الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثانيا: الصفات التي أثبتها الأشاعرة:
والمقصود بالصفات الصفات السبع التي أثبتها جميع الأشاعرة، متقدموهم ومتأخروهم، وهي: العلم، والقد رة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وهي الصفات التى يسمونها صفات المعاني أو الصفات المعنوية، ويجعلونها في مقابل الصفات النفسية- أو الذاتية- مثل كون الرب موجودا، وقائما بنفسه، وقديما عند بعضهم، ويضيفون إليها قسما ثالثا وهو الصفات الفعلية، وقد انتقد شيخ الإسلام هذا التقسيم عندهم (1) .
وإثبات الأشاعرة لهذه الصفات- ولغيرها- جعلهم يدخلون ضمن دائرة الصفاتية المثبتة في الجملة، خلافا للجهمية والمعتزلة النفاة، ولكن مذهب الأشاعرة في الصفات الأخرى، كالصفات الاختيارية وغيرها أثر على تفاصيل أقوالهم في هذه الصفات السبع الني أثبتوها، ولذلك فقد كان لشيخ الإسلام بعض
الملاحظات والردود، ويمكن إجمالها من خلال المسائل التالية:
(1) أوضح شيخ الإسلام سبب هذا التقسيم عندهم، ثم انتقده، فقال: "والذين فرقوا بين الصفات النفسية والمعنوية قالوا: القيام بالنفس والقدم- ونحو ذلك من الصفات النفسية- بخلاف العلم والقدرة، فانهم نظروا إلى مالا يمكن تقدير الذات في الذهن بدون تقديره، فجعلوه من النفسية، وما يمكن تقديرها بدونه فجعلوه معنويا، ولا ريب أنه لا يعقل موجود، قائم بنفسه، ليس قائما بنفسه، بخلاف ما يقدر أنه عالم، فإنه يمكن تقدير ذاته بدون العلم.
وهذا التقدير عاد إلى ما قدروه في أنفسهم، وإلا ففي نفس الأمر جميع صفات الرب اللازمة له هي صفات نفسية ذاتية فهو عالم بنفسه وذاته وهو عالم بالعلم وهو قادر بنفسه وذاته، وهو قادر بالقدرة، فله علم لازم لنفسه، وقدرة لازمة لنفسه، وليس ذلك خارجا عن مسمى اسم نفسه، (درء التعارض 3/21-22)، وانظر بقية الرد والمناقشة إلى (ص: 28) من هذا الجزء، وانظر أيضا (ص: 322-333) منه.
وفي موضع آخر قال عن الأشاعرة وهو يتحدث عن صفات الأفعال وقول الأشاعرة: إن الفعل هو المفعول: "وهؤلاء يقسمون الصفات إلى ذاتية، ومعنوية، وفعلية، وهذا تقسيم لا حقيقة له؛ فإن الأفعال عندهم لا تقوم به، فلا يتصف بها، لكن يخبر عنه بها، وهذا التقسيم يناسب قول من قال: الصفات هي الأخبار التي يخبر بها عنه، لا معاني تقوم به، كما تقول ذلك الجهمية والمعتزلة
…
وأما من كان مراده كالصفات ما يقوم به فهذا التقسيم لا يصلح له على أصلهم، ولكن أخذوا التقسيم عن أولئك وهم مخالفون لهم في المراد بالصفات" (مجموع الفتاوى 16/374)، وانظر: منهاج السنة (2/295) - المحققة-. ط دار العروبة.
المسألة الأولى: طرق إثبات هذه الصفات:
يوافق شيخ الإسلام متقدمي الأشعرية- كالأشعري والباقلاني وغيرهما- على إثبات هذه الصفات بالعقل (1) ، كما أنها ثابتة بالسمع، ومع ذلك فقد رد على الأشاعرة المتأخرين قي عدة أمور، منها:
أحدها: جعلهم القول في الصفات من الأصول العقلية، خلافا للأشعري وأئمة أصحابه الذين يحتجون عليها بالسمع كا يحتجون بالعقل (2) .
الثاني: قول بعضهم "إن الصفات الثابتة بالعقل هي التي يجب الإقرار بها، ويكفر تاركها، بخلاف ما ثبت بالسمع، فإنهم تارة ينفونه وتارة يتأولونه ويفوضون معناه، وتارة يثبتونه لكن يجعلون الإيمان والكفر متعلقا بالصفات العقلية، فهذا لا أصل له عن سلف الأمة وأئمتها، إذ الإيمان والكفر هما من الأحكام التى تثبت بالرسالة. وبالأدلة الشرعية يميز بين المؤمن والكافر لا بمجرد الأدلة العقلية"(3) ، وورى شيخ الإسلام أن قولهم إن أصول الدين هي التي تعرف بالعقل، ثم قولهم: إن المخالف لها كافر، مقدمتان باطلتان، والجمع بينهما تناقض لأن ما لا يعرف إلا بالعقل لا يعلم أن مخالفه كافر الكفر الشرعي، لأنه لم يرد في الشرع أن من خالف ما لا يعلم إلا بالعقل فهو كافر (4) .
الثالث: تفريق بعض المتأخرين كالرازي والأصفهاني- صاحب العقيدة التي شرحها شيخ الإسلام- بين هذه الصفات السبع في طرق ثبوتها، حيث أثبتوا بعضها بالعقل، وبعضها بالسمع فقط، يقول شيخ الإسلام في شرح الأصفهانية: "لكن المصنف سلك في ذلك طريقة أبي عبد الله الرازي، فأثبت
(1) من الأمثلة على إثبات شيخ الإسلام الصفات السبع بالعقل ما ذكر في تفسير سورة العلق.
انظر: مجموع الفتاوى (16/353-355) . أما إثبات الأشاعرة لها فانظر ما سبق في الباب الماضي (ص: 419-420، 537) .
(2)
انظر: درء التعارض (5/328) .
(3)
مجموع الفتاوى (3/328) .
(4)
انظر: درء التعارض (1/242) .
العلم والقدرة والارادة والحياة بالعقل، وأثبت السمع والبصر والكلام بالسمع، ولم يثبت شيئا من الصفات الخبرية. وأما من قبل هؤلاء كأبي المعالي الجويني وأمثاله، والقاضى أبي يعلى وأمثاله، فيثبتون جميع هذه الصفات بالعقل، كما كان يسلكه القاضي أبو بكر ومن قبله كأبي الحسن الأشعري وأبي العباس القلانسي ومن قبلهم كأبي محمد بن كلاب والحارث المحاسبي وغيرهما. وهكذا السلف والأئمة كالإمام أحمد بن حنبل وأمثاله، يثبتون هذه الصفات بالعقل كما ثبتت بالسمع وهذه الطريقة أعلى وأشرف من طريقة هؤلاء المتأخرين (1) "، ومنهج شيخ الإسلام أن كثيرا من الصفات- غير الصفات السبع- قد يعلم بالعقل، مثل الحب والرضا والغضب، والعلو والرؤية (2) .
ثم إن شيخ الإسلام مع موافقته للأشعرية في أن الصفات السبع يدل عليها العقل، كما قد دل عليها السمع، إلا أنه يرد عليهم منهجهم في إثبات هذه الصفات، حيث إنهم أثبتوها أولا لأن العقل دل عليها، ثم إنهم لما وجدوا أن السمع وافق العقل في هذا احتجوا به، وليس هذا هو منهج السلف الصالح- رحمهم الله الذي يقوم على الإقرار بما ورد في الكتاب والسنة وإن لم نعلمه بعقولنا، يقول شيخ الإسلام: " إن وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفا على أن يقوم (3) دليل عقلي على تلك الصفة بعينها، فإنه مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول-صلى الله عليه وسلم إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا.
ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم: "قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ"[الأنعام: 124] ، ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول، ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية، ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك، أو لم يخبر به، فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه لا يصدق به، بل يتأوله
(1) شرح الأصفهانية (ص: 8-9) - ت مخلوف - وانظر: مجموع الفتاوى (2/32) .
(2)
انظر: التدمرية (ص: 149- 150) - المحققة.
(3)
في المطبوعة- ت مخلوف، (يقوم عليه دليل) والتصويب من المحققة.
أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا" (1) .
وهذا المنهج أثر على الأشاعرة في بقية الصفات التي دل عليها السمع ولكن عقولهم أو أصولهم العقلية خالفتها، فكانت النتيجة كما أشار شيخ الإسلام- النفي والإنكار، بالتأويل أو التفويض.
ومن الأدلة المشهورة على إثبات هذه الصفات لله تعالى، أن هذه الصفات من صفات الكمال، والعقل دل على اتصاف الله بصفات الكمال، وعلى نفي أضداده من النقائص، ومن الأدلة أيضا: أن كل كمال ثبت للمخلوق- إذا لم يكن فيه نقص بوجه ما- فالخالق أحق به، لأنه هو الذي خلقه (2) .
ومع وضوح هذا الاستدلال إلا أن بعض الأشاعرة- كالجويني والرازي والآمدي- قالوا في إثبات صفات الكمال لله ونفي النقائص: إن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع (3) ، وجعلوا الطريق الذي نفوا عنه ما نفوه إنما هو نفي مسمى الجسم، ونحو ذلك، يقول شيخ الإسلام عن هؤلاء إنهم:
"خالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية كالأشعري، والقاضي أبي بكر، وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية فى إثبات هذه الصفات على مجرد السمع ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناء على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا:
والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن
أولى وأحرى " (4) .
(1) شرح الأصفهانية (ص: 30- 31) - ت السعوي-، و (ص: 12) - ت مخلوف-.
(2)
انظر: شرح الأصفهانية (ص: 85-87) - ت مخلوف-. ودرء التعارض (4/76) ، 10/153-156) ، ومجموع الفتاوى (6/228) .
(3)
انظر: الإرشاد للجويني (ص: 74)، والأربعين للرازي (ص: 172-174) .
(4)
الرسالة الأكملية- مجموع الفتاوى (6/73-74) .
فهذا الدليل الذي ذكره شيخ الاسلام- وضعفه هؤلاء وأحالوا على السمع - هو الدليل المشهور بقياس الأولى الذي جاء به القرآن- وقد سبق شرحه (1) -
ويبين شيخ الإسلام إن "كل كمال - لا نفص فيه بوجهـ ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:
أحدما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم، المحدث المربوب.
الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه، فإذا كان هو مبدعا للكمال وخالقا له كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفا به" (2) .
والعجيب من هؤلاء الأشاعرة المتأخرين إذا جاء دليل العقل من منطق اليونان وفلاسفته، أو أئمة الجهمية، صدقوا به وأخضعوا له النصوص، وإذا جاء دليل العقل من الكتاب والسنة- بقياس الأولى وضرب الأمثال- قالوا لا حجة فيه، ثم أحالوا على أدلة أخرى من السمع وغيره؟.
المسألة الثانية: الصفات السبع وحلول الحوادث:
وهذه المسألة من أهم المسائل المتعلقة بالصفات السبع التي أثبتها الأشاعرة، لأنها توضح جانبا مهما من جوانب دلالة هذه الصفات وقع فيه الأشاعرة بخطأ جسيم، نظرا لضلالهم في مسائل أخرى في باب الصفات مثل الصفات الاختيارية لله تعالى.
وبيان ذلك أن الأشاعرة يقولون بنفي حلول الحوادث بذات الله تعالى، أي نفي ما يتعلق بالله من الصفات الفعلية والاختيارية التي تقوم بذاته، وهذا قالوه بناء على دليل حدوث الأجسام، وأن ما حلت به الحوادث فهو حادث.
(1)(ص: 282-283) .
(2)
شرح الأصفهانية (ص: 86) - ت مخلوف-
ثم إن الأشاعرة مع قولهم بهذا وتقريرهم له أثبتوا لله الصفات السبع، فوجدوا أن هذه الصفات- ما عدا صفة الحياة- يلزم من إثباتها حلول الحوادث بالله، لأنه مع وجود المخلوقات توجد معلومات ومرادات ومسموعات ومبصرات، ومقدرات، وكذا إذا كلم بعض رسله أو أوحى اليهم، وصلة هذه بالله تعالى
يلزم منها ما يسمونه بحلول الحوادث بالله تعالى، لأن علم الله بالشيء بعد وجوده ليس هو نفس علمه قبل وجوده، لم يتجدد له فيه نعت ولا صفة، وإلا صار
جهلا، وهكذا بقية الصفات.
فالأشاعرة حلوا هذه المعضلة- بزعمهم- بأن قالوا بأزلية هذه الصفات، وأنها لازمة لذات الله أزلا وأبدا، وقالوا إنه لا يتجدد لله عند وجود هذه الموجودات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم فقط.
وهؤلاء قد خالفوا المعقول والمنقول، لأن العلم بالشيء بعد وجوده ليس كالعلم به قبل وجوده، وقد ذكر الله تعالى علمه بما يكون في بضعة عشر موضعا، مع أنه تعالى قد أخبر أن علمه قد أحاط بكل شيء قبل كونه.
ونضرب أمثلة لمناقشات شيخ الإسلام لهؤلاء في هذه المسألة، في صفة العلم، والإرادة، والسمع والبصر، أما صفة الكلام وهي أوضحها في هذا الباب فسيأتي لها مبحث مستقل إن شاء الله.
أ- صفة "العلم"(1) .
يقول شيخ الإسلام موضحا الخلاف في علم الله وتعلقه بالمستقبل: "الناس المنتسبون إلى الإسلام في علم الله باعتبار تعلقه بالمستقبل على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يعلم المستقبلات بعلم قديم لازم لذاته، ولا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة، وإنما يتجدد مجرد التعلق بين العلم والمعلوم،
(1) الأدلة النقلية على إثبات صفة العلم كثيرة، أما أدلة العقل فقد قررها شيخ الإسلام بعدة طرق، انظر: درء التعارض (10/113-126)، وشرح الأصفهانية (ص: 24-26) - ت مخلوف-.
وهذا قول طائفة من الصفاتية من الكلابية والأشعرية، ومن وافقهم من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وأبي حنيفة، وهو قول طوائف من المعتزلة وغيرهم من نفاة الصفات، لكن هؤلاء يقولون: يعلم المستقبلات ويتجدد التعلق بين العالم والمعلوم، لا بين العلم والمعلوم.
وقد تنازع الأولون: هل له علم واحد أو علوم متعددة؟ على قولين:
والأول قول الأشعري وأكثر أصحابه، والقاضي أبي يعلى وأتباعه، ونحو هؤلاء.
والثاني قول أبي سهل الصعلوكي.
والقول الثاني: أنه لا يعلم المحدثات إلا بعد حدوثها، وهذا أصل قول القدرية الذين يقولون: لم يعلم أفعال العباد إلا بعد وجودها وأن الأمر أنف، لم يسبق القدر لا شقاوة ولا سعادة، وهم غلاة القدرية
…
.
والقول الثالث: أنه يعلمها قبل حدوثها، ويعلمها بعلم آخر حين وجودها" (1) . وهذا قول السلف، وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر من الفلاسفة، وقول الرازي في المطالب العالية، وهو مخالف لما ينسب إلى الجهم الذي يقول بتجدد علم قبل الحدوث، والذي في القرآن أن التجدد يكون بعد الوجود (2) . يقول شيخ الإسلام: "لا ريب أنه يعلم ما يكون قبل أن يكون، ثم إذا كان: فهل يتجدد له علم آخر؟ أم علمه به معدوما هو علمه به موجودا؟
هذا فيه نزاع بين النظار" ثم قال عن القول الأول- وهو أنه يتجدد له علم آخر- "واذا كان هو الذي يدل عليه صريح المعقول، فهو الذي يدل عليه صحيح المنقول، وعليه دل القرآن في أكثر من عشر مواضع، وهو الذي جاءت به الآثار عن السلف " (3) .
(1) رسالة في تحقيق علم الله جامع الرسائل (1/177-179) - ت رشاد سالم-
(2)
انظر: المصدر السابق (1/179- 181) .
(3)
درء التعارض (10/17) .
فقول الأشاعرة إنه لا يتجدد له عند وجود المعلومات نعت ولا صفة هذا بناء على نفيهم لحلول الحوادث، لأنه يلزم من ذلك التغير في ذات الله، وقد ذكر شيخ الاسلام أن "التغير" من حجج الفلاسفة على نفي علم الله وأنهم قالوا:
"العلم بالمتغيرات يستلزم أن يكون علمه بأن الشيء سيكون غير علمه بأنه قد كان، فيلزم أن يكون محلا للحوادث"(1) . قال شيخ الإسلام: " وهم ليس لهم على نفي هذه اللوازم حجة أصلا- لا بينة ولا شبهة- وإنما نفوه لنفيهم الصفات، لا لأمر يختص بذلك" ثم قال: " بخلاف من نفي ذلك [أي التغير] من الكلابية ونحوهم، فإنهم لما اعتقدوا أن القديم لا تقوم به الحوادث قالوا:
لأنها لو قامت به لم يخل منها، وما لم يخل من الحوادث فهو حادث" (2) ، ثم بين شيخ الاسلام أن الرازي والآمدي بينا فساد المقدمة الأولى- وهي أنه لو قامت به الحوادث لم يخل منها- وأن الفلاسفة وكثيرا من النظار منعوا المقدمة الثانية المبنية على منع حوادث لا أول لها، وقالوا إن القديم تحله الحوادث، وجوزوا حوادث لا أول لها (3) .
أما شبهة التغير في مسألة العلم- التي جاء بها الفلاسفة- المبنية على المقدمتين السابقتين: ما قامت به الحوادث لم يخل منها- وما لم يخل من الحوادث فهو حادث- فللنظار في جوابها طريقان:
أحدهما: منع المقدمة الأولى بالنسبة للعلم وأنه لا يلزم منه حلول الحوادث، وهذا قول الأشاعرة الذين قالوا:"إن العلم بأن الشيء سيكون هو عين العلم بأنه قد كان، وأن المتجدد إنما هو نسبته بين المعلوم والعلم، لا أمر ثبوثي"(4) .
(1) الرد على المنطقيين (ص: 463) .
(2)
المصدر السابق، نفس الصفحة.
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 463-464) .
(4)
الرد على المنطقيين (ص: 464) .
والثاني: منع المقدمة الثانية، وهي أن ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، فهؤلاء قالوا:"لا محذور في هذا، وإنما المحذور في أن لا يعلم الشيء حتى يكون، فإن هذا يستلزم أنه لم يكن عالما، وأنه أحدث بلا علم، وهذا قول باطل"(1) ، وهذا قول هشام بن الحكم وابن كرام والرازي وطوائف غير هؤلاء.
ومما سبق يتبين حقيقة الخلاف، وعلاقته بمسألة حلول الحوادث التي جعل الأشاعرة منعها أحد أصولهم التي لا يتنازلون عنها، ومما سبق أيضا يتبين المذهب الحق في ذلك، وأن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده مع علمه السابق به قبل وجوده، وأن علمه الثاني والأول ليس واحدا، وهذا هو الذي دل عليه القرآن الكريم، مثل قوله تعالى:"وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ"[البقرة: 143] وقوله: "أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ"[آل عمران: 142]، وقوله: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ" [آل عمران: 140] ، وقوله: "وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ"- إلى قولهـ "وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ [العنكبوت: 3-11] وقوله: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ"[محمد: 31] ، وغيرها.
يقول شيخ الإسلام حول هذه الآيات: "وعامة من يستشكل الآيات الواردة في هذا المعنى، كقوله: "إلَّا لِنَعْلَمَ" و "حَتَّى نَعْلَمَ"، يتوهم أن هذا ينفي علمه السابق بأن سيكون، وهذا جهل؛ فإن القرآن قد أخبر بأنه يعلم ما سيكون في غر موضع، بل أبلغ من ذلك أنه قدر مقادير الخلائق كلها، وكتب ذلك قبل أن يخلقها، فقد علم ما سيخلفه علما مفصلا، وكتب ذلك،
(1) الرد على المنطقيين (ص: 464) .
وأخبر بما أخبر به من ذلك قبل أن يكون، وقد أخبر بعلمه المتقدم على وجوه، ثم لما خلقه علمه كائنا مع علمه الذي تقدم أنه سيكون، فهذا هو الكمال، وبذلك
جاء القرآن في غير موضع، بل وإثبات رؤية الرب له بعد وجوده، كما قال تعالى:"وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ"[التوبة: 105] ، فأخبر
أنه سيرى أعمالهم
…
" (1) .
ثم ذكر شيخ الإسلام أقوال المفسرين في قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ"[البقرة: 143] فقال: " وروى عن ابن عباس في قوله: "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنرى، وروى لنميز وهكذا قال عامة المفسرين: إلا لنرى ونميز، وكذلك قال جماعة من أهل العلم، قالوا: لنعلمه موجودا واقعا بعد أن كان قد علم أنه سيكون (2) ، ولفظ بعضهم قال: العلم على منزلتين: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به بعد وجوده، والحكم للعلم به بعد وجوده لأنه يوجب الثواب والعقاب، قال فمعنى قوله "إِلَّا لِنَعْلَمَ" أي لنعلم العلم الذي يستحق به العامل الثواب والعقاب، ولا ريب أنه كان عالما سبحانه بأنه سيكون، لكن لم يكن المعلوم قد وجد، وهذا كقوله: "قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ" [يونس: 18] ، أي بما لم يوجد، فإنه لو وجد لعلمه، فعلمه بأنه موجود ووجوده متلازمان، يلزم من ثبوث أحدهما ثبرقه الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه"(3) .
فالعقل والقرآن يدلان على أن علمه تعالى بالشيء بعد فعله قدر زائد عن العلم الأول (4) . وتسمية ذلك تغيرا أو حلولا لا يمنع من القول به ما دام دالا على الكمال لله تعالى من غير نقص، وما دامت أدلة الكتابه والسنة تعضده.
(1) الرد على المنطقيين (ص: 464-465!.
(2)
انظر: تفسير هذه الآية- البقرة: 143- في الطبري، والبغوي، والخازن، والدر المنثور.
(3)
الرد على المنطقيين (ص: 466-467) .
(4)
انظر: مجموع الفتاوى (16/304) .
ب- صفة الأرادة (1) :
ساق شيخ الإسلام الخلاف في الإرادة للشيء وفعله، في مثل قوله تعالى:"إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ"[يونس: 82]، وقوله:"فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا"[الكهف: 82] وقوله: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"[الإسراء: 16] وقوله: "وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ"[يونس: 107] فقال: "وهو سبحانه إذا أراد شيئا من ذلك فللناس فيها أقوال:
قيل: الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد، ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص، فهذا قول ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما
…
.
والقول الثاني: قول من يقول بإرادة واحدة قديمة، مثل هؤلاء، لكن يقول تحدث عند تجدد الأفعال إرادات في ذاته بتلك المشيئة القديمة، كما تقوله الكرامية وغيرهم
…
.
والقول الثالث: قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به، ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة، أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا في محل كقول البصريين
…
.
والقول الرابع: أنه لم يزل مريدا بإرادات متعاقبة، فنوع الإرادة قديم، وأما إرادة الشىء المعين فإنما يريده في وقته، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها، ثم بعد ذلك يخلقها، فهو إذا قدرها علم ما سيفعله، وأراد فعله في الوقت المستقبل، لكن لم يرد فعله في تلك الحال، فإذا جاء وقته أراد فعله، فالأول عزم، والثاني قصد" (2) .
(1) أدلتها من القرآن والسنة كثيرة، وانظر: دليلها من العقل في شرح الأصفهانية (ص: 26) - ت مخلوف-.
(2)
مجموع الفتاوى (16/301-303) .
وفي موضع آخر يذكر الخلاف في المشيئة والإرادة هل هي قديمة أو حادثة ويذكر أن للصفاتية في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها ليست إلا قديمة، وهو قول ابن كلاب والأشعري وأتباعهما.
الثاني: أنها حادثة.
الثالث: أنها قديمة وحادثة، وهو قول طوائف من الكرامية وأهل الحديث والصوفية وغيرهم، وهؤلاء يقولون: إن الله متكلم في الأزل، وأنه يتكلم إذا
شاء، كما صرح بذلك الأئمة كأحمد وغيره (1) .
فالأشاعرة والكلابية جعلوا الإرادة واحدة قديمة، وإنما يتجدد تعلقها - بالمراد، ويشبه هذا مذهبهم في الخلق حين قالوا الفعل هو المفعول، حتى لا يقولوا
بحلول الحوادث.
وقد رد شيخ الإسلام على الأشاعرة في قولهم السابق فقال: " وكثير من العقلاء يقول: ان هذا فساده معلوم بالاضطرار، حتى قال أبو البركات: ليس في العقلاء من قال بهذا، وما عَلِمَ أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام.
وبطلانه من جهات: من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك، ومن جهة أنه جعل الإرادة تخصص لذاتها، ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئا حدث حتى تخصص أو لا تخصص، بل تجددت نسبة عدمية، ليست وجودا، وهذا ليس بشيء. فلم يتجدد شيء، فصارت الحوادث تحدث وتتخصص بلا سبب حادث ولا مخصص " (2) .
فالأشاعرة جعلوا الإرادة واحدة، كا جعلوا العلم واحدا، حتى لا يقولوا بتجدد العلم والإرادة (3) . ولاشك أن مشكلة الأشاعرة هنا مرتبطة بمذهبهم
(1) انظر: رسالة في تحقيق مسألة علم اللهـ جامع الرسائل (1/182) .
(2)
مجموع الفتاوى (16/302) .
(3)
انظر: درء التعارض (2/172)، وشرح الأصفهانية (ص: 27) - ت مخلوف-
الأصلي في مسألة الصفات الاختيارية التي تقوم بالله، وهم لما التزموا نفي ذلك في صفات الفعل كالاستواء والمجيء والغضب والرضا وغيرها، أثر ذلك في إثباتهم لهذه الصفات السبع.
بقي في مسألة الارادة أن شيخ الاسلام في شرحه لمذهب أهل السنة في الإرادة لما ذكر الفرق بين الإرادة القدرية الشاملة السابقة، وإرادة فعل الشيء في وقته ذكر العزم والقصد، ثم ذكر أن هناك خلافا في العزم، هل يوصف الله به على قولين:
أحدهما: المنع، كقول القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى.
والثاني: الجواز.
ثم قال عن الثاني "وهو أصح، فقد قرأ جماعة من السلف: "فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ" [آل عمران: 159] بالضم (1) ، وفي الحديث الصحيح من حديث أم سلمة "ثم عزم الله لي" (2) ، كذلك في خطبة مسلم: " فعزم لي" (3) ، وسواء سمى عزما أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها
(1) قراءة الجمهور بفتح التاء من "عزمت"، وقرأ جابر بن زيد، وأبو نهيك، وعكرمة وجعفر ابن محمد- بضم التاء-، انظر: الدر المنثور (2/360) - ط دار الفكر-، وتفسير ابن عطية: المحرر الوجيز (3/281) ، وتفسر القرطبى (4/252) ، والبحر المحيط (3/99) ، وإعراب القرآن للنحاس (1/416) ، والمحتسب لابن جني (1/176)، ومختصر في شواذ القرآن لابن خالويه (ص:
23) ، والتبيان للعكبري (1/305-306) . وغيرها. وقد ذكر السيوطي أن قراءة جابر بن زيد وأبي نهيك أخرجها ابن أبي حاتم.
(2)
رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة، ورقمه (918) مكرر.
(3)
الذي في مقدمة صحيح مسلم (1/4) - ط عبد الباقي- "أن لو عزم لي عليه" وكذا في طبعات مسلم الأخرى. وفد نفى هذه الصفة النووي في شرحه لمسلم (1/46، 6/221-222) ، وذكر أقوالا قي تأويلها، وشيخ الإسلام استشهد بقول مسلم هنا لبيان أن أئمة السلف يقولون به، ومسلم قصد أن لو عزم الله لي، قال المازري في المعلم: "لا يظن بمسلم أنه أراد لو عزم الله عليه، لأن إرادة لله سبحانه لا تسمى عزما
…
" (ص: 102) ، وهذا بناء عل مذهب بعض الأشاعرة، وقد رد عليه ابن الصلاح قائلا: ليس ذلك كما قال، ثم استشهد بحديث أم سلمة، وذكر وجهين في معنى العزم، انظر: صيانة صحيح مسلم (ص: 116-117) .
في وقتها، وأراد أن يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين، ونفس الفعل ولابد من علمه بما يفعله" (1) .
ج-- صفة السمع والبصر (2) :
أشار شيخ الإسلام إلى الخلاف فيهما فقال: "وأما السمع والبصر والكلام فقد ذكر الحارث المحاسبي عن أهل السنة في تجدد ذلك عند وجود المسموع المرئي قولين (3) .
والقول بسمع وبصر قديم يتعلق بها عند وجودها قول ابن كلاب وأتباعه والأشعري، والقول يتجدد الإدراك مع قدم الصفة قول طوائف كثيرة كالكرامية وطوائف سواهم، والقول بثبوت الإدراك قبل حدوثها وبعد وجودها قول السالمية، كأبي الحسن بن سالم وأبي طالب المكي، والطوائف الثلاثة تنتسب إلى أئمة السنة كالإمام أحمد، وفي أصحابه من قال بالأول، ومنهم من قال بالثاني، والسالمية تنتسب إليه " (4) .
وقد شرح شيخ الإسلام المذهب الحق في ذلك فقال: " وقد دل الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة ودلائل العقل على أنه سميع بصير، والسمع والبصر لا يتعلق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياء رآها سبحانه، وإذا دعاه عباده سمع دعاءهم وسمع نجواهم، كما قال تعالى: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: 1] أي تشتكي إليه
(1) مجموع الفتاوى (16/303-304) .
(2)
أدلتها النقلية كثيرة جدا، أما أدلتها العقلية، فانظر: شرح الأصفهانية (73-87) - ت مخلوف-، ومجموع الفتاوى (6/228) .
(3)
انظر: فهم القرآن للمحاسبي (ص: 344-346)، وقد سبق كلام المحاسبي هذا (ص: 466-467) عند الكلام عنه للدلالة على نفيه للصفات الاختيارية، وقد ربط قوله وترجيحه في مسألة السمع والبصر بنفيه لحلول الحوادث.
(4)
رسالة في تحقيق مسألة علم اللهـ جامع الرسائل- (1/181-182) .
وهو يسمع التحاور- والتحاور تراجع الكلام- بينها وبين الرسول، قالت عائشة:"سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تشتكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله: "قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا" [المجادلة: 1] (1) . وقال تعالى لموسى وهارون: "لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى" [طه: 46] وقال: "أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ" [الزخرف: 80] "(2) .
فالله تعالى إذا خلق العباد فعلموا وقالوا، فلابد من القول أنه تعالى يرى أعمالهم ويسمع أقوالهم، ونفى ذلك تعطل لهاتين الصفتين، وتكذيب لنصوص القرآن (3) . خاصة وأن فهم هؤلاء الأشاعرة لصفة السمع والبصر ليس هو فهم السلف- الذي يقولون إنه يطلق بمعنى ما به يسمع ويبصر- بل يفسرونهما بمجرد الإدراك فقط.
وقد بين شيخ الإسلام في رده على الأشاعرة أن بعض أئمتهم كالرازي اعترفوا بأنه لا مانع من التزام القول بحلول الحوادث هنا، وهذا نموذج لمنهج شيخ الإسلام العام في رده على الأشاعرة حين يذكر ردود بعضهم على بعض - وقد سبق تفصيل ذلك في منهجه العام في رده عليهم-.
(1) رواه أحمد (6/46) ، والبخاري تعليقا في كتاب التوحيد، باب وكان الله سميعا بصيرا (الفتح 13/372) ، ووصله ابن حجر في تغليق التعليق (5/339-339) وصححه ورواه ابن ماجه في المقدمة، باب فيما أنكرت الجهمية، ورقمه (188) ، والنسائي كتاب الطلاق، باب الظهار، ورقمه (3460) - ترقيم أبي غدة-، والحاكم في المستدرك (2/481) ، وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي عاصم في السنة رقم (625) ، وحسنه الألباني في الظلال، والبيهقي في السنن الكبرى- كتاب الظهار، باب سبب نزول آية الظهار (7/382) ، وابن جرير في تفسيرهـ سورة المجادلة- آية (1) . والحديث صححه الألباني في صحيح ابن ماجه، وفي إرواء الغليل (7/175) .
(2)
الرد على المنطقيين (ص: 465) .
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (6/228) .
فإن شيخ الإسلام وهو يرد على الجويني في مسألة حلول الحوادث (1)، ألزمه ذلك في مسألة السمع والبصر فقال:"ما ذكره [أي الجويني] أن المعتزلة قصدهم من طرد الدليل في هذه المسألة [أي مسألة حلول الحوادث] أنه إذا لم يمتنع تجدد احكام للذات من غير أن يدل على الحدوث، لم يبعد مثل ذلك في اعتوار الأعراض على الذات"(2) - قال ابن تيمية- يلزمه مثل ذلك في تجدد حكم السمع والبصر، فإنه إنما يتعلق بالموجود دون المعدوم، وإما أن يكون الرب بعد أن خلق الموجودات كحالة قبل وجودها في السمع والبصر، أو لا يكون. فإن كان حاله قبل كحاله بعد، وهو قبل لم يكن يسمع شيئا ولا يراه فكذلك بعد، لاستواء الحالين، فإن قيل: إن حاله بعد ذلك خلاف حاله قبل، فهذا قول بتجدد الأحوال والحوادث، ولا حيلة في ذلك، ولا يمكن أن يقال في ذلك ما قيل في العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، فأمكن المفرق أن يقول حاله قبل وجود المعلوم وبعده سواء" (3) .
وقول ابن تيمية هنا في "العلم" ليس رجوعا عن قوله السابق: إن الله يعلم الشيء كائنا بعد وجوده، مع علمه السابق- كما سبق بيانه في صفة العلم- وإنما قصد هنا أن مسألة السمع والبصر أكثر وضوحا من مسألة العلم، لأن العلم يتعلق بالمعدوم، أما السمع والبصر فيتعلقان بالمسموع والمبصر من الموجودات، فلو احتج محتج على جواز تعلقهما بالمعدوم حتى لا يقال عند وجود المبصر والمسموع إنه تعالى حلت به الحوادث- على صفة العلم لم تقبل حجته، لأن العلم يجوز أن يتعلق بالمعدوم قبل وجوده ففارق السمع والبصر في ذلك، فابن تيمية قطع الاحتجاج بالعلم أولا، مع أن التحقيق في مسألة العلم أنه لو احتج بها لم يكن له بها حجة، لأن القول بأن علمه تعالى بالشيء
(1) وعلاقتها بصفة الكلام، انظر: التسعينية (ص: 196) وما بعدها.
(2)
التسعبنية (ص: 202)، وكلام الجويني في الإرشاد (ص: 45) .
(3)
التسعينية (ص:202) .
بعد وجوده هو نفس علمه به قيل وجوده قول غير صحيح، والدليل على ما قصده ابن تيمية أن الرازي في غالب كتبه سار على طريقة الأشاعرة في أن علم الله واحد لا يتغير مع وجود المعلوم (1) ، إلا أنه في صفة السمع والبصر لم يحتج بالعلم، بل اعترف بضعف جواب المعترضين وقال: إن قول الكرامية بحلول الحوادث ليس محالا.
وذلك أن شيخ الإسلام قال بعد الكلام السابق: "وقد ذكر هذا الإلزام أبو عبد الله الرازي والتزم قول الكرامية، بعد أن أجاب بجواب ليس بذاك؛ فإن المخالف احتج عليه بأن السمع والبصر يمتنع أن يكون قديما لأن الإدراك لابد له من متعلق، وهو لا يتعلق بالمعدوم، فيمتنع ثبوت السمع والبصر للعالم قبل وجوده، إذ هم لا يثبتون أمرا في ذات الله به يسمع ويبصر، بل السمع والبصر نفس الإدراك عندهم، ويمتنع أن يكون حادثا لأنه يلزم أن يكون محلا للحوادث، ويلزم أن يتغير وكلاهما محال، وقال- أي الرازي- في الجواب (2) : "لم لا يجوز أن يكون الله سميعا بصيرا بسمع قديم وبصر قديم، ويكون السمع والبصر يقتضيان التعلق بالمرئي والمسموع بشرط حضورهما ووجودهما، قال: وهذا هو المعنّي بقول أصحابنا في السمع والبصر: إنه صفة متهيئة لدرك ما عرض له، فإن قال قائل: فحينئذ يلزم تجدد التعلقات. قلنا: وأي بأس بذلك إذا لم يثبت أن التعلقات أمور وجودية في الأعيان (3) ، فهذا هو تقرير المذهب، ثم [لئن (4) ] سلمنا فساد
(1) وإن كان قد مال في بعض كتبهـ كالمطالب العالية، وشرح الإشارات- إلى جواز التغير، فإنه قال في شرح الإشارات (1/76) : بأن التغير في العلم تغير في الإضافة وذلك غير ممتنع، وقال في المطالب العالية (عن الزركان ص: 309) : "المذهب الصحيح هو قول أبي الحسين البصري وهو أن يتغير العلم عند تغير المعلوم".
(2)
في نهاية العقول 160- ب.
(3)
في مخطوطة نهاية العقول: "إذا لم يثبت التعلقات أمورا وجردية في الأعيان. نهاية العقول - 160- ب 261 أ.
(4)
في مطبوعة التسعينية (لأن) والتصويب من نهاية العقول.
هذا القسم فلم لا يجوز أن يكون محدثا في ذاته على ما هو مذهب الكرامية.
وقوله: يلزم أن يكون محلا للحوادث، قلنا: إن عنيتم حدوث هذه الصفات في ذاته تعالى بعد أن لم تكن حادثة فيها (1) فهذا هو المذهب، فلم قلتم: إنه محال، وإن عنيتم شيئا آخر فبينوه لنتكلم عليه، وهذا هو الجواب عن قوله: يلزم وجود التغير في ذات الله. قال شيخ الإسلام معلقا على قول الرازي هذا: " قلت: وقد اعترف في هذا الموضع بضعف الجواب الأول، وذلك أن قول القائل: صفة متهيئة لدرك ما عرض عليه
…
عند وجود هذا الدرك هل يكون سامعا مبصرا لما لم يكن قبل ذلك سامعا له مبصرا، أم لا يكون، فإن لم يكن كذلك لزم نفي أن يسمع ويبصر، وإن كان سمع ورأي ما لم يكن سمعه ورآه فمن المعلوم بالاضطرار أن هذا أمر وجودي، قائم بذات السامع والرائي، وأنه ليس أمرا عدميا، ولا واسطة بين الوجود والعدم" (2) .
فالأشاعرة فسروا السمع والبصر بالإدراك، ثم جعلوه ثابتا في العدم، ثم قالوا إنه لا يتعلق إلا بالموجود، وجعلوا تعلقه بالموجود عدماً محضاً، وهذه أقوال فاسدة (3) . ولاشك أن اعتراف الرازي مهم جدا لأنه بين إلى أي حد كانت قناعة الأشاعرة بمنهجهم في إثباتهم لهذه الصفات.
هذا هو مذهب الأشاعرة فيما أثبتوه من الصفات، ومنه يتبين أثر مذهبهم فيما نفوه منها على ما أثبتوه، إضافة إلى وجود التناقض أحيانا في أقوالهم، كاستدلالهم على صفة العلم بالإحكام والإتقان، مع أنهم ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله (4) .
(1) الذي في نهاية العقول 161-أ: "في ذاته بعد أن يكون حادثا فيها".
(2)
التسعينية (ص:202-203) .
(3)
انظر: المصدر السابق (ص: 203) .
(4)
انظر: النبوات (ص: 357-358) - ط دار الكتب العلمية-.
المسألة الثالثة: مثبتة الأحوال من الأشاعرة:
سبق تعريف الأحوال، ومن قال به من الأشاعرة كالباقلاني (1) ، والجويني (2) ، الذي أثبتها أولا، ثم كان آخر أمره نفيها، ومذهب جمهور الأشاعرة إثبات الصفات ونفي الأحوال.
وقد أوضح شيخ الإسلام علاقة الأحوال بالصفات، والمذاهب في ذلك فقال: " في مسائل الصفات ثلائة أمور:
(أحدها) : الخبر عنه بأنه حي، عليم، قدير، فهذا متفق على إثباته، وهذا يسمى الحكم.
(والثاني) : أن هذه معان قائمة بذاته، وهذا أيضا أثبته مثبتة الصفات، السلف والأئمة، والمنتسبون إلى السنة من عامة الطوائف.
(والثالث) : الأحوال، وهو العالمية والقادرية، وهذه قد تنازع فيها مثبتو الصفات ونفاتها:
- فأبو هاشم وأتباعه يثبتون الأحوال دون الصفات.
- والقاضي أبو بكر وأتباعه يثبتون الأحوال والصفات.
- وأكثر الجهمية والمعتزلة ينفون الأحوال والصفات.
- وأما جماهير أهل السنة فيثبتون الصفات دون الأحوال " (3) .
والفرق بين مثبتة الأحوال ونفاتها ممن يثبت الصفات، أن القائلين بالأحوال يقولون: إن له علما، وعالمية، وعالميته معنى زائد على علمه، فصفة العلم
(1) انظر: (ص: 539-540) .
(2)
انظر: (ص:608) .
(3)
شرح حديث النزول- مجموع الفتاوى (5/339)، وانظر: منهاج السنة (2/90-91) - المحققة- ط مكتبة العروبة-.
أوجبت كونه عالما، وكونه عالما حال معللة بالعلم، فعند هؤلاء أن ثبوت الصفات يستلزم ثبوت الأحوال، وإثبات الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، ولذلك فهم يثبتون ذاتا توجب أن يكون عالما ولولاها لما كان عالما، فهذه الأحوال زائدة في الخارج على الصفات.
أما منكرو الأحوال من مثبتة الصفات فإنهم يقولون: معنى العلم هو معنى العالم، فعلمه هو كونه عالما، وقدرته هو كونه قادرا، ليس هناك أمران ولا علة ولا معلول، ولا يثبتون ذاتا أوجبت كونه عالما (1) .
ولا شك أن أكبر دليل على ضعف قول هؤلاء الذين يثبتون الأحوال هو صعوبة فهم هذه الحال التي قالوا بها، وحينما يقولون: العالمية حال معللة بالعلم، فيجعلون العلم يوجبه حال آخر ليس هو العلم، بل هو كونه عالما (2) ، فهذا يصعب فهمه، ولذلك قيل: إن من الأشياء التي لا حقيقة لها أحوال أبي هاشم.
ولذلك كان مذهب الأشعري نفسه ومحققي الأشاعرة هو نفي الأحوال، وإليه رجع الجويني في آخر عمره (3) .
وشيخ الإسلام لم يعر هذه المسألة كبير اهتمام، ولعل سبب ذلك والله أعلم؛ قلة القائلين بها ومخالفة الجمهور لهم، إضافة إلى تهافت قول أصحابها،
ومع ذلك فقد عرض لها من ناحيتين:
الأولى: أن بعض (4) القائلين بها من الصفاتية قد تابعوا أبا هاشم الجبائي في قوله إن الحال لاموجودة ولامعدومة (5) ، ولاشك أن هذا قول مخالف
(1) انظر: درء التعارض (5/35-39، 10/234) .
(2)
انظر: منهاج السنة (2/387) - المحققة- ط مكتبة دار العروبة.
(3)
انظر: التسعينية (ص: 223) .
(4)
كالجويني، أما الباقلاني فقد سبق بيان أنه خالف أبا هاشم في قوله: إنها لا موجودة ولامعدومة. انظر: (ص: 539، 608) .
(5)
انظر: درء التعارض (9/395)، والرد على المنطقيين (ص: 109) .
لبداهة العقل، لأن سلب النقيضين- كجمعهما- ممتنع.
الثانية: أن القائلين بقدم العالم من الفلاسفة، الذين يوجبون مقارنة العلة للمعلول، فيقولون: إن المعلول- الذي هو المخلوقات- مقارن للعلة- وهي اللهـ فيكون أزليا معه، لما قيل لهم: إن هذا مما يعلم فساده بضرورة العقل، لأن إلمفعول لا يكون مقارنا للفاعل في الزمان، فأجابوا بأن هذا ممكن، وأن تقدم العلة على المعلول تقدما عقليا لازما، ومثلوا لذلك بتقدم حركة اليد على حركة الخاتم الذي فيها، وتقدم الشمس على الشعاع، ثم إنهم احتجوا على جواز ذلك بما يقوله مثبتو الأحوال، حيث إنهم يقولون: العلم علة كون العالم عالما، فكأنهم ألقوا كون العلة والمعلول متلازمين مقترنين، فلا يستنكر هذا هنا.
وقد رد شيخ الإسلام على الفلاسفة في قولهم: إن المعلول يقارن علته في الزمان، وبين خطأهم، وخطأ الفقهاء الذين تابعوهم في ذلك (1)، ثم قال عن احتجاجهم بقوك أهل الأحوال: " وما ذكروه من اقتران العلة العقلية لمعلولها، كالعلم والعالمية، فجوابه أنه عند جاهير العقلاء ليس هنا علة ومعلول، بل العلم هو العالمية، وهذا مذهب جمهور نظار أهل السنة والبدعة، وهي نفي الأحوال، فلا علة ولا معلول، وإن جعلت المعلول الحكم بكونه عالما، والخبر عنه بكونه عالما، فهذا قد يتأخر عن العلم، وعلى قول من أثبت الحال هو يقول: إنها ليست موجودة ولا معدومة، فليست نظير المعلولات الوجودية. وأيضا فهؤلاء يقولون: إن العالم [ليس فاعل العالمية (2) ] ولا هو جاعل العالمية، ولا هذا عنده من باب تأثير الوجود والأسباب والعلل، فإن كونه عالما لازم للعلم بما يلزم العلم أنه عالم، ليس هذا مثل كون قطع الرقبة سببا للموت، ولا كون الأكل سببا للشبع، من الأسباب التي خلقها الله
…
" (3) .
(1) انظر: تفصيل ذلك في الرد على المنطقيين (ص: 378- 381) .
(2)
في المطبوعة من الرد على المنطقيين [أن العالم فاعل للعالمية] ولعل صحة العبارة ما أثبته.
(3)
الرد على المنطقيين (ص: 379) .
فبين شيخ الإسلام أن قول مثبتة الأحوال لا حجة فيه للفلاسفة على قولهم بقدم العالم، وإن كان قولهم في ذاته باطلا.
المسألة الرابعة: أسماء الله وصفاته التي تسمى واتصف بمثلها المخلوقون هل هي من قبيل المشترك أو المتواطئ أو المشكك؟
هذه المسألة متعلقة بالأسماء والصفات، وقد سبق في مبحث الأسماء الاحالة على بحثها هنا، ومن المعلوم أن الله سمى نفسه بأسماء، وسمى عباده بأسماء مختصة بهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، كما وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات مختصة بهم، توافق تلك الصفات إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص، وليست صفات الله كصفات الخلق ولا أسماؤه كأسمائهم.
ومن الأمثلة على ذلك أن الله سمى حيا فقال: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم} (البقرة: من الآية255)، وسمى بعض عباده حيا فقال:{يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} (الروم: من الآية19) ، وليس هذا الحي مثل هذا الحي، وسمى نفسه سميعاً بصيراً فقال:{إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً} (النساء: من الآية58)، وسمى بعض خلقه سميعا بصيرا فقال:{إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً} (الانسان: 2) . وليس السمعي كالسميع ولا البصير كالبصير، وسمى نفسه بالملك فقال:{الْمَلِكُ الْقُدُّوس} (الحشر: من الآية23) وسمى بعض عباده بالملك فقال: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} (يوسف: من الآية50) .
وكذلك سمى صفاته أسماء، وسمى صفات عباده بنظير ذلك فقال في صفة العلم {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} (البقرة: من الآية255) . وقال عن المخلوق: {فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْم} (غافر: من الآية83) . وليس العلم كالعلم، وكذلك وصف نفسه بالمشيئة ووصف عبده بالمشيئة فقال:{لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (التكوير: من الآية 28-29) .
وكذلك وصف نفسه بالمحبة ووصف عبده بالمحبة فقال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه} (المائدة: من الآية54)، ووصف نفسه بالمناداة فقال:{وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ} (مريم: من الآية52) ووصف عبده بالمناداة فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ} (الحجرات:4)، ووصف نفسه بالتكليم في قوله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً} (النساء: من الآية164)، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله:{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} (يوسف:54) ، وغيرها كثير (1) .
فهل إطلاق هذه الأسماء والصفات على الله وعلى المخلوق هو من باب المشترك اللفظي (2) ، أو باب المتواطئ (3) أو المشكك؟ (4) .
والفرق بين المشترك اللفظي والمتواطئ أو المشكك كبير جدا، لأن معنى المشترك اللفظي أن اللفظ واحد ولكن المعاني والمدلولات التي يصدق عليها هذا
(1) انظر: التدمرية (ص:21-30) - ت السعوي -، والجواب الصحيح (3/148-149) .
(2)
المشترك االلفظي هو: اللفظ الواحد الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساويا، كالعين تطلق على آلة البصر، والينبوع، والجاسوس، انظر معيار العلم (ص:81) - ت دنيا -، والمعغجم الفلسفي (2/376) - صليبا - والمعجم الفلسفي (ص:183) - مجمع اللغة -، والمبين للآمدي (ص:51) ت الأعسم.
(3)
المتواطئ: يدل على أعيان متعددة بمعنى واحد مشترك بينها، كدلالة اسم الإنسان على زيد وعمرو، أو هو: الكلي الذي يكون حصول معناه وصدقه على أفراده الذهنية والخارجية بالسوية، كالإنسان والشمس، فالإنسان له أفراد في الخارج، والشمس لها أفراد في الذهن، انظر: معيار العلم (ص:81)، والتعريفات (ص:106) ، والمعجم الفلسفي (2/334) - صلبيا.
(4)
المشكك: هو ما يدل على أشياء لأ/ر عام مشترك بين أفرادها، لا على السواء، بل على التفاوت، أو هو: الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده، بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر، ك الوجود فإنه ف الواجب أولى وأقدم وأشد مما في الممكن، وكالبياض للثلج والعاج. (والعاج ناب الفيل أو عظمه، وقيل هو الذيل وهو شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البرية والبحرية، وقيل كل عظم عند العرب عاج. انظر: النهاية لابن الأثير (3/312)، والصحاح ولسان العرب وتاج العروس مادة: عوج) . وانظر في معنى المشكك: التعريفات (ص:114) ، والمعجم الفلسفي (2/378) - صليبا -، والمبين للآمديب (ص:50-51) - ت الأعسم -.
اللفظ متباينة لا يجمع بينها معى مشترك، فاللعين تطلق على الباصرة وعلى الذهب وعلى الجارية وليس بين هذه الأمور أي معنى يجمعها سوى لفظ "عين" الذي يطلق على كل منها، وكذل المشتري يطلق على مشتري السلعة، ويطلق على الكوكب المسمى بالمشتري، وليس بينهما أي معنى مشترك سوى أن لفظ "المشتري" جمع بينهما لفظا. فإذا قيل: الله سميع، والمخلوق سميع، والمخلوق سميع، فهل السميع هنا من باب المشترك اللفظي؟ ونحن إذا فهمنا معنى السميع بالنسبة للمخلوق فهل يقول قائل: إن السميع بالنسبة لله قد يكون له معنى آخر بعيد جداً، كالبعد الذي بين الكوكب والمبتاع للسلعة.؟، لا شك أن هذا القول يؤدي إلى تعطيل أسماء الله وصفاته عن معانيها اللائقة به تعالى.
أما المتواطئ فهو معنى كلي على أعيان متعددة، كالإنسان، فهو معنى كلي يدل على جميع بني الإنسان بالسوية، فيصدق على زيد وعمرو ومحمد وأحمد من الناس، لكن هذا المعنى الكلي الذي يجمعهم لا يعني أن حقيقة زيد هو حقيقة عمرو، بل كل له حقيقته الخاصة وإن كان يجمعهم معنى "الإنسان". والمشكك جزء من التواطؤ العام، لأنه يدل على أشياء متعددة لأمر عام مشترك بين أفرادها، لكنه في بعضها أقوى أو أشد.
وقد بين شيخ الإسلام أن هذا التوافق بين أسماء الله وصفاته وأسماء المخلوقين وصفاتهم لا يجوز أن يكون من باب المشترك اللفظي، بل هو من باب المتواطئ أو المشك، لأن هناك معنى كليا يفهم من مطلق صفة السمع أو البصر أو الحياة أو الوجود، وإن كان سمع الله وبصره وحياته ووجوده، يخصه لا يشاركه فيه أحد من الخلق، كما أن سمع المخلوق وبصره وحياته ووجوده يخصه.
ومع تجويز شيخ الإسلام أن تكون من باب المتواطئ أو المشكك، إلا أنه يتعمق في ذكر الفرق بينهما، ولذلك فهو يرى أن القول بأ، هـ من المتواطئ واضح في هذا الباب، وأ، القول بأن المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، لا مانع منه ما دامت حقيقة كل قسم تخصه لا يشركه فيه غيره، وأما الذي ظنه بعض الناس من أنه يخلص من هذا الاشتراك
يجعل لفظ "الوجود" أو غيره من باب المشكك، لكون واجب الوجود أكمل، كما يقال في لفظ السواد المقول على سواد القار وسواد الحدقة، ولفظ البياض المقول على بياض الثلج وبياض العاج فإن شيخ الإسلام يجيب عن هذا بقوله:"ولا ريب أ، المعاني الكلية قد تكون متفاضلة في مواردها، بل أكثرها كذلك: وتخصيص هذا القسم بلفظ المشكك أمر اصطلاحي، ولهذا كان من الناس من قال: هو نوع من المتواطئ؛ لأن واضح اللغة لم يضع اللفظ العام بإزاء التفاوت الحاضل لأحدهما، بل بإزاء القدر المشترك"، ثم يقول شيخ الإسلام:"وبالجملة، فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين عاما وخاصا زال اللبس"(1) .
والقول بأن هذا التوافق ليس من قبيل المشترك اللفظي هو قول جماهير المسلمين، يقول شيخ الإسلام:"إن مذهب عامة الناس، بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم، أن الوجود [ليس (2) ] مقولا بالاشتراك اللفظي فقط، وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها، وقد يكون لخلقه اسم كذلك، مثل الحي والعليم والقدير؛ فإن هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط، بل بالتوطئ، وهي أيضا مشككة؛ فإن معانيها في حق الله تعالى أولى، وهي حقيقة فيهما، ومع ذلك فلا يقولون: إن ما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمى بها مثل ما يستحقه غيره، ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مماثلاً لخلقه، ولا يقولون أيضاً إن له أو لغيره في الخارج وجودا غير حقيقتهم الموجودة في الخارج؛ بل اللفظ يدل على قدر مشترك [إذا (3) ] أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدها"(4) ، ثم بين أن هذا لا يستعمل في أسماء الله فقط
(1) منهاج السنة (3/586) - ط جامعة الإمام -، وانظر: ما قبل ذلك (2/118-119) .
(2)
في المطبوع [وهو] ، وسياق الكلام يقتضي ما أثبت، وقد أشار إلى هذا التصويب المعلق في الحاشية.
(3)
في المطبوعة (إذ) ولعل الصواب ما أثبت.
(4)
نقض التأسيس - مطبوع - (2/378) .
ولا في اللغة أيضاً، وإنما يذكر في مواضع تجرد عن الخصائص لأجل المناظرة فيقدر الأمر تقديراً (1) .
ومع أن هذا هو قول جماهير الصفاتية وغيرهم إلا أن بعض من خاض في الفلسفة والمنطق كالرازي والآمدى والشهرستاني ظنوا - في بعض أقوالهم - أنه يجب أ، يكون ما بين أسماء الله وأسماء المخلوقين من توافق مقولا بالاشتراك اللفظين وقد بين شيخ الإسلام
أن الذي دفعهم إلى هذا القول شبهتان:
إحداهما: شبهة الوقوع في التشبيه والتركيب.
والثانية: ظن ثبوت الكليات المشتركة في الخارج.
أما الشبهة الأولى فيقول شيخ الإسلام: إن كثيرا من الناس "تنازعوا في الأسماء التي تسمى الله بها وتسمى بها عباده كالموجود والحي والعليم والقدير، فقال بعضهم: هي مقولة بالاشتراك اللفظي حذرا من إثبات قدر مشترك بينهما، لأنهما إذا اشتركا في مسمى الوجود لزم أن يمتاز الواجب عن الممكن بشيء آخر فيكون مركبا، وهذا قول بعض المتأخرين كالشهر ستاني والرازي في أحد قوليهما، وكالآمدى مع توقفه أحياناً"(2) ، ثم رد على الرازي والآمدى حين ظنا أن الأشعري وغيره ممن ينفي الأحوال ويقول إن وجود كل شيء عين حقيقته - يقولون بهذا القول وأنها مقولة بالاشتراك اللفظي، وزعما أن هذا لازم لهم، لأنهم لو قالوا هي متواطئ لكان بينهما قدر مشترك، فيمتاز أحدهما عن الآخر بخصوص حقيقته، والمشترك ليس هو المميز، فلا يكون الوجود المشترك هو الحقيقة المميزة. وبين أن هذا غلط عليهم (3) .
هذه شبهة التركيب، أما شبهة التشبيه فإنهم قالوا: إذا قلنا موجود وموجود، وحي وحي، لزم التشبيه (4) .
(1) انظر: نقض التأسيس - مطبوع - (2/379) .
(2)
منهاج السنة (2/581) - ط جامعة الإمام -.
(3)
انظر: منهاج السنة (2/581-582) - ط جامعة الإمام -.
(4)
انظر: منهاج السنة (2/584) .
وأما الشبهة الثانية: فبسببها غلط الرازي وغيره "فإنه ظن أنه إذا كان هذا موجودا وهذا موجودا، والوجود شامل لهما، كان بينهما وجود مشترك كلي في الخارج، فلا بد من مميز يميز هذا عن هذا، والمميز إنما هو الحقيقة فيجب أن يكون هناك وجود مشترك وحقيقة مميزة"(1) .
وهذه مبنية على مسألة طالما غلط فيها أهل المنطلق والفلسفة وأتباعهم، وهي مسألة الكليات المطلقة التي تكون في الأذهان، وتوهمهم أنها قد تكون موجود في الأعيان.
فبهاتين الشبهتين: شبهة التشبيه، وشبهة الكليات الذهنية قال بعض هؤلاء الأشاعرة: إن الوجود وغيره إذا أطلق على الخالق والمخلوق كان من قبيل المشترك اللفظي. وقد رد عليهم شيخ الإسلام من وجوه أهمها:
1-
أن القول الذي يقول به جماهير الناس: جمهور المعتزلة، والمتكلمة الصفاتية من الأشعرية والكرامية والسالمية، واتباع الأئمة الأربعة من الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية، وأهل الحديث، والصوفية، أن هذه الأسماء حقيقة للخالق تعالى، وإن كانت تطلق على خلقه حقيقة.
وأما الأقوال الأخرى فهي باطلة:
مثل قول من يقول: إنها حقيقة في الخالق مجاز في المخلوق، وهو قول أبي العباس الناشئ.
ومثل قول من يقول بالعكس، أي أنها حقيقة في المخلوق مجاز في الخالق، كما هو قول غلاة الجهمية والقرامطة والباطنية الذين ينفون عن الله الأسماء الحسنى بل ويقولونك إن الله ليس بحي ولا عالم ولا جاهل (2)
…
(1) منهاج السنة (2/585) - ط جامعة الإمام -.
(2)
انظر: في هذه الأقوال: الجواب الصحيح (3/150)، والرد على المنطقيين (ص: 155-157) ، ومجموع الفتاوى (5/196-197، 207) ، ودرء التعارض (5/184-185) ، ومنهاج السنة (2/582-583) - ط جامعة الإمام -.
والصواب أنها حقيقة فيهما، ولا معنى لهذا القول إلا بإثبات المعنى المشترك في كل اسم أو صفة، ثم إن وجود الخالق يخصه ووجود المخلوق يخصه، وهكذا بقية الصفات، وكل من قال بالمشتري اللفظي فقد جانب قول أهل الحق، ولزمه أن يقول بواحد من تلك الأقوال الفاسدة.
2-
أ، لك موجودين فلا بد بينهما من قدر مشترك وقدر مميز، وهذه مسألة التشبيه والتمثيل، وقد سبق تفصيل القول فيها، مع بيان اعتراف الأشاعرة، بل وتقريرهم أن إثبات الصفات لله كالوجود والسمع والبصر والحياة وغيرها، لا يقتضي أن يكون الله مشابها لخلقه (1) .
3-
أن هؤلاء الذين يقولون بالمشترك اللفظي متناقضون، لأنهم مع قولهم إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي إلا أنهم يجعلونه "ينقسم إلى واجب وممكن، أو قديم ومحدث، كما تنقسم سائر الأسماء العامة الكلية لا كما تنقسم الألفاظ المشتركة كلفظ سهيل المقول (2) على "سهيل" الكوكب، وعلى سهيل بن عمرو، فإن تلك لا يقال فيها: إن هذا ينقسم إلى كذا وكذا، ولكن يقال: إن هذا اللفظ يطلق على هذا المعنى، وعلى هذا المعنى، وهذا أمر لغوي لا تقسيم عقلي، وهناك [أي في المتوطئ] تقسيم عقلي: تقسيم المعنى الذي هو مدلول اللفظ العام، ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام"(3) . وتناقضهم في هذا واضح جداً لأن التقسيم لا يكون في الألفاظ المشتركة إن لم يكن المعنى مشتركاً (4) .
4-
أنه لو لم تكن هذه الأسماء متواطئة لأدى ذلك إلى عدم فهم المعاني المرادة في كل سياق لأنه إذا قيل: إنها من باب المشترك اللفظي، كان ورود هذا الاسم في موضع له معنى. فإذا ورد في موضع آخر وأراد به المعنى الآخر
(1) انظر: مبحث توحيد الألوهية والربوبية (ص: 948-956) .
(2)
في طبعة جامعة الإمام (القول) وهو خطأ مطبعي، وهو على الصواب في طبعة مكتبة دار العروبة - المحققة (2/470) ، والمحقق للطبعتين الدكتور/ محمد رشاد سالم رحمه الله.
(3)
منهاج السنة (2/586) - ط جامعة الإمام - وانظر: شرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/322) -.
(4)
انظر: درء التعارض (5/325) .
- الذي يختلف عن الأول تماما - فإنه لا يفهم ذلك المعنى إلا بدليل يدل عليه (1) ، فإذا قيل المخلوق موجودا، ثم قيل والله تعالى موجود، فالقول أن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي يقتضي أن معنى الوجود في العبارة الثانية له معنى آخر بعيد عن مدلول اللفظ الأول، ولا بد من دليل يدل على المعنى المقصود منه، وهذا لو طبق يؤدي إلى تخبط عجيب في فهم مدلول الألفاظ والعبارات.
5-
أن القول بالاشتراك اللفظي يؤدي إلى موافقة الملاحدة والقرامطة، "فإنهم إذا جعلوا أسماء الله تعالى كالحي والعليم والقدير والموجود ونحو ذلك مشتركة اشتراكاً لفظيا، لم يفهم منها شيء إذا سمى بها الله، إلا أن يعرف ما هو ذلك المعنى الذي يدل عليه إذا سمي بها الله، لا سيما إذا كان المعنى المفهوم منها عند الإطلاق ليس هو المراد إذا سمي بها الله.
ومعلوم أن اللفظ المفرد إذا سمي به مسمى لم يعرف معناه حتى يتصور المعنى أولا، ثم يعلم أن اللفظ دال عليه، فإذا كان اللفظ مشتركا فالمعنى الذي وضع له في حق الله لم نعرفه بوجه من الوجوه، فلا يفهم من أسماء الله الحسنى معنى أصلا، ولا يكون فرق بين قولنا: حي، وبين قولنا: ميت، ولا بين قولنا: موجود، وبين قولنا: معدوم، ولا بين قولنا: عليم، وبين قولنا: جهول، أو "ديز" أو "كجز" بل يكون بمنزلة ألفاظ أعجمية سمعناها ولا نعلم مسماها، أو ألفاظ مهملة لا تدل على معنا كديز وكجز ونحو ذلك.
ومعلوم أن الملاحدة يكفيهم هذا، فإنهم لا يمنعون إطلاق اللفظ إذا تظاهروا بالشرع، وإنما يمنعون أن نفهم معنى" (2) .
وهذا هو لب المسألة، لأن القول بالمشترك اللفظي يؤدي إلى اعتقاده أن هذه الأسماء أو الصفات بالنسبة لله تعالى لها معان أخرى بعيدة عن المعاني التي دلت عليها هذه النصوص التي وردت بها، "وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئاً أصلا، إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا
(1) انظر: درء التعارض (5/326) .
(2)
منهاج السنة (2/326) - ط جامعة الإمام -.
ما يخص ذاته، فلم يعرفوا شيئاً" (1) ، وهذا هو الإلحاد في أسمائه وآياته.
6-
والذين قالوا بالمشترك اللفظي طبقوه أو التزموه في لفظ الوجود بالنسبة لله وبالنسبة للمخلوق، فقالوا: يشتركان في الوجود، ويمتاز أحدهما عن الآخر بحقيقته.
وهنا يجيبهم شيخ الإسلام بأن القول في الحقيقة كالقول في الوجود، "فإن هذا له حقيقة، وهذا له حقيقة، كما أن لهذا وجودا ولهذا وجودا، وأحدهما يمتاز عن الآخر بوجوده المختص به، كما هو ممتاز عنه بحقيقته التي تختص به. فقول القائل: إنهما يشتركان في مسمى الوجود، ويمتاز كل واحد منهما بحقيقته التي تخصه كما لو قيل: هما مشتركان في مسمى الحقيقة ويمتاز كل منهما بوجوده الذي يخصه. وإنما وقع الغلط لأنه أخذ الوجود مطلقاً لا مختصا، وأخذت الحقيقة مختصة لا مطلقة، ومن المعلوم أن كلا منهما يمكن أن يوجد مطلقاً، ويمكن أن يوجد مختصا، فإذا أخذا مطلقين تساويا في العموم، وإذا أخذا مختصين تساويا في الخصوص، وأما أخذ أحدهما عاما والآخر مختصا فليس هذا بأولى من العكس"(2) .
وهذا المنهج الإلزامي الدقيق كثيرا ما يستخدمه شيخ الإسلام، ومن ذلك قوله في مسألة الصفات التي أولها الأشاعرة، مثل صفة المحبة التي أولوها بإرادة الإنعام، لأنهم قالوا: إن المحبة ميل القلب إلى المحبوب وهذه صفة المخلوق، ولا يجوز أن تكون صفة لله، فهنا يقال لهم: يلزمكم في تأويلكم نظير ما لزمكم في المعنى الذي فررتم منه، فإنه يقال لكم في قولكم: إن المحبة إرادة الأنعام: ونحن لا نعلم من الإرادة إلا ميل النفس إلى المراد. فافعلوا في الإرادة ما فعلتم في المحبة فأولوها، أو فافعلوا في المحبة ما فعلتم في الإرادة فأثبتوها، وهكذا بقية الصفات.
7-
أما مسألة الكليات المشتركة التي تكون في الأذهان - وتوهم بعض الفلاسفة وأتباعهم أنها قد تكون موجودة في الأعيان - فإن شيخ الإسلام ناقشها
(1) مجموع الفتاوى (5/210) .
(2)
منهاج السنة (2/587-588) - ط جامعة الإمام -، وانظر: درء التعارض (5/116-118) .
طويلاً (1) ، وبين أثناء ذلك أن حجج هؤلاء مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج، قال:"وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء، حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء، وامتاز كل منها عن الآخر بشيء، هذا عين الغلط"(2) . وفي منهاج السنة قال مجيبا عن هذا الاشتباه والغلط الذي وقع فيه الرازي والآمدي وغيرهما: "وأما حل الشبهة فهو أنهم توهموا أنه إذا قيل: إنهما مشتركان في مسمى الوجود، يكون في الخارج وجود مشترك هو نفسه في هذا، وهو نفسه في هذا، فيكون نفس المشترك فيهما، والمشترك لا يميز، فلا بد له من مميز.
وهذا غلط؛ فإن قول القائل: يشتركان في مسمى الوجود، أي: يشتبهان في ذلك ويتفقان فيه، فهذا موجود، وهذا موجود، ولم يشرك أحدهما الآخر في نفس وجوده البتة. وإذا قيل: يشتركان في الوجود المطلق الكلي، فذاك المطلق الكلي لا يكون مطلقاً كلياً إلا في الذهن، فليس في الخارج مطلق كلي يشتركان فيه، بل هذا له حصة منه، وهذا له حصة منه، وكل من الحصتين ممتازة عن الأخرى (3)"، ثم قال بعد مناقشة أهل المنطق: "فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ، من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا. وإذا قال: نوع موجود، أو الكلي الطبيعي موجود، أو الحقيقة موجودة، أو الإنسانية من حيث هي موجودة، ونحو هذه العبارات، فالمراد به أنه وجد في هذا نظير ما وجد في هذا أو شبهه أو مثله، ونحو ذلك.
والمتماثلات يجمعها نوع واحد، وذلك النوع هو الذي بعينه يعم هذا ويعم هذا، لا يكون عاما مطلقاً إلا في الذهن، وأنت إذا قلت: الإنسانية
(1) انظر مثلا: درء التعارض (5/89-175) ، وقد ذكر في منهاج السنة (2/595) - ط جامعة الإمام -، أنه أفراد موضوع "الكليات" بمؤلف مختص بها لعموم الحاجة ولإزالة الشبهة، وقد ذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات ابن تيمية (ص:24) .
(2)
درء التعارض (5/112) .
(3)
منهاج السنة (2/588-589) - ط جامعة الإمام -.
موجودة في الخارج، والكلي الطبيعي موجود في الخارج، كان صحيحا: بمعنى أ، ما تصوره الذهن كليا يكون في الخارج، لكنه إذا كان في الخارج لا يكون كليا، كما أنك إذا قلت: زيد في الخارج، فليس المراد هذا اللفظ، ولا المعنى القائم في الذهن، بل المراد المقصود بهذا اللفظ موجود في الخارج" (1) .
ثم طبق شيخ الإسلام كلامه في مسألة الكليات على شبهة التشبيه التي أوقعت هؤلاء بقولهم بالمشترك اللفظي في مسألة الله وصفاته وما وافقها من أسماء المخلوقين وصفاتهم فقال: "وبهذا يتبين غلط النفاة في لفظ التشبيه؛ فإنه يقال: الذي يجب نفيه عن الرب تعالى اتصافه بشيء من خصائص المخلوقين، كما أن المخلوق لا يتصف بشيء من خصائص الخالق، أو أن يثبت للعبد شيء يماثل فيه الرب، وأما إذا قيل: حي وحي وعالم وعالم، وقادر وقادر، أو قيل: لهذا قدرة ولهذا قدرة، ولهذا علم، ولهذا علم، كان نفس علم الرب لم يشركه في العبد، ونفس علم العبد لا يتصف به الرب، تعالى عن ذلك، وكذلك في سائر الصفات، بل ولا يماثل هذا هذا، وإذا اتفق العلماء في مسمى العلم، والعالمان في مسمى العالم، فمثل هذا التشبيه ليس هو المنفي، لا بشرع ولا بعقل، ولا يمكن نفي ذلك إلا بنفي وجود الصانع"(2) .
وليس هذا خاصا بالصفات التي أثبتها الأشاعرة، بل يشمل غيرها من الصفات كالنزول والاستواء والمجيء، فإثباتها لله، مع أن المخلوق قد يوصف بالنزول والاستواء والمجيء لا يقتضي المشابهة، والقول بأن ذلك من قبيل المشترك اللفظي يعطل هذه الصفات عن معانيها (3) .
وقد بين شيخ الإسلام أن الآمدى - في مسألة الكليات المشتركة ووجودها في الأذهان - قد بين في كتابه أحكام الأحكام ما يناقضها، يقول: "والآمدى
(1) منهاج السنة (2/592) .
(2)
المصدر السابق (2/595-596) - ط جامعة الإمام -.
(3)
انظر: مجموع الفتاوى (5/200) وما بعدها. وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى - (5/323) وما بعدها.
قد بين فساد هذا [أي المشترك الكلي وكونه قد يوجد في الأعيان] في غير موضع من كتبه، مثل كلامه في الفرق بين المطلق والمقد والكلي والجزئي، وغير ذلك، وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا من المعين، وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره، فلو رجع إلى أصله الصحيح الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين، لعلم فساد هذه الحجة، ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم، تزلق أذهان كثير من الأذكياء في حججهم، ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان فسادها، كالرازي والآمدى ونحوهما: تارة يمنعون وجو الصور الذهنية، حتى يمنعوا ثبوت الكلي في الذهن، وتارة يجعلون ذلك ثابتاً في الخارج" (1) .
ثم ذكر شيخ الإسلام أن الآمدى في دقائق الحقائق أثبت المشترك الكلي في الخارج (2) ، وفي أحكام الأحكام نفاها ورد على الرازي (3) ، كما ذكر بأن الرازي نفاها أيضاً في الملخص (4) ، وبيان هذا التناقض الذي وقع فيه هؤلاء هو جزء من منهج شيخ الإسلام في ردوده عليهم (5) .
8-
وإضافة إلى ما سبق من ردود فإن شيخ الإسلام يبين هذه المسألة ويوضحها من خلال بيان منهج السلف في الصفات، القائم على إثبات هذه الصفات لله تعالى كما وردت من غير تمثيل ولا تكييف، ولا تحريف ولا تعطيل، ونظرا لأن هؤلاء إنما أوقعهم بالقول بالمشترك اللفظي الخوف من التشبيه، فقد أوضح شيخ الإسلام المسألة وبينها وضرب لذلك بعض الأمثلة المهمة:
(1) درء التعارض (5/120) .
(2)
انظر: المصدر السابق (5/108-111) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (5/120-125) ، وكلام الآمدي في الأحكام (2/183-184) - ت عبد الرزاق عفيفي -، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في ترجمة الرازي (ص: 661) .
(4)
انظر: درء التعارض (5/125-126)، وانظر أيضاً:(4/248-261) .
(5)
انظر غير ما سبق: الصفدية (1/99-103) ، ومسألة الأحرف - مجموع الفتاوى (12/96-97) ، ونقض التأسيس - مطبوع - (2/378-382) ، ومنهاج السنة (4/151-152) - ط بولاق -.
(أ) فقد بين أن الأسماء والصفات نوعان:
نوع يختص به الرب، مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال، ومن ناضل المشركون الذين جعلوا لله أنداداً.
والثاني: ما يوصف به العبد في الجملة، كالحي والعالم والقادر، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلاً، فإنه لو ثبت له مثل ما يثبت له للزم أن يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، وذلك يستلزم اجتماع النقيضين (1) . وقد سبق تفصيل هذا في مبحث الألوهية والربوبية.
(ب) وبالنسبة للنوع الثاني مما يتفقان فيه، فهل يلزم منه التماثل؟ يوضح شيخ الإسلام ذلك ببيان أن هذه الأمور لها ثلاثة اعتبارات:
أحدهما: ما يختص به الرب، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه ليس للعبد فيه نصيب.
والثاني: ما يختص بالعبد، كعلم العبد وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق ذلك بعلم الرب وقدرته وحياته، فإنه لا اشتراك فيه.
والثالث: المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فها المطلق ما كان واجبا له كان وجابها فيهما، وما كان جائزاً عليه كاجائزاً عليهما، وما كان ممتعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أ، يقال: هذه صفة كما حيث كانت، فالحياة والعلم والقدرة صفة كمال لكل موصوف والجائز عليهما اقترانهما بصفة أخرى كالسمع والبصر والكلام، فهذه الصفات يجوز أ، تقارن هذه في كل محل - اللهم إلا إذا كان هناك مانع من جهة المحل لا من جهة الصفة - وأما الممتنع عليهما، فيمتنع ا، تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، هذا ممتنع عليهما في كل موضع فلا يجوز أن تقوم صفات الله بأنفسها، بل بموصوف
(1) منهاج السنة (2/596) - ط جامعة الإمام -، وانظر: الجواب الصحيح (2/232) .
وكذلك صفات العباد لا يجوز أن تقوم بأنفسها، بل بموصوف" (1) .
وهذا المطلق الكلي الذي هو النوع الثالث، هو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به، ولذلك فنحن نعلم مثلاً أنه إذا وصف أحد بصفة، فإن هذه الصفة لا بد أن تقوم بالموصوف، ما أننا نفرق بين صفة الحياة، والعلم والكلام، من غير أن يرتبط ذلك بتخصيص الموصوف بها، هل هو الخالق أو العبد، ولولا ذلك لكانت معرفتنا بأسماء الله وصفاته وآياته ألغازا وألفاظاً أعجمية لا تفهم، ومن أراد أن يلتزم نفي التشبيه بنفي أي نوع من أنواع التشابه الذي يرد في المطلق الكلي فلا بد أن يؤدي به الأمر إلى نفي وجود الخالق، ومتى أقر بوجود الخالق وأنه غير هذه المخلوقات لزمه شيء من هذا.
(ج) ومن الأصول التي قررها السلف وركز عليها شيخ الإسلام أن القول في الصفات كالقول في الذات، يحتذى حذوه، فكما أن لله ذاتا لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك له صفات لا تشبه صفات المخلوقين، وإذا كان إثبات الذات لله إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية، وهذا أصل عظيم، مقنع جداً لمن تدبره، وهو مرتبط بما سبق من أن صفات المخلوق تخصه، كما أن له ذاتا تخصه، وكذلك ربنا تبارك وتعالى له صفات تخصه وتليق به كما أن له ذاتا تخصه، ولا يخلط بينهما إلا مشبه ممثل، أو معطل ملحد في أسمائه وصفاته يريد أن يجعل ذلك سلما لتعطيله وتحريفه (2) .
(ح) ضرب المثل بنعيم أهل الجنة، وبالروح:
وهذان المثلان يكثر ورودهما في مناقشات شيخ الإسلام للأشاعرة ولغيرهم، وفي بيانه للمنهج الحق في الصفات، البعيد عن التأويل والتفويض والتمثيل والتشبيه.
(1) منهاج السنة (2/597-598) - ط جامعة الإمام -.
(2)
انظر في بيان هذا الأصل: التدمرية (ص:43-46) - ت - السعودي -، والفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/114) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/330، 351) ، ومجموع الفتاوى (6/355، 12/575) ، ونقض التأسيس - مطبوع - (2/76) .
يقول شيخ الإسلام مستدلاً لهذه المسألة: "بل أبلغ من ذلك أن الله أخبر أن في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح ما ذكره في كتابه، كما أخبر أن فيها لبنا، وعسلا، وخمراً، ولحما، وحريرا، وذهباً، وفضة، وحورا، وقصورا، ونحو ذلك، وقد قال ابن عباس: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" (1) ، فتلك الحقائق التي في الآخرة ليست مماثلة لهذه الحقائق التي في الدنيا، وإن كانت مشابهة لها من بعض الوجوه، والاسم يتناولها حقيقة، ومعلوم أن الخالق أبعد عن مشابهة المخلوق، فكيف يجوز أن يظن أن فيما أثبته الله تعالى من أسمائه وصفاته مماثلاً لمخلوقاته وأن يقال: ليس ذلك بحقيقة، وهل يكون أحق بهذه الأسماء الحسنى والصفات العليا من رب السموات والأرض؟ مع أن مباينته للمخلوقات أعظم من مباينة كل مخلوق"(2) .
وفي موضع آخر شرح ذلك فقال: "إنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أ، يفهم ما غابه عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة، لما أمكنه أ، يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس
…
"وذكر قوله السابق، وشرح الفرق بين نعيم الجنة والدنيا وأن نعيم الجنة لا يفسد ولا يتغير، ثم قال: "فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم، وبينهما قدر مشترك وتشابه، علم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته، مما في الجنة لما في الدنيا.
(1) رواه وكيع في نسخته عن الأعمش، رقم (1) ، ت الفريوائي، وهناد في الزهد رقم (3،8) ، وأبو نعيم في صفة الجنة رقم (124)(1/160) ، والبيهقي في البعث والنشور رقم (332)، وابن أبي حاتم في تفسيره [آية: 25 من سورة البقرة] ورقمه (261) - ت الدكتكور أحمد الزهراني - ط على الآلة الكاتبة، وابن جرير في تفسير [البقرة: آية 25] ، ورقمه عند شاكر (534-535) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (5286) ، وعزاه للضياء في المختارة.
(2)
مجموع الفتاوى (5/208) .
فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير، لم يلزم أن يكون مماثلاً لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق
…
" (1) .
وهذا المثل واضح جدا، مبين للمسألة، وقد وفق شيخ الإسلام في عرضه وشرحه، وهو مما يسلم به مؤولة الصفات، لأنهم يثبتون البعث والجنة والنار، وقد سبق في موضوع تسلط الفلاسفة والقرامطة على المتكلمين بيان أن هؤلاء الملاحدة وصموهم بالتناقض لكونهم أولوا نصوص الصفات ولم يؤولوا نصوص المعاد والجنة والنار (2) ، ومعلوم أن الملاحدة طردوا الأمرين نفيا، وأهل السنة طردوهما إثباتا، وهؤلاء تناقضوا، وشيخ الإسلام حينما يضرب هذا المثل - مثل نعيم الجنة - كأنه يريد أن يقرن بين مسألة دلالة النصوص وأنها واحدة في الصفات والمعاد، - وقد شرحها في عرضه لتسلط الملاحدة - ومسألة ما يفهم من النصوص، وأن نصوص النعيم إذا كانت تفهم لأنها تشبه نعيم الدنيا مع ما بينهما من الاختلاف في الحقيقة والكيفية، فكذلك نصوص الصفات تفهم وتعلم ولا تقتضي موافقتها في الاسم لصفات العباد أن تكون مثلها أو مشابهة لها (3) .
وكذلك مثل الروح، فإنها "إذا كانت موجودة، حية، عالمة، قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو لك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها؛ لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرا، والشيء إنما تدرك حقيقته، إما بمشاهدته، أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أولى بمباينته لمخلوقاته،
(1) مجموع الفتاوى (9/295-296) .
(2)
انظر ما سبق: (ص: 896) وما بعدها.
(3)
انظر في شرح هذا المثل - مثل نعيم الجنة - التدمرية (ص: 46-50) - المحققة، والحموية - مجموع الفتاوى (5/115) ، ومنهاج السنة (2/157-159) - ط جامعة الإمام -، ومجموع الفتاوى (5/257-258، 6/123-125، 11/482-483) ، وتفسير سورة الإخلاص - مجموع الفتاوى (17/326)، والتسعينية (ص: 122) ، والصفدية (1/288-289) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/348) .
مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها
…
" (1) .
ومثل الروح كثيراً ما يسوقه شيخ الإسلام لنفي اشتراط معرفة كيفية الصفات لإثباتها، وخاصة في مثل صفة الاستواء والنزول والمجئ، وقد أوضح شيخ الإسلام هذا المثل أيما إيضاح في مناسبات عديدة (2) .
المسألة الخامسة: تقابل العدم والملكة (3) ،
والرد على الملاحدة الغلاة:
هذه المسألة من شبه الغلاة من الجهمية والقرامطة في نفيهم للصفات، وليس الغريب إيرادهم لها، لأن الباطل وأهله لا يتوقفون عن إيراد الأدلة على باطلهم ولو كانت ضعيفة متهافتة، وإنما الغريب أن يذعن لهذه الشبهة بعض النظار من المتكلمين ويعتقدوا أن اعتراضهم وشبهتهم صحيحة (4) .
(1) التدرية (ص: 56) - المحققة -.
(2)
انظر مثل الروح: الفتوى الحموية - مجموع الفتاوى (5/115-116) ، وشرح حديث النزول - مجموع الفتاوى (5/354-458) ، ومجموع الفتاوى (9/298) ، ودرء التعارض (6/131) .
(3)
المتقابلان هما اللذان لا يجتمعان من جهة واحدة، وهما أنواع:
(I)
…
الضدان، وهما اللذان لا يجتمعان ولكن قد يرتفعان، كالسواد والبياض.
(II)
…
المتضايفان، كالأبوة والبنوة، فهذان قد يجتمعان لكن من جهتين، لا من جهة واحدة، فالأبوة والبنوة قد تجتمع في زيد لكن من جهتين، فإن أبوته بالقياس إلى ابنه، وبنوته بالقياس إلى أبيه.
(III)
…
المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهما أمران أحدهما عدم الآخر مطلقا، كالفرسية، واللافرسية، ومثل: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان.
(IV)
…
المتقابلان بالملكة والعدم: وهما أمران أحدهما وجودي والآخر عدم ذلك الأمر الوجودي لا مطلقا، بل من القابل، كالبصر والعمى والعلم والجهل، فالعمى عدم البصر عما من شأنه البصر، والجهل عدم العلم عما من شأنه العلم.
والمراد بالملكة~: كل معنى وجودي أمكن أ، يكون ثابتا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان أو بحق نوع ككتابة زيد، أو بحض شخصه كاللحية للرجل، وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة.
فقال هؤلاء: لما لم يكن الجماد، كالحجر، قابلا للاتصاف بالبصر والعمى، فإنه لا يقال فيه: أعمى ولا بصير (انظر التعريفات ص: 105-106، والمعجم الفلسفي - صليبا 2/318-319) .
(4)
ذكر هذه المسألة قد يكون من باب الاستطراد، خاصة في مثل هذا البحث الذي كثرت فروعه وتشعبت مسائله، ولكن الذي دعا إلى ذلك أمور:
أحدها: أن بعض الأشاعرة - كالآمدي - ذكروا صحة هذه الشبهة وصعوبة الجواب عنها.
والثاني: أن هذه الشبهة لم يقتصر مداها وخطرها على مبحث صفة السمع والبصر والكلام؛ التي أثبتها الأشاعرة وغيرهم بطرق، منها لسمع، ومن ثم فصحة هذه الشبهة لم يقدح في ثبوت هذه الصفات بأدلة أخرى، وإنما تعداها إلى صفات أخرى كالعلو، حيث احتج من يقول أنا أقول: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، أو لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره بهذه الحجة، وإنهما متقابلان تقابل العدم والملكة.
انظر مثلا: درء التعارض (6/127-128) .
والثالث: كثرة إيراد شيخ الإسلام لهذه المسألة في كتبه أثناء مناقشته لنفاة الصفات، ومن ثم فإيرادها هنا قد يفيد في بيان مدخل هذه المسألة وسبب إيرادها في مناسبات عديدة.
وخلاصة المسألة أن الصفاتية احتجوا على إثبات صفة السمع والبصر والكلام لله بدليل الكمال، وهو أنه لو لم يكن متصفاً بهذه الصفات لا تصف بضدها، فاعترض النفاة على هذا بأن هذا يلزم في القابل لها، أما غير القابل - كالجماد - فنفي البصر عنه لا يلزم منه العمى، لكونه غير قابل لهما، يقول شيخ الإسلام في أحد المواضع - وكلامه في ذلك كثير -: "فإن قيل لهم: إذا لم يوصف بصفة الكمال، لزم اتصافه بهذه النقائص. قالوا: هذا إنما يكون فيما يقبل الاتصاف بهذا وهذا، ويقول المنطقيون: هذان متقابلان تقابل العدم والملكة، لا تقابل السلب والإيجاب، والمتقابلان تقابل السلب والإيجاب لا يرتفعان جميعاً، بخلاف المتقابلين تقابل العدم والملكة، كالحياة والموت، والعمى والبصر، فإنهما قد يرفتعان جميعا إذا كان المحل لا يقبلهما كالجمادات، فإنها لما لم تقبل الحياة والبصر والعلم لم يقل فيها إنها حية ولا ميتة، ولا عالمة ولا جاهلة.
وقد أشكل كلامهم هذا على كثير من النظار، وأضلوا به خلقاً كثيراً، حتى الآمدى وأمثاله من أذكياء النظار، اعتقدوا أن هذا كلام صحيح، وأنه يقدح في الدليل الذي استدل به السلف والأئمة ومتكلموا أهل الإثبات في إثبات السمع والبصر وغير ذلك من الصفات، وهذا من جملة تلبيسات أهل المنطق والفلسفة التي راجت على هؤلاء فأضلتهم عن كثير من الحق الصحيح، المعلوم بالعقل الصريح" (1) .
(1) درء التعارض (6/135) .
وموقف الآمدى - المتأثر بهذه الشبهة كما ذكر شيخ الإسلام - ذكره في أبكار الأفكار، وفي غاية المرام، فقد قال في الأبكار بعد ذكر الشبهة وأنواع المتقابلات:"فإن أريد بالتقابل ها هنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا وبصيرا ومتكلما أو ليس، فهو ما يقوله الخصم ولا يقبل نفيه من غير دليل.. وإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة فلا يلزم أيضاً من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس، إلا في محل يكون قابلا لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير، والقول بكون الباري تعالى قابلا للبصر والعمى دعوى محل النزاع، والمصادرة على المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه (1) ". ولما رأى الآمدى صدق هذا الاعتراض أحال على طريقة أخرى في الاستدلال لهذه الصفات، أما أصحابة الشبهة من القرامطة وغيرهم فقد قالوا بسلب النقيضين فقالوا: نقول: لا أعمى ولا بصير وهكذا.
وقد رد شيخ الإسلام على هذه الشبهة وعلى من صححها، وبين زيفها وبطلانها من وجوه عديدة منها:
1-
أن ما لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، ولذلك كان الحجر أنقص من الحي الأعمى، وحينئذ فإذا كان اتصافه بكون أعمى، أصم، أبكم ممتنعا، مع كون المتصف بذلك أكمل من الجماد والذي لا يقبل الاتصاف بهذا وضده؛ علم أن القول بأنه تعالى غير قابل للاتصاف بذلك أعظم في نقصه، وهو أشد امتناعا.
2-
أن هذا اصطلاح اصطلحتم عليه، وهو باطل من وحهين:
أأن ما لا حياة فيه ييسمى مواتا وميتا، وهذا موجود في لغة العرب، وقد جاء في القرآن، قال تعالى:{وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ} (النحل: من الآية20-21) ، وهذا في أصنام العرب
(1) أبكار الأفكار (1/57) - ب، وانظر: غاية المرام (ص: 50-51)، وقارن ذلك بما في التدمرية (ص: 151-154) مع حاشية المحقق، ودرء التعارض (4/34-37) ، حيث نقل كلام الآمدي.
وهي من الجمادات، وقال تعالى:{وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} (يّس: من الآية33)، وقال:{اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الحديد: من الآية17) .
ب أن الجامدات يمكن اتصافها بالحياة وغيرها، فإن الله قادر على أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصا موسى حية تسعى، تبلع الحبال والعصى.
3-
أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء فرض قابل أو غير قابل، فإنا إذا قدرنا موجودين أحدهما يسمع ويبصر ويتكلم، والآخر ليس كذلك، كان الأول أكمل من الثاني، وما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله.
4-
أن كل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة، فإذا كنتم تقولون: ليس ميتا ولا جاهلا ولا أعمى، كان قولكم مع ذلك: ليس حيا ولا عالما ولا بصيرا، فيه من النقص ما في قول من يقول: ميت وجاهل وأعمى، وزيادة، وهذا مبني على أن ما لا يقبل الملكة أنقص من القابل لها.
5-
أن كل كمال اتصف به الممكن إذا لم يستلزم نقصا، فالواجب أولى به من الممكن، واتصافه به أولى لأنه أ: مل ولأنه معطي الكمال لغيره، فالإنسان - الذي هو أكمل عندكم من الجدار الذي ضربتم به المثل في عدم القبول - إذا كان متصفا بصفة من صفات الكمال الذي لا نقص به، فالخالق أولى به، وهذا واضح.
6-
أن يقال لهؤلاء أنتم فررتم من التشبيه بالمخلوق الناقص فوقعتم في شر منه حيث شبهتموه بالجماد الذي هو أشد نقصا، بل إن سلبكم النقيضين أدى إلى تشبيهه بما هو أشد نقصا من المعدومات والممتنعات (1) .
(1) انظر فيما سبق: الصفدية (1/90-96) ، والتدمرية (159-164) - المحققة - والجواب الصحيح (2/110-111)، وشرح الأصفهانية (ص:76) - ت مخلوف -، ودرء التعارض (1/222-223، 341، 3/367-368، 4/9-10، 34-40، 159-160، 5/273-274، 6/135-137) ، والرسالة الأكملية، مجموع الفتاوى (6/88-90) ، وأيضاً مجموع الفتاوى (6/538، 8/22-24) ، والكيلانية مجموع الفتاوى (12/357-358) .
هذه أهم أوجه الرد، وهناك ردود أخرى متجهة إلى نفس تقسيمهم للمتقابلات وبيان أنه متداخل وغير حاصر (1) .
وبذلك يتبين صحة هذا الدليل على إثبات الصفات، وأن الله لو لم يتصف بالسمع والبصر لا تصف بضدها، كما يتبين تهافت شبهة هؤلاء وبطلانها، وأن الآمدى وغيره كانوا قاصري الفهم حين ظنوا صحة هذه الشبهة.
المسألة السادسة: هل الصفة هي الموصوف أو غيره؟:
هذه المسألة شبيهة بمسألة: هل الاسم هو المسمى أو غيره، وكل ذلك من الألفاظ المجملة التي كان للسلف رحمهم الله فيها موقف واضح محدد، وهو أنه لا ينبغي إطلاق النفي ولا الإثبات، بل لا بد من الاستفصال.
والمهم هنا قبل عرض الخلاف في ذلك وبيان الراجح، توضيح منشأ بحث هذه المسألة، أي مسألة هل الصفة هي الموصوف أو غيره، والتي يعبر عنها أحيانا بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها، والذي يظهر أن ذلك نشأن من خلال ردود أهل الكلام على النصاري:
أفالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم - لبيان باطلهم - أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله "كن" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخالق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر
…
(2) فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلت في أحد المخلوقات.
(1) انظر التدمرية (ص: 154-159) - المحققة -.
(2)
انظر: الجواب الصحيح (2/266، 292، 3/54-44) .
ب وكان من آثار مناقشة أهل الكلام - وخاصة المعتزلة - للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيرا، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنوا - أي المعتزلة - أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى وبنوا ذلك على:
- أن الصفة غير الموصوف، وغير الذات.
- وأن الصفة لله لا بد أن تكون قديمة.
والنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل (1) .
والعجيب أن هؤلاء المعتزلة - وهم أرباب الكلام والبحث في المعقولات - لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثم فلا شبهة ولا تعدد.
ج- فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموما ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الرب قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الرب وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الرب بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذرا من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.
وخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:
1-
قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات، وهذا قول المعتزلة والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها (2) .
(1) انظر: تفصيل مذهب المعتزلة في المحيط بالتكليف (ص: 177) وما بعدها، ط مصر، وشرح الأصول الخمسة (ص: 195-197) ، والمختصر في أصول الدين (1/182-183) ضمن رسائل العدل والتوحيد.
(2)
انظر: مجموع الفتاوى (3/336) .
2-
قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما،فيقول: أنا أقول مفرقا: أن الصفة ليست هي الموصوف وأقول:إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأن الجمع بين النفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق، وهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف ولا غيره (1) .
3-
جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردون على المعتزلة الذين قالوا لهم يلزم من ذلك إثبات قديمين بعد ردود منها "أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما كالسواد والبياض اشتركا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما وأنه ليس معنى القديم معنى الإله
…
ولأن النبي محدث وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيا وجب أن يكون صفاته أنبياء لكونهما محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديما أن تكون آلهة لكونهما قديمة" (2) ، وهذا قول الباقلاني (3) ، والقاضي أبي يعلى (4) .
4-
أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ "الغير" فيه إجمال، ومن ثم فلا بد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليست إثبات قول ثالث كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره - فإن هذا قول ثالث، بل المقصود
(1) انظر: الرسائل إلى أهل الثفر (ص: 70-71)[وقد نسب إليه ابن فورك في المجرد ص: 38، أنه يقول: لا يقال لصفاته هي هو ولا غيره] وانظر أيضاً: الرسالة الأكملية - مجموع الفتاوى (6/96) ، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (17/160) ، ودرء التعارض (5/49) .
(2)
درء التعارض (5/50)، وقارن بالتدمرية (ص: 118) - المحققة -.
(3)
انظر التمهيد (ص: 206-207، 210-212)، ورسالة الحرة [المطبوعة باسم الإنصاف] (ص: 38) .
(4)
انظر: المعتمد (ص:46) .
أنه لا ينبغي الإطلاق: نفا وإثباتا، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال.
وهذا قول جمهور أهل السنة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنه قول ابن كلاب (1) .
وهؤلاء قالوا: لفظ "الغير" فيه إجمال:
- فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود.
- وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر (2) .
وهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:
1-
فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني - وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر - فالصفة غير الموصوف.
فمن قال: إن الصفة هي الموصوف، قاصد بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصداً بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضاً. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته.
(1) انظر: جواب أهل العلم والإيمان (17/159-160) ، ودرء التعارض (2/270، 5/49)، وانظر: مقالات الأشعري (ص: 169-170) - ريتر -.
(2)
انظر: درء التعارض (1/281) ، وجواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى (17/160-161) ، والمسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى (12/170)، والسبعينية (ص: 96-97) - ط الكردي -.
2-
وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الذات، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى.
ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات (1) ، على حسب ما في لفظ الغير، الذات من الإجمال.
وبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المراد، فإن كان حقا قبلوه وإن كان باطلا ردوده (2) .
* * *
هذه أهم مباحث الصفات التي أثبتها الأشاعرة، وقد خل في إثباتهم - بسبب خوضهم في علم الكلام والفلسفة - كثير من المسائل الفرعية التي خالفوا فيها مذهب السلف.
وإذا كان هذا حالهم في الصفات التي اشتهر عنهم إثباتها، فكيف يكون حالهم في الصفات التي لم يثبتوها، وإنما أولوها أو نفوها؟. هذا ما سيتم توضيحه في المباحث القادمة إن شاء الله.
(1) لشيخ الإسلام ملاحظة دقيقة هنا، وهي أنه يجب أ، يفرق بين قول القائل: إن الصفات غير الذات وقوله: إنها غير الله، لأن لفظ "الذات" يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم "الله" تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وعلى ذلك فإنه لا يقال: إن الصفات غير الله، لما في ذلك من الإيهام. أما القول إنها غير الذات فقد يكون صحيحاً، لما في التعبير بالذات من الإشعار بأن المقصود بالذات المجردة دون صفاتها. انظر: الجواب الصحيح (3/308) ، والصفدية (1/108-109) ، ودرء التعارض (10/72) .
(2)
انظر في هذه المسألة: التسعينية (ص: 108-109) ، والدرء (2/230-231، 3/ 20-25، 5/37-50، 338، 9/136، 10/120، 231، 235) .