الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لها وجه، فكلُّ واحدٍ منهم يرى ما لا يراه الآخر، وتراهم لم يثبتوا على قولٍ سوى وجود الفرق، ثمَّ اختلفوا في بيانه.
وتحقيق الأمر في ذلك كما يأتي:
بعد أن تبيَّنَ أنَّ التفسيرَ يتعلَّقُ ببيانِ المعنى، وأنَّ التَّأويلَ له مفهومانِ صحيحانِ: أحدُهما يوافقُ معنى التَّفسيرِ، والآخر يرادُ به ما تؤول [أي: ترجع] إليه حقيقةُ الشيء؛ أي: كيف تكونُ، فإنَّ ملاك القولِ في ذلكَ أن يُقالَ:
إنَّ لهذه الفروق احتمالين:
الاحتمال الأول:
أن ترجع الفروق إلى أحد هذه المعاني الصحيحة المذكورة في مصطلحِ التَّأويلِ.
فإن رجعتْ إلى أحدِ هذه المعاني المذكورةِ، فإنها تُقبَلُ، ولكن لا تكونُ هي حدُّ الفرقِ، بل هي جزءٌ من الفَرْقِ لا غير، وهذا يعني أنه قد يكونُ غيرُها صحيحاً؛ لأنها تذكرُ فرقاً آخرَ صحيحاً، وهو مندرجٌ في المعاني المذكورةِ في المرادِ بالتَّفسيرِ والتَّأويل.
ولأضرب لك مثالاً بأحد ما ذُكر من الفروقِ، قال أبو
منصور الماتريدي (ت:330): «التفسير: القطعُ على أن المرادَ من اللفظ هذا، والشهادةُ على الله سبحانه وتعالى أنه عنَى باللَّفظِ هذا، والتأويل: ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة» .
إذا فسَّرتَ قوله تعالى: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} [البروج: 2] بأنه يوم القيامة؛ لإجماع المفسرين على ذلك، وقطعت بهذا المعنى، أليس هذا تفسيراً، أليس هذا تأويلاً بمعنى التفسيرِ.
فإذا قلتَ: معنى قوله: {وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ} [البروج: 2]؛ أي اليوم الذي وعد الله عباده بأن يبعثهم فيه، وهو يوم القيامة.
أو قلت: تفسير قوله تعالى
…
أو قلت: تأويل قوله تعالى
…
فالتعبير عن بيان كلام الله بهذه العبارات ـ كما ترى ـ مؤدَّاهُ واحدٌ، ويُفهم منه معنى واحدٌ.
وإذا جئت إلى قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ} [التكوير: 15]، ورأيت أنَّ للمفسرين أقوالاً:
الأول: أنَّ المراد بالخنس: النجوم والكواكب.
والثاني: أنَّ المراد بها بقر الوحش والظباء.
فهذه محتملاتٌ في التفسير، واخترت أنَّ المراد بالخنسِ النجومُ والكواكبُ، وعللَّت لذلك الاختيار بأمرين:
1 -
موافقة السياق، حيث ذُكرَ في لحاقِها آيات كونية، والنجوم والكواكب آيات كونية، فالنجوم والكواكب أنسبُ لهذا المعنى اللحاقي من أن تكون بقر الوحش والظباءِ.
2 -
وأنَّها أظهر وأشهر للخلق من بقر الوحش والظباء، فلا أحد يخفى عليه معرفة النجومِ، وإن خفي عليه معنى الخنوس والجريان والكنوس فيها، أمَّا بقر الوحش والظباء فإنَّ بعض الناس قد لا يعرفُها وكثير منهم لا يعرف أمر خنوسها وجريانها وكنوسها.
فإذا اخترت هذا المحتمل فأنت مؤوِّلٌ عند الماتريدي (ت:330).
لكن هل تسمية هذا الأسلوب ـ وهو ترجيح أحد المحتملات بدون القطع والشهادة ـ تأويلاً = صحيحٌ؟.
ألست قد فسَّرتَ وبيَّنتَ المعنى المراد، فأنت ـ إذاً ـ باختياركَ هذا المعنى دون غيره لو قلت: تأويل هذه الآية كذا، أو تفسير هذه الآية كذا، لكان الأمر واحداً ولا فرق.