الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ: وُجُوبُ مُحَاجَّةِ الظَّالِمِينَ مِنْ مُشْرِكِينَ وَأَهْلِ كِتَابِ]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] .
الْآيَةَ، فَهَذَا لَيْسَ خِطَابًا لِلنَّصَارَى خُصُوصًا، بَلْ هُوَ خِطَابٌ لِلْجَمِيعِ، وَهَؤُلَاءِ النَّصَارَى ظَنُّوا أَنَّ مَعْنَى هَذَا لَا تُحَاجُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ، كَمَا ظَنُّوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46] .
أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ - أَيِ النَّصَارَى - إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا، أَيِ الْيَهُودَ اهـ.
وَهَذَا تَحْرِيفُ كَلِمِ اللَّهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَهُوَ شَبِيهٌ بِتَحْرِيفِهِمْ لِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ، وَسَائِرِ النُّبُوَّاتِ، فَإِنَّهُمْ أَعْظَمُ تَسَلُّطًا عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِيهَا مِنْهُمْ عَلَى تَحْرِيفِ مَعَانِي
الْقُرْآنِ، إِذْ كَانَ الْقُرْآنُ لَهُ أُمَّةٌ تَحْفَظُهُ، وَتَعْرِفُ مَعَانِيَهُ، وَتَذُبُّ عَنْهُ مَنْ يُحَرِّفُ لَفْظَهُ أَوْ مَعْنَاهُ.
وَأَمَّا تِلْكَ الْكُتُبُ فَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَذُبُّ عَنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا، فَلِهَذَا عَظُمَ تَحْرِيفُهُمْ لَهَا، وَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ لِلْقُرْآنِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنَّصَارَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، وَالسُّوَرُ الْمَكِّيَّةُ كَانَتْ تَتَنَاوَلُ مَنْ لَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ، لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ كَانَتْ تَعُمُّ الْأُمَمَ أَوْ تَخْتَصُّ بِالْمُشْرِكِينَ.
وَالسُّوَرُ الْمَدَنِيَّةُ خِطَابُهَا تَارَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَارَةً تَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنِينَ وَتَارَةً تَعُمُّ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
{كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى: 13] .
وَقَالَ - تَعَالَى -:
فَالْخِطَابُ إِمَّا أَنْ يَعُمَّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلَ الْكِتَابِ، أَوْ يَخُصُّ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَبِكُلِّ تَقْدِيرٍ فَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ النَّصَارَى بِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -:
{لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] .
فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى:
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} [البقرة: 139] .
وَقَوْلِهِ:
فَالْحُجَّةُ اسْمٌ لِمَا يُحْتَجُّ بِهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ كَقَوْلِهِ.
{لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [البقرة: 150] .
فَإِنَّ الظَّالِمِينَ يَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِحُجَّةٍ بَاطِلَةٍ كَقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا حُوِّلَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ قَدْ عَادَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ فَسَوْفَ يَعُودُ إِلَى مِلَّتِكُمْ،
فَهَذِهِ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ مِنَ الظَّالِمِينَ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ:
فَسَمَّاهَا حُجَّةً وَجَعَلَهَا دَاحِضَةً، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ هُمُ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ.
فَهُمْ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَالَ عَنِ النَّصَارَى:
فَكَانَ الْكُفَّارُ يُحَاجُّونَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَرُدُّوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، كَمَا يُؤْذُونَهُمْ، فَهَؤُلَاءِ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ، وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ.
وَمُحَاجَّتُهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَابِ الظُّلْمِ لَهُمْ وَالْعُدْوَانِ عَلَيْهِمْ وَقَوْلِ الْبَاطِلِ، فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يَقُولَ:{لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} [الشورى: 15] .
أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَظْلِمُونَا، وَتَعْتَدُوا عَلَيْنَا بِحُجَّتِكُمُ الدَّاحِضَةِ،
وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّا نَحْنُ لَا نُحَاجُّكُمْ، وَنَدْعُوكُمْ إِلَى الْحَقِّ بِالْحُجَجِ الصَّحِيحَةِ.
فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ:
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .
فَأَمَرَهُ - تَعَالَى - أَنْ يُجَادِلَ أَهْلَ دَعْوَتِهِ مُطْلَقًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَهْلِ الْكِتَابِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -:
{وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46] .
فَإِنَّ الظَّالِمَ بَاغٍ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَابَلَ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، لَا يَجِبُ الِاقْتِصَارُ مَعَهُ عَلَى الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَظْلِمْ، فَإِنَّهُ لَا يُجَادَلُ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، كَمَا فِي نَظَائِرِهِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
{وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5] الْآيَةَ. وَقَوْلِهِ:
{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ} [البينة: 1] .
وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
وَالظَّالِمُ يَكُونُ ظَالِمًا بِتَرْكِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ مِنَ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَالْكَلَامِ بِلَا عِلْمٍ فَإِذَا ظَهَرَ لَهُ الْحَقُّ فَعَنَدَ عَنْهُ كَانَ ظَالِمًا.
وَذَلِكَ مِثْلُ الْأَلَدِّ فِي الْخِصَامِ قَالَ - تَعَالَى -:
{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] .
وَقَالَ:
{يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} [الأنفال: 6] .
وَقَالَ:
{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} [آل عمران: 66] .