الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
21 - سورة الأنبياء
وهي سورة مكية، وعدد آياتها (112)
أخرج البخاري في صحيحه عن عبد الله قال: [بنو إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء هُنَّ من العِتاق الأُوَلِ، وهُنَّ من تلادي](1).
موضوع السورة
قصص الأنبياء منهاج النجاة للمؤمنين، وسبيل الشقاء والخزي للكافرين.
-
منهاج السورة
-
1 -
إعلام الله تعالى عن اقتراب الساعة، والناس في غفلة عن الذكر يلعبون.
2 -
استبعاد الناس النبوة لبشر مثلهم، شأن الأمم السالفة قبلهم.
3 -
إثبات بشرية الرسول، ووجوب الرجوع في فهم الدين لأهل العلم والفضل.
4 -
إثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين، وهذا الكتاب شرف للعرب فيه ذكرهم لو كانوا يعقلون.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه - حديث رقم - (4739) -كتاب التفسير-، سورة الأنبياء، من حديث عبد الله بن مسعود.
5 -
محاولة المجرمين الفرار عند تطويق الله لهم بالعذاب المهين، واعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى صاروا حصيدًا خامدين.
6 -
تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون.
7 -
استخفاف الله بآلهة قوم لا تضر ولا تنفع ولا تحيى ولا تميت فهو الإله الحق الأحد الصمد، ولو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا.
8 -
ثناء الله على الملائكة، وإبطاله دعوى الكفار اتخاذه الولد منهم.
9 -
لفت أنظار الكفار إلى عظيم قدرته تعالى، وواسع نعمه وكرمه عليهم.
10 -
تولي الله نصر دينه، وكل نفس ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون.
11 -
استهزاء المشركين بالرسول، وخلق الإنسان من عجل، وتقرير العذاب على المشركين المستهزئين.
12 -
تسلية الله نبيّه عما يلقاه من أذى المشركين، وتقريره تعالى نعمه على الكافرين.
13 -
إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب، والوزن يكون بالعدل يوم الحساب.
14 -
اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، وهذا القرآن في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح وهو الكتاب الكامل.
15 -
إلهامُ الله تعالى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في محاججة قومه.
16 -
تحطيم إبراهيم الأصنام واستخفافه بعفول قومه، ونجاته من النار بإذن ربه.
17 -
نجاة إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام، وإكرام الله تعالى إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، وحماية الله نبيّه لوطًا من القوم الفاسقين.
18 -
نجاةُ نوح صلى الله عليه وسلم بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله قومه المكذبين.
19 -
ثناؤه تعالى على داود وسليمان، وتفهيمه سليمان مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال والطير وعمل الدروع لداود، والريح والشياطين لسليمان.
20 -
ثناء الله تعالى على صبر أيوب عليه السلام، وكشفه ضره رحمة به وذكرى للأنام.
21 -
ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من عباده الصالحين.
22 -
تضييق الله تعالى على يُونس صلى الله عليه وسلم وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلك السجن بخير الدعاء، الذي كشف به غمّه وجعله للمؤمنين من خير الرجاء.
23 -
ثناء الله تعالى على زكريا عليه السلام، وإجابة دعوته بأن وهب له يحيى وأصلح له زوجه. وذكر قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام عقب قصة زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، وثناء الله على مريم ورفع ذكرها في الأنام.
24 -
وحدة منهج الأنبياء، واختلاف الناس عليهم، وكتابة الملائكة أعمال الأولياء.
23 -
تأكيد هلاك الأمم المكذبة، وفَتْح سد يأجوج ومأجوج قبيل الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند معاينة أهوال القيامة.
26 -
تأكيد وقوع المشركين وآلهتهم في نار العذاب، والبشرى للمؤمنين يوم الحساب، وهذا النبي الكريم رحمة لجميع العالمين.
27 -
وَحْيُ الله تعالى إلى نبيّه عليه الصلاة والسلام، أنه تعالى الإله الحق الذي لا ينبغي أن يعبد غيره الأنام.
28 -
إعلانُ البراءة من القوم المشركين، إن أصروا على الجاهلية والمكر بالإسلام والمسلمين.
29 -
إخبارُ الله تعالى نبيّه ليعلم قومه أن حلول وقت عقابهم قد يكون قريبًا، وإنما هم في فتنة والله يمكر بهم مكرًا شديدًا.
30 -
لا يعلم السر وأخفى إلا الرحمان، فله الحكم وهو الرب الإله الحق المستعان.
بسم الله الرحمن الرحيم
1 -
6. قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)}.
في هذه الآيات: إعلامُ الله اقتراب قيام الساعة والناس في غفلتهم لاهون، وما يأتيهم من قرآن يذكرهم سبيل نجاتهم إلا استقبلوه وهم يلعبون، ويستبعدون النبوة لبشر مثلهم ويتهمونه بالسحر أو الشعر أو الجنون، والله تعالى يهدّدهم وبالقياس على الأمم السالفة الهالكة فهم لا يؤمنون.
فقوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} .
تنبيه من الله تعالى عباده على دنو قيام الساعة وهم غائبون في غفلتهم، لاهون في دنياهم، معرضون عن أخراهم.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 1].
2 -
وقال تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 1 - 2].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم: [قرأ: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ} [مريم: 39]- قال: وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا، - {وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} ] (1).
الحديث الثاني: أخرج النسائي بسند صحيح عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم:[{وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} قال: في الدنيا](2).
الحديث الثالث: أخرج الحاكم والطبراني بإسناد صحيح عن ابن مسعود مرفوعًا: [اقتربت الساعةُ، ولا يزدادُ الناسُ على الدنيا إلا حِرصًا، ولا يزدادون من الله إلا بُعدًا](3).
وقوله تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} .
أي: ما ينزل من قرآن يذكرهم به ربهم ويعظهم ويرشدهم فيه إلى ما فيه سعادتهم إلا استمعوه ثم تابعوا لعبهم ومضوا في لهوهم.
قال قتادة: (يقول: ما ينزل عليهم من شيء من القرآن إلا استمعوه وهم يلعبون. {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} يقول: غافلة قلوبهم).
وقوله: {مُحْدَثٍ} أي جديد إنزاله، حديث أمر الله لرسوله ببلاغه. قال ابن عباس:(ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرّفوه وبدّلوه، وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدثُ الكتب بالله تقرؤونه مَحْضًا لم يَثُبْ) - رواه البخاري بنحوه.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (4730)، كتاب التفسير، سورة كهيعص، في أثناء حديث طويل.
(2)
حديث صحيح. أخرجه النسائي في "التفسير"(332) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، وانظر صحيح مسلم (2849) ح (41) نحوه.
(3)
صحيح الإسناد. أخرجه الحاكم (4/ 324)، والطبراني في "المعجم الكبير"(9787)، وأبو نعيم في "الحلية"(7/ 242)، (18/ 315)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1510).
وقوله: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} .
أي: أظهر هؤلاء المعرضون المناجاة فيما بينهم يقولون: هل محمد إلا بشر مثلكم فكيف اختصَّ بالوحي دونكم، فهم يستبعدون كونه نبيًّا لأنه بشر.
وقوله: {أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} . قال ابن زيد: (قاله أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتم تبصرون).
قال ابن كثير: (أي: أفتتبعونه فتكونون كمن يأتي السحر وهو يعلم أنه سحر).
وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} .
تهديد ووعيد لأولئك المعرضين الذين يفترون الكذب ويختلقون الشبهات. وقراء مكة قرؤوا أول الآية: {قَالَ رَبِّي} على وجه الخبر. وأما قراء المدينة والبصرة وبعض الكوفيين فقرؤوا ذلك: {قَالَ رَبِّي} على وجه الأمر. وهما قراءتان مشهورتان في الأمصار. والمعنى كما قال النسفي: (قال محمد - أو قل يا محمد - للذين أسروا النجوى {رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} أي يعليم قول كل قائل هو في السماء أو الأرض سرًّا كان أو جهرًا {وَهُوَ السَّمِيعُ} لأقوالهم {الْعَلِيمُ} بما في ضمائرهم).
وقوله تعالى: {بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} .
إخبار عن تردد القوم في افترائهم وشكهم. فأضربوا عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام مما يعتري المرء في نومه فظنها وحيًا، ثم عدلوا عق ذلك فقالوا: بل هو كلام مفترى من عنده، ثم بدا لهم أنه شاعر. وهذه هي طبيعة الباطل يترنح ويتأرجح ويتخبّط أهله. قال ابن جرير:({فَلْيَأْتِنَا} يقول: قالوا فليجئنا محمد إن كان صادقًا في قوله، أن الله بعثه رسولًا إلينا، وأن هذا الذي يتلوه علينا وحي من الله أوحاه إلينا {بِآيَةٍ} يقول: بحجة ودلالة على حقيقة ما يقول ويدّعي {كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} يقول: كما جاءت به الرسل الأولون من قبله من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص وكناقة صالح، وما أشبه ذلك من المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله، ولا يأتي بها إلا الأنبياء والرسل).
وقوله تعالى: {مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ} .
أي: قياسًا على السنن الماضية في الأمم السالفة، لا يتوقع سلوك هؤلاء مع رسولهم بغير ما قابل الأوائل أنبياءهم لما رأوا الآيات، لقد قابلوهم بالتكذيب والتنطع والعناد حتى نزل بهم الهلاك والعذاب، وهذا ما يبدو من هؤلاء كذلك.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 52 - 53].
2 -
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} [يونس: 96 - 97].
3 -
وقال تعالى: {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ} [هود: 109].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه، وأحمد في مسنده، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يجيء نوحٌ وأُمَّتُه، فيقول الله: هل بَلَّغْتَ؟ فيقول: نعم أي ربِّ! فيقول لأمته: هل بلَّغكم؟ فيقولون: لا، ما جاء لنا من نبي، فيقول لنوح: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، وهو قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} والوسط: العدل، فيُدعون، فيشهدون له بالبلاع، ثم أشهد عليكم](1).
الحديث الثاني: أخرج أحمد في المسند والنسائي في السنن بسند صحيح عن أبي سعيد رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبيّ ومعه الثلاثة، وأكثر من ذلك، فيُقالُ له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغَّكم هذا؟ فيقولون: لا، فيقال له: من يشهد لك، فيقول محمد وأمته
…
] الحديث (2).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6/ 286)، (8/ 139)، وأحمد (3/ 32). وانظر: صحيح الجامع الصغير- حديث رقم - (7890).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أحمد (3/ 58)، وابن ماجة (2/ 573 - 574)، والنسائي وغيرهم، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (2448).
فالتكذيب سمة ظاهرة في أقوام الرسل جميعهم، وهذا ما كان من قريش أيضًا في بادئ الأمر حين أظهر النبي صلى الله عليه وسلم دعوته.
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم - واللفظ للبخاري - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} صَعِدَ النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: يا بني فِهْر، يا بني عَدِيّ لبطون قريش حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرجَ أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تغيرَ عليكم أكنتم مصدقيَّ؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك إلا صدقًا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تَبًّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزلت: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} (1).
7 -
10. قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)}.
في هذه الآيات: إثبات الله بشرية ورجولة الأنبياء، وضرورة الرجوع عند الخلاف وسوء الفهم لأهل العلم، وإثبات العاقبة والنصر للمرسلين، والخزي والذل على الكافرين. وهذا الكتاب فيه ذكركم - معشر العرب - أفلا تعقلون.
فقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} . ردٌّ على من استبعد كون الرسل من البشر.
أي: لقد سبق - يا محمد - في الأمم التي خلت قبل أمتك رسل أوحى الله إليهم لينذروا قومهم، فما الذي دعاهم لإنكار إرسال الله إليك لهم.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح (4770)، كتاب التفسير. وانظر تفصيل البحث في كتابي: السيرة النجوية على منهج الوحيين (1/ 186 - 188).
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 9].
2 -
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109].
3 -
وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20].
وإنما يصدر من هؤلاء ما صدر من سفهاء الأقوام فيما مضى من قولهم لرسلهم: {أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا} .
وقوله: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} - فيه ضرورة الرجوع لأهل العلم لفهم أمور الدين ونفي شبه المبطلين.
قال قتادة: (يقول: فاسألوا أهل التوراة والإنجيل - قال أبو جعفر: أراه أنا قال: - يخبروكم أن الرسل كانوا رجالًا يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق).
وقال ابن زيد: ({فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} قال: أهل القرآن، والذكر: القرآن، وقرأ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}).
وقد ورد في فضل العلم وطلبه والسؤال عنه أحاديث من السنة الصحيحة:
الحديث الأول: في صحيح سنن ابن ماجة من حديث أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [
…
وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء. إنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرْهَمًا. إنما وَرَّثوا العلم. فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر] (1).
الحديث الثاني: وفي الباب عن زربن حبيش قال: أتيت صفوان بن عَسَّال المُرادي، فقال: ما جاء بك؟ قُلتُ: أنبط العلم. قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ما مِنْ خَارجٍ خَرَجَ مِنْ بيتِهِ في طلب العِلم إلا وَضَعَت له الملائكة أجنحتها، رِضًا بما يصنع](2).
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (223)، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم. انظر صحيح سنن ابن ماجة - حديث رقم - (182)، وهو جزء من حديث أطول.
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (226) في الباب السابق. وانظر صحيح ابن ماجة (185).
الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط، والبزار في المسند، بإسناد حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فضل العلم خير من فضل العبادة، وخير دينكم الورع](1). وفي رواية: [فضل العلم أحبُّ إلي من فضل العبادة، وخير دينكم الورع].
وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} .
أي: لم نجعلهم ملائكة لا يأكلون الطعام، بل جعلناهم - مثلك يا محمد - أجسادًا يطعمون ويموتون.
قال الضحاك: (يقول: لم أجعلهم جَسدًا ليس فيهم أرواح لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم جسدًا فيها أرواح يأكلون الطعام).
وعن قتادة: (قوله: {وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ}: أي لا بد لهم من الموت أن يموتوا).
وقوله تعالى: {ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} .
هو إشارة من الله سبحانه إلى المهمّ في أمر الرسل: أنهم نُصروا على المكذبين من أقوامهم، وكانت لهم العاقبة في نهاية الأمر، وأهلك الله المعاندين المسرفين.
قال قتادة: (والمسرفون: هم المشركون).
وقوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
قال ابن عباس: ({فِيهِ ذِكْرُكُمْ}: شرفكم).
وقال مجاهد: ({فِيهِ ذِكْرُكُمْ} قال: حديثكم). وقال الحسن: (دينكم).
وقال سفيان: (نزل القرآن بمكارم الأخلاق، ألم تسمعه يقول:{لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
قلت: وكل ما سبق يحتمله التأويل، وإن كان المقصود الأعلى في هذه الآية التنبيه على شرف هذا القرآن، وتحريض قريش والعرب على معرفة قدره ورفعته وسموه.
قال ابن كثير: ({أَفَلَا تَعْقِلُونَ} أي: هذه النعمة وتتلقَّونها بالقبول، كما قال تعالى:{وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44].
(1) حديث حسن. رواه البزار والطبراني عن حذيفة، والحاكم عن سعد. انظر الروض النضير (1/ 440) وتخريج العلم (112/ 13)، وصحيح الجامع الصغير (4090).
11 -
15. قوله تعالى: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)}.
في هذه الآيات: تصوير الله تعالى هلاك المجرمين، ومحاولتهم الهرب عند نزول العذاب المهين، ثم اعترافهم أنهم كانوا ظالمين، حتى أُسكتوا عن آخرهم وصاروا خامدين.
فقوله: {وَكَمْ قَصَمْنَا} . قال مجاهد: (وكم أهلكنا). وأصل القَصْم في كلام العرب: الكَسْر. وقوله: {مِنْ قَرْيَةٍ} المراد أهل القرية التي {كَانَتْ ظَالِمَةً} ، وظلمها هو نقضها العهد مع الله سبحانه، نقضها "لا إله إلا الله".
وقوله: {وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ} أي: أنشأنا بعد إهلاكها أمة أخرى.
وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ} أي محاولين الفرار.
قال ابن جرير: (- يقول -: فلما عاينوا عذابنا قد حَلَّ بهم إذا هم يهربون سراعًا عجلى يَعْدون منهزمين).
وقوله: {لَا تَرْكُضُوا} . أي لا تفروا.- خطاب محلى وجه الاستهزاء وقد فاتهم قطار النجاة.
وقوله: {وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ} . قال قتادة: (ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها).
وقوله: {لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ} . قال مجاهد: (لعلكم تفقهون). وقال قتادة: (لعلكم تُسألون من دنياكم شيئًا استهزاء بهم).
أي لا تركضوا ولا تفروا لعلكم تسألون عن أنواع الخمور التي تعرفونها وعن أصناف المعازف والمسكرات التي كنتم تتقنونها. لا تركضوا وارجعوا لعلكم تسألون عن أسماء نجوم اللهو والفجور والمجون التي كنتم تفقهون بها. لا تركضوا لعلكم تسألون عن فقه استعمال وسائل نقل المنكرات وكشف العورات. لا تركضوا وارجعوا
لعلكم تسألون عن الحيل التي كنتم تتعاملون بها في بيعكم وشرائكم وتجارتكم، وعن طرق التلاعب بالأسعار وسبل الرشوة والاحتكار.
أخرج الطبراني بسند حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [خمسٌ بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سُلِّطَ عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طفَّفوا المكيال إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر](1).
وله شاهد عن ابن ماجة والبزار والبيهقي - واللفظ له - بسند صحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّطَ عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جُعل بأسهم بينهم](2).
وقوله تعالى: {قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} . اعتراف منهم بما كانوا عليه من الذنوب والآثام، ولكن بعدما فات وقت الندم وحاق بهم الخسران.
وقوله تعالى: {فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ} .
قال قتادة: (يقول: حتى هلكوا). والمقصود: ما زال ذلك الاعتراف والتأنيب لأنفسهم حتى سكنت حركتهم، وانطفأت شرارتهم، وصاروا همودًا لا حراك لهم.
16 -
20. قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ
(1) حديث حسن. رواه الطبراني في الأوسط (1/ 85/ 1)، وبنحوه الحاكم (2/ 126)، (4/ 540)، وانظر صحيح الجامع - حديث رقم - (3235).
(2)
حديث صحيح. رواه ابن ماجة (4019)، والبيهقي (3/ 346)، وأبو نعيم في "الحلية"(8/ 333 - 334)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (106).
في هذه الآيات: تأكيد الله خلقه السماوات والأرض بالحق لا باللهو واللعب، وتقرير سنته تعالى في رفع كلمة الحق وإسكات كلمة أهل الكذب، فله سبحانه ما في السماوات والأرض والملائكة في عبادتهم له لا يستحسرون، ينزهونه الليل والنهار لا يفترون.
فقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} .
قال قتادة: (يقول: ما خلقناهما عبثًا ولا باطلًا).
والمقصود: أن الله تبارك وتعالى خلق السماوات والأرض بالعدل والقسط وخلق العباد لتعظيمه وحده لا شريك له وإفراده بالعبودية.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56].
2 -
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27].
3 -
وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [الملك: 2].
وقوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} .
قال مجاهد: {لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} من عندنا، وما خلقنا جنة ولا نارًا، ولا موتًا ولا بعثًا).
قال القاسمي: ({لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا} استئناف مقرر لما قبله من انتفاء اللعب واللهو. أي لو أردنا أن نتخذ ما يتلهى به ويلعب لاتخذناه من عندنا).
وقال قتادة: ({إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ}: أي ماكنا فاعلين). وقال مجاهد: (كل شيء في القرآن {إِنْ} فهو إنكار).
وقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} .
قال قتادة: (والحق كتاب الله القرآن، والباطل: إبليس، فيدمغه فإذا هو زاهق: أي ذاهب) أو قال: {زَاهِقٌ} : هالك).
والمقصود: أن آيات الله فيها بيان الحق الذي يدحض الباطل فإذا هو ذاهب مضمحل هالك.
وقوله: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} . أي: ولكم الويل أيها المفترون مما تشركون فتنسبون لله الولد وتكذبون. قال ابن جريج: ({وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} قال: تشركون).
وقال قتادة: ({مِمَّا تَصِفُونَ}: أي تكذبون).
وقوله تعالى: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} .
إخبار عن عبودية الملائكة لله تعالى مالك السماوات والأرض، وهم بذلك لا يَبْعَبون ولا يَملّون، بل هم في سجود وذكر وتعظيم لله هم فيه دائبون.
قال ابن عباس: ({وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} لا يرجعون). وقال مجاهد: (لا يحسَرون).
وقال قتادة: (لا يَعْيَوْن). وقال ابن زيد: ({لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} .
قال: لا يستحسرون، لا يملُّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأمون).
وقوله تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ} . أي هم في تسبيح دائم لا ينقطعون عنه.
قال ابن عباس عن كعب: (إنهم ألهموا التسبيح كما ألهمتم الطَّرف والنَّفس).
وقال كعب الأحبار أيضًا: (إنهم جُعل لهم التسبيح، كما جُعِلَ لكم النفس، ألمست تأكل وتشرب وتقوم وتقعد، وتجيء وتذهب، وأنت تَنَفَس؟ قلت (1): بلى، قال: فكذلك جُعل لهم التسبيح).
وفي التنزيل ونحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30].
2 -
وقال تعالى: {الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7].
وفي مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي بسند حسن عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وَحُقَّ لها
(1) القائل: عبد الله بن الحارث، الراوي عن كعب الأحبار- كما ذكر ابن جرير بسنده إليه.
أن تَئِطَّ، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضعٌ جبهته لله تعالى ساجدًا، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله] (1).
وله شاهد عند ابن نصر في "الصلاة" من حديث عائشة مرفوعًا: [ما في السماء الدنيا موضع قدم، إلا عليه ملك ساجد، أو قائم، فذلك قول الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ}، {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ}، {وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ}].
وشاهد آخر عنده من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه رضي الله عنهم إذ قال لهم: هل تسمعون ما أسمع؟ قالوا: ما نسمع من شيء. قال: إني لأسمع أطيط السماء، وما تُلام أن تَئِطَّ، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد، أو قائم].
21 -
25. قوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)}.
في هذه الآيات: استخفافُ الله بآلهة القوم لا تحيي ولا تميت، فلو كان في السماء والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، والله تعالى لا يُسأل عما يفعل وجميع خلقه يُسألون. فالمشركون مدعوون لإثبات استحقاق آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع أن تُعبد ولكنهم بعبادتهم جاهلون. والله تعالى هو الذي بيده النفع والضر وحده، فهو المستحق للعبادة ولكن أكثرهم لا يعلمون.
فقوله تعالى: {أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ} - استهزاء بآلهة لا تحيي ولا تميت.
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد والترمذي وابن نصر في "الصلاة"(43/ 2)، و (44/ 1) من حديث عائشة، وحكيم بن حزام، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (1059) - (1060).
قال مجاهد: (ينشرون: يُحيون). وقال ابن زيد: (يقول: أفي آلهتهم أحد يحيي ذلك ينشرون). قال القرطبي: (أنشر الله الميت فَنُشِر أي أحياه فحيي).
وربما قال قائل: لقد كانوا يقرون لله عز وجل أنه خالق السماوات والأرض وأنه القادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى، إلا أنهم ينكرون البعث - وما كانوا ينسبون لآلهتهم ذلك! ! فكيف يكون توجه الآية؟ . الجواب: اسم القادر- عز وجل يقتضي ذلك.
قال الزمخشري: (لكنهم بادعائهم لها الإلهية، يلزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور. والإنشاء من جملة المقدورات. ثم قال: وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده، لأن الإلهية لما صحت صحّ معها الاقتدار على الإبداء والإعادة).
وقال القاسمي: (سر قوله تعالى {مِنَ الْأَرْضِ} هو التحقير، أي تحقير الأصنام بأنها أرضية سفلية).
وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} .
أي: لو كان في السماء، والأرض آلهة غير الله معبودون لفسدتا، تنّزه الله سبحانه عن أن يكون له شريك أو ولد، وتقدّس عما يفتري الظالمون والأفاكون عُلوّا كبيرًا.
وفي التنزيل:
أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. [يا أبا المنذر، أي آية في كتاب الله أعظم؟ - قلت: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا ثم قال أبي: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} - فضرب صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده أن لهذه الآية لسانًا وشفتين تقدس الملك عند ساق العرش](1).
وقوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} .
قال ابن جريج: (المعنى لا يسأله الخلق عن قضائه في خلقه، وهو يسأل الخلق عن
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد في المسند (5/ 141 - 142) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه مرفوعًا، وانظر صحيح مسلم (2/ 199) نحوه.
عملهم، لأنهم عبيد). وقال قتادة:(لا يسألُ عما يفعل بعباده، وهم يُسألون عن أعمالهم).
وفي الأثر عن علي رضي الله عنه: (أن رجلًا قال له: يا أمير المؤمنين: أيحب ربنا أن يُعصى؟ قال: أفيعصى ربنا قهرًا؟ قال: أرأيت إن منعني الهدى ومنحني الردى أأحسن إليَّ أم أساء؟ قال: إن منعك حقك فقد أساء، وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء. ثم تلا الآية: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88].
2 -
وقال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ] الحجر: 92 - 93].
وفي سنن الترمذي بسند صحيح من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يَطّلِع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا يَتَّبع كُلُّ إنسان ما كان يعبد ..... ]، الحديث (1).
أي: أم اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتخلق وتحيي وتميت، قل لهم - يا محمد - هاتوا دليلكم على ما تزعمون، فهذا القرآن فيه خبر من معي مما وعدهم الله به من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وخبر من قبلي من الأمم السالفة في الكتب المتقدمة.
وعن قتادة: ({قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} يقول: هاتوا بينتكم على ما تقولون. {هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} يقول: هذا القرآن فيه ذكر الحلال والحرام. {وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي} يقول: ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم وإلى ما صاروا).
وعن ابن جريج: ({هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ} قال: حديث من معي، وحديث من قبلي).
وقو له: {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ} .
أي: بل أكثر هؤلاء المشركين يجهلون الحق فهم يعرضون عنه ولا يصغون إليه.
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2695) - كتاب السنن - أبواب صفة الجنة، باب ما جاء في خلود أهل الجنة، وأهل النار، وانظر صحيح سنن الترمذي (2072).
وعن قتادة: ({فَهُمْ مُعْرِضُونَ} قال: عن كتاب الله).
وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} .
فيه: وحدة دعوة الرسل، ووحدة منهاج النبوة، فهو يتلخّص بكلمة النجاة وسرّ السعادة في الدارين:{لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} .
قال قتادة: (أرسلت الرسل بالإخلاص والتوحيد، لا يقبل منهم عمل حتى يقولوه ويقرّوا به، والشرائع مختلفة في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة، حلال وحرام. وهذا كله في الإخلاص لله والتوحيد له).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].
2 -
وقال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45].
ومن كنوز صحيح السنة في ذلك أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنا أَوْلى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إِخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهُمْ شتى ودينهم واحد](1).
الحديث الثاني: أخرج البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: [كُنْتُ رَديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: يا معاذُ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحقُّ العباد على الله: أن لا يعذب من لا يشركُ به شيئًا. قلت: يا رسول الله، أفلا أُبَشِّرُ الناس؟ قال: لا تُبَشِّرهم فيتكلوا](2).
الحديث الثالث: أخرج مسلم في الصحيح عن عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3442)، (3443)، كتاب أحاديث الأنبياء، ورواه مسلم وغيره.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري في صحيحه (13/ 300)، كتاب التوحيد، وأخرجه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (30)، كتاب الإيمان.
[إنَّ الله حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل](1).
26 -
29. قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)}.
في هذه الآيات: إبطالُ ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، وثناء من الله تعالى على الملائكة فهم لا يتكلمون ولا يشفعون إلا بإذنه، وهم من ربهم مشفقون.
فقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} .
قال قتادة: (قالت اليهود: إن الله تبارك وتعالى صاهر الجنّ، فكانت منهم الملائكة، قال الله تبارك وتعالى تكذيبًا لهم وردًّا عليهم: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} وإن الملائكة ليس كما قالوا، إنما هم عباد أكرمهم الله بعبادته).
والمقصود: دحض ادعاء الكفار أن الله اتخذ ولدًا من ملائكته، تنزه سبحانه وتعالى عما يفتري الظالمون علوًا كبيرًا، وتبرئة الملائكة مما ينسبون لهم، وأنهم:{عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} .
وقوله: {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ} - ثناء من الله تعالى على الملائكة، فهم لا يتكلمون إلا بما يأمره سبحانه.
وقوله: {وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} . قال قتادة: (لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم، ولا يعملون عملًا إلا به).
وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} . قال ابن عباس: (يقول: يعلم ما قدّموا وما أضاعوا من أعمالهم).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: يعلم ما بين أيدي ملائكته ما لم يبلغوه،
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (33)، كتاب الإيمان، من حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا. وانظر صحيح البخاري (11/ 206).
ما هو، وما هم فيه قائلون وعاملون، وما خلفهم: يقول: وما مضى من قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور ما عملوا فيه).
وقوله: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} . أي: لا تشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنه.
قال ابن عباس: (يقول: الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله).
وقال مجاهد: (لمن رضي عنه).
وفي التنزيل:
قوله سبحانه: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]. وكذلك قوله: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23].
وقوله: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} . قال قتادة: (يقول: وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون. يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه).
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} .
قال ابن كثير: (أي: مَنْ ادّعى منهم أنه إله من دون الله، أي: مع الله، {فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} ، أي: كُلَّ من قال ذلك. وهذا شرطٌ، والشرطُ لا يلزمُ وقوعُه، كقوله:{قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} ، وقَولِهِ:{لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65].
30 -
33. قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)}.
في هذه الآيات: يلفت الله تعالى أنظار الكفار إلى عظيم جبروته وكمال سلطانه، وقهره لجميع المخلوقات، فهل رأى الجاحدون ألوهيته أو المشركون بعبادته كيف
كانت السماوات والأرض في التصاق ففتق هذه من هذه، فجعل السماوات سبعًا، وفصل بين سماء الدنيا والأرض بالهواء، فإذا السماء تمطر بإذنه تعالى، وإذا الأرض تنبت بإذنه، وقد جعل من الماء حياة كل شيء من خلقه أفلا يؤمنون.
وجعل في الأرض الجبال تثبيتًا لها وكذلك المسالك بين الجبال يهتدون عليها في أسفارهم ومعايشهم، والسماء سقفًا موفوعًا محفوظًا من الشياطين، وكثير من الناس عن هذه الآيات والنعم الكبيرة معرضون. وهو الذي خلق الليل والنهار وكذلك الشمس والقمر وكل في دوران منتظم يجرون.
فعن ابن عباس: (قوله: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا}
…
الآية، يقول: كانتا ملتصقتين، فرفع السماء ووضع الأرض). قال:(كانتا ملتزقتين، ففتقهما الله). وقال قتادة: (كانتا جميعا، ففصل الله بينهما بهذا الهواء).
قال القاسمي: (وقال بعض علماء الفلك في تفسير هذه الآية: {وَهِيَ دُخَانٌ} (1) أي ذرات، أي غازات أي سديم. ثم تجاذبت كما يتجمع السحاب فصارت كتلة واحدة. مصداقًا لقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا} أي كتلة واحدة. فدارت ثم تقطعت وتفصلت بالقوة الدافعة، فتكونت الأرض والسماوات، تصديقًا لقوله تعالى:{فَفَتَقْنَاهُمَا} أي فصلناهما، فصارتا كرات من الماء في يومين. ثم قال: وفي هذا الوقت كان عرشه على الماء. أي كان ملكه وسلطانه على الماء والله أعلم).
وقوله: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} .
أي: وأحيينا بالماء كل شيء يرونه في هذه الحياة الدنيا من البشر والبهائم والزروع والثمار والأشجار وغير ذلك. أفلا يدعوهم ذلك إلى أن يصدقوا ربهم تعالى الإيمان! ؟ .
وعن قتادة: ({وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} قال: كل شيء حي خُلِق من الماء).
(1) والآية بتمامها: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11].
قال ابن جرير: (وقوله: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} يقول: أفلا يصدّقون بذلك، ويقرّون بألوهة من فعل ذلك ويفردونه بالعبادة).
وقوله: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ} .
أي: وكذلك جعلنا في الأرض الجبال الشامخات الثابتات كيلا تتكفأ الأرض بالناس. والرواسي: جمع راسية، وهي الثابتة. قال قتادة:(رواسي: أي جبالًا). قال: (كانوا على الأرض تمور بهم، لا تستقرّ، فأصبحوا وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتادًا للأرض).
وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} . الفجاج: المسالك، واحدها فجّ. أي: وكذلك جعلنا في الأرض مسالك بين الجبال يتحركون عليها لحاجاتهم ومعايشهم، ويهتدون أثناء السير فيها إلى أسفارهم.
قال ابن عباس: ({وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا} سبلًا، قال: بين الجبال). وقال قتادة: ({وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا}: أي أعلامًا. وقوله: {سُبُلًا} أي طرقًا، وهي جمع السبيل).
قال ابن كثير: (وقوله: {وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا}، أي: ثغرًا في الجبال يَسْلُكُون فيها طُرُقًا من قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، وإقليم إلى إقليم، كما هو المشاهد في الأرض، يكون الجَبَلُ حائلًا بين هذه البلاد وهذه البلاد، فيجعل الله فيه فجْوَةً لغيره، ليَسْلُكَ الناسُ فيها من هاهنا إلى هاهنا، ولهذا قال: {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}).
وقوله: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا} . قال مجاهد: (مرفوعًا). وقال قتادة: (سقفًا مرفوعًا، وموجًا مكفوفًا). والمقصود: ومن آياتنا كذلك أن جعلنا السماء سقفًا على الأرض كالقبة عليها {مَحْفُوظًا} عاليا محروسًا من أن يُنال. قال ابن جرير: (يقول: حفظناها من كل شيطان رجيم).
وقوله: {وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} . قال مجاهد: (الشمس والقمر والنجوم آيات السماء). أي: وهم عن هذه الآيات العظيمة التي تحويها السماء ذات الاتساع الكبير والارتفاع الشاهق المثير، من كواكب ونجوم، وشمس وقمر، ومجرات وأفلاك، ذات حركة ودوران، ومسارات لها انتظام، لا يتفكرون في بارئها وصانعها،
ولا يعتبرون بمبدعها ومُسَيِّرها، ولا ينتبهون للوازم ذلك كله من إفراد الله - تعالى - العظيم القهار بالعبادة والمحبة والطاعة والإخبات.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6].
2 -
وقال تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} [الشمس: 5].
3 -
وقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يوسف: 105].
وفي مسند الطيالسي وسنن البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [تفكروا في آلاء الله، ولا تفكّروا في الله](1).
ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس بلفظ: [تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله].
وله شاهد آخر عند أبي نعيم في "الحلية" من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا، بلفظ:[لا تفكروا في الله، وتفكروا في خلق الله، فإن ربنا خَلَقَ مَلَكًا، قدماه في الأرض السابعة السفلى، ورأسه قد جاوز السماء العُليا، ما بين قدميه إلى ركبتيه مسيرة ست مئة عام، وما بين كعبيه إلى أخمص قدميه مسيرة ست مئة عام، والخالق أعظم من المخلوق](2).
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} .
أي: وهو سبحانه خالق الليل بسكونه وظلامه، وخالق النهار بضيائه وأنسه، ويطوّل هذا تارة ويقصِّره أخرى، والثاني كذلك، وخلق الشمس وحركتها وضياءها، وخلق القمر ومنازله وحركته، وكل في فلك يسبحون. قال مجاهد:(يَجْرون).
(1) حديث حسن. أخر جه البيهقي في (الشعب)(1/ 75)، والطبراني في "الأوسط"(6456)، ورواه الطيالسي وغيره. انظر السلسلة الصحيحة (1788)، وصحيح الجامع (2972) - (2973).
(2)
إسناده حسن في الشواهد. أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 66 - 67) من حديث عبد الله بن سلام مرفوعًا، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة، حديث رقم، (1788) وشواهده.
وقال ابن عباس: (يدورون). والفلك في لغة العرب: كل شيء دائر.
قال القرطبي: (أي يجرون ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء).
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40].
2 -
وقال تعالى: {فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)} [الأنعام: 96].
34 -
35. قوله تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}.
في هذه الآيات: تولّي الله نصر دينه فهو الحي الذي لا يموت والأنبياء والرسل يموتون. وكل نف ذائقة الموت وإنما الناس في اختبار ثم إلى ربهم يرجعون.
فقوله: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ} . ردٌّ على المشركين الذين كانوا يدفعون نبوته عليه الصلاة والسلام ويقولون: شاعر نتربص به ريب المنون. قال القرطبي: (فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك).
وفي التنزيل:
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27].
وقوله: {أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} أي: أفإن مت يا محمد فهؤلاء يؤمِّلون أن يعيشوا بعدك أو يخلدوا في الأرض بعد غيابك! ؟ لا، لن يكون هذا، بل هم ميتون بكل حال عشت أو مت، والكل إلى فناء.
وقوله: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} . قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت، ومتجوعة كأسها).
وقوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} قال ابن عباس: (بالرخاء والشدة، وكلاهما بلاء). وقال قتادة: (يقول: نبلوكم بالشر بلاء والخير فتنة).
وقال ابن زيد: (نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون). وعن علي عن ابن عباس: (قوله: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ} يقول: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحوام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يُردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها).
36 -
40. قوله تعالى: {وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)}.
في هذه الآيات: استهزاء المشركين بالرسول وهم أحق أن يُستهزأ بهم. والإنسان خُلق من عَجَل والكفار المستعجلون للعذاب سيرون ما ينزل بهم. وتقريبٌ من الله لهؤلاء المنكرين البعث والعذاب ما هم مقبلون عليه من العذاب المهين.
قال القاسمي: (عُنِيَ بهذه الآية مستهزئو قريش، كأبي جهل وأضرابه ممن كان يسخر من رسالته صلوات الله عليه، ويتغيظ لسبّ آلهتهم وتسفيه أحلامهم).
وقوله: {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ} . أي: فهم أحق أن يستهزأ بهم.
قال ابن جرير: (يقول: فيعجبون من ذكرك يا محمد آلهتهم التي لا تضرّ ولا تنفع بسوء {وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ} الذي خلقهم وأنعم عليهم، ومنه نفعهم، وبيده ضرّهم، وإليه مرجعهم بما هو أهله منهم أن يذكروه به كافرون).
وفي التنزيل نحو ذلك:
قال تعالى: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كَادَ
لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} [الفرقان: 41 - 42].
وقوله: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} . قال قتادة: (خلق عجولًا).
قال النسفي: (والظاهر أن المراد الجنس، وأنه ركب فيه العجلة، فكأنه خلق من العجل، ولأنه يكثر منه).
قلت: والذي يبدو من السياق أن المقصود تسرّع الإنسان في الجناية على نفسه قبل التأني والبحث، فيستجيب لوسوسة شيطانه في نَفْخِهِ فيه الكبر والاستهزاء بغيره ولو كان غيره يدعو إلى الحق، وهذا حال المشركين حين قابلوا الوحي والنبوة بالعجب والتنطع والعجلة وركبوا موجة الكبر التي حرَّكها إبليس في نفوسهم حتى ران على قلوبهم وكان الهلاك بإصرارهم.
وقوله: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ} .
هو جواب الله تعالى لأولئك المتعجلين نزول العذاب بهم والانتقام منهم. وهنا نكتة لطيفة كما قال ابن كثير رحمه الله: (والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول صلوات الله وسلامه عليه وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت ذلك فقال الله تعالى: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} لأنه تعالى يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه، يُؤجِّلُ ثم يُعَجَّلُ، وَيُنْظِرُ ثم لا يؤخِّر، ولهذا قال: {سَأُرِيكُمْ آيَاتِي}، أي: نِقَمِي وحُكْمِي واقتداري على مَنْ عصاني، {فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ}).
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .
إخبار من الله سبحانه عن سلوك هؤلاء المشركين كمَنْ قبلهم في استعجال الرسل بوقوع العذاب بهم، تكذبيًا منهم بذلك وجحودًا واستبعادًا.
وقوله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} .
تقريبٌ من الله سبحانه لهؤلاء المنكرين البعث والحساب والعذاب لما هم مقبلون عليه من النكال بوصفه أحوالهم وهم في غمرات الجحيم، لا يستطيعون ردّ النار عن وجوههم ولا عن ظهورهم ولا سبيل لهم يومئذ إلى فرج أو نصر أو خلاص مما هم فيه.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} [الزمر: 16].
2 -
وقال تعالى: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41].
3 -
وقال تعالى: {سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ} [إبراهيم: 50].
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يقول الله تبارك وتعالى لأَهْوَنِ أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك ولا أدخلكَ النار، فأبيتَ إلا الشرك](1).
وفي لفظ آخر: [يقول الله لأهون أهل النار عذابًا يوم القيامة: يا ابن آدم! كيف وجدت مضجعك؟ فيقول: شر مضجع .... ] الحديث.
وفي جامع الترمذي ومسند أحمد بسند حسن عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثالَ الذر في صور الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يُساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس، تعلوهم نار الأنيار، يُسْقونَ من عُصارةِ أهل النار، طينةِ الخبال](2).
وقوله تعالى: {بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} .
أي: بل تأتيهم النار فجأة كما تأتيهم الساعة بغتة فلا يجدون أنفسهم إلا وقد أحيط بهم في سعير النار ولهبها وسمومها فلا حيلة حينئذ لردها ولا هم يمهلون أو يؤخرون لتوبة واعتذار، فقد فات أوان التوبة والاستغفار.
قال الفراء: (فتبهتهم: أي تحيرهم). وقيل: فتفجؤهم. وقال الجوهري: (بَهَتَه بَهْتًا أخذه بغتة). والمقصود: أن النار تغشاهم فجأة وتلفح وجوههم حتى تحيرهم في اندفاعها نحوهم، ولا حيلة عندهم لردها أو دفعها. {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} أي؟ ولا يؤخّر عنهم هذا الحال السيِّئ ساعة واحدة. وقال القرطبي:(أي: لا يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار).
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 134)، وانظر مختصر صحيح مسلم (1933) - كتاب صفة القيامة، من حديث أنس بن مالك.
(2)
حديث حسن. رواه أحمد في المسند، والترمذي في السنن - حديث رقم - (2492). انظر صحيح سنن الترمذي (2025)، وصحيح الجامع (7896). وقد مضى تخريجه.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[نارُكم هذه التي يوقد ابنُ آدم، جزء من سبعين جزءًا من حر جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله، قال: فإنها فُضِّلَت عليها بتسعة وستين جزءًا كلها مثل حرها](1).
41 -
45. قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)}.
في هذه الآيات: تثبيت الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم بأن له في طريق الأنبياء قبله أسوة، فالمكر سيحيق بالمستهزئين. قل لهؤلاء المشركين - يا محمد -: من الذي يحفظكم بالليل والنهار من أمر الرحمن إذا نزل بكم، بل أنتم عن ذكر ربكم وشكره معرضون. فهل لكم آلهة تمنعُ نزواط العذاب بكم؟ أم هي هزيلة لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي مصحوبة بالنصر والتأييد؟ ! إنما غرّ هؤلاء متاع الحياة الدنيا فهلّا نظروا إلى أطراف البلاد كيف يفتحها الله للمسلمين، ويتعظوا بهذا الوحي الكريم، وإنما الصم لا يسمعون ولا يعقلون ما ينذرون.
فقوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} .
تسلية من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من إيذاء المشركين واستهزائهم وتكذيبهم.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 149 - 150). وانظر مختصر صحيح مسلم - حديث رقم - (1976) - كتاب صفة النار.
قال النسفي: (سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء أسوة، وأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا).
وفي التنزيل:
وقوله: {قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ} .
قال ابن عباس: (يحرسكم). وقال قتادة: (قل من يحفظكم بالليل والنهار من الرحمن).
والخطاب لهؤلاء المشركين المستعجلين العذاب. أي: قل لهم يا محمد، من يحفظكم ويحرسكم بالليل إذا نمتم، وبالنهار إذا انتشرتم من أمر الرحمان إن نزل بكم، ومن عذابه إن وقع عليكم.
وقوله: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} . قال ابن كثير: (أي: لا يعترفون بنعمه عليهم وإحسانه إليهم، بل يُعرضون عن آياته وآلائه). وقال القرطبي: {بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ} أي عن القرآن. وقيل: عن مواعظ ربهم. وقيل: عن معرفته.
{مُعْرِضُونَ} لاهون غافلون).
وقوله: {أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا} .
أي: أم لهؤلاء المشركين آلهة تقدر على نصرهم إذا نزل بهم عذابنا وحل بهم سخطنا ونقمتنا.
وقوله: {لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ} . قال قتادة: (يعني الآلهة).
أي: بل هم من الضعف والمهانة والعجز بحيث لا تستطيع آلهتهم الهزيلة المخلوقة الدفاع عنهم ولا عن نفسها إذا قضى الله تعالى نزول العذاب بهم.
وقوله: {وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ} . قال مجاهد: (لا ينصرون). أو قال: (ولا هم يحفظون).
وعن ابن عباس: (يقول: ولا هم منا يُجارون). وقال قتادة: (لا يُصحبون من الله بخير).
قال القاسمي: (ومعناه: كيف تستطيع آلهتهم التي يدعونها من دوننا أن تمنعهم
منا، وهي لا تستطيع نصر أنفسها ولا هي بمصحوبة منا بالنصر والتأييد).
وقوله: {بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ} .
قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن المشركين: إنما غرَّهم وحملهم على ما هم فيه من الضَّلال أنهم مُتِّعوا في الحياة الدنيا ونُعِّمُوا، وطالَ عليهم العُمر فيما هُم فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء).
وقوله: {أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} .
قال الحسن البصري: (يعني بذلك ظهور الإسلام على الكفر). أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون - يا محمد - كيف نخرّب البلاد في النواحي المجاورة والأرجاء المختلفة بقهرنا أهلها وغلبهم وإجلائهم. قال القاسمي: (أي ننقص أرض الكفر فَنُخَرِّبُها من نواحيها بقهرنا أهلها وغلبتنا لهم وإجلائهم عنها بالسيوف، فيعتبروا بذلك ويتعظوا به ويحذروا منا أن ننزل من بأسنا بهم نحو الذي قد أنزلنا بمن فعلنا ذلك به من أهل الأطراف).
وقوله: {أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} - تقريعٌ للمشركين بغرورهم وجهلهم بالله وقدرته وجبروته. قال قتادة: (يقول: ليسوا بغالبين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الغالب).
وقوله: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ} . أي بهذا التنزيل العظيم. قال قتادة: (أي بهذا القرآن).
وقوله: {وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} . أي لا يجدي هذا الإنذار عمن ختم الله على قلبه وطمس على سمعه وجعل على بصره غشاوة.
قال سعيد، عن قتادة:(يقول: إن الكافر قد صمَّ عن كتاب الله لا يسمعه، ولا ينتفع به ولا يعقله، كما يسمعه المؤمن وأهل الإيمان).
46 -
47. قوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)}.
في هذه الآيات: إقرار المكذبين بذنوبهم عند حلول العذاب بهم، والوزن يوم القيامة هو الحق فلا تظلم نفس مثقال ذرة وكفى بالله حفيظًا.
فقوله تعالى: {وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} .
النفحة: النصيب والحظ. قال الرازي: (ونَفْحَةٌ من العذاب: قِطْعةٌ منه). وقال قتادة: (يقول: لئن أصابتهم عقوبة). والمعنئ: ولئن نزل بهؤلاء المكذبين قطعة من عذاب الله لرأيتهم يعترفون بذنوبهم ويقرّون أنهم كانوا في هذه الحياة الدنيا ظالمين.
وقوله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
قال ابن كثير: (أي: ونضع الموازين العَدْل ليوم القيامة. الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدّد الأعمال الموزونة فيه).
قلت: ويؤيد هذا ما روى الحاكم بسند صحيح عن سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[يوضع الميزان يوم القيامة فلو وزن فيه السماوات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك، ويوضع الصراط مثل حد الموسى، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟ فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك](1).
وفي جامع الترمذي بسند صحيح عن عائشة: [أن رجلًا قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إن لي مَمْلوكين، يكذبونني، ويخونونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم، فكيف أنا منهم؟ قال:"يُحْسَبُ ما خانوكَ وعَصَوْكَ وكَذَّبوك، وعِقابُكَ إيَّاهم، فإن كان عقابُك إياهم بِقَدْرِ ذنوبهم كان كَفافًا لا لَكَ ولا عليكَ، وإنْ كانَ عقابُك إياهم دونَ ذنوبهم كان فَضْلًا لك، وإنْ كان عقابُك إياهم فوقَ ذنوبهم اقْتُصَّ لهم مِنْكَ الفَضْلُ".
قال: فتنحّى الرجل، فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما تَقْرأ كِتابَ الله: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} الآية.
فقال الرجل: والله يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أشهدك أنهم أحرار كلهم] (2).
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم (4/ 586)، والآجري في "الشريعة"(382)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (941).
(2)
صحيح الإسناد. انظر صحيح سنن الترمذي (2531) - كتاب التفسير - سورة الأنبياء.
وقوله: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا} .
أي: فلا يظلم الله نفسًا وإن كان الذي له من عمل الحسنات أو السيئات وزن حبة من خردل جئنا بها فأحضرناها. قال ابن زيد: (كتبناها وأحصيناها له وعليه).
وقال: (يؤتى بها لك وعليك، ثم يعفو إن شاء أو يأخذ، ويجزي بما عمل له من طاعة). وعن مجاهد: {أَتَيْنَا بِهَا} قال: جازَيْنا بها).
وقوله: {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} . أي عالمين حافظين، ولا أحد أسرع حسابًا منا.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40].
2 -
وقال تعالى: {وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف: 49].
3 -
وقال تعالى: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
4 -
وقال تعالى - من قيل لقمان -: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16].
ومن كنوز السنة العطرة في آفاق ذلك أحاديث:
الحديث الأول: روى مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالئ أنه قال:[يا عبادي إني حَرَّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا] الحديث (1).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي وابن ماجة بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إن الله عز وجل يستخلِصُ رجلًا من أُمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشُرُ عليه تسعةً وتسعين سِجِلًا، كُل سجلٍّ مَدُّ البصر، ثم يقول: أَتُنكِرُ من هذا شيئًا؟ أظَلَمتْكَ كَتَبتي الحافِظُون؟ قال: لا، يا رب. قال: أفلك عُذْرٌ أو حسنةٌ؟ قال: فَيُبْهَتُ الرجلُ فيقول: لا، يا رب. فيقول: بلى، إنَّ لك عندنا حسنة واحدةً، لا ظلم اليوم عليك. فَيُخرجُ له بطاقة فيها:"أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله"، فيقول: أَحْضِروه.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (8/ 17)، وأخرجه أحمد في المسند (5/ 160).
فيقول: يا ربِّ، ما هذه البطاقةُ مع هذه السِّجلاتُ! فيقال: إنك لا تُظلم.
قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة. قال: ولا يثقل شيءٌ باسم الله الرحمن الرحيم] (1).
الحديث الثالث: أخرج الشيخان وأحمد والترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم](2).
48 -
50. قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)}.
في هذه الآيات: اشتمال التوراة على الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والذكرى للمؤمنين الذين هم من الساعة مشفقون. وهذا القرآن كذلك كتاب مبارك في غاية الإعجاز والجلاء والوضوح فعجب من قوم له ينكرون.
فقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ} . قال مجاهد: (الكتاب).
وقال قتادة: (الفرقان: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله به بين الحق والباطل).
وقال ابن زيد: (الفرقان: الحق آتاه الله موسى وهارون، فرق بينهما وبين فرعون، قضى بينهم بالحق، وقرأ: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ} [الأنفال: 41] قال: يوم بدر). قال: (يعني النصر).
والآية كغيرها من الآيات يقرن الله تعالى بين ذكر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وبين كتابيهما.
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2639)، وابن ماجة (4300)، وأحمد (2/ 213)، والحاكم (1/ 6 - 529)، وابن حبان (223)، ورجاله ثقات.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (6406)، (7563)، ومسلم (2694)، والترمذي (3467)، وابن ماجة (3806)، وأحمد (2/ 232)، وابن حبان (831).
قال ابن كثير: (وجامعُ القول في ذلك أن الكتب السماوية تَشتمِلُ على التفرقة بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والغَيِّ والرشاد، والحلال والحرام، وعلى ما يحصُل نورًا في القُلوب، وهدايةً وخوفًا وإنابةً وخشية، ولهذا قال: {الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ} أي: تذكيرًا لهم وعظة).
وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} .
يشتمل على ركني النجاة: خشية الله بالغيب، والعمل والاستعداد للقائه يوم القيامة. فالإيمان: قول وعمل. والقول قولان: قول القلب وقول اللسان. والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [الملك: 12].
2 -
وقال تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33].
وقوله: {وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ} . أي: خائفون وجلون حذرون.
أخرج أبو نعيم في "الحلية" بسند حسن في الشواهد عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمْنَين ولا خوفين، إنْ هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع فيه عبادي](1).
وقوله تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} . قال قتادة: (أي هذا القرآن).
أي: أفأنتم معشر العرب منكرون لهذا القرآن المبارك الذي أنزله الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم كما أنزل التوراة من قبل على موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الكتاب المعجز الذي لا يأتيه الباطل عن بين يديه ولا من خلفه، وفيه ذكر أخبار الأمم وأخبار ما يجري وما سيكون إلى يوم القيامة، وأخبار كل شيء، فكيف تنكرونه وهو في هذه الغاية من الجلاء والوضوح والبيان والإعجاز.
51 -
56. قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ
(1) حسن لشواهده. أخرجه أبو نعيم في "الحلية"(6/ 98)، والبزار كما ذكر الهيثمي في "المجمع"(10/ 308)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (742).
عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)}.
في هذه الآيات: إلهامُ الله تعالى إبراهيم صلى الله عليه وسلم الحق من صغره، وثناؤه تعالى عليه في قوة محاججته لأبيه وقومه في عكوفهم على عبادة الأوثان والأصنام، وترك عبادة الرحمان، فاطر السماوات والأرض، وله الخلق والأمر، وهو ربّ جميع الأنام.
فقوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ} . قال مجاهد: (هديناه صغيرًا).
وعن قتادة قال: (يقول: آتيناه هداه). والمقصود: هداه الله من صغره وألهمه الحق وقوة الحجة ليفيد منها عند جداله قومه.
كما في التنزيل:
{وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} [الأنعام: 83].
وقوله: {وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} . قال ابن جرير: (يقول: وكنا عالمين به أنه ذو يقين وإيمان بالله وتوحيد له، لا يشرك به شيئًا). والمقصود: أنه كان أهلًا لهذا الاختصاص من الله تعالى.
وقوله تعالى: {إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} .
قال مجاهد: (الأصنام). قال ابن كثير: (هذا هو الرُّشد الذي أوتيه من صِغره، الإنكارُ على قومه عبادةَ الأصنام من دون الله عز وجل، فقال: {مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ}، أي: مُعْتكِفون على عِبادتها).
وقوله تعالى: {قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ} .
احتجاج فاسدٌ من القوم إذ اعتبروا صنيع الآباء الضُّلال حجة تُسَوِّغ لهم عبادتهم الأوثان من بعدهم.
وقوله تعالى: {قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} .
إخبارٌ من الله تعالى عن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام مجيبًا لهم في
احتجاجهم الفاسد على عبادة الأوثان بصنيع الآباء: لقد كنتم أنتم وآباؤكم في منهاج عبادتكم في ذهاب عن سبيل الحق وجور عن قصد السبيل، لا يخفى ذلك على عاقل، بل هو ظاهر بَيِّن.
وقوله تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ} .
قال النسفي: (أي أجادٌّ أنت فيما تقول أم لاعبٌ، استعظامًا منهم إنكاره عليهم، واستبعادًا لأن يكون ما هم عليه ضلالًا).
وقوله تعالى: {قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} .
أي: بل ربكم أيها القوم رب السماوات والأرض الذي خلقهن وخلق ما فيهن من المخلوقات، ومن جملتها أصنامكم وآلهتكم الضعيفة التافهة التي تصرفون لها العبادة بسبب خفة عقولكم وفراغ قلوبكم من الإيمان بالله الخالق العظيم الواحد الأحد، وأنا أشهد أنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، وإليه كل الخلق والأمر وله صحيح العبادة.
57 -
70. قوله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)}.
في هذه الآيات: تحطيمُ إبراهيم صلى الله عليه وسلم أصنام قومه، واستخفافه بعقولهم عند
محاكمتهم له، واجتماعهم على تحريقه فأنجاه الله -قال: يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم-، وَردّ كيدهم في نحرهم وجعلهم الأخسرين.
فقوله تعالى: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ} .
قال النسفي: ({وَتَاللَّهِ} أصله والله، وفي التاء معنى التعجب من تسهيل الكيد على يده مع صعوبته وتعذره لقوة سلطة نمرود). وقال ابن كثير: (أقسم الخليلُ قسمًا أسْمَعَهُ بعض قومه: ليكيدَنَّ أصنامَهُم، أي: ليحرِصَن على أذاهم وتَكْسِيرهم بعد أن يُوَلُّوا مُدْبرين، أي: إلى عيدهم. وكان لهم عيدٌ يخرجون إليه).
قال السُّدِّيُّ: (لما اقترب وقتُ ذلك العيد قال أبوه: يا بُنَيَّ، لو خَرَجْتَ معنا إلى عيدنا لأعجبك دينُنا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسَه إلى الأرض وقال: إني سقيم. فجعلوا يمرون عليه وهو صريعٌ فيقولن: مَهْ! فيقول: إني سقيم. فلما جَاز عامَّتُهم وَبقِيَ ضُعَفاؤهم، قال: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم}، فسمعه أولئك).
وقوله: {فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا} . قال ابن عباس: (يقول: حُطامًا). وقال مجاهد: (كالصَّريم).
وقال قتادة: (أي قطِعًا). والمقصود: فكسر أصنامهم وجعلهن قطعًا - من الجذ وهو القطع، جمع جذاذة -.
وقوله: {إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ} .
قال ابن عباس: (إلا عظيمًا لهم عظيم آلهتهم). وقال مجاهد: (جعل إبراهيم الفأس التي أهلك بها أصنامهم مسندة إلى صدر كبيرهم الذي ترك). قال قتادة: (كادهم بذلك لعلهم يتذكرون أو يبصرون).
والمقصود: تَرَكَ كبيرَ الأصنام قاصدًا لعلهم يرجعون إليه فيسألونه عن كاسرها فيتبين لهم عجزه، أو لعلهم يظنون أنه هو غار لنفسه وأَنِفَ أن تُعْبد معه هذه الأصنام الصِّغار فكسرها. وقيل: لعلهم يرجعون إلى إبراهيم أو إلى الله. والتفسير الأول أنسب للسياق ومكيدة إبراهيم صلى الله عليه وسلم بهم.
وقوله تعالى: {قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ} .
قال القاسمي: ({قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا} أي هذا الفعل الفظيع {بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ
الظَّالِمِينَ} أي لجرأته على إهانتها وهي الجديرة عندهم بالتعظيم. أو لإفراطه في التجذيذ والحطم، وتماديه في الاستهانة بها. أو بتعريض نفسه للهلكة. والاستفهام للإنكار والتوبيخ والتشنيع).
وقوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} . أي: سمعنا فتى يعيبهم يقال له إبراهيم.
قال ابن جريج: (يذكرهم يعيبهم). وقال ابن إسحاق: (سمعناه يسبها ويعيبها ويستهزئ بها، لم نسمع أحدًا يقول ذلك غيره، وهو الذي نظن صنع هذا بها).
وقوله تعالى: {قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ} . أي: أحضروه على مرأى الناس ليشهدوا عقوبته.
قال ابن إسحاق: ({لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ}: أي ما يصنع به). قال ابن كثير: (وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم عليه السلام، أن يُبَيِّنَ في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقولهم في عبادة هذه الأصنام، التي لا تدفع عن نفسها ضَرًّا، ولا تستطيع لها نصرًا، فكيف يُطلَبُ منها شيءٌ من ذلك).
أي: سألوه في مشهد الناس أحقًّا أنت الذي فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ ! - وإنما أرادوا إقامة البينة عليه ثم عقوبته أمام الملأ ليكون عبرة لمن يعتبر - فكادهم صلوات الله وسلامه عليه بإجابة ذكية بأن نسب الفعل إلى كبيرهم ليضعهم أمام تفاهة منهجهم في التفكير والعبادة. قال قتادة: (قوله: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا}
…
الآية، وهي هذه الخصلة التي كادهم بها). وقال ابن إسحاق:(غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهن).
قال القرطبي: (إن كانوا ينطقون فاسألوهم. فعلق فعل الكبير بنطق الآخرين، تنبيهًا لهم على فساد اعتقادهم. كأنه قال: بل هو الفاعل إن نطق هؤلاء. وقيل: بيّن أن من لا يتكلم ولا يعلم لا يستحق أن يعبد).
ولا شك أن قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم ذلك من المعاريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [لمَ يَكْذِبْ إبراهيم إلا ثلاثًا](1).
وفي الصحيحين والمسند عنه مرفوعًا: [لم يَكْذِبْ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام إلا ثلاثَ كذَباتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ في ذات الله عز وجل، قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} [الصافات: 89]، وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء: 63]، وقال: بَيْنا هو ذاتَ يومٍ وسارةُ إذ أتى على جَبَّارٍ من الجبابرةِ، فقيل لهُ: إن هذا رجُلٌ مَعَهُ امرأةٌ مِنْ أَحْسَنِ الناس، فأرْسَلَ إليهِ فسألهُ عَنْها، فقال: مَنْ هذه؟ قال: أختي، فأتى سارةَ فقال: يا سارةُ، ليس على وجهِ الأرض مؤمنٌ غيري وغيرُكِ، وإنَّ هذا سألني عَنْكِ فأَخْبَرْتُه أنَّكِ أختي فلا تُكَذّبيني، فأرسلَ إليها، فلَمَّا دَخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناولها بيدهِ فأُخِذَ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَت اللهَ فأُطْلِقَ ثم تَناوَلَها الثانية فأُخِذَ مِثْلَها أو أشدَّ، فقال: ادعي اللهَ لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ اللهَ فَأُطْلِقَ، فدَعَا بَعضَ حَجَبَتِهِ فقال: إنَّكَ لم تأتِني بإنسانٍ، إنما أَتَيْتَني بِشَيطانٍ، فأخْدَمَها هاجرَ، فأَتَتْهُ وهو قائِمٌ يُصَلي فأومأَ بيدهِ: مَهْيَم؟ قالت: ردَّ الله كيدَ الكافر - أو الفاجر - في نَحْرهِ وأخدم هاجر. قال أبو هريرةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يا بني ماء السماء] (2).
وقوله تعالى: {فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} . أي بترك حراستكم الآلهة. أو كما قال النسفي: (فرجعوا إلى عقولهم وتفكروا بقلوبهم لما أخذ بمخانقهم {فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} على الحقيقة بعبادة ما لا ينطقُ لا من ظلمتموه حين قلتم من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين، فإنه من لا يدفعُ عن رأسهِ الفاس، كيف يدفعُ عَنْ عابديهِ الباس).
وقوله تعالى: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ} .
أي: ثم أطرقوا في الأرض وأصابتهم حيرة من أمرهم، ثم قالوا لإبراهيم: كيفَ تقول لنا سلوهم وهم لا ينطقون وأنتَ تعلمُ أَنها لا تنطق! قال قتادة: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ} أدركتِ الناسُ حيرة سوء).
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (3357)، كتاب أحاديث الأنبياء، وانظر كذلك (2217) منه.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3358)، كتاب أحاديث الأنبياء، وكذلك (5084)، وأخرجه مسلم (2371)، وأبو داود (2212)، ورواه أحمد (2/ 403)، وابن حبان (5737).
وقوله تعالى: {قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ} .
قال ابن إسحاق: (يقول: ألا ترون أنهم لم يدفعوا عن أنفسهم الضر الذي أصابهم، وأنهم لا ينطقون فيخبرونكم من صَنَعَ ذلكَ بهم، فكيف ينفعونكم أو يضرون).
والمقصود: أنَّ إبراهيم صلى الله عليه وسلم استفاد من حيرتهم وعجزهم عن تفسير الموقف بأَنْ واجههم بفساد المنهج الذي هم عليه: كيفَ تعبدون من لا ينطقُ ولا يضر ولا ينفع؟ ! .
وقوله تعالى: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} .
قال ابن جرير: (يقول: قُبحًا لكم وللَالهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضرُ ولا ينفعُ، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيدهِ النفع والضر).
وقوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} .
قال ابن إسحاق: (أجمع نمرود وقومه في إبراهيم فقال: {حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار إن كنتم ناصريها).
فبنوا له بنيانًا، وأوقدوا فيهِ نارًا، ثم ألقوهُ في النار. فقال إبراهيم عند ذلكَ:"حسبي الله ونعم الوكيل".
ففي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [{حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: إنَّ الناسَ قد جَمَعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل](1).
وفي رواية له عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [كانَ آخِرَ قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل].
وقوله تعالى: {قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} .
قال ابن جريج: (قوله: {بَرْدًا} قال: بردت عليه {وَسَلَامًا} لا تؤذيه).
قلت: وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لنبيِّه وخليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومعجزة باقية في ذكراها تتلوها الأجيال المتعاقبة على مرّ الدهور والأزمان. فإن الصدق
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (8/ 172)، حديث رقم (4563) - (4564) - كتاب التفسير.
مع الله في نصر دينه لا بد أن يقابله خرق للعادات ونصر من الله لأوليائه وعباده الصالحين.
وفي التنزيل:
{وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2 - 3].
وفي سنن ابن ماجة وجامع الترمذي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خِماصًا وتروح بِطانًا](1).
ولفظ الترمذي: [لو أنكم كنتم تَوَكَّلونَ على الله حقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُم كما تُرْزَقُ الطَّيْرُ، تغذو خِماصًا، وتروحُ بِطانًا].
وقوله تعالى: {وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ} .
أي: أراد القوم بمكرهم إيقاع الكيد والنكال والعذاب بإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فردّ الله تعالى المكر ليحيق بأهله، وجعلهم من المغلوبين الأسفلين الخاسرين.
71 -
75. قوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)}.
في هذه الآيات: نجاةُ إبراهيم ولوط - عليهما الصلاة والسلام - إلى بلاد الشام. وإكرام الله إبراهيم بإسحاق ويعقوب أئمة من الصالحين، يدعون إلى الدين الحق
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة (4164)، والترمذي (2461). انظر صحيح الترمذي (1911).
ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وكانوا لله عابدين. وإعطاء الله تعالى نبيَّه لوطًا صلى الله عليه وسلم علمًا وحكمًا وحمايته من القوم الفاسقين، وإدخاله في رحمته إنه كان من الصالحين.
فقوله تعالى: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} .
قال قتادة: (كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال للشأم عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشأم، وما نقص من الشأم زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى بن مريم، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الكذّاب الدجال).
والمقصود: أن الله تبارك وتعالى لما سَلَّم إبراهيم عليه الصلاة والسلام من نار قومه، أخرجه من بين ظهرانيهم إلى بلاد الشام، إلى الأرض المقدسة منها.
قلت: والشام مُهاجَرُ الأمة من الفتن إلى قيام الساعة، وفيها بقية المؤمنين والماء. وقد حفلت السنة الصحيحة بآفاق هذا المعنى، وذلك في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج الحاكم في "المستدرك" بسند صحيح عن عبد الله موقوفًا - في حكم المرفوع -: [يُوشِك أن تَطْلُبوا في قُراكم هذه طَسْتًا مِنْ ماءٍ فلا تجدونَهُ، يَنْزَوي كلُّ ماءٍ إلى عُنْصُرِه، فيكون في الشام بقيَّةُ المؤمنين والماء](1).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند صحيح عن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: [سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! يا طوبى للشام! قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام].
وفي رواية: [طوبى للشام، إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه](2).
وفي لفظ: [لأنَّ ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه].
الحديث الثالث: أخرج أحمد في المسند عن أبي الدرداء مرفوعًا: [بينما أنا نائم إذ رأيتُ عمودَ الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصري، فعُمِدَ به إلى الشام. ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام].
(1) حديث صحيح. أخرجه الحاكم في "المستدرك"(4/ 304) بسند صحيح من حديث عبد الله موقوفًا - في حكم المرفوع -، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (3078).
(2)
حديث صحيح. أخرجه الترمذي (2/ 33)، والحاكم (2/ 229)، وأحمد (5/ 184). وسنده صحيح.
وله شاهد عند الطبراني من حديث عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [رأيتُ في المنام أخذوا عمودَ الكتاب فعمدوا به إلى الشام، فإذا وقعت الفتنُ فالأمن بالشام] وسنده حسن (1).
وقوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} .
قال ابن عباس: (يقول: ووهبنا له إسحاق ولدًا، ويعقوب ابن ابنه نافلة).
وقال قتادة: (والنافلة: ابن ابنه يعقوب). أي أعطاه الله إسحاق وزاده يعقوب نافلة، كما قال تعالى:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71]. وعنى بقوله: {وَكُلًّا} إبراهيم وإسحاق ويعقوب. {جَعَلْنَا صَالِحِينَ} - أي أَهل صلاح وتقوى وعمل بطاعة الله عز وجل.
وقوله: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} . هو تحصيل الصبر واليقين بالله عز وجل والعمل بطاعته. كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} . فبالصبر واليقين، تُنال الإمامة في الدين.
قال قتادة: (جعلهم الله أئمة يُقتدى بهم في أمر الله. وقوله: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} يقول: يهدون الناس بأمر الله إياهم بذلك، ويدعونهم إلى الله وإلى عبادته).
أي: وأوحينا إليهم فيما أوحينا إليهم من الشرائع إقام الصلاة بحدودها وأركانها وواجباتها وخشوعها، والإنفاق في سبيل الله زكاة للأموال والخيرات، فكانوا عند حسن الظن في صدق الإيمان وحسن العبادة. قال قتادة:{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} يقول: كانوا لنا خاشعين، لا يستكبرون عن طاعتنا وعبادتنا).
وقوله: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} .
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وآتينا لوطًا حكمًا، وهو فصل القضاء بين الخصوم، وعلمًا: يقول: وآتيناه أيضًا علمًا بأمر دينه، وما يجب عليه من فرائضه).
(1) حديث حسن. انظر تخريج "فضائل الشام" - الألباني. وكتابي: أصل الدين والإيمان (1/ 1008 - 1016).- لتفصيل البحث في فضائل الشام.
وقوله: {وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ} .
أي: ونجيناه من العذاب الذي أنزلناه بأهل قرية سدوم التي انتشر في أهلها فعل الفواحش - من إتيانهم الذكور في أدبارهم - وكان لوط صلى الله عليه وسلم قد بعث إليهم.
وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ} . أي: أصحاب سوء من العمل خارجين عن طاعة الله.
وقوله: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} . قال ابن زيد: (في الإسلام).
قال القرطبي: {وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا} في النبوة. وقيل: في الإسلام. وقيل: الجنة. وقيل: عنى بالرحمة إنجاءه من قومه {إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} ).
76 -
77. قوله تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)}.
في هذه الآيات: نجاةُ نوحٍ صلى الله عليه وسلم بإذن الله من الكرب العظيم، وإغراق الله تعالى القوم الذين كذبوه وكانوا ظالمين.
فقوله: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ} . أي: واذكر يا محمد نوحًا إذ نادى ربه من قبلك، ومن قبل إبراهيم ولوط، لِنُهِلِكَ من كَذَّبه من قومه وأسرف في العتو والطغيان.
وفي التنزيل:
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} .
أي: فاستجبنا له دعاءه وأهلكنا القوم الظالمين. ونجيناه وأهله أهل الإيمان من ولده وحلائلهم ومن مضى على منهاج الإيمان، من أهوال ذلك الطوفان.
وفي التنزيل:
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى
الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [القمر: 10 - 14].
وقوله: {وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} . قال أبو عبيدة: {مِنَ} بمعنى على. وقيل: المعنى فانتقمنا له.
قال النسفي: (مَنَعْناه منهم أي من أذاهم). والمقصود: أن النصر كان لنوح صلى الله عليه وسلم ومن مضى على منهاجه - في آخر الأمر وحين الفصل، وكان الهلاك والغرق من نصيب أهل التكذيب والطغيان، وأهل الاستهزاء والعصيان.
وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} . أي: إنهم كانوا على منهاج سوء فاستأصلهم الغرق أجمعين.
قال ابن كثير: (أي: أهلكهم الله بعامَّةٍ، ولم يُبْق على وجهِ الأرض منهم أحدًا، إذْ دَعا عليهم نبيُّهم).
78 -
82. قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)}.
في هذه الآيات: تفهيم الله سليمان في مسألة الكرم وغنم القوم، وتسخير الجبال مع داود يسبحن والطير، وتعليمه عمل الدروع الملبوسة، وتسخير الريح والشياطين لسليمان، عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين الصلاة والسلام.
قال أشعث عن أبي إسحاق عن مّرة عن ابن مسعود: (كان ذلك الحَرْث كرمًا قد نبتت عناقيده). وعن مّرة: (كان الحرث نبتًا).
والمقصود: أنه من حرث الأرض من غرسه أو نباته.
قال ابن عباس: ({إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال: رعت). وقال ابن إسحاق: (النفش: الرعية تحت الليل). وعن قتادة: (النفش بالليل، والهَمْل بالنهار).
قلت: وفي لغة العرب: لا يكون النفش إلا بالليل، والهَمَلُ يكون ليلًا ونهارًا. قال الرازي:(و {نَفَشَتْ} الإبل والغنم أي رَعَت ليْلًا بلا راع. قال: وأنفَشَها غيرُها تركها ترعى ليلًا بلا راع).
وتفصيل الخبر كما رواه ابن جرير من طريق أشعث عن أبي إسحاق عن مرة، عن ابن مسعود - في قوله {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} - قال:(كَرْم قد أنْبَتَ عناقيده، فأفسدَتْه. قال: فقضى داودُ بالغنم لصاحب الكَرْم. فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبيَّ الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفَعُ الكَرْمَ إلى صاحب الغنم فيقَومُ عليه حتى يعودَ كما كان، وتَدْفَعُ الغَنَم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا كان الكَرْمُ كما كان دَفَعْتَ الكَرْم إلى صاحبه، ودَفَعْتَ الغنم إلى صاحبها، فذاك قوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ}).
وله شاهد عند ابن أبي حاتم عن خُدَيج عن أبِي إسحاق عن مُرَّة عن مَسُروق قال: (الحَرْثُ الذي نَفَشَت فيه الغنم إنما كان كَرْمًا نَفَشَت فيه الغنمُ، فلم تَدع فيه ورقة ولا عُنقودًا من عِنَب إلا أكَلَته، فأتوا داودَ فأعطاهم رِقَابها. فقال سليمان: لا، بل تِؤخذ الغَنَمُ فَتُعطى أهل الكَرْمِ، فيكون لهم لَبَنُها ونفعُها، ويُعطى أهل الغَنَم الكَرْم فيَعْمُروه ويُصلحوه، حتى يعود كالذي كان ليلةَ نَفَشَت فيه الغنمُ، ثم يُعطى أهلُ الغنم غَنَمَهم، وأهلُ الكرمِ كَرْمهُم).
قلت: وأما في شرعنا، فعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار، وعلى أصحاب المواشي حفظ مواشيهم بالليل. فإن فرّط صاحب الماشية في ضبط وحبس ماشيته ليلًا فانتشرت وأفسدت شيئًا من زروع الناس فعليه ضمان ذلك.
وأدلة ذلك كثيرة:
1 -
الدليل الأول: أخرج ابن ماجة وأبو داود بسند صحيح عن مُحَيِّصَةَ: [أنَّ ناقة للبراء بن عازب، دخلت حائط رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أهل
الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل] (1). وفي لفظ ابن ماجة: أفقضى أن حِفْظَ الأموال على أهلها بالنهار. وعلى أهل المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل].
2 -
الدليل الثاني: أخرج أبو داود بسند صحيح عن حرام بن مُحَيِّصَة الأنصاري، عن البراء بن عازب، قال:[كانت له ناقة ضارية، فدخلت حائطًا فأفسدت فيه، فَكُلِّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقضى: أنَّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشِيَتُهم بالليل](2).
وقوله: "ضارية" أي التي تعتاد رعي زرع الناس. والحائط: البستان. وقوله: "أن حفظ الأموال" أي البساتين. فما أتلفت الماشية بالنهار فالتقصير من صاحب البستان، فلا ضمان، وما أتلفت بالليل فالتقصير من صاحبها، وعليه الضمان.
3 -
الدليل الثالث: يروي ابن جرير بإسناده عن عامر - أي الشعبي، وكذلك عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الشعبي:[أنَّ شاةً وقعت في غزل حائك فاختصموا إلى شُرَيح، فقال الشعبي: انظروه فإنه سيسألهم ليلًا وقعت فيه أو نهارًا، ففعل. ثم قال: إن كان بالليل ضمن، وإن كان بالنهار لم يضمن، ثم قرأ شريح: {إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال: والنَّفْش بالليل والهَمَل بالنهار].
وفي لفظ ابن جرير، قال عامر:(جاء رجلان إلى شُريح، فقال أحدهما: إن شياه هذا قطعت غَزْلًا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلًا؟ قال: إن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشياه، وإن وإن ليلًا فقد ضمن، ثم قرأ: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ} قال: كان النفش ليلًا)(3).
وهذا التفريق بين الليل والنهار حكمته ظاهرة، كما قال القرطبي رحمه الله: (وذلك أن أهل المواشي لهم ضرورة إلى إرسال مواشيهم ترعى بالنهار، والأغلب عندهم أن من عنده زرع يتعاهده بالنهار ويحفظه عمن أراده، فجعل حفظ ذلك بالنهار على أهل
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن ماجة في السنن - حديث رقم - (2332) - كتاب الأحكام، وأخرجه أبو داود (3569) - كتاب الإجازة. وانظر صحيح سنن أبي داود (3047).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (3570) - كتاب الإجازة، باب المواشي تفسد زرع قوم، انظر صحيح سنن أبي داود (3048)، وصحيح سنن ابن ماجة (1888) - باب الحكم فيما أفسدت المواشي.
(3)
أخرجه ابن جرير في "التفسير"(24701)، ويشهد لهذا القضاء من شريح الدليلان قبله.
الزروع، لأنه وقت التصرف في المعاش، كما قال الله سبحانه تعالى:{وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} [النبأ: 11]. فإذا جاء الليل فقد جاء الوقت الذي يرجع كل شيء إلى موضعه وسكنه، كما قال الله تعالى:{مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} [القصص: 72] وقال: {وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96] ويرد أهل المواشي مواشيهم إلى مواضعهم ليحفظوها، فإذا فرّط صاحب الماشية في ردّها إلى منزله، أو فرّط في ضبطها وحبسها عن الانتشار بالليل حتى أتلفت شيئًا فعليه ضمان ذلك).
فائدة: أما قوله صلى الله عليه وسلم: [العَجْمَاءُ جُرْحُها جُبَارٌ](1)، فالمقصود ما انفردت به البهيمة فأتلفته دون سائق أو قائد. أو يقال: هو حديث عام، ثم خصّ منه الزرع والحوائط بحديث البراء السابق. والله تعالى أعلم.
وقد ذهب مالك والجمهور إلى القول بحديث البراء، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وبعض الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ، فما أفسدت البهائم ليلًا أو نهارًا لا يلزم صاحبها شيء، واستدلوا بحديث:"جُرْح العجماء جُبار"، والراجح قول مالك والجمهور وأنه عموم ورد فيه التخصيص، والله أعلم.
وقوله: {وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} . أي: لا يخفى علينا من ذلك الحكم شيءٌ، ولا يغيب عنا علمه. وفي الآية دليل على أن أقل الجمع اثنان.
وقوله: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} . أي: ألهمنا سليمان صحة الحكم في المسألة ودقة الفتوى.
قال الحسن: (أثنى على سليمان ولم يذمَّ داود).
قلت: والآية تشير إلى أن الصواب كان مع سليمان عليه الصلاة والسلام، ولكن داود مأجور كذلك في اجتهاده. وبذلك جاءت سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، في أحاديث:
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم وأصحاب السُنن عن عمرو بن العاص أنه
(1) أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:[العَجْماء جُرْحها جُبارٌ، والبئر جُبَارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ]. انظر صحيح البخاري (6912) - كتاب الديات. وأخرجه مسلم (1710). والعجماء البهيمة، وسميت بذلك لأنها لا تتكلم، جبار: أي جنايتها هدر ليس فيها ضمان. و"المعدن جبار" أي لا زكاة فيما يستخرج منه. و (الركاز) الكنوز المدفونة قبل الإسلام، وفيها الخمس.
سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [إذا حكمَ الحاكِمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر](1).
الحديث الثاني: أخرج أبو داود وابن ماجة والحاكم بسند صحيح عن بريدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[القُضاة ثلاثةٌ: واحدٌ في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجل عرف الحق فقضى به. ورجلٌ عرف الحق، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى للناس على جهل فهو في النار](2).
الحديث الثالث: أخرج البخاري ومسلم وأحمد والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كانت امرأتان مَعَهمُا ابناهُما، جاءَ الذئبُ فذهب بابن إحداهُما، فقالت صاحِبَتُها: إنَّما ذهبَ بابنِكِ، وقالت الأخرى: إنما ذهبَ بابنكِ، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى، فخرجتا على سُليمان بنِ داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائْتُوني بالسِّكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تَفْعَلْ يرحَمُكَ الله، هو ابْنُها، فقضى به للصغرى](3). قال أبو هريرة: (والله إنْ سمعتُ بالسِّكين إلا يومئذ وما كُنّا نقولُ إلا المُدْية).
وقوله: {وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا} .
قال النسفي: ({حُكْمًا} نبوة، {وَعِلْمًا} معرفة بموجب الحكم).
وقوله: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} .
قال ابن كثير: (وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّمَ به تَقِفُ الطيرُ في الهواء فَتُجاوِبُه، وتَرُدُّ عليه الجبال تأويبًا).
قلت: والصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا وجمالًا، ويزداد المستمع له تأثرًا، فيزداد القلب بذلك تعلقًا وخشية، وقد جاء ذلك في صحيح السنة في أحاديث:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح - حديث رقم - (7332)، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، وأخرجه مسلم (1716)، وأبو داود (3574)، والترمذي (1326)، والنسائي (8/ 223)، وابن ماجة (2314)، وأحمد (4/ 198).
(2)
حديث صحيح. أخرجه أبو داود في السنن - حديث رقم - (3573)، كتاب الأقضية، وابن ماجة (2315)، والحاكم (4/ 90).
(3)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (3427)، كتاب أحاديت الأنبياء، وأخرجه مسلم (1720)، وأحمد (2/ 322)، والنسائي (8/ 234 - 236)، وبوّب عليه في كتاب القضاء:"باب الحاكم يوهِمُ خِلافَ الحُكْمِ ليستعْلِمَ الحقَّ".
الحديث الأول: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ما أذِنَ الله لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسنِ الصوتِ يتغنى بالقرآن يجهر به](1).
وهو بمعنى: ما استمع الله لشيء من كلام الناس كما استمع لمن تغنى بالقرآن، إشارة إلى الرضى والقبول.
الحديث الثاني: أخرج مسلم وأحمد والنسائي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: [أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود. فقال أبو موسى: لو علمت مكانك لحبَّرْتُ لك تحبيرًا](2).
وأصل الزمر الغناء، والمراد الصوت الحسن، وآل داود هو داود نفسه، وقوله "لحَبَّرتُ": يريد تحسين الصوت وتحزينه.
الحديث الثالث: أخرج أبو داود بسند صحيح عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوتَ الحسنَ يزيد القرآن حُسْنًا](3).
وقوله: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} . أي: قضينا ذلك في أم الكتاب من تسخير الجبال والطير مع داود صلى الله عليه وسلم.
قال القاسمي: (إشارة إلى أنه ليس ببدع في جانب القدرة الإلهية، وإن كان عند المخاطبين عجيبًا).
وفي التنزيل نحو ذلك: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: 17 - 19].
وقوله: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} . أي: عمل الدروع الملبوسة، فقد كانت قبل ذلك صفائح فجعلها حلقًا وسردها، أي أدخل بعضها في بعض.
قال قتادة: (كانت صفائح، فأوّل من سَرَدها وحَلَّقها داود عليه السلام.
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (7544)، كتاب التوحيد، وانظر مختصر صحيح مسلم (2111).
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (793)، والنسائي في "فضائل القرآن"(83)، وأحمد (5/ 349).
(3)
حديث صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود (1320)، وسلسلة الأحاديث الصحيحة (772).
وفي التنزيل:
{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 10 - 11].
أي لا تُدِقَّ المسمار فيقلَقَ في الحَلْقةَ، ولا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصمَها، واجعله بِقَدَر.
قال الحكم بن عُتيبة: (لا تُغْلِظْهُ فَيَفْصِمَ، ولا تُدِقَّهُ فَيَقلَق).
وقوله: {لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} . أي: لتحفظكم من جراحات قتالكم، وتحرز أجسامكم عند لقاء عدوكم.
وقوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} . أي: لنعم ربكم عليكم، وتسخيره من الوسائل ما فيه مصلحتكم.
قال القرطبي: (أي على تيسير نعمة الدروع لكم. وقيل: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} بأن تطيعوا رسولي).
وقوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} .
قال قتادة: (ورث الله سليمان داود، فورثه نبوّته وملكه وزاده على ذلك أن سخّر له الريح والشياطين).
وقال ابن زيد: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ} قال: عاصفة شديدة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها، قال: الشام).
وقد جاء في التفاسير أنه كان لسليمان عليه الصلاة والسلام بساط من خشب يوضع عليه الخيل والجند والمتاع، فيأمر الريح فترفعه، فما يدري القوم إلا وقد أظلهم بسلطانه وهيبته عليه الصلاة والسلام.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12].
2 -
وقال تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ} [ص: 36].
وقوله: {وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ} . أي: لا يخفى علينا شيء.
وقوله: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ} .
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: وسخرنا أيضًا لسليمان من الشياطين من يغوصون له في البحر، ويعملون عملًا دون ذلك من البنيان والتماثيل والمحاريب).
وفي التنزيل:
{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ} [ص: 37 - 38].
أي بعض الشياطين في غوص في أعماق البحار، يستخرجون له الجواهر واللآلئ، وبعضهم في البناء، وبعضهم في الصناعة، والكل تحت أمره وسلطانه.
وقوله: {وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} . أي: لأعدادهم وتحركاتهم وأعمالهم.
قال ابن كثير: (أي: يحرسُه اللهُ أن ينالَه أحد الشياطين بسوء بل كلٌّ في قبضته وتحت قهره، لا يتجاسرُ أحد منهم على الدُّنُوِّ إليهِ والقربِ منه، بلِ هو يحكم فيهم إن شاء أطلقَ، وإن شاءَ حَبَسَ منهم من يشاء. ولهذا قال: {وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ}).
83 -
84. قوله تعالى: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)}.
في هذه الآيات: يقول جل ثناؤه: واذكر يا محمد أيوبَ إذ نادى ربه إثر الضر والبلاء الذي نزل بهِ، {أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} ، فاستجاب الله له وكشف ما مسّهُ من ضر وجهد وبلاء، وأكرمه بأن آتاهُ أهله في الآخرة ومثلهم معهم في الدنيا رحمة منه سبحانه وعبرة لأهل الصبر على الحق وآلام الطريق.
وعن نوف البِكَاليِّ قال: {وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ} قال: أوتيَ أجْرَهم في الآخرة، وأعطي مثلهم في الدنيا).
أخرج أبو يعلى في "المسند" وأبو نعيم في "الحلية" بسند جيد عن أنس بن مالك مرفوعًا: [إنَّ نبيَّ الله أيوب صلى الله عليه وسلم لبث بهِ بلاؤهُ ثمان عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلين من إخوانهِ كانا يغدوانِ إليهِ ويروحان، فقال أحدهما لصاحبهِ ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبهُ أحدًا من العالمين، فقال لهُ صاحبه: وما ذاكَ؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمهُ الله فيكشف ما به، فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكرَ ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله تعالى يعلم أني كنتُ أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهيةَ أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرجُ إلى حاجتهِ فإذا قضى حاجتهُ أمسكتهُ امرأتهُ بيده حتى يبلغ،
فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ} فاستبطأته، فتلقته تنظر وقد أقبل عليها وقد أذهب اللهُ ما بهِ من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأتهُ قالت: أي بارك اللهُ ديك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، واللهِ على ذلكَ ما رأيتُ أشبهَ منكَ إذ كانَ صحيحًا، فقال: فإني أنا هو: وكان له أندران - أي بيدران - أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرضت الأخرى في أندر الشعير الوَرِق حتى فاض] (1).
85 -
86. قوله تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)}.
في هذه الآيات: ثناء الله تعالى على إسماعيل وإدريس وذي الكفل في الصابرين، وإدخالهم في رحمته إنهم من الصالحين.
قال النسفي: ({وَإِسْمَاعِيلَ} بن إبراهيم {وَإِدْرِيسَ} بن شيت بن آدم {وَذَا الْكِفْلِ} أي اذكرهم، وهو إلياس أو زكريا أو يوشع بن نون وسمي به لأنه ذو الحظ من الله، والكفل الحظ، {كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ} أي هؤلاء المذكورون كلهم موصوفون بالصبر).
قال ابن كثير: (وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبيّ).
وقوله: {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا} . قال القاسمي: (أي في النبوة أو في نعمة الآخرة).
وقوله: {إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ} . أي من أهل الخير والصلاح والرشاد.
87 -
88. قوله تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ
(1) حديث صحيح، أخرجه أبو يعلى في "مسنده"(1/ 176 - 1/ 177)، وأبو نعيم في "الحلية"(3/ 374 - 373)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة - حديث رقم - (17).
فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)}.
في هذه الآيات: تضييق الله على يونس وإدخاله في بطن الحوت، ودعوته ربه من ذلكَ السجن بخير الدعاء، الذي كشف اللهُ به غمّهُ وهو لجميع المؤمنين من خير الرجاء.
فقوله: {وَذَا النُّونِ} - يعني الحوت. أي: اذكر يا محمد صاحب النون، أي صاحب الحوت، وهو يونس بن متى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وقوله: {إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا} . قال ابن عباس: (يقول: غضب على قومه).
وقوله: {فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ} . أي: فظن أن لن نعاقبه بالتضيق عليه ببطن الحوت.
وقال مجاهد: (فظن أن لن نعاقبه بذنبه). وقال قتادة: (ظن أن لن نقضي عليه العقوبة). وكلا المعنيين محتمل: التضييق أو التقدير والقضاء.
ومثال الأول: قوله تعالى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7].
ومثال الثاني: قوله تعالى: {فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 12].
وإنما كانَ ذلكَ حين بعثَ اللهُ يونس عليه الصلاة والسلام إلى أهل "نِيْنَوى" بالموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبًا لهم متوعدًا بالعذاب بعد ثلاث، فخافوا بعد خروجه وعلموا أن دعوة النبي حق، فخرجوا بذراريهم وأنعامهم إلى الصحراء يستغفرون ويجأرون فرفع اللهُ عنهم العذاب، وامتحن يونس عليه السلام في ركوب السفينة ونزول القرعة به ليلتقمه الحوت.
وقوله: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} . هو من أعظم الدعاء عند الكرب والمصيبة، وقد جعله الله تعالى شرعًا ماضيًا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند، والترمذي في السنن، بسند صحيح، عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [دعوةُ ذي النون إذ دعا بها وهو في بطن الحوت، {لَا
إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطُّ إلا استجابَ اللهُ له] (1).
وعن ابن مسعود {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ} . قال: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل).
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ} . أي: فاستجبنا دعاءه إذ دعانا في بطن الحوت، ونجيناه من غمّ الذنب والحبس.
وقوله: {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ} . أي: من هول المصائب والشدائد إذا جأروا إلى الله تعالى بالدعاء وجوامع الكلم من ذلك.
أخرج أبو يعلى بسند حسن عن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من دعا بدعاء يونس استُجيبَ لهُ](2).
قال أبو سعيد الأشج - أحد رواة الحديث -: (يُريدُ به {وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}).
89 -
90. قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)}.
في هذه الآيات: يقول جلَّ ثناؤه: واذكر يا محمد زكريا حين جار إلى ربه بالدعاء فقال: ربّ لا تذرني وحيدًا لا ولد لي ولا عقب، وارزقني وارثًا من آل يعقوب يرثني ويقوم بالأمر من بعدي في الناس إنك أنتَ خير الوارثين. يقول جل ذكره: فاستجبنا لزكريا دعاءه وآتيناهُ سؤلهُ فوهبنا له يحيى ولدًا ووارثًا، وأصلحنا لهُ امرأتهُ إذ كانت عقيمًا لا تلد - فجعلها الله ولودًا -. يقول تعالى: إنّ الذين سميناهم لك يا محمد
(1) حديث صحيح. أخرجه الترمذي (3732) وأحمد والحاكم. انظر تخريج الترغيب (2/ 273)، و (3/ 43)، وصحيح الجامع الصغير (3378)، وصحيح سنن الترمذي (2783).
(2)
حديث حسن. أخرجه أبو يعلى (707)، ورجاله ثقات. ويشهد له ما قبله.
- زكريا وزوجه ويحيى - كانوا يسارعون في الطاعات والقربات ويعبدون ربهم رغبًا ورهبًا، وكانوا أهل إخبات ورقة وخشوع.
فقوله: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ} .
قال ابن كثير: ({إِذْ نَادَى رَبَّهُ}. أي: خِفيةً من قومه).
وقوله: {رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} . قال ابن جرير: (لا ولد لي ولا عقب).
وقوله: {وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ} . قال القرطبي: (أي خير من يبقى بعد كل من يموت). وهو ثناء ودعاء ورجاء مناسب للمسألة.
وقوله: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى} . أي ولدًا ووارثًا.
وقوله: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} . قال ابن عباس: (وهبنا لهُ ولدها).
وقال قتادة: (كانت عاقرًا، فجعلها اللهُ وَلودًا، ووهب له منها يحيى).
قال ابن جرير: (إن الله أصلح لزكريا زوجهُ، كما أخبر تعالى ذكره بأن جعلها ولودًا حسنة الخُلُق).
وقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} - ثناء على مسارعتهم إلى الطاعات واستقامة منهج عبادتهم.
قال ابن جريج: (رغبًا في رحمة الله، ورهبًا من عذاب الله). وقال ابن زيد: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قال: خوفًا وطمعًا، قال: وليس ينبغي لأحدهما أن يفارق الآخر).
وقوله: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} . قال النسفي: (متواضعين خائفين).
قال قتادة: {خَاشِعِينَ} أي: متذلِّلين لله عز وجل. وقال أبو العالية: (خائفين).
وقال مجاهد: (مؤمنين حقًّا). وكلها معان متقاربة متكاملة.
91.
قوله تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)} .
في هذه الآية: ذكر قصة مريم وابنها عيسى عليهما السلام عقب ذكر قصة زكريا وابنهِ يحيى عليهما السلام كما تكرر ذلكَ في غير موضع من القرآن - لمناسبة ذلكَ. فإخراج
ولد من شيخ كبير وعجوز عاقر لم تلد في شبابها تمهيد مناسب لإخراج ولد من أم بلا أبي، واللهُ على كلِّ شيءٍ قدير.
فقوله: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} - يعني مريم عليها السلام، كما قال جل ثناؤهُ في سورة التحريم:{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12]. والمراد الثناء على عفتها وتأكيد طهارتها وبراءتها من كل ما نُسب إليها من المبطلين.
وقوله: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} .
قال النسفي: (أجرينا فيها روح المسيح، أو أمرنا جبريل فنفح في جيبِ درعها فأحدثنا بذلكَ النفخ عيسى في بطنها، وإضافة الروح إليه تعالى لتشريف عيسى عليه السلام.
وقوله: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ} . قال ابن عباس: (العالمين الجنّ والإنس). قال القاسمي: {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا} أي نباهما {آيَةً لِلْعَالَمِينَ} أي في كمال قدرته واختصاصه من شاء بما شاء. وقد كان من آيتهما إتيان الرزق لمريم في غير أوانه، وتثمير النخل اليابس، وإجراء العين، ونطق ابنها في المهد، وإحياء الموتى. وإبراء الأكمه والأبرص).
92 -
94. قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)}.
في هذه الآيات: إثباتُ الله تعالى لوحدة منهاج النبوة، فإن الأنبياء الذين ذكرهم قبل ذلك يخرجون في أصول دينهم من مشكاة واحدة، واختلاف الناس على أنبيائهم بين مصدق لهم ومكذب وكلهم إليه تعالى راجعون، والملائكةُ لأعمال أهل الإيمان والسعي الدؤوب في الصحف كاتبون.
فعن ابن عباس ومجاهد: ({إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً}، يقول: دينكم دينٌ واحد).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [أنا أولى الناس بعيسى
ابن مريم، في الأولى والآخرة. قالوا: كيف؟ يا رسول الله! قال: الأنبياءُ إخوةٌ من عَلّات، وأُمَّهاتهم شتَّى، ودينهم واحد، فليسَ بَيْنَنا نبيٌّ] (1).
قال الزجاج: (انتصب {أُمَّةً} على الحال، أي في حال اجتماعها على الحق، أي هذه أمتكم ما دامت أمة واحدة واجتمعتم على التوحيد، فإذا تفرقتم وخالفتم فليسَ من خالف الحق من جملة أهل الدين الحق).
وقوله: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} . أي: أفردوني بالعبادة والتعظيم.
وفي التنزيل: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ} [المؤمنون: 51 - 52].
وقوله: {وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ} . قال ابن زيد: (تقطعوا: اختلفوا، في الدين).
قال ابن كثير: (أي: اختلفت الأمم على رُسُلِها، فمن بين مُصَدِّق لهم ومكذِّب).
وقوله: {كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} . تَوَعُّدٌ لأهل الزيغ والضلال، وأهل العناد وتكذيب الرسل بعذاب النكال. فالمرجع إلى الله تعالى يوم القيامة فيجازي كلًّا بعمله، فيسعد المحسن ويشقى المسيء.
وقوله: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ} .
أي: من عمل الصالحات وقد جاء مؤمنًا على منهاج الإيمان لا اعوجاج فيه ولا انحراف، فإن الله تعالى يثيبه ويبارك له سعيه فلا يظلم مثقال ذرة.
وفي التنزيل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [إنَّ الله لا يظلمُ مُؤمنًا حسَنةً، يُعْطي بها في الدنيا ويَجْزي بها في الآخرة، وأما الكافر فَيُطْعَمُ بحسناتِ ما عَمِلَ بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرةِ، لم تَكُنْ لهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بها](2).
وقوله: {وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ} . أي: نكتب عمله الصالح كله، صغيره وكبيره، وقليلهُ وكثيره، لينعم بثوابه وتضاعف أجره يوم القيامة.
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2365)(145)، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى عليه السلام.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2808) - كتاب صفات المنافقين. حديث (56)، (57).
وفي كنوز السنة الصحيحة من آفاق هذا المعنى الكثير الكثير، ومن ذلك:
الحديث الأول: أخرج أحمد ومالك والحاكم بسند صحيح في الشواهد من حديث بلال بن الحارث المزني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه .. ] الحديث (1).
الحديث الثاني: أخرج الترمذي بسند حسن لغيره عن أبي ذر مرفوعًا: [تبسُّمكَ في وجه أخيكَ لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيكَ عن المنكر صدقة، وإرشادكَ الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك الرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوكَ في دلو أخيكَ لك صدقة](2).
الحديث الثالث: أخرج ابن ماجة وأحمد بسند حسن عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن الرَّجل لتُرْفَعُ درجتهُ في الجنة، فيقول: أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدكَ لك](3).
95 -
97. قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)}.
في هذه الآيات: تأكيدُ هلاك الأمم التي دمّرها الله، وفَتْحُ سد يأجوج ومأجوج علامة من علامات اقتراب الساعة، وإسرار الكفار الندامة عند رؤية أهوال القيامة.
فقوله: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ} . قال ابن عباس: (وجب)، والتقدير: حرام على أهل
(1) حديث صحيح. أخرجه مالك (2/ 985/ 5)، والترمذي (2/ 52)، وابن ماجة (3969)، وأحمد (3/ 469)، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (888).
(2)
حسن لغيره. أخرجه الترمذي (1/ 354)، وابن حبان (864)، وانظر الصحيحة (572).
(3)
حديث حسن. أخرجه ابن ماجة (3660)، وأحمد (2/ 509)، وانظر صحيح الجامع (1613).
قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا. قال عكرمة: ({وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} قال: لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك).
وفي رواية عن ابن عباس: (فلا يرجع منهم راجع، ولا يتوب منهم تائب).
والمقصود: كتب الله تعالى على كل أمة أهلكها أنهم لا يرجعون إلى الدنيا قبل يوم القيامة، ومن ثمَّ فلا يرجعون إلى التوبة بعد فوات أوانها.
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} .
أي: حتى إذا فتح سد يأجوج ومأجوج الذي بناهُ ذو القرنين وحجبهم به عن الناس وخرجوا مسرعين من كل مرتفع من الأرض يعيثون في أرجائها فسادًا.
فالحدب المرتفع من الأرض. قال ابن عباس: ({وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} أي يسرعون في المشي إلى الفساد).
ويأجوج ومأجوج قوم من نسل نوح عليه الصلاة والسلام من أولاد يافث، تُركوا وراء السد الذي بناهُ ذو القرنين - كما مَرَّ ذكره في سورة الكهف مفصلًا -.
أخرج البخاري في صحيحه عن زينب بنت جحش رضي الله عنها، أنها قالت:[استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من النوم مُحْمَرًا وَجْهُهُ يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وعقد سفيان تسعين أو مئة. قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث](1).
فهم يحفرون كل يوم في محاولة منهم للخروج من ذلكَ السجن الذي كتبه الله عليهم قسطًا وعدلًا، إلا أنهم يمكرون ويمكر اللهُ بهم وهو خير الماكرين.
فقد أخرج الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة مرفوعًا: [إن يأجوج ومأجوج يحفرون كُلَّ يومٍ، حتى إذا كادوا يرَوْنَ شعاعَ الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غدًا، فيعيدهُ الله أشدَّ ما كان، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فسنحفره غدًا إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس، فَيَنْشِفُون الماء ويتحصن الناس منهم في حصونهم. فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدمُ الذي احفَظَّ، فيقولون:
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (13/ 9 - 10)، وأخرجه مسلم (8/ 165 - 166).
قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نَغَفًا في أقفائهم فيقتلون بها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إن دواب الأرض لتسْمَنُ وتَشْكَرُ شَكَرًا من لحومهم] (1).
وقوله: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ} . قال ابن زيد: (اقترب يوم القيامة منهم).
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج، اقترب الوعد الحقّ، وذلكَ وعد الله الذي وعد عبادهُ أن يبعثهم من قبورهم للجزاء والثواب والعقاب). والمقصود: أن خروج يأجوج ومأجوج علامة اقتراب يوم النشور والحساب.
وقوله: {فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} . أي: من شدة ما يشاهدونه من الأهوال والأمور العظام. والتقدير: فإذا جاء الوعد الحق بأهواله ودنت الساعة بعلاماتها وحقائقها شخصت أبصار الذين كفروا.
قال النسفي: ({شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أي مرتفعة الأجفان لا تكادُ تطرف من هول ما هم فيه).
وقوله: {يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا} - أي في الدنيا.
قال القاسمي: (أي لم نعلم أنه حق). والمقصود: أن الكفار لما رأوا أهوال يوم الحساب وعاينوا عظيم البلاء أيقنوا أنهم كانوا في لهو وغفلة عن هذه الحقائق ولم يستعدوا لها وأسروا الندامة.
وقوله: {بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ} . قال القرطبي: (يقولون: يا ويلنا إنا كنا ظالمين بمعصيتنا، ووضعنا العبادة في غير موضعها).
والمقصود: أن الكفار أيقنوا يومئذ برؤية سجلات أعمالهم وفيها جبال آثامهم ومعاصيهم.
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:[ليسَ أحدٌ يحاسبُ يومَ القيامة إلا هلك. قلت: أوليسَ يقول الله: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فقال: إنما ذلكَ العرض، ولكن من نوقش في الحساب يهلك](2).
(1) حديث صحيح. أخرجه أحمد (2/ 510 - 511)، والترمذي (2/ 197)، والحاكم (4/ 488)، وابن حبان (1908)، وانظر كتابي: أصل الدين والإيمان (2/ 1056)، لتفصيل البحث.
(2)
حديث صحيح. أخرجه البخاري (4939)، وأخرجهُ مسلم (2876)، من حديث عائشة.
98 -
103. قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)}.
في هذه الآيات: خطابُ الله تعالى لأهل مكة من مشركي قريش ومن مضى على منهاجهم في عبادة الأوثان وتعظيم الأصنام بأن ما تعبدونه من دون الله من الآلهة إنما هم وقود جهنم التي أنتم إليها داخلون. وأن لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفيرًا في نارِ جهنم وهم فيها لا يسمعون. والذين سبقت لهم من الله السعادة هم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، فلا فزع ولا نصب وتستقبلهم الملائكة بالبشرى: هذا يومكم الذي كنتم توعدون.
فقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} . قال ابن عباس: (شجر جهنم).
أو قال: (وقودها). وقال مجاهد: (حَطبها). وقال قتادة: (حطب جهنم يقذفون فيها).
وفي التنزيل: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24].
وقوله: {أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} . أي: فيها داخلون.
وقوله تعالى: {لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} .
قال ابن زيد: (الآلهة التي عبد القوم، قال: العابد والمعبود).
والمعنى: لو كان هؤلاء آلهة كما زعمتم ما دخلوا النار، وكل من العابد والمعبود في النار خالدون.
وقوله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} .
أي: لهؤلاء المشركين وآلهتهم زفير في نار جهنم وهم في النار لا يسمعون.
قال النسفي: {لَهُمْ} للكفار {فِيهَا زَفِيرٌ} أنين وبكاء وعويل {وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ} شيئًا ما، لأنهم صاروا صمًا وفي السماعِ نوع أنس فلم يعطوه).
وفي التنزيل: {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} [هود: 106]. والزفير: خروج أنفاسهم، والشهيق: ولوج أنفاسهم.
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} .
قال عكرمة: ({الْحُسْنَى} الرحمة). وقال غيره: السعادة.
أخرج الطبراني والحاكم بسند صحيح عن ابن عباس قال: [لما نزلت: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}. قال عبد الله ابن الزِّبَعْرَى: أنا أخصم لكم محمدًا، فقال: يا محمد! أليس فيما أنزل عليكَ: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ}؟ قال: نعم. فهذه النصارى تعبدُ عيسى وهذه اليهود تعبد عزيرًا وهذه بنو تميم تعبد الملائكة فهؤلاء في النار؟ ! فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}](1).
وعن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:[لما نزلت هذه الآية: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} الآية، قال المشركون: عيسى يعبد، وعزير والشمس والقمر! فانزل سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ}](2).
والخلاصة: إن الذين سبقت لهم من الله السعادة أحسن الله مآلهم وثوابهم بما أسلفوا من الأعمال الصالحة في الدنيا، فنجاهم سبحانهُ من العذاب وحصَّل لهم رفيع الثواب.
وفي التنزيل نحو ذلك:
1 -
قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26].
2 -
وقال تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} [الرحمن: 60].
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إن الله عز وجل
(1) أخرجه الطبراني عن ابن عباس، والحاكم من طريق آخر وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقهُ الذهبي. انظر:"الصحيح المسند من أسباب النزول" - سورة الأنبياء - الآيات: "98 - 101".
(2)
أخرجه الخطيب في "الفقيه والمتفقه" بسند صحيح. وانظر المرجع السابق.
يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لَبَّيْكَ، ربنا وسَعْدَيْك، والخيرُ في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رَبِّ! وقد أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحدًا مِنْ خلقِك. فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: يا ربِّ! وأيُّ شيء أفضلُ من ذلكَ؟ فيقول: أُحِلُّ عليكم رِضواني، فلا أسخَطُ عليكم بعدهُ أبدًا] (1).
وقوله تعالى: {لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ} .
قال ابن عباس: (يقول: لا يسمع أهل الجنة حسيسَ النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. قال: وهم فيما تشتهيه نفوسهم من نعيمها ولذاتها ماكثون فيها، لا يخافون زوالًا عنها، ولا انتقالًا عنها).
قال ابن جرير: (ويعني بالحسيس: الصوت والحس).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [قال الله عز وجل: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَرٍ](2).
زاد في رواية: (ذُخْرًا، بَلْهَ (3) ما أطلعكم الله عليه).
ومصداق ذلكَ قول الله تعالى في كتابه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
وقوله: {لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ} . قال ابن عباس: (يعني النفخة الآخرة).
وقال سعيد بن جبير: (النارُ إذا أطبقت على أهلها). وقال الحسن: (انصراف العبد حين يؤمر به إلى النار). وقيل: الموت، وقيل غير ذلك.
قلت، وفي التنزيل:{وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} . فيكون الفزع للحشر وأهواله، فأهل الإيمان يأمنون ذلك الفزع يومئذ بفضل رحمة الله بهم.
وقوله: {وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} .
أي: وتستقبلهم الملائكةُ يهنئونهم ويبشرونهم قائلين لهم: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي
(1) حديث صحيح. أخرجهُ مسلم في صحيحه - حديث رقم - (2829) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه.
(2)
حديث صحيح. أخرجه مسلم (2824) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.
(3)
بَلْهَ: بمعنى دع أو سوى، أي سوى ما ذكر في القرآن. والتقدير: دع ما أُطْلعتم عليه فإنه يسيرٌ في جنب ما ادُّخِرَ لهم.
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} فيه عظيم الثواب، وجزيل التكريم، ورفيع الحِباء، مقابل ما صبرتم في الدنيا على طاعة الله وتعظيم أمره، واجتناب نهيه وحراسة دينهِ في الأرض.
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [حُفَّتْ الجنَّةُ بالمكاره، وحُفَّت النارُ بالشهوات](1).
104 -
107. قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)}.
في هذه الآيات: طيُّ الله السماء يوم القيامةِ كطي الصحف، وثبوت البشرى للمؤمنْين الصابرين على منهاج النبوة بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة. وهذا النبي الكريم، إنما هو رحمة لجميع العالمين.
فقوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} .
قال ابن عباس: (يقول: كطي الصحيفة على الكتاب). وفي رواية: (كطي الصحف).
وقال مجاهد: (السِّجل الصحيفة). والمقصود: كطي الصحف على ما فيها من المكتوبات.
وقوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} . أي: كما بدأ سبحانه الخلق فهو القادرُ على إعادتهم وإحيائهم من قبورهم ليوم البعث والحساب. قال مجاهد: (حُفاة عُراة غُرْلًا).
وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: [خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم محشورون إلى الله حُفاةً عُرَاةً غُرْلًا {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} ، ثم إنَّ أوَّلَ مَنْ يكْسَى يوم القيامة إبراهيم، ألا إنَّهُ يُجاء برجالٍ من أمتي، فيؤخذُ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب أصحابي، فيُقالُ: لا تَدْري ما أَحْدَثوا
(1) حديث صحيح. أخرجه مسلم (2822) - كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها.
بَعْدك. فأقول كما قال العبد الصالح: {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ} إلى قوله: {شَهِيدًا} فيقال: إنَّ هؤلاء لمْ يزالوا مُرْتَدين على أعقابهم مُنْذُ فارقتهم] (1).
وقوله: {وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} . أي: ذلك واجب الوقوع، فهو من جُملة وعد الله الذي لا يُخلف ولا ويُبَدَّل ولا بد من وقوعه.
وقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} .
قال مجاهد: ({الزَّبُورِ} الكتاب {مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} قال: أم الكتاب عند الله). وقال سعيد: (كتبنا في القرآن من بعد التوراة).
قال القاسمي: ({الصَّالِحُونَ}: أي العاملون بطاعته. المنتهون إلى أمره ونهيه. دون العاملين منهم بمعصيته، المؤثرين طاعة الشيطان على طاعته. و {الزَّبُورِ} علم على كتاب داود عليه السلام، ويقال: المراد بهِ كل كتاب منزل. والذكر - قالوا - التوراة أو أم الكتاب. يعني اللوح الذي كتبَ فيه كل شيء قبل الخلق، واللهُ أعلم).
قلت: والآية تحمل البشرى للمؤمنين الصابرين على إقامة منهج الله تعالى بملك الدنيا وسياستها وعز الآخرة.
وقوله تعالى: {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ} . قال ابن عباس: (يقول: عاملين). وقال كعب: (لأمة محمد).
قال ابن كثير: (أي: إن في هذا القرآن الذي أنزلناهُ على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم لبلاغًا: لَمَنْفَعة وكفايةً لقوم عابدين، وهم الذين عبدوا الله بما شَرَعَه وأحبَّهُ ورَضِيَه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشَهَوات أنفسهم).
وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} . أي: رحمة مهداة من الله لجميع خلقه.
قال النسفي: (لأنه جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبع فإنما أتي من عند نفسه حيث ضيّع نصيبه منها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين في الدارين وللكافرين في الدنيا
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (4740) - كتاب التفسير - سورة الأنبياء، آية (104)، وأخرجه مسلم (2860)، ح (57)، وأخرجه أحمد في المسند (1/ 235)، (1/ 253).
بتأخير العقوبة فيها. وقيل: هو رحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ والخسف).
وبعض أهل اللغة يذهبون إلى نصب {رَحْمَةً} على الحال، والتقدير:"ذا رحمة". ومنهم من يجعلها مفعولًا له. فيكون "إلا" للحصر، و"رحمة": مفعول لأجلهِ منصوب، وهذا وجه قوي.
وفي التنزيل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
ومن كنوز السنة الصحيحة في ذلك أحاديث كثيرة، منها:
الحديث الأول: أخرج ابن سعد في "الطبقات" والحاكم في "المستدرك" بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة](1).
الحديث الثاني: أخرج ابن عساكر بسند صحيحع لشواهده عن علي مرفوعًا: [إن الله بعثني إلى كل أحمرَ وأسودَ، ونُصرت بالرُّعب، وَأُحِلَّ ليَ المغنمُ، وجُعلت ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا، وأعطيتُ الشفاعة للمذنبين من أمتي يوم القيامة](2)،
الحديث الثالث: روى مسلم في صحيحه عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال:[قيلَ يا رسول الله! ادْعُ على المشركين، قال: إني لمْ أبْعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعِثْتُ رحمةً](3).
الحديث الرابع: روى مسلم عن أبي صالح عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [اللهمَّ إنما أنا بَشَرٌ، فأَيُّما رَجُلٍ من المسلمين سَبَبْتُهُ، أو لَعَنْتُهُ، أو جَلَدْتُهُ، فاجْعلها له زكاةً ورحمة](4).
الحديث الخامس: أخرج أبو داود بسند صحيح عن عمرو ابن أبي قرة قال: [كان
(1) حديث صحيح. أخرجه ابن سعد في "الطبقات"(1/ 192) عن أبي صالح بإسناد صحيح مرسل، والحاكم في "المستدرك" ووصله عن أبي هريرة. انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة (490).
(2)
حديث صحيح. أخرجه ابن عساكر، وله شواهد كثيرة. انظر "مجمع الزوائد"(8/ 238 - 239)، وصحيح الجامع الصغير - حديث رقم - (1724).
(3)
حديث صحيح. أخرجه مسلم في الصحيح (2599) - كتاب البر والصلة، وأبو يعلى (6174).
(4)
حديث صحيح. رواه مسلم في الصحيح - حديث رقم - (2601) - كتاب البر والصلة، وانظر:(2602)، (2600) من الباب نفسه.
حذيفة بالمداين، فكان يذكر أشياء قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأناس من أصحابه في الغضب، فينطلق ناسٌ ممن سمعَ ذلكَ من حذيفة، فيأتونَ سلمان فيذكرون له قول حذيفة. فيقول سلمان: حذيفة أعلمُ بما يقول، فيرجعون إلى حذيفة فيقولون له قد ذكرنا قولك لسلمان، فما صدقك ولا كذبك!
فأتى حذيفة سلمان وهو في مَبْقَلَةٍ فقال: يا سلمان، ما يمنعكَ أن تصدقني بما سمعتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال سلمان: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان يغضب فيقول في الغضب لناس من أصحابه، ويرضى فيقول في الرضا لناس من أصحابه. أما تنتهي! حتى تورِّثَ رجالًا حب رجال، ورجالًا بغض رجال، وحتى توقعَ اختلافًا وفرقة؟ ولقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطب فقال:"أيُّما رَجُل من أمتي سَبَبْتُهُ سَبَّةً، أوْ لَعَنْتُهُ لَعْنَةً في غضبي، فإنما أنا مِنْ وَلدِ آدم، أَغْضَبُ كما يَغْضَبُونَ، وإنما بَعثني رَحْمةً للعالمينَ، فاجْعَلها عليهم صلاة يوم القيامة". والله لتَنْتَهِيَنَّ! أَوْ لأكْتُبَنَّ إلى عُمر] (1).
108 -
112. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)}.
في هذه الآيات: وَحْيُ الله تعالى إلى نبيه عليه الصلاة والسلام، أنَّهُ تعالى الإلهُ الحق الأحد الصمد الذي لا ينبغي أن يعبدَ غيرَهُ الأنامِ، وإعلانُ البراءةِ من القوم إن أصروا على الجاهيلة واجتنابِ الإسلام، وإخبارُ الله نَبِيَّهُ لِيُعْلِمَ قَوْمَهُ أن حلول وقت عقابهم إنما هو بيد الرحمان، فهو يعلم السر وأخفى وله الحكم وهو المستعان.
فقوله: {قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} .
قال ابن جرير: (يقول تعالى ذكره لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد: ما يوحي إلي ربي
(1) حديث صحيح. أخرجه أبو داود (4659)، وأحمد (5/ 437) بإسنادٍ حسن. وانظر صحيح سنن أبي داود (3894) - كتاب السُّنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إلا أنَّهُ لا إله لكم يجوز أن يُعبدَ إلا إلهٌ واحدٌ، لا تصلحُ العبادة إلا له، ولا ينبغي ذلكَ لغيره. {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} يقول: فهل أنتم مذعنون لهُ أيها المشركون، العابدون الأوثان والأصنام بالخضوع لذلك، ومتبرئون من عبادة ما دونه من آلهتكم).
وقوله: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} . قال ابن جريج: (فإن تولوا يعني قريشًا). قال القرطبي: (أي إن أعرضوا عن الإسلام {فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي أعلمتكم على بيان أنا وإياكم حرب لا صلح بيننا).
والمقصود: إعلان البراءة من القوم إن أصروا على الجاهلية واجتناب الإسلام.
وفي التنزيل:
1 -
قال تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41].
2 -
قال تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} [الأنفال: 58].
وقوله: {وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ} . قال ابن جريج: (الأجل).
والمقصود: إخبار الله تعالى نبيّهُ صلى الله عليه وسلم ليقول لقومه المعاندين: إن الوقت والأجل الذي يحل به عقاب الله بكم لا أعلمه، وربما كان قريبًا أو يؤخره تعالى بحكمته إلى أجل أبعد، فالأمر راجع إلى مشيئته وحكمته جلت عظمته وقدرته، وإنما أنا لكم نذير.
وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مثلي ومثلُ ما بعثني اللهُ بهِ كمثل رجل أتى قومًا، فقال: يا قوم إني رأيتُ الجيش بعيني، وإني أنا النذيرُ العُريان، فالنجاءَ النجاءَ، فأطاعهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ، فأدلجوا، وانطلقوا على مهلِهم فنجوا، وكذبته طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهم، فَصَبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلكَ مَثَلُ من أطاعني فاتبع ما جئت به، ومثلُ من عصاني وكذّب بما جئت بهِ من الحق](1).
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} .
أي: إنه تعالى يعلمُ السر وأخفى، ويعلم الغيب وما سيكون، ويعلم ما تخفي
(1) حديث صحيح. أخرجه البخاري (6482)، كتاب الرقاق. وأخرجهُ مسلم (2283)، الفضائل، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
الصدور، ويعلم ما يسرون وما يعلنون، فلا يغيبُ عنه شيء من أمر خلقه.
وقوله تعالى: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} .
قال ابن عباس: (يقول: لعل ما أُقرِّب لكم من العذاب والساعة، أن يؤخَّر عنكم لمدتكم، ومتاع إلى حين، فيصير قولي ذلكَ لكم فتنة).
وقال ابن جرير: (لعل تأخيرهُ ذلكَ عنكم مع وعده إياكم، لفتنة يريدها بكم، ولتتمتعوا بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حيئنذ نقمته).
وقوله: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ} . أي: قل يا محمد: يا رب افصل بيني وبين قومي ممن كذبني بالحق. قال ابن عباس: (لا يحكم بالحق إلا الله، ولكن إنما استعجل بذلكَ في الدنيا، يسأل ربه على قومه). قلت: وهذه الدعوة قد مضى عليها الأنبياء من قبل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ففي التنزيل نحو ذلك: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89].
وقوله: {وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} . أي: قل يا محمد: وربنا الرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء، وغمرت نعمتهُ كل عباده، أستعينُ به على تكذيبكم وعنادكم وجحودكم آلاءه ورحمته بكم بإرساله لي بالنبوة ومنهج النجاة لكم.
قال النسفي: ({وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ} العاطف على خلقه {الْمُسْتَعَانُ} المطلوب منه المعونة {عَلَى مَا تَصِفُونَ} - قال: كانوا يصفون الحال على خلاف ما جرت عليه، وكانوا يطمعون أن تكون الشوكة لهم والغلبة فكذب اللهُ ظنونهم وخيب آمالهم ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، وخذلهم - أي الكفار - وهو المستعانُ على ما يصفون).
تم تفسير سورة الأنبياء بعون الله وتوفيقه، وواسع منِّه وكرمه