِ وَلِيِّهِ فيخلِطُون معها مئة كَذْبَةٍ](1).

الحديث الثاني: أخرج البخاري وأبو داود عن سفيان عن عمرو قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إنَّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: [إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعانًا لقوله، كأنه سِلْسِلَةٌ على صَفْوان، حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ، وهو العَليُّ الكبير. فيسمعُها مُسترقو السمعِ، ومُسْتَرِقو السمع - هكذا بعضُهم فوق بعض - وَوَصَفَ سفيانُ بيَده فَحَرَفها، وبَدَّد بين أصابعه - فيسمَعُ الكلمةَ، فَيُلْقِيها إلى مَن تَحته، ثمَّ يلقيها الآخر إلى من تحتَه، حتى يُلقِيها على لسانِ السَّاحر - أو: الكاهن. فَرُبَّما أدركَهُ الشهابُ قبل أن يُلقيها، وربَّما ألقاها قبل أن يدرِكَهُ، فَيَكذِبُ معها مئة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكَذا كذا وكَذا؟ فَيُصَدَّقُ بتلك الكلمة التي سُمِعت من السماء](2).

الحديث الثالث: أخرج البخاري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[الملائكةُ تحَدَّثُ في العَنانِ - والعَنانُ: الغمامُ - بالأمر يكون في الأرض فَتَسْمَعُ الشياطين الكلمةَ فَتَقُرُّهَا في آذان الكاهن كما تُقَرُّ القارورةُ فيزيدون معها مئة كِذْبَةٍ](3).

وفي رواية: تقول عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إنَّ الملائكة تنزلُ في العَنانِ - وهوَ السَّحاب - فَتَذْكُرُ الأمْرَ قُضِيَ في السَّماء، فَتَسْترِقُ الشياطين السَّمْعَ

(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (5762) - كتاب الطب. باب الكهانة، ورواه أيضًا برقم (6213)، وأخرجه مسلم في الصحيح (2228)، وأحمد في المسند (6/ 87).

(2)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4701)، وأبو داود (3989)، والترمذي (3223)، وأخرجه ابن ماجة في السنن (194)، وكذلك ابن حبَّان في صحيحه (36).

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري - (3288) - كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، وانظر للرواية الثانية (3210) - كتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم.

ص: 516

فَتَسْمَعُهُ، فتوحيه إلى الكُّهان، فيكذِبُون معها مئة كَذْبَةٍ من عِنْد أنفسهم].

وقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} . قال مجاهد: (الشياطين).

وقال قتادة: (يتبعهم الشياطين). وقال عكرمة: (عصاة الجن). وقال ابن زيد: (الغاوون المشركون). وعن ابن عباس قال: (كان رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما من الأنصار، والآخر من قوم آخرين، وأنهما تهاجيا، وكان مع كل أحد منهما غواة من قومه، وهم السفهاء، فقال الله: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}).

قال ابن جرير: (إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن).

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ الرجل قَيْحًا يَرِيهِ، خيرٌ مِنْ أن يَمْتَلِئَ شِعْرًا](1).

وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: [بَيْنا نحنُ نَسيرُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج (2)، إذ عَرَضَ شاعِرٌ يُنْشِدُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطان؛ لأنَّ يَمْتَلِئَ جوفُ رَجُلٍ قَيْحًا، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا](3).

والخلاصة: لا يتبع شعراء الجاهلية إلا الغاوون وهم السفهاء أو الراوون أو الشياطين أو المشركون، فإنهم يتبعونهم على باطلهم وكذبهم وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب ومدح من لا يستحق المدح وغير ذلك من وجوه الفساد.

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} . أي: في كل واد من الكلام يخوضون ويتحدثون.

قال ابن عباس: (في كُلِّ لَغْوٍ يخوضون). وقال الضحاك عن ابن عباس: (في كُلِّ فَنٍّ من الكلام). وقال مجاهد: (في كل فن يَفْتَنُّون). وقال قتادة: (يمدحون قومًا بباطل، ويشتمون قومًا بباطل).

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2257) - كتاب الشعر، وانظر (2258) من حديث سعد.

(2)

العَرْج: قرية جامعة من عمل الفرع على نحو ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة.

(3)

حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2259) - كتاب الشعر، باب: في إنشاد الأشعار وبيان أشعر الكلمة وذم الشعر. وانظر مسند أحمد (3/ 8)، (3/ 41).

ص: 517

وعن الحسن البصري قال: (قد - والله - رأينا أوديتهم التي يهيمون فيها، مَرَّةً في شَتْمةِ فلان، ومرة في مِدْحة فُلان).

قال النسفي: ({يَهِيمُونَ} خبر أن، أي: في كل فن من الكذب يتحدثون، أو في كل لغو وباطل يخوضون، والهائم الذاهب على وجهه لا مقصد له، وهو تمثيل لذهابهم في كل شعب من القول واعتسافهم حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة، وأبخلهم على حاتم).

وقوله تعالى: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} .

قال ابن عباس: (أكثر قولهم يَكْذِبون فيه). قال: (وعنى بذلك شعراء المشركين).

قال ابن كثير: (فإن الشعراء يَتَبَجَّحُون بأقوال وأفعال لم تصدُر منهم، ولا عنهم، فيتكثَّرون بما ليس لهم).

قلت: وطربُ العامة ببعض هؤلاء الشعراء يدفع شعراء الجاهلية - هؤلاء - إلى تسويق أي شيء لسدّ الفراغ ولو على حساب الاستهزاء بالحق وثوابت الدين: كسؤال الملكين في القبر وأمر الموت والحساب والجنة والنار وأمر الملائكة والرسل وغير ذلك، فتراهم مدفوعين إلى التجاوزات والمبالغات بتشجيع أولئك السفهاء لهم ليحق قول الله فيهم:{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} .

ومما يُذكر في هذا الجانب عن الفرزدق، أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله:

فبتن بجانبيّ مصرعات

وبت أفض أغلاق الختام

فقال: وجب عليك الحد. فقال: قد درأ الله عني الحد بقوله: {وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} حيث وصفهم بالكذب والخلف في الوعد.

وقوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} .

استثناء لشعراء الإِسلام الأبطال، كعبد الله بن رواحة، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، وكعب بن مالك رضي الله عنهم، ومن مضى على منهاجهم في الشعر المتألق، الذي سخروه لنصرة هذا الدين، ومدح الله العظيم، ورسوله الكريم، والذب عن عرض المسلمين.

ص: 518

قال ابن عباس: (ثمَّ استثنى المؤمنين منهم، يعني الشعراء، فقال: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}).

وقوله: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} . قال ابن عباس: (في كلامهم). وقال ابن زيد: (ذكروا الله في شعرهم).

قال النسفي: ({وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} أي: كان ذكر الله وتلاوة القرآن أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرًا قالوه في توحيد الله تعالى والثناء عليه والحكمة والموعظة والزهد والأدب ومدح رسول الله والصحابة وصلحاء الأمة ونحو ذلك مما ليس فيه ذنب).

قلت: وهذا الذي ذكره الإمام النسفي في تفسير هذه الآية هو من روائع البيان والتأويل لجوامع الكلم في قوله تعالى: {وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} .

وقوله تعالى: {وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا} .

قال ابن عباس: (يردون على الكفار الذين كانوا يهجون المؤمنين). وقال ابن زيد: ({وَانْتَصَرُوا} من المشركين {مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}).

قال ابن جرير: (يقول: وانتصروا ممن هجاهم من شعراء المشركين ظلمًا بشعرهم وهجائهم إياهم، وإجابتهم عما هجوهم به).

وفي السنة العطرة كثير من آفاق هذا الاستثناء لشعراء هذا الدين، ومن ذلك:

الحديث الأوّل: أخرج الإمام أحمد في مسنده، وابن حبَّان في صحيحه، بإسناد على شرط الشيخين عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنَّه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنَّ الله عز وجل قد نزل في الشعر ما أنزل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[إنَّ المؤمن يُجاهِدُ بسيفِهِ ولسانِه، والذي نفسي بيده لكأنَّ ما تَرْمونَهُمْ به نَضْحُ النَّبْلِ](1).

الحديث الثاني: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: اهْجُهُم، أو هَاجِهِمْ، وجِبْرَئِيلُ معك](2).

الحديث الثالث: خرّج مسلم في الصحيح عن أبي هريرة: [أنَّ عُمَرَ مَرَّ بِحَسَّانَ وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجد، فَلحَظَ إليه، فقال: قَدْ كُنْتُ أُنْشِدُ، وفيه مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ،

(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (6/ 387)، والبيهقيُّ (10/ 239)، وابن حبَّان (5786).

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2486) - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت.

ص: 519

ثمَّ التفتَ إلى أبي هريرة، فقال: أنشُدُكَ الله أسَمِعْتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ! أَيِّدْهُ بِروحِ القُدُسِ؟ قال: اللهمَّ! نَعَم] (1).

الحديث الرابع: أخرج مسلم عن عائشة قالت: [قال حَسَّانُ: يا رسولَ الله! ائذن لي في أبي سفيان. قال: كَيْفَ بقرابتي مِنْه؟ قال: والذي أَكْرَمك! لأَسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الخَميرِ، فقال حسّان:

وإنَّ سَنَامَ المَجْدِ مِنْ آل هاشِم

بنو بِنْتِ مَخزُومٍ، ووالِدكَ العَبْدُ

قصيدته هذه (2)]. وفي رواية: [والذي بعثك بالحق! لأسُلَّنَكَ منهم كما تُسَلُّ الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيِّدُكَ، ما نافَحْتَ عن الله ورسوله". وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "هجاهم حَسّانُ فشفى واشتفى"](3).

الحديث الخامس: أخرج الترمذي بسند صحيح عن أنس: [أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:

خَلُّوا بني الكُفَّار عن سبيلهِ

اليَوْمَ نَضْرِبْكُم على تَنْزيله

ضَرْبًا يزيل الهامَ عَنْ مَقِيْلِهِ

ويُذْهِلُ الخليلَ عنْ خليلِهِ

فقال له عمر: يا ابن رواحة، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَلِّ عَنْهُ يا عُمر فلهي أسْرَعُ فيهم مِنْ نَضْحِ النَّبْل] (4).

وقوله: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} . تهديد لمن انتصر بظلم.

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2485) - كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت.

(2)

وبعد هذا بيت لم يذكره مسلم وبذكره تتم الفائدة وهو:

ومن ولدت أبناء زهرة منهم

كرام ولم يقرب عجائزك المجد

وقوله: "بنت مخزوم": أي فاطمة أم عبد الله والزبير وأبي طالب. وقوله: "أبناء زهرة منهم": أي هالة بنت وهب بن عبد مناف أم حمزة وصفيّة. وقوله: "العبد" سب لأبي سفيان بن الحارث لأنَّ أم الحارث وهي سمية بنت موهب، وموهب غلام لبني عبد مناف، وكذا أم أبي سفيان كانت كذلك وهو مراده بقوله:"ولم يقرب عجائزك المجد". والحديث رواه مسلم (2489) - الباب السابق.

(3)

حديث صحيح. انظر صحيح مسلم - حديث رقم - (2490) - كتاب فضائل الصحابة، الباب السابق - في أثناء حديث طويل.

(4)

حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3017) في السنن. باب ما جاء في إنشاد الشِّعر، وانظر صحيح سنن الترمذي (2283)، وكتابي: السيرة النبوية (2/ 1188 - 1189).

ص: 520

قال ابن زيد: (وسيعلم الذين ظلموا من المشركين أي منقلب ينقلبون).

وقال شريح: (سيعلم الظالمون كيف يخلصون من بين يدي الله عز وجل، فالظالم ينتظر العقاب، والمظلوم ينتظر النصرة).

وفي التنزيل نحو ذلك:

1 -

قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52].

2 -

وقال تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [الحج: 71].

3 -

وقال تعالى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر: 18].

وفي صحيح السنة المطهرة في آفاق هذه الآية أحاديث:

الحديث الأوّل: خرّج مسلم في صحيحه عن جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم](1).

الحديث الثاني: روى مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاء - التي لا قرن لها - من الشاة القَرْناء](2).

الحديث الثالث: أخرج الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله لَيُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُفْلِتْهُ ثمَّ قرأ: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102](3).

تمّ تفسير سورة "الشعراء" بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه

* * *

(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في صحيحه (2578) - كتاب البر والصلة. باب تحريم الظلم.

(2)

حديث صحيح. أخرجه مسلم (2582) - كتاب البر والصلة، الباب السابق.

(3)

حديث صحيح. أخرجه البخاري (4686) - كتاب التفسير. وأخرجه مسلم (2583) - كتاب البر والصلة، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

ص: 521