الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلقَه، فإن النفسَ مضطرة إلى من يُحَصِّل لها ما ينفعها، ويدفع عنها ما يضرها، فإن لم تطلب ذلك من الله طلبته
(1)
من غيره. ولهذا يُوجد من يحض على ترك دعاء الله، ومدح
(2)
من يفعله سائلًا للخلق، فيرغبون عن دعاء الخالق ويدعون المخلوقين، وهذا
(3)
حال المشركين.
الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات
والسكنات
(4)
والكلمات والإرادات والخطَرات؛ من
(5)
الشكوك والظنون والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب).
فهذا الدعاء ينافي حال من يقول: «علمُك حسبي» ، فمن اكتفى بالعلم لم يسأل.
ثم يُقال: هذا الدعاء لا يجوز لأحدٍ أن يدعو به، بل هو من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه بقوله:{رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)}
(6)
[الأعراف: 55].
قال أبو مِجْلَز
(7)
(1)
(ت): «يطلب
…
طلبه».
(2)
(م): «يمدح» .
(3)
(م): «هذه» .
(4)
«والسكنات» سقطت من (م).
(5)
كتب تحتها في (م) بخط دقيق: «بيان الخطرات» .
(6)
انظر «الاستقامة» : (2/ 130 - وما بعدها) للمصنف، و «بدائع الفوائد»:(3/ 853 - 856) لابن القيم.
(7)
أخرجه ابن جرير: (10/ 249)، وابن أبي حاتم:(5/ 1500).
وأبو مِجْلَز ــ بكسر الميم وسكون الجيم ــ هو: لاحق بن حُميد بن سعيد السدوسي البصري، من التابعين (ت 106). ترجمته في «تهذيب الكمال»:(7/ 507). وعلى طرة النسخة ترجمة موجزة له بخط دقيق.
فإذا كان مَن دون الأنبياء ليس له أن يسأل منازَل الأنبياء، فكيف إذا سأل ما هو من خصائص الإلهية؟ !
ولا ريب أن رفعَ الأمور الساترة عن مطالعة الغيوب مطلقًا لا يحصل
(1)
لغير الله تعالى، فإنه عالِمُ الغيبِ والشهادة، وإنما أَطْلَعَ مَن شاء من خلقه على قليل مما يشاء
(2)
من علمه، كما قال تعالى:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ} [البقرة: 255]، وقال:{أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [الإسراء: 85].
وفي «الصحيحين»
(3)
فإذا كان موسى الذي قال الله فيه
(4)
: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145]، والخضر الذي قال فيه:{آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} [الكهف: 65] عِلْمُهما في القِلَّة بهذه النسبة، فكيف بمن هو دونهما
(5)
؟ !
(1)
(ت): «يُجْعَل» .
(2)
(م): «على ما يشاء» .
(3)
أخرجه البخاري (122)، ومسلم (2380) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(4)
(ت): «عنه» .
(5)
(ت): «من دونهما» .
وقد قال تعالى لأفضل خلقه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21)} إلى قوله: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا}
(1)
[الجن: 21 - 27]، وقال له:{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ [م 5] إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأنعام: 50].
ثم لو قُدِّر أنَّ هذا الدعاء يَسُوغ
(2)
أن يدعوَ به نبيٌّ ــ وإن كان هذا تقديرًا ممتنعًا ــ فهل يسوغ أن يُشرع
(3)
لآحاد العامَّة أن يدعو بهذا؟ وهل هذا إلا كمن يقول: اللهم اجعلني أعلمُ ما تَعْلَم، واجعلني مثلك؟!
ولهذا كان طائفة من المنتسبين إلى الشاذلي يقولون: إنَّ الغَوثَ الفَرْدَ القطبَ الجامعَ يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر عليه
(4)
!!
ويقولون:
(1)
سياق الآيات في (ت): {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا} إلى قوله: {فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} الآية.
(2)
(ت): «يُشرع» .
(3)
«أن يشرع» من (ت).
(4)
وقد نُقِل عن الشاذلي نفسه في أوصاف «الغوث الفرد
…
» ما هو من صفات الألوهية، وما لا يمكن أن يكون في طاقة البشر. وقد وصف غير واحد من تلاميذ الشاذلي شيخَهم بذلك الوصف. انظر «لطائف المنن» (ص 76 وما بعدها) لابن عطاء الله السكندري، و «الطبقات الكبرى»:(2/ 4، 7) للشعراني، و «أبو الحسن الشاذلي»:(1/ 193) لعلي عمار.
وقيل: إن الشاذلي ادعى هذه المنزلة ــ أي: الغوث الفرد القطب الجامع ــ لنفسه، فنُقِل عنه أنه قال: سألت الله أن يكون القطب الغوث في بيتي إلى يوم القيامة، فسمعت النداء: يا علي قد اسْتُجِيب لك! انظر «المفاخر» (ص 105)، ونحوه في «لطائف المنن» (ص 76).
قال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» : (27/ 102): «وأما إن قصد القائل بقوله: «القطب الغوث الفرد الجامع» أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضًا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية.
ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان، فتسميته بـ «القطب الغوث الجامع» بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعض الناس أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان» اهـ. وانظر «فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد - ضمن جامع المسائل»:(2/ 71 وما بعدها).
إن النبي صلى الله عليه وسلم كان هكذا، ثم انتقل ذلك السرُّ إلى الحسن بن علي، ثم انتقل إلى ذريته
(1)
، حتى انتهى إلى الشيخ أبي الحسن، ثم انتقل إلى ابنه
(2)
.
وكان بعضُ أعيان المدَرِّسين الذين قدموا إلى الشام يذكر ذلك ويبوحُ به لمن يجتمعُ به من أصحابه الفضلاء، حتى أخبروني بذلك، وكان هذا الشخص
(3)
يجتمع بي، فبينت له فسادَ هذا الكلام، وما فيه من الخروج عن دين الإسلام
(4)
.
(1)
(ت): «ذلك في ذريته» .
(2)
ذكره أبو العباس المرسي عن شيخه الشاذلي، نقله عنه الشعراني في «طبقاته»:(2/ 14)، وذكر المصنف نحوه في «مجموع الفتاوى»:(27/ 103) و «الرد على البكري» (ص 207 - 208).
(3)
«هذا الشخص» ليست في (ت).
(4)
ذكر المصنف هذه الحادثة في «الفتاوى ــ زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور» : (27/ 103) عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا، وذكر أنه بيَّن له فساد قوله. وذكره في «الرد على البكري» (ص 208) عن آخر من (الصوفية) يباشر التدريس ويُنْسب إلى الفتيا، ولم يذكر أنه ناظره.
ولما كان شيخ الإسلام ابن تيمية في مصر بين سنتي (705 - 712) وقع بينه وبين أنواع الصوفية والمبتدعة مناظرات ومنازعات كثيرة، ومن هؤلاء الذين نازعهم ونازعوه تاج الدين ابن عطاء الله السكندري (ت 709) تلميذ أبي العباس المرسي ــ المتقدم ذكره ــ وصاحب «لطائف المنن» . انظر «الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية» (ص 182، 214، 426، 477، 507، 537).
ولا ريب أن هذا القول شرٌّ من قول النصارى من بعض الوجوه، فإنَّ النصارى ادَّعوا هذا الغلوَّ في المسيح وحْدَه، فمن قال: إن كثيرًا من الناس يعلم ما يعلمه الله، ويَقْدر على ما يقدر الله عليه، فقد قال في كثيرٍ من الناس ما يضاهي قولَ النصارى في المسيح ابن مريم
(1)
.
ويحكون عن هذا الشيخ ــ أبي الحسن
(2)
ــ حكايات لا تخلو من شيئين: إما كذب من الناقل، أو خطأ من القائل، مثل قوله: ما من وليٍّ لله كان أو يكون إلى آخر الدهر إلا وأنا أعرفه، وأعرف اسمه، واسم أبيه، ومرتبته من الله
(3)
. ونحو هذا الكلام الذي لا يجوز أن يدعيه أحدٌ من الأنبياء، فإن أفضل
(1)
«ابن مريم» من (م)، وفي (ت):«عليه الصلاة والسلام» .
(2)
«أبي الحسن» من (م).
(3)
في «لطائف المنن» (ص 91)، و «طبقات الشعراني»:(2/ 14) عن أبي الحسن الشاذلي أنه قال للناس: «عليكم بالشيخ أبي العباس ــ يعني المرسي تلميذه ــ فوالله إنه ليأتيه البدوي يبول على ساقيه، فلا يمشي إلا وقد أوصله إلى الله تعالى. ووالله ما من وليّ لله كان أو هو كائن إلا وقد أظهره الله عليه وعلى اسمه ونسبه وحسبه وحظه من الله تعالى عز وجل» اهـ.
الخلق وأكرمهم على الله [ت 18] محمد صلى الله عليه وسلم لا يعرف أمَّتَه يوم القيامة إلا بالسِّيما الظاهرة، كما في الحديث الصحيح لمَّا قيل له: كيف تعرف من لم يأتِ بعدُ
(1)
من أمتك؟ قال: «أرأيتم لو أن لرجل خيلًا غُرًّا
(2)
مُحَجَّلة في خيل دُهْم بُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَه؟ » قالوا: بلى يا رسول الله، قال:«فإنكم تأتونَ يومَ القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من آثارِ الوضوء»
(3)
.
وقد قال الله تعالى في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
(4)
: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78]، وكلّ نبيٍّ وليٌّ لله، فإذا كان أعلم الخلق وأعلاهم قدرًا لا يعلم كلَّ نبيٍّ لله، فكيفَ يعلمُ غيرُه كلَّ وليٍّ لله؟ ! وقد قال تعالى:{وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]. والمنافقون كانوا يُظهرون الإسلام
(5)
، فإذا كان لا يميِّز فيمن يشاهده بين
(6)
مَن هو مؤمن ومَن هو منافق، فكيف
(7)
والعلم بالإيمان العام أيسر من العلم بالولاية الخاصة؟ ! فكيف يعلم كلَّ مَن كان ويكون إلى يوم القيامة من أولياء الله؟ !
(1)
(م): «بعدك» . والمثبت من «الصحيح» وغيره، ولفظ النسائي (150)، وابن حبان (1046) وغيرهم: «من يأتي بعدك
…
».
(2)
(م): «لو كان لرجل خيل محجلة» . و «بهم» ليست في (ت).
(3)
أخرجه مسلم (249) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
(م): «قال الله تعالى له» .
(5)
(ت): «مظهرين للإسلام» .
(6)
تصحفت «بين» في (م) إلى «من» .
(7)
سقطت من (ت).
وقد قال تعالى: {وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ [م 6] وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]، فالمعرفة الأُولى بالسِّيما موقوفة على المشيئة، والثانية بلَحْنِ القول واقعة، وهذا إنما يكون فيمن سَمِع كلامَه.
وقد كان أبو بكر وعمر ــ وهما أفضل هذه الأمة بعد نبيها ــ لا يعلمان كثيرًا من المؤمنين في حياتهما
(1)
، فكيف يعلم مَن بعدهما كلَّ من كان ويكون من الأولياء؟ !
وقد قيل لعمر رضي الله عنه في بعض المغازي: قُتِل فلانٌ وفلان وقوم لا يعرفهم أميرُ المؤمنين، فقال: إن لم يعرفهم عمر فإن الله يعرفهم
(2)
.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أسرَّ إلى حُذيفة في غزوة تبوك أسماءَ جماعة من المنافقين الذين أرادوا الفتكَ برسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعرفهم غير حذيفة. ولهذا كانوا يقولون: هو صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره
(3)
.
وكان عمر رضي الله عنه إذا مات ميت يقول: انظروا فإن صلى عليه حذيفة صلى عليه عمر
(4)
.
فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار لا يميّزون بين
(1)
«في حياتهما» ليست في (ت).
(2)
أخرجه ابن أبي شيبة (33753)، وابن حبان (4756)، وأصله في البخاري مختصرًا (3159).
(3)
كما جاء عن ابن مسعود في البخاري (3743، 3761)، و «المسند» (27538)، وابن حبان (6331).
(4)
ذكره في «أسد الغابة» : (1/ 468).
المؤمن والمنافق، فكيف يميّز غيرهم بين كل وليّ لله ومَن ليس وليًّا لله
(1)
؟!
وأيضًا: فإنَّ العصمةَ من الذنوب مطلقًا لا تحصل لغير الأنبياء باتفاقِ
(2)
أهلِ العلمِ المعتبرين.
والرافضةُ تدَّعي ثبوتَها للأنبياءِ والأئمَّةِ.
والسلفُ وجمهورُ الخلف يُثبتونها للأنبياء، بمعنى أنهم لا يُقَرُّون على ذنب. وهم باتفاق المسلمين معصومون في تبليغ الرسالة عن أن يُقَرُّوا في ذلك على خطأ، فإن ذلك يناقض مقصودَ الرسالة.
وأما ما لا ينافي الرسالة ولا الطاعة مثل الشك والظن أو الوهم في الأمور الدنيوية، ومثل النسيان في هذه الأمور وغيرها= فهذا لم يُعْصَم منه أحدٌ من البشر
(3)
.
بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تأبير النخل: «ما أُراه يُغني شيئًا» وتركوه فصار شِيْصًا، قال:«إنما ظننتُ ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظنِّ، ولكن إذا حدَّثتكم عن الله فلَنْ أكْذِبَ على الله» .
وفي لفظ: «أنت أعلمُ بأمرِ دنياكم، فأمَّا ما كانَ مِن أمرِ دينكم فإليَّ» رواه مسلم
(4)
.
(1)
من قوله: «وقد قيل لعمر
…
» إلى هنا زيادة من (ت).
(2)
(ت): «بالاتفاق من» .
(3)
ينظر «مجموع الفتاوى» : (10/ 292 - 297)، و (15/ 147 - 148)، و «كتاب النبوات»:(2/ 873 وما بعدها).
(4)
اللفظ الأول أخرجه مسلم (2361) من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه. واللفظ الثاني أخرجه مسلم (2363) من حديث أنس رضي الله عنه، لكن ليس في روايته:«فأما ما كان من أمر دينكم فإليّ» وهو في رواية أحمد في «المسند» (12544)، وابن حبان (21) وغيرهما. وهو بنحوه من حديث رافع بن خديج عند مسلم (2362). وفي (ت):«والحديث في صحيح مسلم» .
وكذلك في «الصحيحين»
(1)
أنه قال: «إنما أنا بَشَرٌ أنسى كما تَنْسَون، فإذا نَسيتُ فذكِّروني» .
وفي الترمذي وغيره
(2)
عنه أنه قال: «نَسِي آدمُ فنسِيَتْ ذرّيتُه، وجَحَد آدمُ فجحَدَتْ ذرّيتُه» . وهو حديثٌ جيد.
فإذا كان لم يُعْصَم أحدٌ من الأنبياء ولا غيرهم مِن مثل هذه الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب عن مطالعة الغيوب، فكيف يُعْصَم غيرُهم منها
(3)
؟!
وأيضًا: فإن قول القائل: «الظنون والشكوك والأوهام الساترة للقلوب» إما أن يجعلَها صفةَ توضيح، وإما أن يجعلها صفةَ تقييد
(4)
.
فالأول: أن يكون مراده [ت 19] العصمة من كلِّ شكٍّ وظنٍّ ووهم؛ لأن
(1)
أخرجه البخاري (401)، ومسلم (571) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(2)
أخرجه الترمذي (3076)، والحاكم:(1/ 132)، وابن سعد في «الطبقات الكبرى»:(1/ 11 - 12). قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجهٍ عن أبي هريرة» ، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بالحارث بن عبد الرحمن
…
» اهـ. وجوَّده المؤلف.
(3)
«الساترة
…
الغيوب» من (ت)، و «فكيف
…
منها» ليست فيها.
(4)
(ت): «صفةً بلا قيد
…
صفةً بقيد».
ذلك يستر القلب عن مطالعة الغيب؛ لأن الشك والظن والوهم ينافي العلمَ ويضادّه، فالضدان لا يجتمعان، فعلى هذا التقدير يكون سؤاله: أن لا يشكَّ في شيء، ولا يظن ظنًّا، ولا يتوهَّم وهمًا. ومعلومٌ أنَّ هذا لم يقع لأحدٍ من البشر، بل ما من بشر إلا وقد يشكّ في أشياءَ كثيرة، ويظنّ فيها ويتوهم.
وفي «الصحيحين»
(1)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّكم تَختصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أن يكونَ ألحَنَ بحُجَّته مِن بعضٍ، وإنما أقضي بنَحوِ ما أسمعُ، فمن قضيتُ له من حقِّ أخيه شيئًا فلا يأخذْهُ، فإنما أقطعُ له قطعةً من النَّار» . وفي لفظ: «فأحْسَبه صادقًا»
(2)
.
وقد قال تعالى في قصة داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79]، وقال تعالى:{قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا} [الجن: 25] وهذا شكّ.
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187] فكل المخلوقين يشكون متى تقوم الساعة، وقد سأله جبريل عن الساعة لما أتى في صورة الأعرابي فقال:«ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل»
(3)
.
(1)
أخرجه البخاري (2680)، ومسلم (1713) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
(2)
في «الصحيحين» أيضًا.
(3)
في حديث جبريل الطويل أخرجه البخاري (50)، ومسلم (9) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد رُميت أم المؤمنين بالإفك
(1)
، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم مدةً متوقفًا في الأمر حتى استشار عليًّا وأسامة رضي الله عنهما في فراق أهله، وسأل عنها بَرِيرة، حتى نزل الوحي ببراءتها، وإن كان الغالب والظاهر عنده صلى الله عليه وسلم براءتها رضي الله عنها لكن [نزل] الوحي وحصَّل اليقين. ونظير هذا كثير.
فكيف يتصور أن يكون غير الرسول لا يحصل له شك ولا ظن ولا وهم أصلًا
(2)
؟!
فإن أُريد [م 7] بذلك الظنّ والشكّ والوهم الساتر للقلوب عن مطالعة الغيوب دون غيرها= فمعلومٌ أنَّ مطالعة الغيب أعظم من العلم بالمشاهدات، فإذا كانت
(3)
المشاهدات التي يعلمها آحادُ الناس لم يُعصَم منها أحد من شكٍّ وظنٍّ ووهم، فكيف بالغيوب؟! لاسيما إن أراد
(4)
بالغيوب ما غاب عن مشاهدة البشر مطلقًا، وقد قال لأفضل الخلق:{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} [الأنعام: 50]، وكذلك أخبر عن نوحٍ
(5)
أول الرسل.
وأيضًا: فلو قُدِّر أن هذا ممكن ــ مع أن هذا تقديرٌ ممتنع ــ فليس هذا مما
(1)
حديث الإفك أخرجه البخاري (2661)، ومسلم (2770) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(2)
من قوله: «وقد قال تعالى في قصة
…
» إلى هنا زيادة من (ت).
(3)
(م، ت): «كان» .
(4)
(ت): «أريد» .
(5)
(ت): «نوح الذي هو» .
يُقَرِّب إلى الله، ولا أمرَ به أمْرَ إيجاب، ولا أمْرَ استحباب، فإنَّ مجرَّد كون الرجل يعلم ما غاب عن الشاهد لا يقرِّبُ العبدَ إلى الله، إنما يقرِّبه فِعْل الواجبات والمستحبات.
ولهذا قد يَطَّلع الجنُّ والشياطين على ما لا يَطَّلع عليه
(1)
الصالحون، وكذلك الطيور والبهائم، فقد قال الهدهد لسليمان:{أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} [النمل: 22]، وقد أخبرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:«إن البهائمَ تسمعُ أصواتَ المعذَّبِين في قبورهم»
(2)
، ولهذا يُذْهَب بالبهائم إذا أصابها المغل إلى قبور الكفار والمنافقين، فإنه يحصل لها بسماع أصواتهم من الفَزَع ما يطلق بطونهم، فإن الفزعَ يطلق البطنَ
(3)
.
وأيضًا ففي «الصحيحين»
(4)
عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الجنازة إذا احتملها الرجال تقول: يا ويلها أن يُذهب بها، فيسمع صوتَها كلُّ شيء إلا الإنسان»
(5)
. ولم تكن الجن والبهائم أفضل بذلك من الصالحين.
والكُهَّان قد كانت الجنُّ تخبرهم بما تَسْترقه من السمع، ولم يكونوا بذلك خيرًا من الصالحين، بل هم من المذمومين لا الممدوحين، ونظائر
(1)
«لا يطلع عليه» مطموسة في (ت).
(2)
أخرجه البخاري (6366)، ومسلم (586) من حديث عائشة رضي الله عنها بنحوه.
(3)
ينظر «مجموع الفتاوى» : (35/ 139)، و «مختصر الفتاوى المصرية» (ص 270).
(4)
أخرجه البخاري (1314)، والنسائي (1909)، وأحمد (11372) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. وليس في «صحيح مسلم» .
(5)
من قوله: «ولهذا يُذهب
…
» إلى هنا زيادة من (ت).
ذلك متعددة
(1)
.
ولكن هؤلاء الذين يقصدون [ت 20] بالعبادة العلوَّ في الأرض، والتشبُّه بالإله، كما يقوله المتفلسفة: إن الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة
(2)
= يقعون في أمور من هذا الباب، ولهذا يجعلون الشفاعة ليست سؤالًا لله، إنما هي فيضٌ يفيض على المتشفّع
(3)
لتعلق قلبه بالشافع
(4)
، كما ذكر ذلك ابن سينا وأمثاله، ووقع بعضُ ذلك في كلام صاحب الكتب المَضْنون بها على غير أهلها
(5)
،
وكذلك في كلام صاحب
(1)
انظر «منهاج السنة» : (8/ 274 - 276)، و «فتوى في الغوث والقطب والأبدال والأوتاد- ضمن جامع المسائل»:(2/ 94 - 95).
(2)
نقل المصنف بعض نصوصهم في ذلك في «الصفدية» : (2/ 332 - 340) وردّ عليهم، فنقل نصوصًا لأبي البركات بن مَلَكا من كتابه «المعتبر في الحكمة»:(3/ 6)، وذكر أيضًا أن الغزالي في «المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» سلك هذا المسلك في كل اسم من أسمائه تبارك وتعالى، وسماه «التَّخَلُّق» ، حتى في أسمائه التي ثبت بالنص والإجماع أنها مختصَّة بالله كالجبار والمتكبر والإله. وانظر «درء التعارض»:(2/ 355 وما بعدها)، و «بدائع الفوائد»:(1/ 288 - 289).
(3)
(م): «الشفيع» .
(4)
انظر «مجموع الفتاوى» : (1/ 168، 245). وما سيأتي (ص 22) مع التعليق.
(5)
يعني أبا حامد الغزالي (ت 505). وهذا الكتاب ــ المضنون به على غير أهله ــ نفى جماعةٌ من العلماء ثبوتَه للغزالي كابن الصلاح كما في «طبقات الشافعية» : (1/ 263) له، والتاج السبكي كما في «طبقات الشافعية الكبرى»:(6/ 257) له، لكن شيخ الإسلام لما ذكر هذا النفي قال: «وأما أهل الخبرة به وبحاله فيعلمون أن هذا كله كلامه، لعلمهم بمواد كلامه ومشابهة بعضه بعضًا، ولكن كان هو وأمثاله ــ كما قدمت ــ مضطربين لا يثبتون على قول ثابت؛ لأن عندهم من الذكاء والطلب ما يتشوَّفون به إلى طريقة خاصة الخلق
…
»، ثم ذكر من رد عليه من العلماء. اهـ من «نقض المنطق»:(ص 55) .. وقال أيضًا في «النبوات» : (1/ 396 - 398) في بيان مسلك الفلاسفة: «وهو ما ذكره أبو حامد في «ميزان العمل» (ص 405 - 408) وهو أن الفاضل له ثلاث عقائد؛ عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا كالفقه مثلًا، وعقيدة مع الطلبة يدرِّسها لهم كالكلام، والثالثة لا يطلع عليها أحد إلا الخواص، ولهذا صنف الكتب المضنون بها على غير أهلها، وهي فلسفة محضة سلك فيها مسلك ابن سينا» اهـ. لكنَّ الشيخ في «مجموع الفتاوى»:(13/ 238) بعد أن ذكر أقوال الناس في كتبه مال إلى كونه رجع عنها، فقال: «إن منهم من يقول: بل رجع عنها، وهذا أقرب الأقوال، فإنه قد صرَّح بكفر الفلاسفة في مسائل وتضليلهم في مسائل أكثر منها
…
» اهـ. وانظر «مؤلفات الغزالي» (ص 151 - 155) لعبد الرحمن بدوي. وهذا الكتاب ــ أعني المضنون به ــ طبع أكثر من مرة.
هذا «الحزب» ما يوافق هذا
(1)
، ذكره في كتابه الذي صنفه في التصوف
(2)
،
(1)
نقل ابن عياد في «المفاخر العلية» عن الشاذلي قوله: «الشفاعة هي انصباب النور على جوهر النبوة فينبسط إلى أهل الشفاعة من الأنبياء، والأولياء
…
وتندفع الأنوار بهم إلى الخلق» اهـ. والمنقول عن الشاذلي أن له قولين في الشفاعة والوسيلة؛ قولًا للعامة من الناس وقولًا للخاصة من المحبوبين أهل الفناء. وهذا يوافق ما سبقت الإشارة إليه عن الغزالي والفلاسفة من تعدد العقائد. انظر «أبو الحسن الشاذلي» : (1/ 255 - 260) لعلي عمار. وانظر كلام الغزالي في الشفاعة في «المضنون به على غير أهله- رسائل الغزالي» : (4/ 104).
(2)
أثبت المصنف أن الشاذلي ألَّف بعض الكتب في التصوُّف، بل نقل منها كما سيأتي في هذا الكتاب، وكذا الذهبي في «تاريخ الإسلام» (وفيات 656، ص 273)، ونقل منها، والصفدي في «الوافي بالوفيات»:(21/ 214) و «نكت الهيمان» (ص 213).
بينما نفى غيرُ واحد أنه وضع شيئًا من الكتب، بل نُقِل عنه أنه قال: كتبي أصحابي. انظر «لطائف المنن» (ص 23 - 24)، و «طبقات الشعراني»:(2/ 13)، و «أبو الحسن الشاذلي»:(1/ 118) لعلي عمار.
أقول: وفي خزائن المخطوطات عدد من الكتب منسوبة إليه في التصوف والأدعية والأوراد لكن تحتاج إلى التثبت من نسبتها.
ذكره في الشفاعة
(1)
. وهو وأمثاله يأخذون من أقوال صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها
(2)
مما يوافق أقوالَ الفلاسفة ولا يوافق دين الإسلام، وهؤلاء يجعلون الدعاء تأثير النفس الناطقة في العالم، لا يجعلون ذلك فعلًا يجيبُ الله به الداعي
(3)
، ولهم أصول فاسدة قد بُسِطَ الكلامُ عليها في غير هذا الموضع
(4)
.
(1)
العبارة في (ت): «هذا الحزب في الشفاعة ما يوافق هذا فهو وأمثاله
…
»، وسقطت منها عبارة «ذكره في كتابه
…
التصوف».
(2)
«على غير أهلها» من (ت).
(3)
قال المصنف في «مجموع الفتاوى- التوسل والوسيلة» : (1/ 167 - 168): «فشفاعة الأنبياء والصالحين على أصلهم ــ أي الفلاسفة ــ ليست كما يعرفه أهل الإيمان من أنها دعاء يدعو به الرجل الصالح فيستجيب الله دعاءه، كما أن ما يكون من إنزال المطر باستسقائهم ليس سببه عندهم إجابة دعائهم بل هم يزعمون أن المؤثر في حوادث العالم هو قُوى النفس أو الحركات الفلكية أو القوى الطبيعية فيقولون: إن الإنسان إذا أحبّ رجلًا صالحًا قد مات لاسيما إن زار قبره فإنه يحصل لروحه اتصال بروح ذلك الميت، فما يفيض على تلك الروح المفارقة من العقل الفعال عندهم أو النفس الفلكية يفيض على هذه الروح الزائرة المستشفعة من غير أن يعلم الله بشيء من ذلك، بل وقد لا تعلم الروح المستشفع بها بذلك. ومثَّلوا ذلك بالشمس إذا قابلها مرآة فإنه يفيض عل المرآة من شعاع الشمس، ثم إذا قابل المرآة مرآة أخرى فاض عليها من تلك المرآة، وإن قابل تلك المرآة حائط أو ماء فاض عليه من شعاع تلك المرآة فهكذا الشفاعة عندهم
…
» اهـ.
(4)
سيأتي الكلام عليها في آخر هذا الكتاب. وتكلم عليها المصنف في عدد من كتبه كـ «بغية المرتاد» و «الرد على المنطقيين» وغيرهما.
وأيضًا: فإن كان سؤال العصمة مشروعًا فينبغي للعبد أن يسأل العصمةَ من الذنوب التي
(1)
توجب له سخطَ الله وعذابَه، فإنَّ ذلك ــ إن كان ممكنًا ــ أولى بالسؤال من عصمته من موانع العلم بالغيب، فإنّ هذا بدون تلك العصمة يضره ولا ينفعه
(2)
، وتلك العصمة بدون هذا تنفعه، فطلب ما لا
(3)
ينفع وترك ما ينفع من قِلَّة المعرفة بما يُطلب في الدعاء.
وسببُ ذلك ما في النفوس من الكِبْر بالمكاشفات ومطالعة الغيوب، والله تعالى يعاقب هذا الضّرْب بنقيض قصده، كما قال تعالى:{إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56].
ولهذا يُحكى عن هؤلاء من المكاشفات
(4)
الباطلة ما يطولُ وصفُه، فإن أُحسِن الظنُّ بأحدهم حُمِل الأمرُ على أنه يتخيّل أمورًا لا حقيقةَ لها فيُخبِر بخياله
(5)
، أو أنَّ جنيًّا يلقي إليه ما يكون كذبًا. فإن أُسيء الظنُّ به قيل: إنه يتعمَّد الكذب، والكشفُ النفسانيُّ والشيطاني لابدَّ فيه من الكَذِب. ولهذا كان الكهَّان ــ وهم من أهل الكشف الشيطاني ــ يخلطون بالكلمة مئة كذبة
(6)
.
(1)
(م): «الذي» .
(2)
(م): «يضر ولا ينفع» .
(3)
«لا» سقطت من (م).
(4)
(م): «المكاشفين» .
(5)
(م): «بحاله» ، تصحيف.
(6)
انظر في الكلام على الكشف «الفتاوى ــ التوسل والوسيلة» : (1/ 171 - 178)، و «الفتاوى- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان»:(11/ 286 وما بعدها) وغيرها.
ومَن كان له خبرة بالحكايات المعروفة عن أصحاب هذا «الحزب» وأمثاله وعَى
(1)
من ذلك أمورًا
(2)
.
والواحد منهم يدَّعي في نفسه أنه مِثل النبي صلى الله عليه وسلم أو أفضل منه، حتى إذا قيل له: النبيُّ صلى الله عليه وسلم رأى سِدرة المنتهى كأنَّ ورقها آذانُ الفِيَلة، وكأنَّ نَبِقَها قِلالُ هَجَر
(3)
، يقول هو: رأيتُها أصغر من ذلك!! ومن يصحِّح قولَه يتأوَّلُ ذلك على أنه رآها من بعيد. وهذا من الباطل المحض، فإنَّ ذلك الموضع لم يصعد إليه غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم.
ويقول أحدُهم: دخلتُ البارحةَ الجنةَ وأصابَ يدي من شوكِ شجرها، حتى يقول له المُنكِر عليه: شجرُ الجنة لا شوكَ فيه!
إلى أمورٍ أُخَر من جنس هذه الحكايات، قد سمعتُها أنا وغيري من أتباع هؤلاء، ولولا أني أكره هَتِيْكَتهم
(4)
لسميتُ كلَّ واحدٍ من هؤلاء، وذكرتُ من حكاياته ما يتبين كثرة ما دخل عليهم من الخطأ والضلال أو التعمد للكذب، وهذا عقوبة من يطلب مطالعة الغيوب.
ولهذا يوجد كثير من السالكين لا يطلبون التقرُّب إلى الله وطلب رضوانه ورحمته والنجاة من عذابه، بل إنما مطلوبهم نوعٌ من المكاشفة أو
(1)
(ت): «علم» .
(2)
كما في الحكايات العجيبة المستنكرة المذكورة في «لطائف المنن» لابن عطاء الله، و «درة الأسرار» لابن الصبَّاغ الحميري، و «المفاخر العلية» لابن عيَّاد.
(3)
كما ثبت في البخاري (3570)، ومسلم (162) في حديث الإسراء والمعراج من حديث أنس رضي الله عنه.
(4)
الهتيكة: الفضيحة. انظر «النهاية» : (5/ 553) لابن الأثير، و «اللسان»:(10/ 502).
التأثير، فيطلبون علمًا يَسْتَعلون به على الناس، أو قدرةً يَستعلون بها على الناس، وذلك من باب إرادة العلوِّ في الأرض والفساد
(1)
، فيعاقبهم الله بنقيض قصدهم
(2)
.
وكراماتُ أولياء الله تجيءُ ضمنًا وتبعًا؛ فإنهم يقصدون وجه الله، فتجيء المكاشفات والتأثيرات تَبَعًا لا يقفون عندها، ولا تكون هي أكبر هَمِّهم ولا مبلغ علمهم.
وخواصُّهم إنما يستعملونها لحجَّةٍ في الدين أو لحاجةٍ في الدنيا تُعِين على الدِّين، ليتقربوا بها إلى [ت 21] الله، لا يستعملونها في مباحات الدنيا، فضلًا عن استعمالها في محظور نهى الله عنه.
ومَن كانت هي أصل قصده فلا بدَّ إن حصل له شيءٌ منها أن [م 9] يستعملها في ما نُهِي عنه، فيُعاقَبُون إما بِسَلْبها
(3)
وإمَّا بسلب الطاعة حتى يصير أحدهم فاسقًا، وإما بسلب الإيمان حتى يصير كافرًا. وهؤلاء كثيرون لاسيما في دول الكفار والظالمين، فإنهم بسبب إعانتهم للكفار والظلمة بأحوالهم، يعاقبهم الله تعالى على ذلك، كما يعرف ذلك تجربةً ومشاهدةً وسماعًا مَن له به خبرة. وعندنا من العلم بذلك ما لا يتسع هذا الموضع لذِكْر تفاصيله
(4)
.
(1)
«والفساد» ليست في (ت).
(2)
(ت): «مقصودهم» .
(3)
في (ت) كتب فوق الكلمة كلمة لم أتبينها، رسمها:«ملك» .
(4)
انظر «الفتاوى» : (11/ 87 وما بعدها)، و (19/ 186 - 187)، و «المنهاج»:(8/ 206 وما بعدها).