المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المسألة الأولى: هل الإيمان التصدق فقط - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ٣

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالث: موقفه في الرد عليهم تفصيلا

- ‌مقدمة:

- ‌المبحث الأول: في توحيد الربوبية والألوهية

- ‌أولا: أول واجب على المكلف:

- ‌ثانيا: التوحيد عند الأشاعرة وحقيقة التوحيد الدي دعت إليه الرسل:

- ‌ثالثا: توحيد الربوبية:

- ‌المبحث الثاني: في الأسماء والصفات

- ‌مقدمة:

- ‌أولا: أسماء الله تعالى:

- ‌ثانيا: الصفات التي أثبتها الأشاعرة:

- ‌ثالثاً: الصفات التي نفوها أو أولوها:

- ‌المسألة الأولى: حجج الأشاعرة العامة على ما نفوه من الصفات والعلو، ومناقشتها:

- ‌أولاً: أدلتهم وحججهم العقلية:

- ‌ثانياً: موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات:

- ‌ثانياً: مناقشة موقفهم من أدلة السمع المثبتة للصفات:

- ‌الفرع الأول: معنى المتشابه، وهل الصفات أو بعضها منه

- ‌الفرع الثاني: التأويل والمجاز:

- ‌الفرع الثالث: هل مذهب السلف هو التفويض

- ‌المسألة الثانية: القواعد العامة في ردود شيخ الإسلام على الأشاعرة فيما نفوه من الصفات:

- ‌المسألة الثالثة: الرد عليهم في نفيهم للصفات الاختيارية:

- ‌المسألة الرابعة: الصفات الخبرية:

- ‌المسألة الخامسة: العلو:

- ‌المسألة السادسة: كلام الله:

- ‌المبحث الثالث: في القضاء والقدر

- ‌مقدمة:

- ‌الفرع الأول: المسائل المتعلقة بالقدر:

- ‌الفرع الثاني: أفعال العباد ومسألة "الكسب

- ‌المبحث الرابع: الإيمان

- ‌أولاً: الأقوال في الإيمان

- ‌ثانياً: مقدمات في عرض أصل الخلاف في الإيمان:

- ‌ثالثاً: ردود شي الإسلام على جمهور الأشاعرة في الإيمان:

- ‌المسألة الأولى: هل الإيمان التصدق فقط

- ‌المسألة الثانية: أدلة دخول الأعمال في مسمى الإيمان والرد على المرجئة:

- ‌المسألة الثانية: الاستثناء في الإيمان:

- ‌المبحث الخامس: مسائل متفرقة

- ‌أولاً: الرؤية:

- ‌ثانياً: النبوات والمعجزات:

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌المسألة الأولى: هل الإيمان التصدق فقط

الذي في القلب وإن لم يقترن به قول اللسان، ولم يقتض عملا في القلب ولا في الجوارح" (1) .

وقد أوضح شيح الإسلام بعد ذلك مأخذ هؤلاء المرجئة حيث إنهم رأوا أن الإيمان هو تصديق الرسول فيما أخبر به، ورأوا أن اعتقاد صدقه لا ينافي السب والشتم بالذات، كما أن اعتقاد وجوب طاعته لا ينافي معصيته، فلما رأوا أن الأمة كفرت الساب قالوا إنما كفر لأن سبه دليل على عدم اعتقاده لحرمة السب، فكفر بهذا التكذيب لا بتلك الإهانة. وهذا قول عجيب مخالف لإجماع السلف، وقد أطال شيخ الإسلام في الرد على أصناف المرجئة في هذا (2) .

‌ثالثاً: ردود شي الإسلام على جمهور الأشاعرة في الإيمان:

سبق - عند عرض الخلاف - في الإيمان أن الرأي الثاني للأشاعرة والذي عليه جمهورهم أن الإيمان هو التصديق أو المعرفة، وأن الأعمال غير داخلة في الإيمان. وقد جاءت ردود شيخ الإسلام عليهم حسب المسائل التالية:

‌المسألة الأولى: هل الإيمان التصدق فقط

؟

يقول شيخ الإسلام عن أبي الحسن الأشعري: "وأبو الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان، مع أنه نصر المشهور عن أهل السنة من إنه يستثنى في الإيمان، فيقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لأنه نصر مذهب أهل السنة في أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة، ولا يخلدون في النار وتقبل فيهم الشفاعة، ونحو ذلك، وهو دائماً ينصر في المسائل التي فيها النزاع بين أهل الحديث وغيرهم قول أهل الحديث، لكنه لم يكن خبيرباً بمآخذهم، فنصره على ما يراه هو من الأصول التي تلقاها عن غيرهم فيقع في ذلك من التناقض ما ينكره هؤلاء وهؤلاء، كما فعل في مسالة الإيمان، ونصر فهيا قول جهم مع نصره للإستثناء. ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الإستثناء

وأتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك.

(1) الصارم المسلول (ص: 514-515) .

(2)

انظر: المصدر السابق (ص:517-525) .

ص: 1356

ومن لم يقف إلا على كتب الكلام، ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب، فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة، وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة، بل قد كفر كأحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن، وهو عندهم شر من قول المرجئة" (1) أي مرجئة المتكلمون.

ويلاحظ من هذا النص لشيخ الإسلام أن مذهب الأشاعرة في الإيمان قد تطور في بعض مسائله، فمثلاً كان للأشعري قولان، أحدهما موافق للسلف - كما سبق - وقول آخر وافق فيه جهما، ومع ذلك فهو في الاستثناء في الإيمان موافق لمذهب السلف. فلما جاء أصحابه من بعده نصورا قوله الموافق لجهم دون أقواله الأخرى الموافقة لمذهب السلف.

أما أدلة الأشاعرة على قولهم في الإيمان فقد ذكر شيخ الإسلام عمدتهم في ذلك - كما ذكره الباقلاني في التمهيد، فقالك "قال القاضي أبو بكر في التمهيد: "فإن قالوا: فخبرونا ما الإيمان عندكم؟ قيل: الإيمان هو التصديق بالله وهو العلم، والتصديق يوجد بالقلب. فإن قال: فما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن وبعثه النبي صلى الله عليه وسلم هو التصديق، لا يعرفون في اللغة إيمانا غير ذلك، ويدل على ذلك قوله:{وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} (يوسف: من الآية17) أي: بمصدق لنا، ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب العبر، أي لا يصدق بذلك، فوجب أن الإيمان في الشريعة هو الإيمان في اللغة

" (2) إلى آخر قول الباقلاني الذي نقله شيخ الإسلام ثم قال: "هذا عمدة من نصر قول الجهمية في مسألة الإيمان" (3) .

(1) الإيمان (ص:115) ط المكتب الإسلامي.

(2)

المصدر السابق (ص:115-116) ط المكتب الإسلامي، وقارن بالتمهيد للباقلاني (ص: 346) ت مكارثي.

(3)

الإيمان (ص:116) ط المكتب الإسلامي.

ص: 1357

أما منهج شيخ الإسلام في مناقشة هذا القول فقد كان بطريقين: إجمالي، وتفصيلي.

أما الإجمالي: فإن شيخ الإسلام ذكر من خلاله ردود جمهور أهل السنة عليهم، حسب منطلق كل قول. فمن ذلك:

أ - "قول من ينازعه في أن الإيمان في اللغة مرادف للتصديق، ويقول هو بمعنى الإقرار وغيره".

ب - "قول من يقول: وإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (1) .

ت - "أن يقال: ليس هو مطلق التصديق، بل هو تصدق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها، وليس هذا نقلاً للفظ، ولا تغييرا له، فإن الله لم يأمرنا بإيمان مطلق، بل بإيمان خاص، وصفة وبينة".

ث - "أن يقال: وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام القائم مستلزم لما وجب من أعمال القلب والجوارح

ج - "قول م يقول: إن اللفظ باق على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكاماً".

ح - "قول من يقول: إن الشارع استعمله في معناه المجازي، فهو حقيقة شرعية، مجاز لغوي".

(1) متفق عليه: البخاري: كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج، ورقمه (6343) الفتح (11/26) ، وفي القدر، باب (وحرام على قرية أهلكناها) ورقخ (6212) ، الفتح (11/502-503) ، ومسلم، كتاب القدر، باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى ورقمه (2657) بروايتين. ويلاحظ أن لفظ (أو يكذبه) لم ترد في جميع طبعات البخاري (التي مع الفتح، واستانبول، والحلبية، والمنيرية) لكنها وردت في إحدى نسخ البخاري كما في حاشية طبعة الحلبي (8/67، 156) ، والمنيرية (8/98/98، 225) ، وهي المذكورة في نفس شرح فتح الباري (11/504) ، كما أنها وردت في إحدى روايتي مسلم. أما اللفظ الآخر الوارد في طبعات البخاري وفي الرواية الأخرى لمسلم فهو (ويكذبه) بدون الألف.

ص: 1358

خ - قول من يقول: إنه منقول (1) .

فكل واحد من هذه الأقوال مشتمل على الرد على قول هؤلاء أن الإيمان هو التصديق فقط، وهي - سوى الأول (2) - لا تنازع في أن من معاني الإيمان التصديق، أو أن معناه في اللغة هو التصديق، ثم إن الشارع جعله تصديقاً بأمور معينة، وزاد عليه أمورا أخرى، كصلاة فإن معناها في اللغة الدعاء، وفي الشرع هذه الصلاة المعروفة المحددة بالأقوال والأفعال والأوقات. فهلا قال هؤلاء المرجئة في الصلاة مثل قولهم في الإيمان، فجعلوا مطلق الدعاء كاف في الإتيان بها، كما قالوا في الإيمان هو التصديق وهو كاف في حصول الإيمان؟.

أما الرد التفصيلي: على أقوال الأشاعرة وحججهم كما عرضها الباقلاني فقد رد عليها شيخ الإسلام من أوجه عديدة، جاءت كما يلي:

1-

نقض دعواهم الإجماع على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن هو التصديق، وذلك بمطالبتهم بأن يذكروا من نقل هذا الإجماع، وفي أي كتاب ذكر، ثم من المقصود بأهل اللغة؟ هل المقصود نقلتها كأبي عمرو والأصمعي، والخليل ونحوهم، أو المتكلمون بها؟ أما علماء اللغة فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، أو ما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه.

أما إن كان المقصود بأهل اللغة أنفسهم فهؤلاء لم ينقل عنهم ذلك.

ثم لو فرض أنه نقل عن واحد أو اثنين أن الإيمان التصديق فكيف بعد هذا إجماعاً؟ ثم إن العرب لا يقولون: معنى الإيمان كذا، ولو فرض أنه نقل في الكلام المسموع عن العرب ما يدل على أنهم قصدوا بالإيمان التصديق فليس ذلك بأبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم (3) .

(1) الإيمان (ص:116-117) ط المكتب الإسلامي.

(2)

يرى أصحاب هذا القول أن الإيمان مأخوذ من الأمن. انظر: الإيمان (ص:121) .

(3)

انظر: الإيمان (ص:117-119) ط المكتب الإسلامي.

ص: 1359

2-

أن دعواهم أن الإيمان في اللغة هو التصديق لم يؤيده بشاهد من كلام العرب، وإنما دعمه بما ينقض دعواه، وذلك أنه قال: ومنه قولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، وفلان لا يؤمن بعذاب القبر، وهذا - قطعاً - ليس من ألفاظ العرب قبل نزول القرآن. ثم بعد ذلك فمن قال هذا ليس مراده مجرد التصديق - كما يدعي هؤلاء - وإنما مراده التصديق بالقلب واللسان، لأن إيمانه لا يمكن أن يعلم حتى يخبر عنه.

وأيضاً فإن التصديق بالشفاعة وعذاب القبر وغيرهما مما يرجى ويخاف، لا يتم تصدقه إلا مع الخوف من عذاب القبر، والرجاء للشفاعة، ولو صدق بهما من غير خوف ولا رجاء لم يكن مؤمناً. كما أن إبليس لا يسمى مؤمناً وإن كان مصدقاً بوجود الله وربوبيته، كما أن فرعون لا يسمى مؤمناً وإن كان عالماً بأن الله أرسل موسى، ولا يسمون اليهود مؤمنين بالقرآن والرسول، وإن كانوا يعرفون أنهما حق

وهكذا (1) .

3-

أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فمن المعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بلك شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فالإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة. والخاص تضم إليه قيود لا توجد في جميع العام، كقول اللسان وعمل القلب، فيكون الإيمان في كلام الشارع مؤلفاً من العام والخاص (2) .

4-

وإذا كان الإيمان له في الشرع معان خاصة، فلا بد من الرجوع إلى المقصود به في الكتاب والسنة، مثلا الصلاة، والزكاة، والحج. وفي القرآن لم يرد ذكر إيمان مطلق غير مفسر، وإنما ورد لفظ الإيمان فيه إما مقيداً، وإما مطلقا مفسراً:

فالمقيد قوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة: من الآية3)، وقوله:{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} (يونس: من الآية83) .

(1) انظر: الإيمان (ص:119-120) .

(2)

انظر: المصدر السابق (ص:121) .

ص: 1360

والمطلق المفسر كقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} (لأنفال: من الآية2) وقوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات:15)، وقوله:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65) وأمثال هذه الآيات "وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج"(1) .

وقد أورد شيخ الإسلام هنا اعتراضا - ذكره القاضي أبو يعلي وغيره - يزعم فيه أن هناك فرقاً بين هذه العبادات - التي هي الصلاة والزكاة والصيام والحج - وبين الإيمان، بأن هذه الأسماء باقية، ولكن ضم إلى المسمى أعمال في الحكم لا في الاسم أي أن اسم الصلاة - مثلا - باق أن المقصود به الدعاء، ولكن ضم إليه أعمال في حكم الصلاة لا في اسمها، وبهذا تكون قد فارقت الإيمان. ولن شيخ الإسلام يجيب بأن هذا إن كان صحيحاً في الصلاة وغيرها فيقال مثله في الإيمان، حيث وردت النصوص بضم العمل إليه. أما من زعم أن القرآن لم يذكر فيه العمل - ليفرق بين الإيمان والصلاة - فليس كما زعم، "بل القرآن والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق، وهذا في القرآن أكثر بكثير من معنى الصلاة والزكاة، فإن تلك إنما فسرتها السنة، والإيمان بين معناه الكتاب والسنة وإجماع السلف"(2) .

والخلاصة أن الإيمان كالصلاة، قد يكون له أصل في اللغة، ولكن الشارع أضاف إليه أموراً من أعمال القلوب واللسان والجوارح، وإذا كان في أعمال الصلاة ما تبطل الصلاة يتركه، وفيها ما تنقص الصلاة بتركه فكذلك الإيمان في شعبه. وهذا واضح.

(1) الإيمان (_ص:122) .

(2)

المصدر السابق، الصفحة نفسها.

ص: 1361

5-

أن من المعلوم علما ضروريا - أن من قيل: "إنه صدق، ولم يتكلم بلسانه بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا صلى ولا صام، ولا أحب الله ولا رسوله، ولا خاف الله، بل كان مبغضا للرسول، معاديا له، يقاتله - أن هذا ليس بمؤمن، كما قد علمنا أن الكفارة من المشركين وأهل الكتاب الذين كانوا يعلمونه أنه رسول الله، وفعلوا ذلك مع، كانوا عنده كفارا لا مؤمنين، فهذا معلوم عندنا بالاضطرار أكثر من علمنا بأن القرآن كله ليس فيه لفظ غير عربي.

فإن قالوا: من علم أن الرسول كفره، علم انتفاء التصديق من قبله.

قيل لهم: هذه مكابرة إن أرادوا أنهم كانوا شاكين مرتابين، وأما إن عنى التصديق الذي لم يحصل معه عمل، فهو ناقص كالمعدوم، فهذا صحيح" (1)، وهو مبطل لدعواهم. فهؤلاء غلطوا في أصلين:

"أحدهما: ظنهم أن الإيمان مجرد تصديق وعلم فقط، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب، وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقاً

".

والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق، وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة، وجماهير النظار

" (2) ، وأدلة هذا من واقع الإنسان نفسه، ومن حياة الأمم مع رسلها كثيرة جداً (3) .

وفي الإيمان الأوسط أضاف شيخ الإسلام إلى خطئهم في هذين الأصلين خطأ ثالثا ورابعاً.

(1) الإيمان (ص:125) ط المكتب الإسلامي.

(2)

المصدر السابق (ص:180) .

(3)

انظر: المصدر نفسه (ص:180-183) .

ص: 1362

أما الثالث: فهو "أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر، من سب الله ورسوله والتثليث، وغير ذلك، قد يكون مجامعا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه ذلك مؤمنا عند الله حقيقة، سعيدا في الدنيا والآخرة، وهذا يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام".

وأما الرابع فهو: "أنهم جعلوا من لم يتكلم قط بالإيمان مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته - يكون مؤمنا بالله، تام الإيمان، سعيداً في الدنيا والآخرة"(1) .

قال شيخ الإسلام بعد هذا: "وهذه الفضائح تختص بها الجهمية، دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم"(2) ، أي الذين يوجبون القول مع التصديق، أما الجهمية ومن وافقهم من الأشعرية فيحصرون الإيمان بالتصديق القلبي فقط الذي يفسرونه بالعلم أو المعرفة.

ثم ذكر أخطاءا أخرى تلزم الجهمية ومن افقهم، كما تلزم مرجئة الفقهاء ومنها:

الخامس: "أن العبد قد يكون مؤمنا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيراً، لا صلاة، ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها

وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء" (3) وهذا بين البطلان.

وقد اعترف الأشاعرة بما في أقوالهم من التناقض، فالتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله. وقد أنكر عليهم هذا جماهير العقلاء، وقالوا هذه مكابرة وسفسطة (4) .

(1) الإيمان الأوسط - مجموع الفتاوى - (7/582-583) .

(2)

المصدر السابق (7/583) .

(3)

المصدر نفسه، نفس الجزء والصفحة.

(4)

انظر: الإيمان (ص:140-143) ط المكتب الإسلامي.

ص: 1363

6-

أن التصديق نوع من أنواع الكلام، واستعماله في اللغة دالا على اللفظ والمعنى، أكثر من استعماله في المعنى المجرد عن اللفظ الذي هو تصديق القلب.

وهذا المبحث هو نفسه مبحث الكلام النفسي - الذي سبق - حيث زعموا أن الكلام معنى قائم بالنفس فقط، دون الحروف والألفاظ، وقد سبق عرض أدلتهم ومناقشتها في مبحث كلام الله، والعجيب أن شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة - مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه - في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله. وهذا يبين أن مأخذ الأشاعرة في المسألتين واحد (1) .

7-

أما احتجاجهم بقوله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} (يوسف: من الآية17) أي بمصدق لنا، وقولهم إن الإيمان مرادف للتصديق. فقد رد عليهم شيخ الإسلام من عدة وجوه، منها:

أ - أن لفظ الإيمان تكرر في القرآن والحديث أكثر من غيره من الألفاظ، والإيمان أصل الدين، وكل مسلم يحتاج إلى معرفته، فلا بد أن يؤخذ معنى الإيمان من جميع موارده، لا من آية واحدة (2) .

ب - أن الإيمان ليس مرادفا للتصديق من وجوه: منها:

أحدها: أنه يقال للمخبر إذا صدقته: صدقه، ولا يقال: آمنه وآمن به، بل يقال آمن له، كما قال:{فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ} (العنكبوت: من الآية26)، وقال:{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ} (يونس: من الآية83)، وقال فرعون:{آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} (الشعراء: من الآية49) ، فلفظ الإيمان يتعدى إلى الضمير باللام دائما، لا يقال آمنته، وإنما يقال آمنت له، كما يقال أقررت له.

الثاني: وليس مرادفا له في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت. أما لفظ الإيمان فلا يستعمل

(1) انظر: الإيمان (ص:126-134) ط المكتب الإسلامي.

(2)

انظر: المصدر السابق (ص:274) .

ص: 1364