الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الاستسقاء كيف هو؟ وهل فيه صلاة أم لا
؟
ش: أي هذا باب في بيان الاستسقاء، هل تصلّى فيه صلاة؟ أم هو دعاء فقط؟ وهو طلب السُّقْيا -بضم السين- وهو المطر.
وقال ابن الأثير: هو من طلب السُّقيا أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والاسم السُّقيا -بالضم- واستسقيتَ فلانًا إذا طلبت منه أن يُسْقِيك.
وفي "المطالع": يقال: سَقَى وأَسْقَى بمعنى واحدٍ وقرئ: "يُسقيكم مما في بطونها"(1) بالوجهن، وكذا ذكره الخليل وابن القوطية: سقرى الله الأرض وأسقاها. وقال آخرون: سقيته: ناولته فشرب، وأسقيته: جعلت له سُقْيا يشرب منه، وسُقيا على فُعلى، والاستسقاء: الدعاء لطلب السُّقْيا.
وجه المناسبة بين البابين من حيث أن المستسقي لا يخلو عن خوف أيضًا على ما لا يخفى.
ص: حدثنا عبد الرحمن بن الجارود -وهو أبو بشر البغدادي- قال: ثنا سعيد بن كثير، قال: ثنا سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنس بن مالك يذكر: "أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وُجَاهَ المنبر، ورسولُ الله عليه السلام قائم يَخطُب، فاستقبل النبي عليه السلام قائمًا، ثم قال: يا رسول الله عليه السلام، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يُغِثْنا. فرفع النبي عليه السلام يَدَيْه فقال: اللهم اسْقِنا. قال أنسٌ: فوالله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعةٍ وما بيَننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس، فلما توسَّطت السماءَ انتشَرتْ، ثم أمطرت، قال: فوالله ما رأينا الشمس سَبْتًا، قال: ثم دخل رجل من الباب في الجمعة المقبلة، والنبي عليه السلام يَخطب الناس،
(1) سورة النحل، آية:[66].
فاستقبله قائمًا ثم قال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يُمْسكها عنا. فرفع النبي عليه السلام يَدَيْه وقال: اللهم حَوْلنا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب. قال: فأَقْلَعَتْ، وخرج يمشي في الشمس".
ش: إسناده صحيح على شرط الشيخين. وسعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصري شيخ البخاري.
والحديث أخرجه البخاري (1): ثنا محمَّد بن سلام، نا أبو ضمرة، نا شريك ابن عبد الله بن أبي نمر، أنه سمع أنسًا يذكر: "أن رجلًا دخل يوم الجمعة
…
" إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "فادع الله أن يغيثنا" وقوله: "اللهم اسقنا" ثلاث مرات، وفي آخره: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر قال: فأقلعت، وخرجنا نمشي في الشمس" قال شريك: فسألت أنسًا: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري". وللبخاري فيه روايات متعددة.
وأخرجه مسلم (2): ثنا يحيى بن يحيى ويحيى بن أيوب وقتيبة وابن حُجْر -قال يحيى: أنا، وقال الآخرون: ثنا- إسماعيل بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، عن أنس بن مالك: "أن رجلًا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله عليه السلام قائم يخطب
…
" إلي آخره نحو رواية البخاري، غير أن في لفظه: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات موضع قوله: "اللهم اسقنا"، وفي لفظه أيضا: "اللهم حولنا" كرواية الطحاوي، وليس فيها ذكر الجبال.
وأخرجه أبو داود (3) والنسائي (4) أيضًا.
(1)"صحيح البخاري"(1/ 343 رقم 967).
(2)
"صحيح مسلم"(2/ 613 رقم 897).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 304 رقم 1174).
(4)
"المجتبى"(3/ 161 رقم 1518).
قوله: "من باب كان وُجاه المنبر" بضم الواو وكسرها، قال ابن التين: يعني مستدبر القبلة.
قلت: إن كان يريد بالمستدبر المنبر فصحيح، ولكن لا معنى لذكره، وإن كان أراد الباب فلا يتجه لباب يُواجه المنبر أن يستدبر القبلة.
وقوله في رواية مسلم: "من باب كان نحو دار القضاء" قال عياض: دار القضاء؛ سميت بذلك لأنها أبيعت في قضاء دين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان أنفقه من بيمت المال وكتبه على نفسه، وأوصى ابنه عبد الله أن يباع فيه ماله فإن عجز ماله استعان ببني عديّ ثم بقريش، فباع عبد الله هذه الدار لمعاوية وقضى دَينه، وكان ثمانية وعشرين ألفًا، فكان يقال لها: دار قضاء دين عمر بن الخطاب، ثم اختصروا فقالوا: دار القضاء. وهي دار مروان بن الحكم، وقيل: هي دار الإمارة.
قلت: الصحيح أن دينه كان ستةً وثمانين ألفًا.
قوله: "وانقطعت السبل" أراد: الطرق، وفي رواية:"تقطعت السبل"، وقال ابن التين: والأول أشبه.
واختلف في معناه، فقيل: ضعفت الإبل لقلة الكلأ أن يُسَافَر بها، وقيل: إنها لا تجد في سفرها من الكلأ ما يبُلّغها، وقيل: إن الناس أمسكوا ما عندهم من الطعام ولم يجلبوه إلى الأسواق.
قوله: "فادع الله يغثْنا" يجوز فيه الأوجه الثلاثة.
الأول: بالجَزْم لأنه جواب الأمر.
والثاني: بالرفع على تقدير: هو يُغيثُنا.
والثالث: بالنصب بتقدير "أَنْ" كما في رواية البخاري "أن يُغِيثَنَا" وهو بضم الياء.
و"اللهم أغثنا" بالألف من أغاث يُغيث، والمشهور في كتب اللغة أنه يقال في المطر: غاث الله الناس والأرض يُغيثَهُم، بفتح الياء.
قال عياض: قال بعضهم: هذا المذكور في الحديث من الإغاثة بمعنى المعونة، وليس من طلب الغيث.
قال أبو الفضل: ويحتمل أن يكون من طلب الغيث أي هَبْ لنا غيثًا، أو ارزقنا غيثًا، كما يقال: سقاه وأسقاه أي: جعل له سُقيا على لغة من فرق بينهما.
ويقال: ويحتمل أن يكون معنى قوله: "اللهم أغثنا" أي: فَرِّج عنا وأدرِكْنا.
وقال القزاز: غاثه يغوثه غوثًا وأغاثه يُغيثه إغاثةً، فأميتَ غاث واستُعمل أغاث وفي "النبات" لأبي حنيفة: وقد غيثت الأرض فهي مغيثة ومغيوثة.
وقال أبو الحسن اللحياني: أرض مغيثة ومَغْيُوثة أي: مَسْقِيّة.
وفي "المحكم": أغاثه وغاثه غوثًا وغِياثًا، والأول أعلى: ويقول الواقع في بليَّة: اللهم أغثني أي: فرِّج عَنِّي.
وقال الفراء: الغَيْث والغَوْث متقاربان في المعنى والأصل.
وفي "المطالع": والغيث المطر، وقد يُسَمَّي الكلأ غيثًا كما سُمي سماء، وغيثت الأرض فهي مغيثة.
قوله "ولا قَزَعَة" بفتح القاف والزاي المعجمة والعين المهملة مثل شَجَرَة، وهي قطعة من السحاب رقيقة كأنها ظل إذا مرّت من تحت السحاب الكثير. وقال أبو حاتم: القزع السحاب المتفرق، وعن الباهلي يقال: ما على السماء قزعة أي: شيء من غير.
قوله: "سَلْع" بفتح السين المهملة وسكون اللام بعدها عين مهملة، قال ابن قُرقول: هو جبل بشرق المدينة، ووقع عند أبي سهل بفتح اللام وسكونها، وذكر أن بعضهم رواه بغين معجمة، وكله خطًا.
وقال في "المحكم": سَلع موضع. وقيل: جبل، وقال البكراوي هو جبل متصل بالمدينة، وقال الجوهري: السَّلْع جبل بالمدينة، وزعم الهروي أن سلعًا معرفة لا يجوز إدخال الألف واللام عليه، ويعارضه ما في "دلائل النبوة" للبيهقي و"الإكليل" للحاكم وكتاب أبي نعيم الأصبهاني:"فطلعت سحابة من وراء السلع".
قوله: "ثم أمطرت" يقال: مطرف السماء تُمطر ومَطَرتهم تُمْطرهُم مَطْرًا، وأمطرتهم: أصابتهم بالمطر، وأمطرهم الله: في العذاب خاصةً.
وقال الفراء: قطرت السماء وأقطرت مثل مطرت وأمطرت.
وفي "الجامع": مطرت السماء تُمطر مَطْرًا أو مَطَرًا، فالمطْر بالسكون المصدر، والمطر الاسم، وفيه لغة أخرى مَطِرت تُمطر مطَرًا وكذا أَمْطرت السماء تمطر.
وفي "الصحاح": مطرت السماء، وأمطرها الله، وناس يقولون: مطرت السماء وأمطرت بمعنىً.
قوله: "ما رأينا الشمس سَبْتًا" بسين مهملة مفتوحة بعدها باء موحدة ساكنة ثم تاء مثناة من فوق، وعند الداودي:"سِتًّا" بسين مكسورة، وفسَّره: ستة أيام، وَوُهِّم في ذلك، وليس جيّدًا، بل الواهم مَنْ وهَّمَهُ؛ لأن في "الصحيح":"فما زلنا نُمطر حتى كانت الجمعة الأخرى" فهذا يُبيِّن صحة ما ذهب إليه الداودي ويُوهن قول مَنْ قال: أراد بالسبت القطعة من الزمان؛ لأنه قال: أصل السَّبْت: القطع، وإنما أراد: اليوم المسّمى بالسّبْت.
قوله: "اللهم حولنا" وكذا في رواية مسلم، وفي رواية البخاري:"حوالينا" وهو ظرف متعلق بمحذوف تقديره: اللهم أنزل -أو أمطر- حولنا ولا تنزل علينا.
قلت: حاصل المعنى: أَنْزِلْه حوالي المدينة حيث مواضع النبات، فلا تنزله علينا في المدينة ولا في غيرها حيث الأبنية والمساكن.
يقال: رأيت الناس حوله وحواليَه وحَوالَه وحَوليه أي: مُطيفين به من جوانبه، وهو من الظروف اللازمة للإضافة.
وقال ركن الدين شارح "مختصر ابن الحاجب": ومن الظروف اللازمة للإضافة: حوال وتثنيته، وحَوْل وتثنيته، وجمعه، نحو: أمشي حوله، وقوله عليه السلام "حوالينا
ولا علينا" وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ} (1) وأمشي حوليه وأحواله.
قوله: "على الآكام" بالفتح والمدّ جمع أَكَمَة وهي الموضع الغليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا يرتفع ما حوله.
وقال الخليل: هو تَلّ من حجر واحد، ويقال إكام بكسر الهمزة، وأَكَم وأُكُم بفتحهما وضمهما.
وقال الجوهري: الأَكمَةُ معروفة والجمع أَكَمَات وَأَكَم، وجمع الأَكَم إِكَامٌ مثل جَبَل وجِبَال، وجمع الإكام أُكُم مثل: كِتَاب وكُتُب، وجمع الأُكُم آكَام مثل عُنُق وأَعْناق.
قوله: "والظِّراب" بكسر الظاء المعجمة، قال القزاز: هي جمع ظَرْب -ساكن الراء- جبل متوسط على الأرض، وقيل: هو الظَرِب على فَعِل، ويقال: ظِرَاب وظرُب كما يقال: كِتَاب وكُتُب، ويخفف فيقال: ظُرْب، ويقال: وأصل الظراب ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل أو أرض خَرِبَة، وكان أصله الناتئ محددًا، وإذا كان خِلْقة الجبل كذلك سمي ظِربًا، وفي "المحكم": الظِّرب كل ما نتأ من الحجارة وحُدّ طرفه، وقيل: هو الجبل الصغير.
وفي "المنتهى" للبرمكي: الظِّرابُ الروابي الصغار دون الجبل، وفي "الغريبين": الأظرب جمع ظرب.
ويستفاد منه أحكام:
استحباب قيام الخطيب في الخطبة يوم الجمعة، والخطبة على المنبر أو على موضع مرتفع، وطلب الدعاء في المهمات من الصلحاء والزهاد، ومواجهة الخطيب إلى الناس، ورفع اليدين في الدعاء، وقد اختلف العلماء فيه، فكرهه مالك في رواية، وأجازه غيره في كل الدعاء، وبعض العلماء جوَّزه في الاستسقاء فقط.
(1) سورة البقرة، آية:[17].
وقال جماعة من العلماء: السنة في دعاء رفع النبلاء أن يرفع يديه ويجعل ظهرهما إلى السماء، وفي دعاء سؤال شيء وتحصيله يجعل بطنهما إلى السماء، وقد روي أحادث في السنن في رفع اليدين.
وفيه: أن الخطبة قبل الصلاة.
واستدل به أبو حنيفة على أن الاستسقاء دعاء واستغفار وليس فيه صلاة معينة.
ص: حدثنا بَحر بن نصر، قال: قرئ على شعيب بن الليث: أخبرك أبوك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن شريك، فذكر بإسناده نحوه.
ش: هذا طريق آخر، وهو أيضًا صحيح، عن بحر بن نصر بن سابق الخولاني، عن شعيب بن الليث، عن أبيه الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا عيسى بن حماد، أنا الليث، عن سعيد المقبري، عن شريك بن عبد الله، عن أنس، أنه سمعه يقول: وذكر نحو حديث عبد العزيز، قال:"فرفع رسول الله عليه السلام يديه حذاء وجهه وقال: اللهم اسقنا" وساق نحوه.
قلت: أخرج أبو داود (2) حديث أنس: عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك ويونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس.
ثم أخرجه بالطريق المذكور.
ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو ظفر عبد السلام بن مُطَهّرْ، قال: ثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: "إني لقائمٌ عند المنبر يوم الجمعة، ورسول الله عليه السلام يخطب، فقال بعض أهل المسجد: يا رسول الله عليه السلام، حُبِسَ المطر،
(1)"سنن أبي داود"(1/ 305 رقم 1175).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 403 رقم 1174).
وهلكت المواشي، فادعُ الله يَسْقنا، فرفع يدَيْه وما في السماء من سحاب، فألَّف الله بين السحاب، فَوَبَلَتْنا حتى إن الرجل لَتهمَّه نَفسُه أن يأتي أهله، فمطرنا سبعًا. قال: ورسول الله عليه السلام يخطب في الجمعة الثانية إذ قال بعضُ أهل المسجد: يا رسول الله تهدّمت البيوت فادع الله يَرْفعها عنا. قال: فرفع يدَيْه وقال: اللهم حوالَيْنا ولا علينا، فتَقوّر ما فوق رعوسنا منها حتى كأنَّا في إكليل تمطر ما حَوْلنا ولم نُمطَرْ".
حدثنا ابن مرزوق وأبو بكرة، قالا: ثنا عبد الله بن بكر، عن حميد، قال:"سُئِلَ أنسٌ رضي الله عنه: هل كان النبي عليه السلام يرفع يديه؟ قال: قيل له يوم الجمعة: يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال. قال: فمد يده حتى رأيت بياض إبطيه" ثم ذكر نحو حديث ابن أبي داود.
حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس، عن النبي عليه السلام مثله.
ش: هذه ثلاث طرق أخرى وهي صحيحة:
الأول: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي ظفر عبد السلام بن مُطهّر بن حسام الأزدي البصري شيخ البخاري وأبي داود، عن سليمان بن المغيرة القيسي أبي سعد البصري، عن ثابت البناني، عن أنس.
وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو كريب، قال: ثنا أبو أسامة، عن سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بنحوه، وزاد:"فألَّف الله بين السحاب وملأتنا حتى رأيت الرجل الشديد تُهِمّه نفسه أن يأتي أهله".
الثاني: عن إبراهيم بن مرزوق بن دينار البصري، وأبي بكرة بكار القاضي، كلاهما عن عبد الله بن بكر بن حبيب السهمي البصري، عن حميد الطويل، عن أنس.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 615 رقم 897).
وأخرجه العدني في "مسنده": ثنا مروان، عن حميد، قال: سُئِلَ أنس: "هل كان رسول الله عليه السلام يرفع يدَيْه إذا دعى؟ فقال: قيل: يا رسول الله، قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال، قال: فرفع يديه حتى نرى بياض إبطيه واستسقى".
الثالث: عن نصر بن مرزوق، عن علي بن معبد بن شداد، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد الطويل، عن أنس.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1) نحوه.
قوله: "إني لقائم" بفتح اللام لأنها للتأكيد.
قوله: "يَسْقِنَا" مجزوم؛ لأنه جواب الأمر.
قوله: "فوبلتنا" أي: مطرتنا، من وَبل السماء تَبِلُ إذا مطرت وهو من الوابل، وهو المطر، وفي رواية مسلم "ملأتنا" بميم وهمزة، وكذا قيده القاضي التميمي، عن الجياني، وقال القاضي عياض:"وهّلتنا" كذا رويناه بالهاء عن الأسدي، ومعناه: أمطرتنا، قال الأزهري: يقال: هلّ السحاب بالمطر هللًا، والهلل المطر، ويقال: انهلت أيضًا، وقيَّده بعضهم "مَلَتْنا" بالميم مخففة اللام مكان "هلتنا" فإن لم يكن تصحيفًا من هلتنا فلعلّ معناه أوسَعتنا مطرًا وسَقْيًا، أو يكون ملّتنا بتشديد اللام من الملل، ومعناه أكثر ذلك حتى شق علينا وكرهناه، والله أعلم.
قوله: "حتى إن الرجل لتهمّه نفسُه أن يأتي أهله" أي يهتم لذلك من شدة المطر ومشقته، يقال همّه وأهمّه، وقيل: هَمَّني: آذاني، وأَهَمَّني: أغمّني.
قوله: "فَمُطِرنا سبعًا" أي سبعة أيام، ومُطِرْنا على صيغة المجهول.
قوله: "فتقور ما فوق رأسنا" أي تقطع وتفرق فِرَقًا مستديرةً ومنه قوارة الجَيْب.
قوله: "في إكليل" بكسر الهمزة، وهو التاج.
(1)"مسند أحمد"(3/ 104 رقم 12038).
قوله: "يُمْطَر ما حولنا" على صيغة المجهول، وكذا قوله:"ولم نُمْطر".
قوله: "قَحَطَ المطر" بفتح القاف والحاء، وقَحِطَ الناس بفتح القاف وكسر الحاء، ويقال كلاهما في المطر، وحكي قَحُط الناس بضم الحاء، وفي "المطالع": قحِطت السماء وقحَطت وقُحطت إذا لم تمطر.
قلت: بكسر الحاء وفتحها، وضم القاف وكسر الحاء، وقال أبو علي: قحِطُ المطر، وقحُط الناس وقحِط الناس والأرض.
قلت: بكسر الحاء في الأول والثالث وضمها في الثاني، ويقال: أُقحِطوا على صيغة المجهول، وقحَطوا بفتح الحاء وأقحطوا بزيادة الهمزة.
قوله: "وأجدبت الأرض" أي قحطت وغلت الأسعار، من الجَدْب ضد الخصْب.
ص: حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عمرو بن مرّة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شَرَحبيل بن السمط قال:"قلنا لكعب بن مرة أو مرة بن كعب: حدِّثنا حديثًا سمعته مِنْ رسول الله عليه السلام -لله أبوك- واحذر. قال: دعَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على مُضَر، فأتَيتُه، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد نصرك واستجاب لك، وإن قومك هلكوا فادع الله لهم. فقال: اللهم اسقنا غَيْثا مُغِيثًا مَرِيئًا مَريعًا طبقًا غدَقًا عاجلًا غير رايث نافعًا غير ضارٍّ. قال: فما كان إلا جمعة أو نحوها حتى مُطرِوُا".
ش: رجاله كلهم ثقات، وسالم بن أبي الجعد رافع الأشجعي الكوفي روى له الجماعة، وقال أبو داود: سالم لم يسمع من شرحبيل.
وشرحبيل بن السمط بن الأسود أبو السمط الشامي يختلف في صحبته، ذكره عبد الغني في التابعين، وقال: ويقال: له صحبة من النبي عليه السلام. روى له الجماعة سوى البخاري.
وكعب بن مرة -وقيل: مرة بن كعب- البهْزي الصحابي، لم يخرِّج له الشيخان شيئًا، وقال ابن أبي حاتم: كعب بن مُرّة البَهْزي له صحبة، سكن الأردن من مدن الشام، ومات بها سنة تسع وخمسين، روى عنه شرحبيل بن السمط.
وقال ابن عبد البر: له أحاديث يرويها أهل الكوفة، عن شرحبيل بن السمط، عن كعب بن مُرّة، وأهل الشام يَرْوونها عن شرحبيل، عن عمرو ابن عبسة، والله أعلم.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن شرحبيل بن السمط أنه قال لكعب بن مرة أو مرة بن كعب: "حَدِّثْنا حديثًا سمعتَه من رسول الله عليه السلام. قال: سمعتُ رسول الله عليه السلام دعَا على مُضَر، فأتيتُه، فقلت: يا رسول الله، إن الله قد أعطاك واستجاب لك
…
" إلى آخره نحوه، غير أن في لفظه: "حتى سقوا" موضع "حتى مُطروا".
قوله: "غيثًا" أي مطرًا.
قوله: "مغيثًا" من الإغاثة وهي الإعانة.
قوله: "مريئًا" أي هنيئًا صالحًا كالطعام يمرر، معناه الخلوّ عن كل ما ينُغّصه كالهدم والغرق ونحوهما، ويقال: مرأني الطعام، وأمرأني إذا لم يثقل على المعدة، وانحدر عنها طيبًا، قال الفراء: يقال: هنأني الطعام ومرأني بغير ألف، فإذا أفردوها عن هنأني قالوا: أمرأني.
قلت: يحتمل أن يكون هنا بلا همز ومعناه: مِدرارًا، من قولهم: ناقة مَرِي. أي كثيرة اللبن، ولا أُحَقِّقَه روايةً.
قوله: "مَريعًا" بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف، وبعدها عين مهملة: أي مخصبًا ناجعًا من مَرع الوادي مَراعةً، يقال: مكان مريع أي خصيبُ، ويُروى بضم الميم من أمرع المكان إذا أخصب، ويُرْوى بالباء الموحدة من أربع
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 355 رقم 6233).
الغيث إذا أنبت الربيع، ويروى بالتاء المثناة من فوق أي: يُنبت الله فيه ما ترتع فيه المواشي، ومن كلامهم غيث مُربْع مُرْتِع.
قوله: "طبَقًا" بفتح الطاء والباء الموحدة، أي: مالئًا للأرض مغطيًا لها، يقال: غيث طبق أي: عام واسع.
قوله: "غَدَقًا" بفتح الغين المعجمة والدال المهملة وهو المطر الكبار القطر، يقال: أَغْدَق المطر يُغْدِقُ إغداقًا فهو مغدق، وفي بعض الروايات "اسقنا غيثًا غدقًا مُغْدِقًا".
قوله: "غير رائث" أي: غير آجلٍ من راث يريث إذا أبطأ، قال ابن الأثير: معناه: غير بطيء متأخرٍ.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن سنة الاستسقاء هي الابتهال إلى الله عز وجل والتضرع إليه كما في هذه الآثار، وليس في ذلك صلاة، وممن ذهب إلى ذلك أبو حنيفة رضي الله عنه.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: إبراهيم النخعي وأبا حنيفة وأبا يوسف في رواية ذكرها صاحب "المحيط".
وقال: النوويّ: لم يقل أحد غير أبي حنيفة هذا القول.
قلت: هذا ليس بصحيح؛ لأن ابن أبي شيبة روى بسند صحيح (1) وقال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم:"أنه خرج مع المغيرة بن عبد الله الثقفى يستسقي، قال: فصلى المغيرة، فرجع إبراهيم حيث رآه يُصلّي".
وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا.
قال ابن أبي شيبة (2): ثنا وكيع، عن عيسى بن حفص بن عاصم، عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي، عن أبيه قال:"خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه نَسْتسقي، فما زاد على الاستغفار".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 222 رقم 8345).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(6/ 61 رقم 29486).
ص: وخالفهم في ذلك آخرون منهم أبو يوسف؛ فقالوا: بل السنَّة في الاستسقاء أن يخرج الإمام بالناس إلى المُصلي، ويصلّي بهم هناك ركعتين ويَجْهر فيهما بالقراءة، ثم يخطبُ، ويُحوّلُ رداءه فيَجْعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه إلا أن يكون رداؤه ثقيلًا لا يمكنه قلبه كذلك، أو يكون طيلسانًا فيجعل الشق الأيمن منه على الكتف الأيسر، والشق الأيسر منه على الكتف الأيمن.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الثوري ومالكًا والشافعي وأحمد وإسحاق وأبا يوسف ومحمّدًا وجماهير أهل العلم، فإنهم قالوا: بل السنة
…
إلى آخره.
قوله: "هناك" أي في المصلى.
قوله: "فيجعل
…
" إلى آخره تفسير لتحويل الرداء.
قوله: "أو يكون طَيْلَسَانًا" بفتح الطاء واللام، وفي "العباب": الطيلسان بفتح اللام واحد الطيالسة، والهاء في الجمع للعجمة؛ لأنه فارسيّ معرّب.
وقال الأصمعي: أصله: قالشان. وقال ابن دُريد: الطيلسان معروف بفتح اللام وكسرها، والفتح أعلى، والجمع: طيالس. وقال غيره: الطيلس: الطيلسان، وقال ابن الأعرابي: الطَلْس -بالفتح-: الطيلسان الأسود، والطِّلس -بالكسر-: الذئب الأمعط.
وصفة صلاة الاستسقاء: أن يكبّر في الركعتين كتكبير العيد سَبْعًا في الأولى وخمسًا في الثانية، وهو قول سعيد بن المسيّب وعمر بن عبد العزيز وأبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وداود والشافعي وأحمد في رواية، وحكي عن ابن عباس؛ وذلك لقول ابن عباس (1):"وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد".
وروى جعفر بن محمَّد، عن أبيه:"أن النبي عليه السلام وأبا بكر وعمر كانوا يصلون صلاة الاستسقاء، يكبِّرون فيها سَبعًا وخَمسًا".
(1)"جامع الترمذي"(2/ 445 رقم 558).
وعند مالك والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأحمد في رواية: يصلي ركعتين كصلاة التطوع. وهو مذهب أبي يوسف ومحمد.
ولا يُسنّ لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافًا، وقالت الحنابلة: يُنادى لها: الصلاة جامعة، كقولهم في صلاة العيد والكسوف.
وليس لها وقت معيّن إلا أنها لا تقام في أوقات النهي بغير خلاف.
وقال ابن قدامة: والأولى فعلها في وقت صلاة العيد لما روت عائشة رضي الله عنهما: "أن رسول الله عليه السلام خرج حين بدا حاجب الشمس" رواه أبو داود (1).
وقال ابن عبد البر: الخروج إليها عند زوال الشمس عند جماعة العلماء إلا أبا بكر بن حزم، وهذا على سبيل الاختيار لا أنه يتعين فعلها فيه.
والسنة أن يجهر فيهما بالقراءة، فإن قرأ فيها بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} فحسن وبذلك ورد الأثر.
وقال ابن قدامة: والمشهور أن فيها خطبة بعد الصلاة، وبهذا قال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن. قال ابن عبد البر: وعليه جماعة الفقهاء لقول أبي هريرة: "فصلى ركعتين ثم خطبنا".
والرواية الثائية: أنه يخطب قبل الصلاة، روي ذلك عن عمر، وابن الزبير، وأبان ابن عثمان، وهشام بن إسماعيل وأبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، وذهب إليه الليث بن سَعْد وابن المنذر.
والرواية الثالثة: أنه غير بين الخطبة قبل الصلاة وبعدها لورود الأخبار بكلا الأمرين.
والرابعة: أنه لا يخطب، وإنما يدعو ويتضرع.
وأما تحويل الرداء فإن صفته ما ذكره الطحاوي.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 304 رقم 1173).
وقال ابن قدامة: وصفته بأن يجعل ما على اليمين على اليسار وما على اليسار على اليمين. روي ذلك عن أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز، وهشام بن إسماعيل، وأبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، ومالك وكان الشافعي يقول به ثم رجع فقال: يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، ويجعل ما على شقه الأيمن على الأيسر.
وقال أحمد: يجعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين.
قال ابن قدامة: وشمتحب تحويل الرداء للإمام والمأموم في قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يُسنّ لأنه دعاء، فلا يستحب تحويل الرداء فيه كسائر الأدعية.
وحكي عن سعيد بن المسيب، وعروة، والثوري: أن تحويل الرداء مختص بالإمام دون المأموم، وهو قول الليث وأبي يوسف ومحمد بن الحسن.
وفي "التلويح شرح البخاري": واختلف قول مالك متى يستقبل القبلة ويحول رداءه، ففي رواية ابن القاسم:"إذا فرغ من الخطبة"، وروي عنه:"في أثناء الخطبة"، وعنه أيضًا:"في آخر الخطبة الثانية".
وقال ابن بَزيَزة عن مالك: يحول قبل استقبال القبلة.
وقال القرطبي: وأنكره أبو حنيفة، وضعفه ابن سلام من قدماء علماء الأندلس، وعند غيرهما هو سنة يفعله الإمام والمأمومون.
وقال الليث، وأبو يوسف، ومحمد، وابن عبد الحكم وابن وهب: يقلب الإِمام وحده وليس ذلك على من خلفه.
وعن مالك: إذا حوّل الإِمام حوّل الناس قعودًا. وقال ابن الماجشون: ليس على النساء تحويل.
وقيل: يحول الناسُ قيامًا كالإمام.
وقال المهلب: قلبه على جهة التفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه.
وقال ابن بزيزة: ذكر أهل الآثار أن رداءه عليه السلام كان طوله أربعة أذرع وشبر، في عرض ذراعين وشبر.
وقال الواقدي: كان طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر وإزاره من نسج عمان طوله أربعة أذرع وشبر في عرض ذراعن وشبر، وقال ابن العربي: قال محمَّد بن علي: حوّل رداءه ليتحول القحط.
قال القاضي أبو بكر: هذه أمارة بينه وبين ربه لا على طريق الفأل، فإن من شرط الفأل أن لا يكون يقصد، وإنما قيل له: حوّل رداءك ليتحول حالك.
فإن قيل: لعل رداءه عليه السلام سقط فردّه، وكان ذلك اتفاقًا.
قيل له: الراوي المشاهِد للحال أعرف، وقد قرنه بالصلاة والخطبة والدعاء، فدل أنه من السنة، والله أعلم.
ص: وقالوا: ما ذكر في هله الآثار من فعل النبي عليه السلام وسؤاله ربّه فهو جائز أيضًا يَسْأل الله ذلك، فليس فيه دفع أن يكون من سنة الإمام إذا أراد أن يستسقي بالناس أن يفعل ما ذكرنا.
فنظرنا فيما ذكروا من ذلك، هل نجد له من الآثار دليلًا؟ فإذا يونس قد حدثنا، قال: نا ابن وهب، أن مالكا حدثه، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد:"أن النبي عليه السلام خرج إلى المصلى فاستسقى، فقلب رداءه".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا مسدد، قال: ثنا هُشيْم، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد:"أن النبي عليه السلام استسقى فحوّل رداءه، واستقبل القبلة".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عباد بن تميم، أن عمّه -وكان من أصحاب النبي عليه السلام- أخبره:"أن النبي عليه السلام خرج بالناس إلى المصلى يستسقي لهم، فقام فدعا الله عز وجل قائمًا ثم توجه قِبَل القبلة وحول رداءه فسُقوا".
حدثنا ابن خزيمة، قال: ثنا عبد الله بن رجاء، قال: أنا المَسْعوديُّ، عن أبي بكر ابن محمَّد بن عمرو بن حَزْم، عن عبّاد بن تميم، عن عمه قال:"خرج النبي عليه السلام فاستسقى فقلب رداءه، قال: قلتُ: جَعل الأعلى على الأسفل والأسفل على الأعلى؟ قال: لا، بل جعل الأيسر على الأيمن والأيمن على الأيسر".
حدثنا محمَّد بن النعمان السَّقَطيُّ، قال: ثنا الحُميديُّ، قال: ثنا الدراورديُّ، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال:"خرج رسول الله عليه السلام يَسْتَسْقِي وعليه خمَيصَةُ سوداء، فأراد النبي عليه السلام أن يأخذها بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه أن يحولها قلبها على عاتقِه".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد:"أن رسول الله عليه السلام استسقى فقلب رداءه".
ففي هذه الآثار قلبه لردائه، وصفة قلب الرداء كيف كان وأنه إنما جعل ما على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه لما ثقل عليه أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه، فكذلك نقول: ما أمكن أن يجعل أعلاه أسفله وأسفله أعلاه فقلبه كذلك هو، وما لا يمكن ذلك فيه حُوِّل لجعل الأيمن منه على الأيسر والأيسر منه أيمن.
فقد زاد في هذه الآثار على ما في الآثار الأُوَل، فينبغي أن يُسْتعمل ذلك ولا يُترك.
ش: أي قال الآخرون المذكورون ما ذكر في هذه الآثار، وأراد بها الأحاديث التي رويت عن أنس وكعب بن مرة رضي الله عنها، بيانه أنه لا يلزم من دعاء النبي عليه السلام في خطبته في الأحاديث المذكورة واقتصاره عليه؛ منع الصلاة بالناس ركعتين، ثم الخطبة وتحويل الرداء، ولكن لما لم يثبت ذلك بمنع الملازمة المذكورة، أشار إلى ما روي فيه من الأحاديث التي تدل على ما ذكروا من الصلاة في الاستسقاء والخطبة وتحويل الرداء، منها: حديث عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المدني الصحابي، فإن فيه ذكر قلب الرداء وصفته، وزاد بذلك على ما في الأحاديث الأَوُل المذكورة في أول الباب، فينبغي أن يستعمل ذلك ولا يترك.
وأخرجه من ستة طرق صحاح:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، عن عباد بن تميم بن غزيّة الأنصاري المدني ابن أخي عبد الله بن زيد، عن عبد الله بن زيد الأنصاري رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (1): ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، أنه سمع عبّاد بن تميم يقول: سمعت عبد الله بن زيد المازني يقول: "خرج رسول الله عليه السلام إلى المصلى فاستسقى، وحوَّل رداءه حين استقبل القبلة".
وأخرجه البخاري (2): عن إسحاق، عن وهب، عن شعبة، عن محمَّد بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد:"أن النبي عليه السلام استسقى فقلب رداءه".
وأخرجه (3) أيضًا عن أبي نعيم، عن سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عمه قال:"خرج النبي عليه السلام يستسقى وحوّل رداءه".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن مسدد شيخ البخاري وأبي داود، عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبد الله بن أبي بكر
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن ماجه (4): ثنا محمَّد بن الصباح، أنا سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو، عن عباد بن تميم، عن عمه، عن النبي عليه السلام بمثله.
الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري
…
إلى آخره.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 611 رقم 894).
(2)
"صحيح البخاري"(1/ 343 رقم 965).
(3)
"صحيح البخاري"(1/ 343 رقم 966).
(4)
"سنن ابن ماجه"(1/ 403 رقم 1267).
وأخرجه البخاري (1)، وقال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عباد بن تميم، أن عمه -وكان من أصحاب النبي عليه السلام- أخبره:"أن النبي عليه السلام خرج بالناس ليَسْتسقي لهم، فقام فدعا الله قائمًا، ثم توجه قِبَل القبلة وحوّل رداءه، فسقوا".
وأخرجه الطبراني في "الكبير": عن أبي زرعة عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، ثنا أبو اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري
…
إلى آخره.
الرابع: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن عبد الله بن رجاء الغُداني، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسْعودي الكوفي، عن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (2): ثنا عبد الله بن محمَّد، ثنا سفيان، عن عبد الله بن أبي بكر، سمع عباد بن تميم، عن عمه قال:"خرج النبي عليه السلام إلى المُصلّى يَسْتسقي، واستقبل القبلة، فصلَّى ركعتين، وقلب رداءه". قال سفيان: فأخبرني المَسْعودي، عن أبي بكر قال:"جعل اليمين على الشمال".
الخامس: عن محمَّد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبيد الله بن أسامة بن عبد الله بن حميد الحُمَيدي المكي، عن عبد العزيز بن محمَّد الدراوردي، عن عمارة بن غزية، عن عباد بن تميم
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا قتيبة بن سعيد، نا عبد العزيز، عن عمارة بن غزّية، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد قال:"استسقى رسول الله عليه السلام وعليه خميصة له سوداء فأراد رسول الله عليه السلام أن يأخذها بأسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت قلبها على عاتقه".
(1)"صحيح البخاري"(1/ 347 رقم 977).
(2)
"صحيح البخاري"(1/ 348 رقم 981).
(3)
"سنن أبي داود"(1/ 302 رقم 1164).
قوله: "يستسقي" في محل النصب على الحال من الأحوال المقدرة، وكذلك قوله:"وعليه خميصة" جملة حالية، والخميصة بفتح الخاء المعجمة ثوب خز أو صوف معلم، وقيل: لا تسمى خميصةً إلا أن تكون سوداء مُعلَّمةً، وجمعها الخمائصُ.
السادس: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة بن الحجاج
…
إلى آخره.
وأخرجه البخاري (1): ثنا إسحاق، قال: ثنا وهب، قال: أنا شعبة، عن محمَّد ابن أبي بكر، عن عباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد:"أن النبي عليه السلام استسقى فقلب رداءه".
ص: وقد حدثنا ربيع المؤذن، قال: ثنا أسَد، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة من بني مالك بن حسْل، قال: حدثني أبي قال: "أرسلني الوليد بن عقبة أسألُ له عن صلاة النبي عليه السلام في الاستسقاء، فأتيتُ ابن عباس رضي الله عنهما فقلت: إنا تمارَيْنا في المسجد في صلاة النبي عليه السلام في الاستسقاء. قال: لا، ولكن أَرْسلك ابن أخيكم الوليد بن عقبة -وهو أمير المدينة- ولو أنه أرسل وسأل ما كان بذلك بأس، ثم قال: قال ابن عباس: خرج رسول الله عليه السلام مُتبذلًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلّى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبر، فصلّى ركعتين كما يُصلِّي في العيدين".
فقوله: "كما يُصلِّي في العيدين" يحتمل أنه جهر فيهما كما يجهر في العيدين.
حدثنا فهد، قال: ثنا عبيد بن إسحاق العطار، قال: حدثنا حاتم بن إسماعيل
…
فذكر بإسناده مثله، وزاد:"فصلّى ركعتين ونحن خلفه يَجْهر فيهما بالقراءة، ولم يؤذن ولم يقم"، ولم يقل:"مثل صلاة العيدين".
فدل ذلك أن قوله: "مثل صلاة العيدين" في الحديث الأول إنما أراد به هذا المعنى: أنه صلى بلا أذان ولا إقامة كما يُفعل في العيدين.
(1)"صحيح البخاري"(1/ 343 رقم 965).
حدثنا فهدٌ قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه
…
فذكر مثل حديث ربيع، عن أسيد.
"قال سفيان: فقلت للشيخ: الخطبة قبل الصلاة أو بعدها؟ قال: لا أَدْري".
ففي هذا الحديث ذكر الصلاة والجهر فيها بالقراءة، ودلّ جهره فيها بالقراءة أنها كصلاة العيدين التي تُفْعَل نهارًا في وقتٍ خاصٍّ فحكمها الجهرُ، وكذلك أيضًا صلاة الجمعة هي من صلاة النهار، ولكنها مفعولة في وقت خاصٍ، فحكمها الجهر، فثبت بذلك أن كذلك حكم الصلوات التي تُصلّى بالنهار لا في سائر الأيام ولكن لعارض، ولا في وقت خاصٍّ فحكمها المخافتة؛ فثبت بما ذكرنا أن صلاة الاستسقاء سنة قائمة لا ينبغي تركها.
ش: لما ذكر الأحاديث التي فيها بيان خروج النبي عليه السلام إلى المصلى واستسقائه وتقليب ردائه؛ شرع يبيِّن الأحاديث التي فيها بيان كيفية الصلاة فيه.
فأخرج حديث ابن عباس رضي الله عنهما:
أولًا: عن ربيع بن سليمان المؤذن صاحب الشافعي وراوي أمهات الكتب عنه، عن أسد بن موسى -الذي يقال له: أسد السنة- عن حاتم بن إسماعيل المدني أبي إسماعيل روى له الجماعة، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة المدني، قال أبو حاتم: شيخ. روي له الأربعة.
عن أبيه إسحاق بن عبد الله المدني- قال أبو زرعة: ثقة. روى له الأربعة.
عن الوليد بن عقبة -بالقاف- والصواب: ابن عتبة بالتاء المثناة من فوق عوض القاف.
كذا قال أبو داود (1).
وأخرجه عن النفيلي، وعن عثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن حاتم بن إسماعيل
…
إلى آخره.
(1)"سنن أبي داود"(1/ 372 رقم 1165).
ففي رواية النفيلي: عتبة بالتاء، وفي رواية عثمان: عقبة بالقاف. فقال أبو داود عقيب روايته: والصواب: ابن عتبة، وقول عثمان: بالقاف. خطأ، وهو الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، وكان والي المدينة لعمّه معاوية بن أبي سفيان ولابن عمه يزيد وكان جوادًا حليمًا.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1) نحو رواية الطحاوي: من حديث إبراهيم بن موسى، نا حاتم بن إسماعيل، ثنا هشام بن إسحاق، ثنا أبي قال: "أرسلني الوليد ابن عقبة أمير المدينة إلى ابن عباس، أسأله عن صلاة النبي عليه السلام في الاستسقاء، فأتيته، فقلت: إنا تمارينا في الاستسقاء. فقال: لا، ولكن أرسلك ابن أخيكم، ولو أنه أرسل فسأل ما كان بذلك بأس، خرج رسول الله عليه السلام
…
" إلى آخره.
وأخرجه الترمذي (2) أيضًا: ثنا قتيبة، قال: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن إسحاق، عن أبيه قال:"أرسلني الوليد بن عقبة وهو أمير المدينة إلى ابن عباس أسأله عن استسقاء رسول الله عليه السلام فأتيتهُ فقال: إن رسول الله عليه السلام خرج متبذلًا متواضعًا متضرعًا حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يُصلي في العيد".
قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح.
وأخرجه النسائي (3): أنا محمود بن غيلان، قال: ثنا وكيع، قال: ثنا سفيان، عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال:"أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: ما منعه أن يسألني؟ خرج رسول الله عليه السلام متواضعًا متبذلًا متخشعًا متضرعًا، فصل ركعتين كما يُصلي في العيدين، ولم يخطب خطبتكم".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 347 رقم 6195).
(2)
"جامع الترمذي"(2/ 445 رقم 558).
(3)
"المجتبى"(3/ 163 رقم 1521).
وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا علي بن محمَّد ومحمد بن إسماعيل، قالا: ثنا وكيع، عن سفيان، عن هشام بن إسحاق
…
إلى آخره نحو رواية النسائي سواء.
قوله: "إنا تمارينا" من التماري وهو المجادلة على مذهب الشك والريبة، وكذلك المماراة، ويقال للمناظرة: مماراة؛ لأن كل واحد منهما يستخرج ما عند صاحبه ويمتريه كما يمتري الحالب اللبن من الضرع.
قوله: "متبذلًا" حال من الضمير الذي في "خرج"، من التبذل وهو ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة؛ على جهة التواضع.
قوله: "متواضعًا متضرعًا" حالان أيضًا إما من المتداخلة أو من المترادفة.
واستدل به الشافعي على أنه يُكبّر كما يكبّر في العيدين؛ لأنه قال: "كما يُصلى في العيدين".
والجواب عنه: أن المراد من التشبيه في العدد والجهر بالقراءة، وفي كون الركعتين قبل الخطبة.
فإن قيل: قد روي الحكم في "المستدرك"(2) والدارقطني (3) ثم البيهقي (4): عن محمَّد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن طلحة قال:"أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين إلا أن رسول الله عليه السلام قلب ردائه، فجعل يمينه على يساره، ويساره على يمينه، وصلى ركعتين كبّر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وقرأ في الثانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} وكبّر فيها خمس تكبيرات".
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 403 رقم 1266).
(2)
"مستدرك الحاكم"(1/ 473 رقم 1266).
(3)
"سنن الدارقطني"(2/ 66 رقم 4).
(4)
"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 348 رقم 6198).
قال الحكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قلت: الجواب عنه من وجهين:
الأول: أنه ضعيف؛ فإن محمَّد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس له حديث مستقيم. وقال ابن حبان في كتاب "الضعفاء": يروي عن الثقات المعضلات ويتفرد بالطامات عن الأثبات حتى سقط الاحتجاج به.
وقال ابن قطان في كتابه: هو أحد ثلاثة إخوة كلهم ضعفاء: محمَّد، وعبد الله، وعمران، بنو عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، وأبوهم عبد العزيز مجهول الحال، فاعتل الحديث بهما.
والثاني: أنه مُعارَض بحديث رواه الطبراني في "الأوسط"(1): نا مسعدة بن سعد العطار، ثنا إبراهيم بن المنذر، نا محمَّد بن فليح، حدثني عبد الله بن حسين بن عطاء، عن داود بن بكر بن أبي الفرات، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك:"أن رسول الله عليه السلام استسقى، فخطب قبل الصلاة، واستقبل القبلة، وحوّل رداءه، ثم نزل، فصل ركعتين، لم يكبر فيهما إلا تكبيرة".
ويستفاد منه أحكام:
استحباب خروج المستسقي إلى الصحراء على وجه التبذل والخضوع والتضرع؛ لأن هذه الحالة تقتضي هذه الأشياء، وهي الملائمة لتلك الحالة، واستحباب الدعاء والتضرع والتكبير.
وفيه: دلالة على أن صلاته ركعتان كصلاة العيد يجهر بالقراءة فيهما.
وأنها بلا أذان ولا إقامة نحوها.
(1)"المعجم الأوسط"(9/ 51 رقم 9108).
قوله: "كما يُصلّي في العيدين يحتمل أنه جهر فيهما
…
" إلى آخره: إشارة إلى بيان وجه هذا التشبيه أي: فقدل ابن عباس: "كما يصلي في العيدين" يحتمل أنه جهر فيهما بالقراءة كما كان يجهر في صلاة العيدين.
واستدل على هذا بما أخرجه عن فهد بن سليمان، عن عبيد بن إسحاق العطار، ضعفه يحيى بن معين والدارقطني، ورضيه أبو حاتم.
عن حاتم بن إسماعيل، عن هشام بن إسحاق، عن أبيه
…
إلى آخره نحو الحديث المذكور، وزاد في روايته هذه: "فصلى ركعتين ونحن خلفه
…
" إلى آخره.
فدلّ هذا الحديث أن قوله في الحديث الأول: "مثل صلاة العيدين" معناه: أنه صلى بلا أذان ولا إقامة كما يفعل في العيدين.
ثم أخرج عن فهد أيضًا، عن أبي نعيم الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن هشام بن إسحاق، عن أبيه مثل حديث ربيع بن سليمان، عن أسد بن موسى. قال سفيان: فقلت للشيخ
…
إلى آخره.
وأخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"(1): عن الثوري، عن إسحاق بن عبد الله بن كنانة قال:"أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس أسأله عن الاستسقاء، فقال ابن عباس: خرج رسول الله عليه السلام متواضعًا متضرعًا متذللًا، فخطب، ولم يخطب كخطبتكم هذه، فدعا وصلى ركعتين، فقلت له: أقبل الخطبة صلّى أم بعدها؟ فقال: لا أدري" انتهى.
فقد ذكر في هذا الحديث الصلاة والجهر فيها بالقراءة، فجهره عليه السلام بالقراءة فيها قد دلّ على أن صلاة الاستسقاء كصلاة العيدين التي تفعل في النهار في وقت مخصوص، فحكمها الجهرُ كما أن صلاة الجمعة من صلاة النهار أنها تفعل في وقت مخصوص، فيكون حكمها الجهر.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(7/ 314 رقم 36428).
فثبت بذلك أمور ثلاثة:
الأول: أن كل صلاة تُفعل في نهار لأجل عارض من العوارض أو في يوم خاص؛ فحكمها الجهر بالقراءة فيها.
الثاني: أن كل صلاة تفعل في سائر الأيام لا لعارض ولا في وقت خاص؛ فحكمها المخافتة بالقراءة فيها.
الثالث: أن صلاة الاستسقاء سنة قائمة لا ينبغي تركها، فافهم.
ص: وقد روي ذلك عن النبي عليه السلام أيضًا من غير وجه.
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا هارون بن سعيدٍ بن الهيثم الأيلي، قال: ثنا خالد بن نزار، عن القاسم بن مبرور، عن يونس بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"شكى الناس إلى النبي عليه السلام قُحُوطَ المطر، فأمرَ النبي عليه السلام بمنبر فوضع في المُصلّى، ووعد الناسَ يخرجون يومًا، قالت: عائشة رضي الله عنها: وخرج النبي عليه السلام حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إنكم شكوتُمْ إليّ جَدْبَ جَنابكم واستئخار المطر عن إبّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله عز وجل أن تَدْعوه ووعَدكم أن يَسْتجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مَلِك يوم الدين، لا إله إلا الله، يفعلُ ما يُريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغَيْث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا إلى حين. ثم رفع يَديْه، فلم يزل في الرفع حتى رأينا بياض إبطيه، ثم حول إلى الناس ظهره وقلَّب -أو حَوّل- رداءه وهو رافع يَديْه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلَّى ركعتين، وأنْشأ الله سحابةً، فَرَعَدَتْ، وبَرَقَتْ، وأمطرَتْ بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سألت السيول، فلما رأى لثق الثياب على النّاسِ وتَسَرُّعَهم إلى الكنِّ، ضحك حتى بدت نواجذه، وقال: أشهد أن الهَ على كل شيء قدير وأني عبد الله ورسوله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: حدثني أبي، قال: سمعت النعمان بن راشد يُحدِّثُ، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال:"خرج النبي عليه السلام يَوْمًا يَسْتَسْقِي، فصَلَّى بنَا ركعتين بغير أذان ولا إقامة. قال: ثم خطبنا ودعا الله، وحوّل وجهه نحو القبلة صرَفع يديه، وقلَب رداءه فجعل الأيمن على الأيسر، والأيسر على الأيمن".
حدثنا محمد بن النعمان السقطي، قال: ثنا الحُمَيدي، قال: ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيك وخالد بن عبد الرحمن، عن ابن أبي ذئب (ح).
وحدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا أسدٌ، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه وكان من أصحاب النبي عليه السلام:"أنه رأى النبي عليه السلام يومًا خرَج يَسْتَسقِي، فحوّل إلى النَّاسِ ظهرَه واسْتَقبلَ القِبلة يَدعُو، ثم حوّل رداءه، ثم صَلَّى ركعتَيْن يَقرا فيهما وجَهرَ".
حدثنا يونس، قال: أبنا ابن وهب، قال: أَخْبرني ابن أبي ذئب
…
ثم ذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يذكر الجَهْرَ.
ففي هذه الآثار ذكر الخطبة مع ذكر الصلاة، فثبت بذلك أن في الاستسقاء خطبةً غير أنه قد اختلف في خطبة النبي عليه السلام متى كانت؟ ففي حديث عائشة، وعبد الله بن زَيْدٍ رضي الله عنهما أنه خطب قبل الصلاة، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه خَطَبَ بعد الصلاة، فنظرنا في ذلك فوجدنا الجمعة فيها خطبة، وهي قبل الصلاة، ورأينا العيدين فيهما الخطبة، وهي بعد الصلاة كذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَفْعل، فأردنا أن ننظر في خطبة الاستسقاء بأي الخطبتين هي أشبه فنعطفَ حُكمَها على حكمها؟ فرأينا خطبة الجمعة فرضًا وصلاة الجمعة بها مُضمّنة لا تجزئ إلا بإصابتها، ورأينا خطبة العيدين ليست كذلك؛ لأن صلاة العيدين تجزئ وإن لم يكن معها خطبة، ثم رأينا صلاة الاستسقاء تجزئ أيضًا وإن لم يُخطَبْ بعدها، ألا
ترى أن إمامًا لو صلى بالناس في الاستسقاء ولم يخطب كانت صلاته مجزئة غير أنه قد
أساء في تركه الخطبة، فكانت بخطبة العيدين أشبه منها بحكم خطبة الجمعة، فالنظر على ذلك أن يكون موضعها من صلاة الاستسقاء مثل موضعها من صلاة العيدين، فدلَّ ذلك أنها بعد الصلاة لا قبلها، وهذا مذهب أبي يوسف رحمه الله.
ش: أي قد روي الاستسقاء عن النبي عليه السلام أيضًا من غير وجه واحد، أراد أنه روي على وجوه متعددة، ولما كان المذكور في الرواية السابقة عدم الخطبة؛ شرع يذكر ها هنا أحاديث تُصرِّحُ بأنه عليه السلام خطبَ فيه، فثبت بذلك أن في الاستسقاء خطبة، ولكن اختُلف في الروايات في وقت الخطبة، ففي حديث عائشة وعبد الله ابن زيد الأنصاري أنه خطب قبل الصلاة، وفي حديث أبي هريرة أنه خطب بعد الصلاة، وتعلق بكل منهما قوم، فذهب أبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل، وأبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم، والليث بن سعد، وابن المنذر إلى حديث عائشة وعبد الله بن زيد، ويُروى ذلك عن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.
وذهب جمهور الفقهاء من التابعين ومن بعدهم إلى أنها بعد الصلاة، وتعلقوا بحديث أبي هريرة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف، وإليه أشار الطحاوي بقوله: وهذا مذهب أبي يوسف ولم يذكر محمدًا معه، وفي غالب فروع الحنفية محمدٌ مذكور مع أبي يوسف، ولكن المرجع إلى قول الطحاوي، فإنه أعلم الناس بمذاهب العلماء.
ثم إن الطحاوي قد رجَّح قَولَ مَنْ يقول بأنها بعد الصلاة بوجه النظر والقياس، وهو أن خطبة الاستسقاء أشبه بخطبة العيدين من خطبة الجمعة؛ لأن الخطبة في العيدين سنة حتى إنها لو تُركت لم تَضُرّ الصلاة، فكذلك خطبة الاستسقاء، حتى إن الإِمام إذا صلى صلاة الاستسقاء من غير الخطبة جاز ولكنه أساء لتركه السنة، بخلاف صلاة الجمعة، فإن الخطبة فيها فرض لأنها إنما شطرت لمكان الخطبة، حتى لو تركها لم تصح صلاة الجمعة، وهو معنى قوله:"وصلاة الجمعة بها مُضمّنَة" بفتح الميم الثانية "لا تجزئ" أي الجمعة "إلا بإصابتها" أي بإصابة الخطبة. هدًا ما ذكره. ولو قيل بأنه
مخيَّر بين أن يخطب قبل الصلاة وبين أن يخطب بعدها فله وجه، كما روي ذلك عن أحمد بن حنبل رحمه الله؛ لأن بكل واحد من ذلك وردت السنة.
أما حديث عائشة رضي الله عنها فأخرجه بإسناد صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري شيخ الطبراني أيضًا، عن هارون بن سعيد بن الهيثم بن محمَّد بن الهيثم بن فيروز السَّعْدي أبي جعفر الأيلي شيخ مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه، عن خالد بن نزاربن المغيرة أبي يزيد الأيلي وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي، عن القاسم بن مبرور الأيلي أحد الفقهاء روى له أبو داود والنسائي، عن يونس بن يزيد الأيلي روى له الجماعة، عن هشام بن عروة روى له الجماعة، عن أبيه عروة بن الزبير روى له الجماعة، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا هارون بن سعيد الأيلي، نا خالد بن نزار
…
إلي آخره نحوه، غير أنه ليس في لفظه:"وأثنى عليه"، ولا قوله:"فلما رأى لثق الثياب على الناس"، وإنما لفظه:"فلما رأى سرعتهم إلى الكِنّ"، وكذلك لفظه:"جَدْبَ دياركم" عوض قوله: "جنابكم".
ثم قال أبو داود: هذا حديث إسناده جيِّد، أهل المدينة يقرءون "مَلِكْ يوم الدين"، وإن هذا الحديث حجة لهم.
قلت: إنما قال إسناده جيد وأراد به أنه صحيح؛ لأن رواته ثقات، ولهذا قال الحاكم في "مستدركه" بعد أن أخرجه (2): حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
ورواه ابن حبان أيضًا في "صحيحه"(3): في النوع الثاني عشر من القسم الخامس، وقال: ثنا أحمد بن يحيى بن زهير، قال: ثنا طاهر بن خالد بن نزار الأيلي، قال: ثنا
(1)"سنن أبي داود"(1/ 304 رقم 1173).
(2)
"المستدرك على الصحيحين"(1/ 476 رقم 1225).
(3)
"صحيح ابن حبان"(3/ 271 رقم 991).
أبي، قال: ثنا القاسم بن مبرور، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "شكا الناسُ إلى رسول الله عليه السلام قحوط المطر
…
" إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
قوله: "قحوط المطر" أي: حبسه وإقلاعه، والقحط: الجدْب.
قوله: "حين بدا حاجب الشمس" أي: حرفها الأعلى من قَرْنَيْها، وحواجبها: نواحيها، وقيل: سُمي بذلك لأنه أول ما يبدو منها كحاجب الشمس، وعلى هذا يختص الحاجب بالحرف الأعلى البادئ أولًا، ولا تُسمى جميع نواحيها حواجب.
قوله: "جَدْب جَنَابكم" بفتح الجيم والنون، وبعد الألف باء موحدة أي: جَدْب ناحيتكم، والجناب: الناحية ومنه حديث الشعبي: "أجْدَبَ بنا الجناب".
قوله: "واستئخار المطر" أي: تأخره، من استأخر استئخارًا.
قوله: "عن إبَّان زمانه" بكسر الهمزة وتشديد الباء الموحدة وبعد الألف نون أي: وقت زمانه، والنون أصلية، وقيل: هي زائدة من أبَّ الشيء إذا تهيأ للذهاب.
قوله: "عنكم" متعلق بقوله: "واستئخار المطر".
قوله: "ووعدكم أن يستجيب لكم" هو قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (1).
قوله: "مَلِك يوم الدين" بقصر الألف، وهي قراءة أهل المدينة.
قوله: "الغيث" أي: المطر.
قوله: "قوة" أراد بها المطر النافع؛ لأنه سبب لنبات الأرزاق، والأرزاق سبب لقوة بني آدم.
قوله: "وبلاغًا إلى حين" أراد به المطر الكافي إلى وقت انقطاع الحاجة والاستغناء عنه.
(1) سورة غافر، آية:[60].
قوله: "فرعدت ويرقت" رعدت السماء وبرقت، وأرعدت وأبرقت لغتان، ومعنى رعدت: صوّتت، وأسند صوت الرعد إلى السحابة مجازّا باعتبار كونه مجاوزًا لها، والرعدُ ملك يزجر السحاب، وزجره تسبيحه، قال الله تعالى:{وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ} (1) ومعنى برقت: خرج منها برق، والبرق للرعد أيضًا، قال الشافعي: أخبرنا الثقة أن مجاهدًا قال: الرعد ملك والبرق أجنحته.
قوله: "ثم أمطرت" هكدًا هو بالألف مطرت وأمطرت لغتان، ولا التفات إلى قول من قال: لا يقال: أمطر بالألف إلا في العذاب.
قوله: "لثق الثياب" أي: بلل الثياب، يقال: لثقَ الطائر إذا ابتَلّ ريشُه من باب فعل يفعل بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل، ويقال للماء والطين لثق بفتحتين.
قوله: "إلى الكِنُّ" بكسر الكاف وتشديد النون، وهو ما يَردُّ الحرَّ والبرد من الأبنية والمساكن، وقد كننتُه كنّه كَنَّا بفتح الكاف، والكِنُّ بالكسر: الاسم.
قوله: "ضحك"، وضحكه عليه السلام تعجبًا منهم حيث اشتكوا أولًا من عدم المطر، فلما سُقوا هربوا طالبين الكنِّ.
قوله: "حتى بدت نواجذه" أي حتى ظهرت أنيابه وهي بالذال المعجمة، ويقال: النواجذ: الضواحك وهي التي تبدو عند الضحك، وقيل: الأضراس والأنياب والأشهر أنها أقصى الأسنان وهي أضراس العقل، ولكن المراد ها هنا الأضراس والأنياب كذا قال في "المطالع": وفي الحديث "عضوا عليها بالنواجذ"(2) أي: بالأنياب.
قوله: "أشهد أن الله على كل شيء قدير" استعظام منه لقدرة الله تعالى حيث أنزل الغيث حتى سالت السيول بعد ما كانت الأرض جدباء.
(1) سورة الرعد، آية:[13].
(2)
رواه أبو داود (2/ 610 رقم 467)، والترمذي (5/ 44 رقم 2676)، وابن ماجه (1/ 15 رقم 42) وغيرهم من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه.
قوله: "وأني عبد الله" اعتراف بالعبودية وإظهار للتذلّل والخضوع.
قوله: "ورسوله" إظهار بأن قبول دعائه في ساعته لأجل أنه رسول الله عليه السلام وأنه مؤيد من عند الله تعالى.
ويستفاد منه أحكام وهي:
أن الإِمام الأعظم يخرج بالناس إلى المصلى في زمن القحط ويستسقي، ويخرج معهم وكبيرهم الذي اشتهر بينهم بالزهد والورع؛ لأن من هذه صفته يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة، وأن تعيين اليوم ليس بشرط، وأنهم يخرجون بالنهار، وأن يخطب لهم الإِمام على المنبر أو على موضع مرتفع، وأن يكون وجه الإِمام وقت الدعاء إلى الجماعة، وأن الخطبة قبل الصلاة وقد ذكرنا وجهه، وأن ذكر الغيث في الدعاء مستحب، وأن ترفع الأيدي فيه غاية الرفع، وأن يحول الإِمام ظهره إلى الناس بعد الدعاء، ويقلب رداءه، وأن يصلي بهم ركعتين، وأن الضحك إلى بدوّ النواجذ جائز.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير بن حازم البصري روى له الجماعة، عن أبيه جرير بن حازم بن زيد البصري روى له الجماعة، عن النعمان بن راشد الجزري، عن أحمد: مضطرب الحديث.
وعن يحيى: ضعيف. وعنه: ليس بشيء. روى له الجماعة البخاري مستشهدًا.
عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري روى له الجماعة، عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجه (1): ثنا أحمد بن الأزهر والحسن بن أبي الربيع، قالا: ثنا وهب بن جرير، نا أبي، قال: سمعت النعمان يحدث، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة
…
إلى آخره نحو رواية الطحاوي.
(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 403 رقم 1268).
فهذا يدل كل أن في الاستسقاء صلاة، وهي ركعتان بلا أذان ولا إقامة، وأن الخطبة بعد الصلاة.
وأما حديث عبد الله بن زيد الأنصاري فأخرجه من ثلاث طرق صحاح.
الأول: عن محمد بن النعمان السقطي، عن عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله بن الزبير بن عبيد الله بن حميد الحميدي شيخ البخاري، عن محمد بن إسماعيل بن أبي فديك دينار المدني روى له الجماعة، وعن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن سلمة المكي قال أبو حاتم: ذاهب الحديث.
ولا يضر ذلك؛ لأنه ذكر متابعًا.
وكلاهما يرويان عن محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب المدني روى له الجماعة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عباد بن تميم بن غزية الأنصاري روى له الجماعة، عن عمه عبد الله بن زيد المازني الأنصاري.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا يزيد بن هارون، عن ابن أبي ذئب، في الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه قال:"شهدت النبي عليه السلام خرج يَسْتسقي، فاستقبل القبلة، وولّى ظهره الناس، وحول رداءه، وصلى ركعتين وجهر بالقراءة".
الثاني: عن سليمان بن شعيب الكيساني صاحب محمَّد بن الحسن الشيباني، عن أسد بن موسى، عن محمَّد بن أبي ذئب المدني، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه
…
إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (2): ثنا أحمد بن محمَّد بن ثابت المروزي، نا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه:"أن رسول الله عليه السلام خرج بالناس يستسقي، فصلّى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحوّل رداءه واستسقى، واستقبل القبلة".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 221 رقم 8340).
(2)
"سنن أبي داود"(1/ 301 رقم 1161).
الثالث: عن يونس بن عبد الأعلى المصري، عن عبد الله بن وهب المصري، عن محمَّد بن أبي ذئب، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن عباد بن تميم، عن عمه
…
إلى آخره، فذكر الحديث مثله غير أنه لم يذكر فيه الجهر.
وأخرجه النسائي (1): وقال: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع: عن ابن وهب، عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب، قال: أخبرني عباد بن تميم، أنه سمع عمه -وكان من أصحاب رسول الله عليه السلام- يقول:"خرج رسول الله عليه السلام يومًا يستسقي، فحول إلى الناس ظهره يَدْعو الله ويستقبل القِبْلة وحوَّل رداءه، ثم صلى ركعتين - قال ابن أبي ذئب في الحديث:- وقرأ فيهما".
ص: وقد روي في ذلك عَمَّنْ بعد النبي عليه السلام أنه صلى في الاستسقاء وجهر بالقراءة.
حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غَسّان، قال: ثا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق قال: "خرج عبد الله بن يزيد يَسْتسقي، وكان قد رأى النبي عليه السلام، قال: وخرج فيمَنْ كان معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم -قال أبو إسحاق: وأنا معهم يومئذٍ- فقام قائمًا على راحلته على غير مِنْبر، فاستسقى واستغفر، وصلَّى ركعتين ونحن خلفه، فجهر بالقراءة، ولم يؤذن يومئذٍ ولم يقم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا علي بن الجَعْد، قال: ثثا زهير
…
فذكر مثله بإسناده، غير أنه لم يذكر في حديثه أن عبد الله بن يزيد قد كان رأى النبي عليه السلام.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال:"خرج عبد الله بن يزيد يستسقي بالكوفة فصلَّى ركعتين".
ش: أي قد روي في الاستسقاء عمَّنْ بعد النبي عليه السلام من الصحابة أنه صلى في الاستسقاء وجهر بالقراءة في الصلاة، وهم: عبد الله بن يزيد الخِطْمي، شهد
(1)"المجتبى"(3/ 163 رقم 1519).
الحديبية مع رسول الله عليه السلام وهو ابن سبع عشرة سنةً، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان أميرًا على الكوفة. والبراء بن عازب وزيد بن أرقم؛ فإنهم صلوا صلاة الاستسقاء ركعتين بجهر القراءة، وكان الإِمام هو عبد الله بن يزيد الخطمي.
وأخرج أثره من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسّان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السبيعي
…
إلى آخره.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق قال:"خرجنا مع عبد الله بن يزيد الأنصاري نستسقي، فصلى ركعتين وخلفه زيد بن أرقم".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلَّسي، عن علي بن الجَعْد بن عبيد الجوهري البغدادي أحد أصحاب أبي حنيفة، عن زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق السبيعي
…
إلى آخره.
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله
…
إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث شعبة، عن أبي إسحاق:"أن عبد الله ابن يزيد الأنصاري خرج يستسقي، فصلى ركعتين، ثم استسْقى، فلقيت يومئذٍ زيد بن أوقم وليس بيني وبينه غير رجل، قلت: كم غزا رسول الله عليه السلام؟ قال: تسع عشرة. قلت: كم غزوت أنت معه؟ قال: سبع عشرة. قلت: فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العُسيرة". انتهى.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 221 رقم 8338).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(3/ 348 رقم 6200).
ومنهم: أبو موسى الأشعري، قال ابن أبي شيبة في "مصنفه" (1): ثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن حارثة بن مضرب العَبدي قال:"خرجنا مع أبي موسى نستسقي فصلَّى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة".
ومنهم: عمر بن الخطاب رضي الله عنه، استسقى عام الرمادة، وكذلك معاوية استسقى، وكذلك غيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(2/ 221 رقم 8337).