المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: التطوع في المساجد - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ٥

[بدر الدين العيني]

الفصل: ‌ص: باب: التطوع في المساجد

‌ص: باب: التطوع في المساجد

ش: أي هذا باب في بيان حكم التطوع في المساجد، والمناسبة بين البابين ظاهرة.

ص: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو المطرف بن أبي الوزير، قال: ثنا محمَّد بن موسى، عن سعد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده:"أن النبي عليه السلام صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما فرغ رأى الناس يُسبِّحون، فقال: يا أيها الناس، إنما هذه الصلاة في البيوت".

ش: رجاله ثقات، وأبو بكرة بكار، وأبو المطرف محمَّد بن عمر بن مطرف القرشي الهاشمي البصري، ومحمد بن موسى بن أبي عبد الله الفِطْري -بالفاء المكسورة- روى له الجماعة إلا البخاري، وسعد بن إسحاق روى له الأربعة، وأبوه إسحاق بن كعب وثقه ابن حبان، وجدّه كعب بن عُجْرة الصحابي.

وأخرجه أبو داود (1): ثنا أبو بكر بن أبي الأسود، حدثني أبو مطرف محمَّد بن أبي الوزير، نا محمَّد بن موسى الفطري، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جده:"أن النبي عليه السلام أتى مسجد بني عبد الأشهل فصلّى فيه المغرب، فلما قضوا صلاتهم رآهم يُسبِّحون بعدها، فقال: هذه صلاة البيوت".

وأخرجه الترمذي (2)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، والصحيح ما روي عن ابن عمر قال:"كان النبي عليه السلام يصلّي الركعتين بعد المغرب في بيته".

وأخرجه ابن ماجه (3) أيضًا.

قوله: "عبد الأشهل" بالشين المعجمة بطن من الأنصار.

(1)"سنن أبي داود"(2/ 31 رقم 1300).

(2)

"سنن الترمذي"(2/ 500 رقم 604).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 368 رقم 1165).

ص: 400

قوله: "يُسبِّحون" أي يتنفلون، وأراد بها سنة المغرب، وإنما قال:"إنما هذه الصلاة في البيوت" لأنها أبعد من الرياء، ولئلا تخلى البيوت عن ذكر الله تعالى.

ص: حدثنا بحر بن نصر، قال: ثنا ابن وَهْب، قال: ثنا معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حَرَام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سَعْد قال:"سألت النبي عليه السلام عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد فقال: قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؛ فلأن أصلي في بَيْتي أحبُّ إليّ من أن أصلي في المسجد إلا أن تكون صلاةً مكتوبةً".

ش: رجاله ثقات، وحرام -بفتح الحاء والراء المهملتين- ضد حلال، بن حكيم بن خالد بن سعد بن حكيم الأنصاري روى له الأربعة، ووثقه العجلي.

وعبد الله بن سعد الأنصاري الحَرَامِي عدادُه في الصحابة، سكن دمشق.

وأخرجه الطبراني بأتمّ منه: ثنا بكر بن سهل، ثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن حرام بن حكيم، عن عمه عبد الله بن سَعْد قال:"سألت رسول الله عليه السلام عما يوجب الغسل، وعن الماء يكون بعد الماء، وعن الصلاة في بيتي، والصلاة في المسجد، وعن مؤاكلة الحائض، فقال رسول الله عليه السلام: إن الله لا يستحيي من الحق -وعائشة إلى جَنْبه- أما أنا فإذا كان مني وطء، قمت فتوضأت ثم اغتسلت، فأما الماء يكون بعد الماء فذاك المَذْي وكل فحل يُمْذِي، فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة، وأما الصلاة في المسجد والصلاة في بيتي فقد ترى ما أقرب بيتي من المسجد؛ فلأن أصلي في بيتي أحبَّ إليّ من أن أصلّي في المسجد إلا أن تكون صلاة مكتوبة، وأما مؤاكلة الحائض فواكلها".

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن التطوع لا ينبغي أن يُفْعل في المساجد إلا الذي لا ينبغي تركه مثل الركعتين بعد الظهر والركعتين بعد المغرب، والركعتين عند دخول المسجد، وأما ما سوى ذلك فلا ينبغي أن يُصَلّى في المساجد ولكن يُؤَخر ذلك إلى البيوت.

ص: 401

ش: أراد بالقوم هؤلاء: السائب بن يزيد والربيع بن خثيم وسويد بن غفلة وإبراهيم النخعي وعُبَيْدة؛ فإنهم قالوا: لا ينبغي أن يفعل التطوع في المساجد إلا تحية المسجد وركعتا الظهر والمغرب.

وقال عياض: وذهب بعضهم إلى ترك التنفل بعد الفرائض في المسجد جملةً، وإليه ذهب النخعي وعبيدة؛ لئلا تخلى بيوتهم من الصلاة، ولئلا يختلط أمرها على الجُهّال فيَعدُّونها من الفرائض، وذهب بعضهم إلى كونها في المسجد أجمع، وذهب مالك والثوري إلى كونها في النهار في المسجد وبالليل في البيوت.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: التطوع في المساجد حسنٌ غيرأن التطوع في المنازل أفضل منه.

ش: أي خالف القومَ المذكورين في الحكم المذكور جماعة آخرون، وأراد بهم: أبا حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وآخرين من العلماء، فإنهم قالوا: التطوع في المساجد حسن لكونها بنيت لأجل إقامة الصلوات، ولكنها في البيوت والمنازل أحسن وأفضل لكونها أبعد من الرياء، ولئلا تُخلى المنازل عن بركتها وعن نزول الملائكة فيها.

وقال ابن قدامة: الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السر وفعله في المسجد علانية والسر أفضل.

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا يونس ابن أبي إسحاق، عن المنهال بن عمرو، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال لي العباس: "بِت الليلة بآل النبي عليه السلام، قال: فصلى النبي عليه السلام العشاء، ثم صلى بعدها حتى لم يبق في المسجد غيره".

فهذا رسول الله عليه السلام قد كان يتطوع في المسجد هذا التطوع الطويل، فذلك عندنا حسن، إلا أن التطوع في البيوت أفضل منه لقوله:"خيرُ صلاة المرء في بيْته إلا المكتوبة".

ص: 402

وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: أي احتج الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث ابن عباس.

أخرجه بإسناد صحيح: عن أبي بكرة بكار، عن أبي أحمد محمَّد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الكوفي روى له الجماعة، عن يونس بن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبِيعي الكوفي، روى له الجماعة البخاري في غير "الصحيح"، عن المنهال بن عمرو الأسدي الكوفي روى له الجماعة سوى مسلم، عن علي بن عبد الله بن عباس روى له الجماعة البخاري في "الأدب".

وأخرجه الطبراني في "الكبير" بهذا الإسناد، وقد ذكرناه في باب الوتر؛ لأن الطحاوي أخرج هناك طرفًا منه.

قوله: "لقوله عليه السلام: خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" هذا حديث صحيح قد أخرجه معلقًا ها هنا.

وأخرجه الترمذي (1): عن زيد بن ثابت، عن النبي عليه السلام قال:"أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة".

وأخرجه أبو داود (2): عن زيد بن ثابت أن النبي عليه السلام قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي إلا المكتوبة".

وأخرجه الجماعة (3): عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه السلام: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".

(1)"جامع الترمذي"(2/ 312 رقم 450).

(2)

"سنن أبي داود"(1/ 274 رقم 1044).

(3)

"صحيح البخاري"(1/ 166 رقم 422)، و"صحيح مسلم"(1/ 538 رقم 777)، و"سنن أبي داود"(1/ 273 رقم 1043)، و"جامع الترمذي"(2/ 313 رقم 451)، و"المجتبى"(3/ 197 رقم 1598)، و"سنن ابن ماجه"(1/ 438 رقم 1377).

ص: 403

وأخرج الطبراني: من حديث عبد الرحمن بن سابط، عن أبيه يَرْفَعه:"نَوِّروا بيوتكم بذكر الله، وأكثروا فيها تلاوة القرآن ولا تتخذوها قبورًا كما اتخذها اليهود والنصارى".

وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1) بسند جيد: عن زيد بن خالد الجهني يرفعه: "صلّوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا".

(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 258 رقم 5278).

ص: 404