المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[فصل: تفنيد مراد النصارى بظهور الله في عيسى] - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية - جـ ٣

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ: قِيَاسُ النَّصَارَى كُتُبَهُمْ عَلَى الْقُرْآنِ قِيَاسٌ بَاطِلٌ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ كَيْفَ يُمْكِنُ تَغْيِيرُ كُتُبِنَا الَّتِي هِيَ مَكْتُوبَةٌ بِاثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ لِسَانًا]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ التَّوْرَاةَ أُخِذَتْ عَنِ الْعُزَيْرِ وَهُوَ نَبِيٌّ مَعْصُومٌ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ غُيِّرَ بَعْضُ أَلْفَاظِهَا بَعْدَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ]

- ‌[فَصْلٌ: ثُبُوتُ الِاخْتِلَافِ وَالتَّغْيِيرِ فِي نُسَخِ أَهْلِ الْكِتَابِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى فِي أَنَّ الْقُرْآنَ أَقَرَّهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِلْزَامُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِدِينِ الْإِسْلَامِ]

- ‌[فَصْلٌ: وُجُوبُ مُحَاجَّةِ الظَّالِمِينَ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَهْلِ كِتَابِ]

- ‌[فَصْلٌ: الْإِسْلَامُ هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا]

- ‌[فَصْلٌ: أَمْرُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِ الْحَقِّ لِتَقُومَ بِهِ الْحُجَّةُ عَلَى الْمُخَالِفِ]

- ‌[فَصْلٌ: نَقْضُ دَعْوَاهُمْ أَنَّ الظُّلْمَ اتَّصَفَ بِهِ الْيَهُودُ دُونَ النَّصَارَى]

- ‌[فَصْلٌ: الْمُسْلِمُونَ يُوَافِقُونَ النَّصَارَى فِيمَا كَفَّرُوا بِهِ الْيَهُودَ]

- ‌[فَصْلٌ: غُلُوُّ النَّصَارَى فِي عِيسَى عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: تَطَرُّفُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَتَوَسُّطُ الْمُسْلِمِينَ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَفَى عَنْهُمُ الشِّرْكَ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ الْقُرْآنَ سَوَّى بَيْنَ جَمِيعِ الْأَدْيَانِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا كَلِمَةَ اللَّهِ عِنْدَهُمُ الَّتِي عَظَّمَهَا الْقُرْآنُ]

- ‌[فَصْلٌ: تَكْرِيمُ الْإِسْلَامِ لِلْمَسِيحِ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: نَسْخُ شَرْعِ التَّوْرَاةِ وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمَسِيحُ حَقٌّ]

- ‌[فَصْلٌ: شَهَادَةُ كُتُبِ الْيَهُودِ لِعِيسَى بِالنُّبُوَّةِ شَهَادَةٌ لِمُحَمَّدٍ]

- ‌[فَصْلٌ: رَفْضُ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ مَعَ تَشَكُّكِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: اللَّهُ سبحانه وتعالى نَفَى جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ بِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّسُولُ بَشَرٌ لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا يَقُولُ إِنَّهُ مَلَكٌ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَى النَّصَارَى أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ أَنَّ تَفْسِيرَهُمْ لِلتَّثْلِيثِ تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ]

- ‌[فَصْلٌ: دَلَائِلُ وُجُودِ اللَّهِ وَحَيَاتِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: طُرُقُ مَعْرِفَةِ صِفَاتِ الرَّبِّ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ دَعْوَاهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّى نَفْسَهُ أَبًا وَابْنًا وَرُوحَ قُدُسٍ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى الرُّوحِ فِي قَوْلِهِ وَكَانَ رُوحُ اللَّهِ تَرِفُّ عَلَى الْمَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ " رُوحُكَ الْقُدُسِ لَا تُنْزَعُ مِنِّي]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَشَدَّدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِرُوحِ فَاهٍ جَمِيعُ قُوَّاتِهِنَّ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِرُوحِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ الْمَعْنَى الصَّحِيحِ لِكَلِمَةِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِبْطَالُ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالتَّعْمِيدِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]

- ‌[فَصْلٌ: تَسْمِيَتُهُمْ لِعِلْمِ اللَّهِ وَكَلَامِهِ ابْنًا وَتَسْمِيَتُهُمْ لِحَيَاتِهِ رُوحَ الْقُدُسِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِبْطَالُ احْتِجَاجِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْأَقَانِيمِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى تَأْيِيدِ الْمَسِيحِ بِرُوحِ الْقُدُسِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْكِتَابَ كَلَامُ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ الْأَقَانِيمَ صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسْمَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِبْطَالُ تَمْثِيلِهِمُ الصِّفَاتِ بِشُعَاعِ الشَّمْسِ]

- ‌[فَصْلٌ: بَيَانُ تَنَاقُضِ قَوْلِ النَّصَارَى فِي عَقِيدَةِ إِيمَانِهِم]

- ‌[فَصْلٌ: تَنَاقُضُ قَوْلِهِم لَا يَتَبَعَّضُ وَلَا يَتَجَزَّأُ]

- ‌[فَصْلٌ: نَقْضُ قَوْلِهِم إِنَّ اللَّطَائِفَ لَا تَظْهَرُ إِلَّا فِي الْكَثَائِفِ وَلِهَذَا تَجَسَّمَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ الْخَالِقَةُ بِعِيسَى]

- ‌[فَصْلٌ: تَفْنِيدُ مُرَادِ النَّصَارَى بِظُهُورِ اللَّهِ فِي عِيسَى]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَى قَوْلِهِم ظَهَرَ فِي عِيسَى حُلُولُ ذَاتِهِ وَاتِّحَادُهُ بِالْمَسِيحِ أَوْ غَيْرِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: مَا تَنَبَّأَتْ بِهِ الْكُتُبُ السَّابِقَةُ بِشَأْنِ الْمَسِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ: مُنَاقَشَتُهُمْ فِيمَا نَقَلُوهُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ حَوْلَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ عليه السلام وَبَيَانُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ فِيهَا] [

- ‌قَوْلُ عِزْرَا يَأْتِي الْمَسِيحُ وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ وَالْأُمَمَ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ أَرْمِيَا النَّبِيِّ عَنْ وِلَادَتِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي وَيُخَلِّصُ الشُّعُوبَ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ زَكَرِيَّا وَيَحُلُّ هُوَ وَهُمْ فِيكِ وَتَعْرِفِينَ أَنِّي أَنَا اللَّهُ الْقَوِيُّ السَّاكِنُ فِيكِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ عَامُوصَ سَتُشْرِقُ الشَّمْسُ وَيَهْتَدِي بِهَا الضَّالُّونَ وَيَضِلُّ عَنْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُهُ إِنَّهُ سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ مِيخَا وَأَنْتَ يَا بَيْتَ لَحْمٍ قَرْيَةُ يَهُودَا بَيْتُ أَفْرَاتَا يَخْرُجُ لِي رَئِيسٌ الَّذِي يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ حَبْقُوقَ النَّبِيِّ إِنَّ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ يَتَرَاءَى وَيَخْتَلِطُ مَعَ النَّاسِ وَيَمْشِي مَعَهُم]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا النَّبِيِّ هَا هِيَ الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا وَيُدْعَى اسْمُهُ عِمَّانُوِيلَ]

- ‌[فَصْلٌ: فِي كَلَامِ أَشْعِيَا بِشَارَةٌ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا وَيَحُلُّ فِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ رُوحُ اللَّهِ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْحِيَلِ وَالْقُوَّةِ رَوْحُ الْعِلْمِ وَخَوْفِ اللَّهِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُ أَشْعِيَا مِنْ أَعْجَبِ الْأَعَاجِيبِ أَنَّ رَبَّ الْمَلَائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ الْبَشَرِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِم وَمِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ شَيْءٌ كَثِيرٌ]

- ‌[فَصْلٌ: رَأْيُ النَّصَارَى فِي عَدَمِ إِيمَانِ الْيَهُودِ بِالْمَسِيحِ بِالرَّغْمِ مِمَّا ذُكِرَ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّبُوَّاتِ عَنْ ظُهُورِهِ]

- ‌[فَصْلٌ: الرَّدُّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمُ السُّنَّةُ الْجَدِيدَةُ الْمُخْتَارَةُ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَسَلَّمْنَاهَا مِنْ يَدَيِ الرُّسُلِ الْأَطْهَارِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ عَنْ خَلْقِ آدَمَ عَلَى رَأْيِهِمْ فِي الْمَسِيحِ] [

- ‌قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ لِنَخْلُقْ خَلْقًا عَلَى شِبْهِنَا وَمِثَالِنَا]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي الْأَمْرِ بِإِهْلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الِابْنِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ عَنْ دَاوُدَ عَلَى رُبُوبِيَّةِ الْمَسِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ: قَوْلُهُ فِي التَّوْرَاةِ الَّذِي قَالَ لِي أَنْتَ ابْنِي وَأَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا وَرَدَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ لِمُوسَى وَمَا يُفِيدُهُ ذَلِكَ مِنْ تَعَدُّدِ أُلُوهِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ اسْتِدْلَالِهِمْ بِشَهَادَةِ أَشْعِيَا بِتَحْقِيقِ الثَّالُوثِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ مَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوْلِهِ نُقَدِّسُكَ وَنُعَظِّمُكَ وَنُثَلِّثُ لَكَ تَقْدِيسًا مُثَلَّثًا كَالْمَكْتُوبِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ أَشْعِيَا]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ تَأْكِيدِهِمْ إِقْرَارَ الْيَهُودِ بِالثَّالُوثِ وَكُفْرِهِمْ بِمَعْنَاهُ]

- ‌[فَصْلٌ: رُجُوعُهُمْ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى التَّمَسُّكِ بِالتَّثْلِيثِ لِمَا سَبَقَ أَنْ نَقَلُوهُ وَأَشَارُوا إِلَيْهِ مِنْ كَلَامِ الْأَنْبِيَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: رَدُّ زَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُمْ عِبَادَةُ ثَلَاثَةِ آلِهَةٍ وَأَنَّهُ لَا لَوْمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّثْلِيثِ لِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ شَهَادَاتِ الْأَنْبِيَاءِ]

- ‌[فَصْلٌ: إِسْقَاطُ احْتِجَاجِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى بَاطِلِهِمْ وَأَنَّ الْقُرْآنَ يُؤْخَذُ كُلُّهُ]

الفصل: ‌[فصل: تفنيد مراد النصارى بظهور الله في عيسى]

[فَصْلٌ: تَفْنِيدُ مُرَادِ النَّصَارَى بِظُهُورِ اللَّهِ فِي عِيسَى]

قَالُوا: وَلِذَلِكَ ظَهَرَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، إِذِ الْإِنْسَانُ أَجَلُّ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَلِهَذَا خَاطَبَ الْخَلْقَ، وَشَاهَدُوا مِنْهُ مَا شَاهَدُوا.

فَيُقَالُ: إِنِ ادَّعَيْتُمْ ظُهُورَهُ فِي عِيسَى كَمَا ظَهَرَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَكَمَا يَظْهَرُ فِي بُيُوتِهِ الَّتِي أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، وَذَلِكَ بِظُهُورِ نُورِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَذِكْرِ أَسْمَائِهِ وَعِبَادَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ حُلُولِ ذَاتِهِ فِي الْبَشَرِ وَلَا اتِّحَادِهِ بِهِ، فَهَذَا أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَسِيحِ وَغَيْرِهِ فَلَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهَذَا، وَهَذَا أَيْضًا قَدْ يُسَمَّى حُلُولًا، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ، وَهَذَا مَذْكُورٌ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، كَمَا فِي كُتُبِهِمْ فِي الْمَزْمُورِ الرَّابِعِ مِنَ الزَّبُورِ، يَقُولُ دَاوُدُ عليه السلام فِي مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ: وَلِيَفْرَحَ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَيْكَ إِلَى الْأَبَدِ، وَيَبْتَهِجُونَ، وَتَحُلُّ فِيهِمْ وَيَفْتَخِرُونَ. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَحُلُّ فِي الصَّالِحِينَ الْمَذْكُورِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا لَا اخْتِصَاصَ لِلْمَسِيحِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا - بِاتِّفَاقِهِمْ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ - أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ نَفْسِهِ تَتَّحِدُ بِالْبَشَرِ، وَيَصِيرُ اللَّاهُوتُ وَالنَّاسُوتُ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ،

ص: 332

وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَثِّلُونَ بِهِ الِاتِّحَادَ،، بَلْ هَذَا يُرَادُ بِهِ حُلُولُ الْإِيمَانِ بِهِ وَمَعْرِفَتُهُ، وَمَحَبَّتُهُ وَذِكْرُهُ وَعِبَادَتُهُ، وَنُورُهُ وَهُدَاهُ.

وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْ ذَلِكَ بِحُلُولِ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ} [الزخرف: 84] .

وَقَالَ تَعَالَى:

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 3] .

{وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الروم: 27] .

فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي قُلُوبِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ «مَا يَرْوِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَبِّهِ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي، وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» ، فَأَخْبَرَ أَنَّ شَفَتَيْهِ تَتَحَرَّكُ بِهِ أَيْ بِاسْمِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:

«عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ، فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .

ص: 333

فَقَالَ: لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ وَلَمْ يَقُل: لَوَجَدْتَنِي إِيَّاهُ، وَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ فِي قَلْبِهِ، وَالَّذِي فِي قَلْبِهِ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ.

«وَقَالَ تَعَالَى: عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا جَاعَ، فَلَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي» ، وَلَمْ يَقُلْ لَوَجَدْتَنِي قَدْ أَكَلْتُهُ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَن «عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا» .

وَفِي رِوَايَةٍ: فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ.

ص: 334

وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِالْحُلُولِ الْعَامِّ، أَوْ الِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوْ وَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ بِالْخَاصِّ مِنْ ذَلِكَ، كَأَشْبَاهِ النَّصَارَى.

وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، فَأَثْبَتَ ثَلَاثَةً: وَلِيًّا لَهُ، وَعَدُوًّا يُعَادِي وَلِيَّهُ، وَمَيَّزَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ وَلِيِّهِ، وَعَدُوِّ وَلَيِّهِ، فَقَالَ:«مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» ، وَلَكِنْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَلِيَّهُ الَّذِي وَالَاهُ فَصَارَ يُحِبُّ مَا يُحِبُّ وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُ، وَيُوَالِي مَنْ يُوَالِي وَيُعَادِي مَنْ يُعَادِي، فَيَكُونُ الرَّبُّ مُؤْذِنًا بِالْحَرْبِ لِمَنْ عَادَاهُ، بِأَنَّهُ مُعَادٍ لِلَّهِ.

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:

«وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» ، فَفَرَّقَ بَيْنَ الْعَبْدِ الْمُتَقَرِّبِ، وَالرَّبِّ الْمُتَقَرَّبِ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ بَعْدَ تَقَرُّبِهِ بِالنَّوَافِلِ وَالْفَرَائِضِ.

ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَعِنْدَ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الْعَامِّ أَوِ الْوَحْدَةِ: هُوَ صَدْرُهُ وَبَطْنُهُ وَظَهْرُهُ وَرَأْسُهُ وَشَعْرُهُ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ، أَوْ فِي كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ التَّقَرُّبِ وَبَعْدَهُ، وَعِنْدَ الْخَاصِّ وَأَهْلِ الْحُلُولِ صَارَ هُوَ، وَهُوَ كَالنَّارِ وَالْحَدِيدِ وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، لَا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ آلَةَ الْإِدْرَاكِ وَالْفِعْلِ.

ص: 335

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى:

«فَبِي يَسْمَعُ، وَبِي يُبْصِرُ، وَبِي يَبْطِشُ، وَبِي يَمْشِي» ، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ - الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي، وَالرَّسُولُ إِنَّمَا قَالَ: فَبِي، ثُمَّ قَالَ:«وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ» ، فَجَعَلَ الْعَبْدَ سَائِلًا مُسْتَعِيذًا، وَالرَّبَّ مَسْئُولًا مُسْتَعَاذًا بِهِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ الِاتِّحَادَ، وَقَوْلُهُ: فَبِي يَسْمَعُ مِثْلُ قَوْلِهِ: مَا تَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ، يُرِيدُ بِهِ الْمِثَالَ الْعِلْمِيَّ.

وَقَوْلُ اللَّهِ: فَيَكُونُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ أَيْ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَهُدَاهُ وَمُوَالَاتُهُ، وَهُوَ الْمَثَلُ الْعِلْمِيُّ، فَبِذَاكَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي.

وَالْمَخْلُوقُ إِذَا أَحَبَّ الْمَخْلُوقَ أَوْ عَظَّمَهُ أَوْ أَطَاعَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ بِمِثْلِ هَذَا، فَيَقُولُ: أَنْتَ فِي قَلْبِي وَفِي فُؤَادِي، وَمَا زِلْتَ بَيْنَ عَيْنَيَّ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْقَائِلِ:

مِثَالُكَ فِي عَيْنِي وَذِكْرُكَ فِي فَمِي

وَمَثْوَاكَ فِي قَلْبِي فَأَيْنَ تَغِيبُ

وَقَوْلُ الْآخَرِ:

وَمِنْ عَجَبِي أَنِّي أَحِنُّ إِلَيْهِمُ

وَأَسْأَلُ عَنْهُمْ مَنْ لَقِيتُ وَهُمْ مَعِي

وَتَطْلُبُهُمْ عَيْنِي وَهُمْ فِي سَوَادِهَا

وَيَشْتَاقُهُمْ قَلْبِي وَهُمْ بَيْنَ أَضْلُعِي

ص: 336

وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ مَعَ عِلْمِ الْعُقَلَاءِ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمُعَظَّمِ هُوَ فِي نَفْسِهِ لَيْسَتْ ذَاتَهُ فِي عَيْنِ مُحِبِّهِ وَلَا فِي قَلْبِهِ، وَلَكِنْ قَدْ يَشْتَبِهُ هَذَا بِهَذَا حَتَّى يَظُنَّ الْغَالِطُونَ أَنَّ نَفْسَ الْمَحْبُوبِ الْمَعْبُودِ فِي ذَاتِ الْمُحِبِّ الْعَابِدِ.

وَلِذَلِكَ غَلِطَ بَعْضُ الْفَلَاسِفَةِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّ ذَاتَ الْمَعْلُومِ الْمَعْقُولِ يَتَّحِدُ بِالْعَالِمِ الْعَاقِلِ، فَجَعَلُوا الْمَعْقُولَ وَالْعَقْلَ وَالْعَاقِلَ شَيْئًا وَاحِدًا، وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ حُلُولِ مِثَالِ الْمَعْلُومِ، وَبَيْنَ حُلُولِ ذَاتِهِ، وَهَذَا يَكُونُ لِضَعْفِ الْعَقْلِ وَقُوَّةِ سُلْطَانِ الْمَحَبَّةِ وَالْمَعْرِفَةِ، فَيَغِيبُ الْإِنْسَانُ بِمَعْبُودِهِ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَبِمَحْبُوبِهِ عَنْ مَحَبَّتِهِ، وَبِمَشْهُودِهِ عَنْ شَهَادَتِهِ، وَبِمَعْرُوفِهِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، فَيَفْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ شُهُودِ الْعَبْدِ، لَا أَنَّهُ نَفْسَهُ يَعْدَمُ وَيَفْنَى فِي مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي شُهُودِهِ، وَمِنْ هَذَا الْمَقَامِ إِذَا غَلِطَ قَدْ يَقُولُ مِثْلَ مَا يُحْكَى عَن أَبِي يَزِيدَ الْبَسْطَامِيِّ: سُبْحَانِي، أَوْ مَا فِي الْجُبَّةِ

ص: 337

إِلَّا اللَّهُ، وَفِي هَذَا تُذْكَرُ حِكَايَةٌ، وَهُوَ أَنَّ شَخْصًا كَانَ يُحِبُّ آخَرَ فَأَلْقَى الْمَحْبُوبُ نَفْسَهُ فِي مَاءٍ، فَأَلْقَى الْمُحِبُّ نَفْسَهُ خَلْفَهُ، فَقَالَ: أَنَا وَقَعْتُ فَلِمَ وَقَعْتَ أَنْتَ؟ فَقَالَ: غِبْتُ بِكَ عَنِّي، فَظَنَنْتُ أَنَّكَ أَنِّي، فَهَذَا الْعَبْدُ الْمُحِبُّ لَمَّا اسْتَوْلَى عَلَى قَلْبِهِ سُلْطَانُ الْمَحَبَّةِ صَارَ قَلْبُهُ مُسْتَغْرِقًا فِي مَحْبُوبِهِ، لَا يَشْهَدُ قَلْبُهُ غَيْرَ مَا فِي قَلْبِهِ وَغَابَ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُ الْمَحْبُوبِ، وَهَذَا أَهْوَنُ مِنْ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ ذَاتَ الْمَحْبُوبِ نَفْسُهُ.

فَهَذَا الظَّنُّ لِاتِّحَادِ الذَّاتِ أَوْ لِحُلُولِهَا ظَنٌّ غَالِطٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْمَسِيحَ أَوْ غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ هُوَ اللَّهُ، أَوْ إِنَّ اللَّهَ حَالٌّ فِيهِ قَدْ يَكُونُ غَلَطُهُمْ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ، لَمَّا سَمِعُوا كَلَامًا يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ فِي ذَاتِ الشَّخْصِ، وَجَعَلُوا فِعْلَ هَذَا فِعْلَ هَذَا، ظَنُّوا ذَاكَ اتِّحَادَ الذَّاتِ وَحُلُولَهَا.

وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ فِيهِ، وَاتِّحَادَ الْمَأْمُورِ بِهِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَالْمُوَالِي وَالْمُعَادِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] .

وَقَوْلِهِ:

{مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .

وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ هُوَ اللَّهُ، وَلَا لِأَنَّ نَفْسَهُ حَالٌّ فِي

ص: 338

الرَّسُولِ،، بَلْ لِأَنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَى عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ، وَيُبْغِضُ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ، وَيُوَالِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادِي أَعْدَاءَ اللَّهِ.

فَمَنْ بَايَعَهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّمَا بَايَعَ اللَّهَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ فَإِنَّمَا أَطَاعَ اللَّهَ.

وَكَذَلِكَ الْمَسِيحُ وَسَائِرُ الرُّسُلِ؛ إِنَّمَا يَأْمُرُونَ بِمَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، وَيَنْهَوْنَ عَمَّا يَنْهَى اللَّهُ عَنْهُ وَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، وَيُعَادُونَ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَمَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ صَدَّقَهُمْ فَقَبِلَ مِنْهُمْ مَا أَخْبَرُوا بِهِ، فَقَدْ قَبِلَ عَنِ اللَّهِ، وَمَنْ وَالَاهُمْ فَقَدْ وَالَى اللَّهَ، وَمَنْ عَادَاهُمْ وَحَارَبَهُمْ فَقَدْ عَادَى اللَّهَ وَحَارَبَ اللَّهَ، وَمَنْ تَصَوَّرَ هَذِهِ الْأُمُورَ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ لَفْظَ الْحُلُولِ قَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى صَحِيحٍ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَعْنًى فَاسِدٍ.

وَكَذَلِكَ حُلُولُ كَلَامِهِ فِي الْقُلُوبِ، وَلِذَلِكَ كَرِهَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ

ص: 339

الْكَلَامَ فِي لَفْظِ حُلُولِ الْقُرْآنِ فِي الْقُلُوبِ، كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الشَّيْءَ لَهُ وُجُودٌ فِي نَفْسِهِ هُوَ، وَلَهُ وُجُودٌ فِي الْمَعْلُومِ وَالْأَذْهَانِ، وَوُجُودٌ فِي اللَّفْظِ وَاللِّسَانِ، وَوُجُودٌ فِي الْخَطِّ وَالْبَيَانِ، وَوُجُودٌ عَيْنِيٌّ شَخْصِيٌّ، وَعِلْمِيٌّ وَلَفْظِيٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَذَلِكَ كَالشَّمْسِ مَثَلًا فَلَهَا تَحَقُّقٌ فِي نَفْسِهَا، وَهِيَ الشَّمْسُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِلَفْظِ الشَّمْسِ، وَيُكْتَبُ بِالْقَلَمِ الشَّمْسُ.

وَالْمَقْصُودُ بِالْكِتَابَةِ مُطَابَقَةُ اللَّفْظِ، وَبِاللَّفْظِ مُطَابَقَةُ الْعِلْمِ، وَبِالْعِلْمِ مُطَابَقَةُ الْمَعْلُومِ، فَإِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ فِي كِتَابٍ خَطَّ الشَّمْسِ، أَوْ سَمِعَ قَائِلًا يَذْكُرُ قَالَ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ جَعَلَهَا اللَّهُ سِرَاجًا وَهَّاجًا، وَهَذِهِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ مِنَ الْمَشْرِقِ وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ، فَهُوَ يُشِيرُ إِلَى مَا سَمِعَهُ مِنَ اللَّفْظِ وَرَآهُ مِنَ الْخَطِّ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ نَفْسَ اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ الشَّمْسَ الَّتِي تَطْلُعُ وَتَغْرُبُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَا يُقْصَدُ بِالْخَطِّ وَاللَّفْظِ وَيُرَادُ بِهِمَا، وَهُوَ الْمَدْلُولُ الْمُطَابِقُ لَهُمَا، وَكَذَلِكَ قَدْ يُرَى اسْمُ اللَّهِ مَكْتُوبًا فِي كِتَابٍ، وَمَعَهُ اسْمُ صَنَمٍ، فَيَقُولُ: آمَنْتُ بِهَذَا، وَكَفَرْتُ بِهَذَا، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِاللَّهِ كَافِرٌ بِالصَّنَمِ، فَيُشِيرُ إِلَى اسْمِهِ الْمَكْتُوبِ وَمُرَادِهِ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ، وَكَذَلِكَ إِذَا سَمِعَ مَنْ يَذْكُرُ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى قَالَ: هَذَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَمُرَادُهُ: الْمُسَمَّى بِتِلْكَ الْأَسْمَاءِ، وَمِنْ هَذَا «قَوْلُ أَنَسِ بْنِ

ص: 340

مَالِكٍ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّهُ سَطْرٌ» .

وَمُرَادُهُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْخَطُّ لِهَذَا وَهَذَا وَهَذَا، لَا اللَّفْظُ وَلَا الْمُسَمَّى.

وَمِمَّا يُشْبِهُ هَذَا مَا يُرَى فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ، مِثْلُ أَنْ يُرَى الشَّمْسُ أَوْ غَيْرُهَا فِي مَاءٍ أَوْ مِرْآةٍ، فَيُشَارُ إِلَى الْمَرْئِيِّ فَيُقَالُ: هَذَا الشَّمْسُ، وَهَذَا وَجْهِي أَوْ وَجْهُ فُلَانٍ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ نَفْسَ الشَّمْسِ أَوْ وَجْهَهُ أَوْ وَجْهَ فُلَانٍ حَلَّ فِي الْمَاءِ أَوِ الْمِرْآةِ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ هُوَ الشَّمْسَ وَهُوَ الْوَجْهَ - ذَكَرَهُ، ثُمَّ قَدْ يُقَالُ: رَآهُ رُؤْيَةً مُقَيَّدَةً فِي الْمَاءِ، أَوِ الْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَآهُ بِوَاسِطَةِ الْمَاءِ وَالْمِرْآةِ، وَقَدْ يُقَالُ: رَأَى مِثَالَهُ وَخَيَالَهُ الْمُحَاكِيَ لَهُ، وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِالرُّؤْيَةِ هُوَ نَفْسُهُ، وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَا فِي الْقُلُوبِ مِنَ الْمِثَالِ الْعِلْمِيِّ الْمُطَابِقِ لِلْمَعْلُومِ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنَ اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ أَقْرَبُ مِنَ الْخَطِّ، فَإِذَا كَانَ قَدْ يُشَارُ إِلَى اللَّفْظِ وَالْخَطِّ، وَالْمُرَادُ هُوَ نَفْسُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطُّ وَاللَّفْظُ هُوَ ذَاتَهُ، بَلْ بِهِ ظَهَرَ وَعُرِفَ، فَلَأَنْ يُشَارَ إِلَى مَا فِي الْقَلْبِ، وَيُرَادَ بِهِ الْمَعْرُوفُ الَّذِي ظَهَرَ لِلْقَلْبِ وَتَجَلَّى لِلْقَلْبِ، وَصَارَ نُورُهُ فِي الْقَلْبِ - بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

ص: 341

وَالْعُقَلَاءُ إِنَّمَا تَتَوَجَّهُ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْمَقْصُودِ الْمُرَادِ دُونَ الْوَسَائِلِ، وَيُعَبِّرُونَ بِعِبَارَاتٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ لِظُهُورِ مُرَادِهِمْ بِهَا، كَمَا يَقُولُونَ لِمَنْ يَعْرِفُ عِلْمَ غَيْرِهِ، أَوْ لِمَنْ يَأْمُرُ بِأَمْرِهِ، وَيُخْبِرُ بِخَبَرِهِ، هَذَا فُلَانٌ، فَإِذَا كَانَ مَطْلُوبُهُمْ عِلْمَ عَالِمٍ أَوْ طَاعَةَ أَمِيرٍ، فَجَاءَ نَائِبُهُ الْقَائِمُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، قَالُوا: هَذَا فُلَانٌ، أَيِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ هُوَ مَعَ هَذَا، فَالِاتِّحَادُ الْمَقْصُودُ بِهِمَا يُعَبِّرُونَ عَنْ أَحَدِهِمَا بِلَفْظِ الْآخَرِ.

كَمَا يُقَالُ: عِكْرِمَةُ هُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو يُوسُفَ هُوَ

ص: 342

أَبُو حَنِيفَةَ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا يُذْكَرُ عَنِ الْمَسِيحِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: أَنَا وَأَبِي وَاحِدٌ، مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى أَبِي.

«وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِيمَا حَكَاهُ عَنْ رَسُولِهِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي» ، وَيُشْبِهُهُ قَوْلُهُ:

{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ} [الفتح: 10] .

فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْكَلَامِ، فَإِنَّهُ تَنْحَلُّ بِهِ إِشْكَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، فَإِنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَكَلَامِ الْمَخْلُوقِينَ، فِي عَامَّةِ الطَّوَائِفِ مَعَ ظُهُورِ الْمَعْنَى وَمَعْرِفَةِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ ذَاتَ أَحَدِهُمَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ.

، بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ يُطْلَقُ لَفْظُ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُرَادُ بِهِ مَعْنًى صَحِيحٌ، كَمَا يُقَالُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ بَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، إِذَا كَانَا مُتَّفِقَيْنِ فِيمَا يُحِبَّانِ وَيُبْغِضَانِ، وَيُوَالِيَانِ وَيُعَادِيَانِ، فَلَمَّا اتَّحَدَ مُرَادُهُمَا وَمَقْصُودُهُمَا صَارَ يُقَالُ هُمَا مُتَّحِدَانِ، وَبَيْنَهُمَا اتِّحَادٌ، وَلَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ ذَاتَ هَذَا اتَّحَدَتْ بِذَاتِ الْآخَرِ، كَاتِّحَادِ النَّارِ وَالْحَدِيدِ، وَالْمَاءِ وَاللَّبَنِ، أَوِ النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُ الْحُلُولِ، وَالسُّكْنَى، وَالتَّخَلُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ:

ص: 343

قَدْ تَخَلَّلْتَ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنِّي

وَبِذَا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خَلِيلًا

وَالْمُتَخَلِّلُ مَسْلَكَ الرُّوحِ مِنْهُ هُوَ مَحَبَّتُهُ لَهُ وَشُعُورُهُ بِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، لَا نَفْسُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:

سَاكِنٌ فِي الْقَلْبِ يَعْمُرُهُ

لَسْتُ أَنْسَاهُ فَأَذْكُرُهُ

وَالسَّاكِنُ فِي الْقَلْبِ هُوَ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ وَمَحَبَّتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَتَسْكُنُ فِي الْقَلْبِ مَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ لَا عَيْنُ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْآخَرِ:

إِذَا سَكَنَ الْغَدِيرُ عَلَى صَفَاءٍ

وَجُنِّبَ أَنْ يُحَرِّكَهُ النَّسِيمُ

بَدَتْ فِيهِ السَّمَاءُ بِلَا امْتِرَاءٍ

كَذَاكَ الشَّمْسُ تَبْدُو وَالنُّجُومُ

كَذَاكَ قُلُوبُ أَرْبَابِ التَّجَلِّي

يُرَى فِي صَفْوِهَا اللَّهُ الْعَظِيمُ

وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، يُرَادُ بِذَلِكَ: إِلَّا ذِكْرُهُ وَمَعْرِفَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَخَشْيَتُهُ وَطَاعَتُهُ، وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ، أَيْ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ مَا فِي قَلْبِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ مَا فِي قَلْبِهِ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، وَيُقَالُ: فُلَانٌ مَا عِنْدَهُ إِلَّا فُلَانٌ، إِذَا كَانَ يَلْهَجُ بِذِكْرِهِ، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى غَيْرِهِ.

وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ، مَعَ عِلْمِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُسْتَمِعِ أَنَّ ذَاتَ فُلَانٍ لَمْ تَحُلَّ فِي هَذَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَتَّحِدَ بِهِ، وَهُوَ كَمَا يُقَالُ عَنِ الْمِرْآةِ إِذَا

ص: 344

لَمْ تُقَابِلْ إِلَّا الشَّمْسَ: مَا فِيهَا إِلَّا الشَّمْسُ، أَيْ لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا غَيْرُ الشَّمْسِ.

وَأَيْضًا فَلَفْظُ الْحُلُولِ يُرَادُ بِهِ حُلُولُ ذَاتِ الشَّيْءِ تَارَةً، وَحُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَمِثَالِهِ الْعِلْمِيِّ تَارَةً كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَعِنْدَهُمْ فِي النُّبُوَّاتِ أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي غَيْرِ الْمَسِيحِ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ ذَاتَ الرَّبِّ حَلَّتْ فِيهِ، بَلْ يُقَالُ فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي قَلْبِي وَحَالٌّ فِي قَلْبِي وَهُوَ فِي سِرِّي، وَسُوَيْدَاءِ قَلْبِي، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا حَلَّ فِيهِ مِثَالُهُ الْعِلْمِيُّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكَانَ إِذَا خَلَا مِمَّنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ ذِكْرُ اللَّهِ وَلَا حَلَّتْ فِيهِ عِبَادَتُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، فَإِذَا صَارَ فِي الْمَكَانِ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيَعْبُدُهُ وَيَذْكُرُهُ ظَهَرَ فِيهِ ذِكْرُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَحَلَّ فِيهِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَعِبَادَتُهُ وَذِكْرُهُ، وَهُوَ بَيْتُ اللَّهِ عز وجل فَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِيهِ، وَهُوَ حَالٌّ فِيهِ.

كَمَا يُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ، وَحَالٌّ فِيهِم، وَالْمُرَادُ بِهِ حُلُولُ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَوَاهِدُ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ الرَّبُّ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ نُورُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَعُبِّرَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ حَالٌّ فِيهِمْ وَهُمْ حَالُّونَ فِي الْمَسْجِدِ - قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَالٌّ فِيهِ، بِهَذَا الْمَعْنَى، كَمَا يُقَالُ: اللَّهُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ، مَا عِنْدَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:«أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ» .

وَمِمَّا يَزِيدُ ذَلِكَ إِيضَاحًا مَا يَرَاهُ النَّائِمُ مِنْ بَعْضِ الْأَشْخَاصِ فِي

ص: 345

مَنَامِهِ، فَيُخَاطِبُهُ وَيَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ وَيُخْبِرُهُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فُلَانًا فِي مَنَامِي فَقَالَ لِي: كَذَا، وَقُلْتُ لَهُ: كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا، وَفَعَلْتُ كَذَا، وَيَذْكُرُ أَنْوَاعًا مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ.

وَقَدْ يَكُونُ فِيهَا عُلُومٌ وَحِكَمٌ وَآدَابٌ يُنْتَفَعُ بِهَا غَايَةَ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الشَّخْصُ الَّذِي رَأَى فِي الْمَنَامِ حَيًّا، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِأَنَّ ذَاكَ رَآهُ فِي مَنَامِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ شَاعِرًا بِأَنَّهُ قَالَ أَوْ فَعَلَ، وَقَدْ يَقُصُّ الرَّائِي عَلَيْهِ رُؤْيَاهُ، وَيَقُولُ لَهُ الرَّائِي: يَا سَيِّدِي رَأَيْتُكَ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتَ لِي: كَذَا، وَأَمَرْتَنِي بِكَذَا، وَنَهَيْتَنِي عَنْ كَذَا، وَالْمَرْئِيُّ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ، وَلَا يَشْعُرُ بِهِ، لِأَنَّ الْمَرْئِيَّ الَّذِي حَلَّ فِي قَلْبِ الرَّائِي هُوَ الْمِثَالُ الْعِلْمِيُّ الْمُطَابِقُ لِلْعَيْنِيِّ، كَمَا يَرَى الرَّائِي فِي الْمِرْآةِ أَوِ الْمَاءِ الشَّخْصَ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ، فَهُوَ الْمَقْصُودُ، وَبَعْضُ الْمَرْئِيِّينَ فِي الْمَنَامِ قَدْ يَدْرِي بِأَنَّهُ رُئِيَ فِي الْمَنَامِ وَيُكَاشِفُ بِذَلِكَ الرَّائِيَ كَمَا قَدْ يُكَاشِفُهُ بِأُمُورٍ أُخْرَى، لَا لِأَنَّهُ نَفْسَهُ حَلَّ فِيهِ.

وَالرُّؤْيَا إِذَا كَانَتْ صَادِقَةً كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ وَالْعَمَلُ مُنَاسِبًا لِحَالِ الْمَرْئِيِّ، مِمَّا هُوَ عَادَتُهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ بِنَفْسِهِ، فَمَثَّلَ لِلرَّائِي مِثَالَهُ قَائِلًا لَهُ وَفَاعِلًا؛ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ فَيَنْتَفِعُ بِذَلِكَ الرَّائِي، كَمَا يُحْكَى لِلْإِنْسَانِ قَوْلُ غَيْرِهِ وَعَمَلُهُ لِيَعْرِفَ بِذَلِكَ نَفْسَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ الْمَحْكِيِّ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا بِالْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، إِمَّا فِي الْيَقَظَةِ وَإِمَّا فِي الْمَنَامِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ عَيْنَ هَذَا لَيْسَ عَيْنَ هَذَا،

ص: 346

وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّهُ إِذَا رَأَى شَخْصًا فِي مَنَامِهِ بِأَنَّ ذَاتَهُ نَفْسَهَا حَلَّتْ فِيهِ دَلَّ عَلَى جَهْلِهِ؛ فَإِنَّ الْمَرْئِيَّ كَثِيرًا مَا يَكُونُ حَيًّا وَهُوَ لَا يَشْعُرُ بِمَنْ رَآهُ، ذَلِكَ لَا رُوحُهُ تَشْعُرُ وَلَا جِسْمُهُ، فَلَا يَتَوَهَّمُ أَنَّ ذَاتَ رُوحِهِ تَمَثَّلَتْ فِي صُورَتِهِ الْجِسْمِيَّةِ لِلنَّائِمِ، بَلِ الْمُمَثَّلُ فِي نَفْسِ الرَّائِي مِثْالٌ مُطَابِقٌ لَهُ وَجِسْمُهُ وَرُوحُهُ حَيْثُ هُمَا.

ثُمَّ الرُّؤْيَا قَدْ تَكُونُ مِنَ اللَّهِ، فَتَكُونُ حَقًّا، وَقَدْ تَكُونُ مِنَ الشَّيْطَانِ، كَمَا ثَبَتَ تَقْسِيمُهَا إِلَى هَذَيْنِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالشَّيْطَانُ كَمَا قَدْ يَتَمَثَّلُ فِي الْمَنَامِ بِصُورَةِ شَخْصٍ فَقَدْ يَتَمَثَّلُ أَيْضًا فِي الْيَقَظَةِ بِصُورَةِ شَخْصٍ يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، يُضِلُّ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، كَمَا يَجْرِي لِكَثِيرٍ مِنْ مُشْرِكِي الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ إِذَا مَاتَ مَيِّتُهُمْ يَرَوْنَهُ قَدْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَضَى دُيُونًا، وَرَدَّ وَدَائِعَ وَأَخْبَرَهُمْ بِأُمُورٍ عَنْ مَوْتَاهُم، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَقَدْ يَأْتِيهِمْ فِي صُورَةِ مَنْ يُعَظِّمُونَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَيَقُولُ: أَنَا فُلَانٌ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ.

وَقَدْ يَقُومُ شَيْخٌ مِنَ الشُّيُوخِ، وَيُخْلِفُ مَوْضِعَهُ شَخْصًا فِي صُورَتِهِ يُسَمُّونَهُ رُوحَانِيَّةَ الشَّيْخِ وَرَفِيقَهُ، وَهُوَ جِنِّيُّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ، وَهَذَا

ص: 347

يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ الرُّهْبَانِ وَغَيْرِ الرُّهْبَانِ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمْ فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَقُولُ لَهُ: أَنَا الْخَلِيلُ، أَوْ أَنَا مُوسَى، أَوْ أَنَا الْمَسِيحُ، أَو مُحَمَّدٌ، أَوْ أَنَا فُلَانٌ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، أَوِ الْحَوَارِيِّينَ، وَيَرَاهُ طَائِرًا فِي الْهَوَاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ، وَلَا تَكُونُ تِلْكَ الصُّورَةُ مِثْلَ صُورَةِ ذَلِكَ الشَّخْصِ.

وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي حَقًّا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي» ، فَرُؤْيَتُهُ فِي الْمَنَامِ حَقٌّ، وَأَمَّا فِي الْيَقَظَةِ فَلَا يُرَى بِالْعَيْنِ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْمَوْتَى، مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَدْ يَرَى فِي الْيَقَظَةِ مَنْ يَظُنُّهُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، إِمَّا عِنْدَ قَبْرِهِ وَإِمَّا عِنْدَ غَيْرِ قَبْرِهِ.

وَقَدْ يَرَى الْقَبْرَ انْشَقَّ، وَخَرَجَ مِنْهُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، فَيَظُنُّ أَنَّ الْمَيِّتَ نَفْسَهُ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ، أَوْ أَنَّ رُوحَهُ تَجَسَّدَتْ وَخَرَجَتْ مِنَ الْقَبْرِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ جِنِّيٌّ تَصَوَّرَ فِي صُورَتِهِ لِيُضِلَّ ذَلِكَ الرَّائِيَ، فَإِنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ مِمَّا

ص: 348

تَكُونُ تَحْتَ التُّرَابِ وَيَنْشَقُّ عَنْهَا التُّرَابُ، فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ، فَلَا يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إِلَى شَقِّ التُّرَابِ، وَالْبَدَنُ لَمْ يَنْشَقَّ عَنْهُ التُّرَابُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ تَخْيِيلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ جَرَى مِثْلُ هَذَا لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ.

وَيَظُنُّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَرَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيَكُونُ مِنْ إِضْلَالِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، مِثْلِ الْفُرْقَانِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ، وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ص: 349