المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌قوله: (وقد وسعت كل شيء من جهالتي بعلمك - الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌العبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها

- ‌العمل الصالح

- ‌المراد بالبدعة:

- ‌ ذمّ الله تعالى المشركين بذلك

- ‌الواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من كانت الواسطة بينه وبين الله عز وجل نورَ النبوة المحمدية كان أكمل

- ‌ ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى طائفة غير الصحابة

- ‌ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة

- ‌ المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة

- ‌ كمال التوكل

- ‌الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات

- ‌أحدها:

- ‌الثاني:

- ‌الثالث:

- ‌ الرابع:

- ‌ تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة

- ‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه

- ‌يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة

- ‌قوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد

- ‌الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني

- ‌الوجه الثالث

- ‌ الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:

- ‌قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك

- ‌ الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول

- ‌ لفظ النفس

- ‌ لفظ «الروح»

- ‌قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي

- ‌ قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني

- ‌ قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح

- ‌ قوله: «أعوذ بك منك»

- ‌هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود

- ‌ الثاني: الفناء عن وجود السّوي

- ‌ قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا

- ‌الحلول المطلق

- ‌ الحلول الخاص أنواع:

- ‌ جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين

- ‌أصل دين الإسلام:

- ‌ مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة

- ‌ فهرس المراجع

الفصل: ‌قوله: (وقد وسعت كل شيء من جهالتي بعلمك

«مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمُحاربة، وما تقرَّب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افْتَرضْتُ عليه، ولا يزالُ عبدي يتقرَّب إليَّ بالنَّوافل حتَّى أُحبَّه

» الحديث.

وفي الأحزاب

(1)

أمور أخرى

(2)

، ومتى خرج الإنسان عن الأحزاب النبوية والأذكار والدعوات الشرعية كان كالسالك بُنيَّات الطريق فقد [يقع في]

(3)

الضلال من حيث لا يدري، وقد يتداركه الله برحمته.

وفي «الصحيحين»

(4)

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال:«قل: اللهم إنِّي ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنت، فاغفِر لي مغفرةً من عندِكَ وارحمني إنَّك أنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ» .

فهذا أفضل الخلق بعد الأنبياء لم يَدْعُ في صلاته بدعاءٍ حتى سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يعلِّمه ذلك، وعلمه دعاءً مضمونه طلب المغفرة والرحمة من الله. وهؤلاء تجد أحدَهم يخترع أنواعًا من الأدعية تتضمن طلب نوعٍ من الإلهية، أو ما هو من خصائص النبوة، فأين هذا من هذا؟!

وهذا ك‌

‌قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك

فَسَعْ ذلك برحمتك [م 44] كما وسعته بعلمك»

(5)

.

فإن هذا كلام من يعتقد أن الله لم يَسَعْ كلَّ شيء رحمةً، لكن قد يسعه

(1)

غير واضحة في (م).

(2)

ثلاث كلمات لم تتبين.

(3)

كلمة غير واضحة، وما أثبته مقترح.

(4)

البخاري (834)، ومسلم (2704).

(5)

«حزب البر» : (ق 1 أ).

ص: 149

وقد لا يسعه، والله أخبر أنه وسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا، فكلاهما واقع بسَعَة علمه بكل شيء، وسعة رحمته كل شيء، وهذا له بَسْطٌ ليس هذا موضعه.

فكذلك قوله: (وقدِّسْنا عن كلِّ وصفٍ يُوجبُ نقصًا مما استأثرتَ به)

(1)

.

وكذلك قوله: (نسألك الفقرَ مما سواك والغنى بك، حتى لا نشهد إلا إياك)

(2)

.

فإن هذه ألفاظ مجملة قد يُراد بها معنًى فاسدٌ، كما قد يُراد بها معنى صحيحٌ، واللفظ الحَسَن أن يقال: نسألك الغنى عما سواك والفقر إليك.

وقوله: «حتى لا نشهد إلا إياك» إذا أريد: حتى لا نشهد معطيًا وربًّا وإلهًا إلا إياك كان حسنًا، وإذا أريد به: حتى لا نشهد إلا إياك، فنغيب بك عن شهود المخلوقات، فهذا فناء ناقص، وهو من عوارض الطريق، ليس بواجب ولا مستحب، ولكن قد يعرض لبعض السالكين لضعفه، فيُعْذَر فيه لا يُحْمَد عليه.

وقد يعنى به: حتى لا نشهد موجودًا إلا إياك، وهذا مشهد أهل الإلحاد القائلين بالوحدة والحلول والاتحاد.

وقد تكلمنا على أقسام الفناء في اصطلاح السالكين، وبينا أنه يراد به ثلاثة معان؛ أحدها: محمود، والثاني: منقوص، والثالث: إلحاد

(3)

.

(1)

«حزب البر» : (ق 1 ب).

(2)

«حزب البر» : (ق 1 ب).

(3)

انظر ما مضى (ص 70 - 71)، وما سيأتي (ص 161 - 162، 211 - 212).

ص: 150

فالأول: أن يفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبمحبته عن محبة ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبالتوكل عليه عن التوكل على ما سواه. وهذا حقيقة التوحيد الذي أرسل الله به الرسلَ وأنزل به الكتبَ، وهذا حال الأنبياء وأتباعهم. والفناء عن عبادة السِّوى يُقارنه البقاء بعبادته تعالى، فهذا الفناء يقارنه البقاء، وهو حقيقة قول: لا إله إلا الله.

وأما النوع الثاني: وهو الفناء عن شهود السِّوى ويسمى الاصطلام، ومنه الفناء في توحيد الربوبية، وهو أن يغيب بمشهوده عن شهوده، وبمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، فيفنى بالمعروف عن المعرفة والعارف.

وهذه الحال ليست واجبة ولا مستحبة، وليست حال الأنبياء ولا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا أكابر المشايخ الصالحين، ولكن هو حالٌ يعْرِض لطائفةٍ من السالكين، كما يُذْكر عن أبي يزيد

(1)

رحمه الله وعن غيره أنه قال في هذا المشهد: «سبحاني»

(2)

، أو «ما في الجبَّة إلا الله»

(3)

!

(1)

هو: طيفور بن عيسى بن سروشان أبو يزيد البسطامي ــ نسبة إلى بسطام بلدة بخراسان ــ من كبار الصوفية (ت 261). ترجمته في «طبقات الصوفية» (ص 67 - 74) للسلمي، و «الحلية»:(9/ 254 - 280)، و «رسالة القشيري»:(1/ 57 - 58)، و «السير»:(13/ 86).

(2)

ذكره عنه أبو طالب المكي في «قوت القلوب» : (2/ 144)، والغزالي في «الإحياء»:(1/ 48) وقال: لا يصح عنه، والمصنف في مواضع من كتبه بصيغة التمريض.

(3)

ذكره عنه المصنف في مواضع من «الفتاوى» : (8/ 313)، (13/ 199)، و «المنهاج»:(5/ 357). وقد جمع عبد الرحمن بدوي كتابًا في شطحات الصوفية، وأورد فيه كثيرًا من كلمات البسطامي، وليست هذه منها، انظر هامش تحقيق «المنهاج» . والذي عُرِف بهذه العبارة أبو منصور الحلاج المقتول على الزندقة سنة (309)، انظر «وفيات الأعيان»:(2/ 145).

ص: 151

ونحو ذلك.

ويحكون أن شخصًا كان يحبُّ آخر، [م 45] فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المحبُّ نفسَه خلْفَه، فقال: أنا وقعت فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عَنّي، فظننتُ أنَّك أنِّي

(1)

.

وهذه الحال إذا زال معها عقل الإنسان الذي هو مناط التكليف بسببٍ غير محرَّم كان معذورًا، وإن كان بسبب محرَّم فقال مثل ذلك، فهو مذموم على ذلك.

وهل يَكْفُر إذا زال بما تشتهيه النفس كالخمر؟ فيه نزاع معروف عند العلماء، وأما بما لا تشتهيه الطباع كالبنج، فقيل: هو كالسكران بالخمر، وقيل: كالمجنون.

ومن زال عقله بالسماع ونحوه، فهو على هذا التفصيل. وأما في حال العقل؛ فمن قال هذا كان كافرًا يجب قتله إن لم يتب.

وكثير من السالكين تعرض له هذه الحال في بعض الأوقات، فإذا حضرت فريضة قام إليها، ومنهم من يُحْفَظ عن المعاصي، وهذا لصدقهم في حال حضور العقل حُفِظوا في حال غيبة العقل. لكن بكل حال ليس

(1)

ذكر المصنف هذه الحكاية في عدد من كتبه: في «الفتاوى» : (2/ 314، 369، 482)، (5/ 249، 6/ 26)، و «المنهاج»:(5/ 356)، و «الجواب الصحيح»:(3/ 338).

ص: 152

العبد مأمورًا بالمقام في هذه الحال، وهي تُحمد من جهة انجذاب القلب إلى ربه، ومن جهة توجُّهه إليه وتألُّهه إيَّاه، ويسميها بعضُ الناس: الجمع الأول.

وطائفة من الناس جعلوا هذا المقام هو غاية السالكين، وأحسن منازل السائرين إلى الله، وقالوا: إن العبد حينئذٍ لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح سيئةً، وهذا هو الغاية في كلام صاحب «منازل السائرين» الملقب بشيخ الإسلام من الإشارة إلى علو هذا المقام

(1)

، ما

(2)

أنكره عليه حُذَّاق العارفين. ولهذا يعلل هؤلاء المحبَّة والتوكل وغيرهما، ويجعلون ذلك من مقامات العامة، ويجعلون مقام الخاصة مشاهدة الربوبية العامة والقيومية الشاملة. ولا يصلون إلى الفرق الثاني وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه المعبود دون ما سواه، وأن إلهيته بأن نعبده، وعبادته بأن نطيعه، وطاعته بأن نطيع رسوله

(3)

.

وهذا المقام مما حققه الجُنيد رضي الله عنه وأمثاله من أئمة أهل الطريق الذين يُقتدى بهم، الذين يلاحظون الأمرَ والنهي كالشيخ عبد القادر

(4)

ونحوه من المتأخرين. وهؤلاء هم الذين قالوا: قدَمُنا هذا ــ أي طريقنا هذه ــ

(1)

أي مقام الفناء، وتقدمت إشارة المصنف إلى نحو هذا فيما سبق (ص 75) ونقلنا بعض عباراته في ذلك والتعليق عليه.

(2)

تحتمل: «مما» .

(3)

انظر ما سبق (ص 118) مع التعليق.

(4)

هو: عبد القادر بن أبي صالح عبد الله بن جنكي دوست ــ أي العظيم القدر ــ محيي الدين أبو محمد الجيلي الحنبلي، الزاهد المشهور (ت 561). ترجمته في «السير»:(20/ 439)، و «ذيل طبقات الحنابلة»:(2/ 187 - 209)، و «البداية والنهاية»:(16/ 419).

ص: 153

على رقبة كلِّ وليٍّ لله، أي: على كلِّ وليٍّ لله أن يتبع الأمر والنهي الإلهي النبوي الشرعي المحمدي، ويحكِّم على نفسه الكتاب والسنة، ولا يخرج عن ذلك [م 46] لا لذوقٍ يخالفه أو وجدٍ أو حالٍ أو مشهد أو غير ذلك، بل يزن أذواقه ومواجيده وأحواله وحقائقه بالكتاب والسنة

(1)

.

والذين نازعوا الجُنيد في هذا كأبي الحسين النوري

(2)

وأمثاله من المتصوفة حصل لهم من الاضطراب ما أوجب أمورًا، مع أن النوري رحمه الله كان أصح من غيره وأعلى.

ولكن جاء قوم آخرون انحطُّوا عن هذه الدرجة

(3)

، فصاروا يشهدون الحقيقة الكونية القدرية، ويرونها هي الغاية، وأنَّ صاحبها لا يحتاج إلى الحقيقة الإلهية النبوية الشرعية، بل يتصرَّف بما يَجده ويذوقه

(4)

، والوجد والذوق إن لم يكن موافقًا للأمر كان من اتِّباع الهوى. ولهذا تجد كلَّ من يحتج بالحقيقة إنما هو متبع لهواه لا مطيع لمولاه، لا يحتج بعلم، إذ لو كان عنده علم لقال به، قال الله تعالى: {سَيَقُولُ

(5)

الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا

(1)

وعبارات بعضهم في ذلك مشهورة؛ كقول الداراني: ربما يقع في قلبي النكتة من نكت القوم أيامًا، فلا أقبل منه إلا بشاهدين عدلين: الكتاب والسنة. وقول الجنيد: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا هذا مقيَّد بالكتاب والسنة. وغيرهما انظر «رسالة القشيري»:(1/ 61 - 79).

(2)

تقدمت ترجمته (ص 120).

(3)

وهذا هو النوع الثالث من أنواع الفناء، وهو الفناء عن وجود السِّوى.

(4)

تحتمل: «وبذوقه» .

(5)

(م): «وقال» .

ص: 154

أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148].

ومِن هؤلاء مَن يقول: إنما رجع إلى الأمر والنهي لأجل العامة، أو لئلا يَخْرب المارَِسْتان

(1)

، إشارة إلى أن الأمر والنهي حينئذ سلكه العارف لمصلحة العامة لا لحاجته إليه. وهذا من الجهل بالفرق بين توحيد الإلهية وبين توحيد الربوبية، وبين الأمر الديني الشرعي النبوي الإلهي، والأمر الكوني القدري، وقد بُسِط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع

(2)

.

وأصحاب هذا المشهد قد ينتقل أحدهم من هذا إلى الوحدة، ولهذا يقولون: السالك يشهد أولًا طاعة ومعصية، ثم يشهد طاعةً بلا معصية، ثم لا يشهد لا طاعة ولا معصية.

وقد يقول بعضهم: يكون أولًا فقيرًا، ثم يصير نبيًّا، ثم يصير إلهًا، وحينئذ يدخلون إلى النوع الثالث من الفناء، وهو فناء المُلْحِدين الذين يقولون:

(1)

نسب المصنف هذا القول إلى الشيخ المغربي كما في «الفتاوى» : (8/ 231)، (14/ 358). والمارستان ــ بفتح الراء وكسرها ــ: دار المرضى أو المستشفى، وهو فارسي معرَّب، وأصله بيمارستان ــ بكسر الموحدة وسكون الياء بعدها وكسر الراء ــ بيمار عندهم هو المريض، وأُستان بالضم: المأوى، ثم خُفِّف فحُذِفت الهمزة، ولما حصل التركيب أسقطوا الباء والياء عند التعريب. انظر «قصد السبيل»:(1/ 320، 2/ 431) للمحبي، و «تاج العروس»:(8/ 471).

(2)

انظر «الفتاوى» : (8/ 231)، (10/ 217)، (11/ 244 - 248)، (13/ 214)، (14/ 358).

ص: 155

الوجود واحد؛ كابن عَرَبي وابن سَبْعين وابن الفارض والقُوْنَوي والتِّلِمْساني وأمثالهم ممن يجعل الوجود الخالق هو الوجود المخلوق، وربما جعلوه حالًّا فيه، ومذهبهم دائر بين الاتحاد والحلول. ولكن قد لا يرضون لفظ الاتحاد، بل يقولون: الوحدة؛ لأن الاتحاد يكون بين شيئين، وهم يقولون: الوجود واحد لا تعدد فيه، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع. فإنَّ الموجودات مشتركة في مسمى الوجود، كما أن الذوات مشتركة في مسمى الذات، ولكن ليس وجود هذا وجود هذا، كما أنه ليس ذات هذا هي ذات هذا، والقدر المشترك هو كُليٌّ مطلق، والكُلِّي المطلق لا يوجد كليًّا مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، بل كلُّ موجود من المخلوقات له ما يختصّ به، لا يشاركه فيه غيره في الخارج، فهذا الإنسان المعيَّن لا يُشاركه هذا الإنسان المعيَّن فيما يختصُّ به من إنسانيته الخاصَّة، وحيوانيته الخاصة، ووجوده الخاص، ولكن هو وغيره يشتركان في مطلق الحيوانية والإنسانية والوجود، ونحو ذلك.

وهذه المشتركات لا تختص واحدًا منها، ولا توجد في الخارج مشتركة مطلقة، بل لا توجد إلا معينة مختصة، وقد بُسِط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

(1)

.

فإنه بسبب الاشتباه في هذه الكليات المطلقة ضلَّ طوائف من أهل العلوم النظريات والذوقيات، وإذا كان وجود المخلوق المختص به لا يَشْرَكه فيه غيره وإن كان يشابهه فيه غيره، فالخالق تعالى أبعد عن أن يشاركه غيره فيما يختصُّ به سبحانه وتعالى.

(1)

انظر «الصفدية» : (2/ 276 وما بعدها)، و «الفتاوى»:(7/ 406)، (4/ 59).

ص: 156

ولولا أنه قد اشتهر فساد قول هؤلاء للسائلين عن هذه الأحزاب لبسطنا فيه الخطاب، و «صاحب الحزب» إن لم يكن من هؤلاء ففي كلامه ضَرْب من الفلسفة الفاسدة، وضَرْب من مذهب الحلولية القائلين بالحلول الخاص أو العام، وهذا مما ابتلي به طوائف من متأخري الصوفية، لاسيما المستمدين من كلام صاحب «مشكاة الأنوار» ، والكتب المضنون بها على غير أهلها

(1)

، فإنَّ في كلام هؤلاء قطعة من قول النصارى وفلاسفة النصارى.

كما في قول طائفة من متأخري أهل البدع من متكلمي الفقهاء قطعة من قول اليهود وفلاسفة اليهود، كقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين يقولون: إنَّ الله لا يُرَى في الآخرة، وأن كلام الله مخلوق لم يقم بذاته.

والفلاسفةُ منهم يقولون: هو فيضٌ فاض على النفوس ليس له وجود في الخارج، وهو قول الاتحادية ونحوهم من فلاسفة النصارى والمشابهين لهم من مبتدعة الصوفية.

ومَن لم يعرف حقيقة الإسلام الذي بعث الله به رسولَه [م 48] وأنزل به كتابه، وما في طرائق الناس مما يوافق ذلك وما يخالفه، لم يحصل له الفرقان الإلهي النبوي المحمدي، ومَن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.

* * * *

(1)

هو الغزالي، وقد تقدم البحث في نسبة هذه الكتب إليه (ص 61).

ص: 157

فصل

ومما يشبه كلام هؤلاء قول صاحب «الحزب» فيما صنفه في آداب الطريق في علم الحقيقة

(1)

، قال في آخره:

(الطريق طريقان؛ طريق خاصَّة وطريق عامة، وأعني بالخاصَّة المحبوبين الذين هم أبدال الأنبياء

(2)

.

فأما طريق الخاصة؛ فهو طريق عُلْوي تضمحلُّ العقول في أقل القليل من شرحها. ولكن عليك بمعرفة طريق العامة؛ وهو طريق الترقِّي من منزل إلى منزل إلى أن ينتهي إلى منزل هو مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.

فأول منزل يطؤه المحبّ للترقي منه إلى العليّ هو النفس، فيشتغل بسياستها ورياضتها إلى أن ينتهي إلى معرفتها، فإذا

(3)

عرفها وتحقق بها فهنالك تُشْرق عليه أنوار الثاني

(4)

وهو القلب، فيشتغل بسياسته ومعرفته. فإذا صحَّ له ذلك ولم يبق عليه منه شيء رُقِّي إلى المنزل الثالث وهو الروح

(5)

.

(1)

هذه القطعة الطويلة من كلام الشاذلي ساقها ابن الصباغ الحميري في «درة الأسرار» (ص 168 - 171)، والشعراني في «طبقاته»:(2/ 11 - 12)، وسنذكر الفروق بين ما ساقه المؤلف وبين هذه المصادر، ورمزنا للأول (د) وللثاني (ش).

(2)

العبارة في د: «وأعني بالخاصة المحبين الذين هم أبدال الرسل، وأعني بالعامة المريدين الذين هم أبدال الأنبياء فعلى جميعهم السلام» . فلعله وقع سقط في الأصل.

(3)

د: «فإن» .

(4)

د: «عليه الأنوار. المنزل الثاني

».

(5)

بعده في د: «فيشغل بسياستها ومعرفتها» .

ص: 158

فإذا تمَّت له المعرفة به هَبَّت عليه أنوار اليقين شيئًا فشيئًا، حتى إذا آنست بصيرته بترادف الأنوار عليها برز اليقين عليه [بروزًا] لا يعقل فيه شيئًا

(1)

مما تقدم له من أمر المنازل الثلاثة. فهناك يهيم

(2)

ما شاء الله، ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي في أنوار اليقين، فيشهد موجودًا لا حدَّ له

(3)

ولا غاية، بالإضافة إلى هذا العبد، وتضمحلُّ جميعُ الكائنات فيه، فتارة يشهدها

(4)

فيه كما يشهد الينابيب

(5)

في الهواء بواسطة الشمس، فإذا انحرف نور الشمس عن الكُوَّة فلا يشهد للينابيب

(6)

أثرًا. فالشمس التي يبصر بها

(7)

هو «العقل الضروري» بعد المادة بنور اليقين.

فإذا اضمحلَّ هذا النور ذهبت الكائنات كلُّها وبقي هذا الموجود، فتارة يفنى وتارة يبقى، حتى إذا أريد به الكمال نودي

(8)

منه نداءً خفيًّا لا صوت له، فيُمد بالفهم عنهم

(9)

، إلا أن الذي تشهده غير الله ليس من الله في شيء، فهناك

(1)

العبارة في د: «عليها أبرز اليقين بروزًا لا يعقل، فينشأ مما

».

(2)

د: «يفهم» .

(3)

د: «فيشهده مشهود لأحواله

» وفيه تحريف.

(4)

(م): «يشهد ما» . والإصلاح مما سيأتي، ومن د، ش.

(5)

د: «النيابة» ، ش:«البناء بيتًا» .

(6)

د: «النيابة» .

(7)

العبارة في ش: «وتارة لا يشهدها لانحراف نور الشمس عن الكوة، فالشمس التي يبصر بها

».

(8)

من قوله: «كلها وبقي

» إلى هنا ساقط من د.

(9)

د، ش:«عنه» .

ص: 159

ينتبه من سكرته فيقول: أي ربِّ أغثني فإني هالك

(1)

، فيعلم يقينًا أن هذا البحر لا ينجيه منه إلا الله.

فحينئذ يقال له: إن هذا الموجود هو العقل الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول ما خلق الله العقل» ، وفي خبر آخر: «قال له: أقبل، فأقبل

» الحديث

(2)

، فأُعطي هذا العبد [م 49] الذل والانقياد لنور هذا الموجود، إذ لا يقدر على حَدِّه

(3)

وغايته فعَجَز عن معرفته.

فقيل له: هيهات لا تعرفه بغيره

(4)

، فأمدَّه الله عز وجل بنور أسمائه، فقطع ذلك كلمح البصر أو كما شاء الله ــ نرفع درجاتٍ من نشاء ــ فأمدَّه الله بنور الروح الرباني، فعرف به هذا الموجود. فرُقِّي إلى ميدان الروح الرباني، فذهب جميع ما تحلَّى به هذا العبد، تخلَّى عنه بالضرورة وبقي كلا

(5)

شيء موجود، ثم أحياه الله بنور صفاته فأدرجه بهذه الحياة في معرفة هذا الموجود الرباني

(6)

.

(1)

د: «فإني جاهلك» ! وش: «يا رب أثبتني وإلا أنا هالك» .

(2)

سيأتي تخريجهما (ص 193) عند كلام المصنف عليهما أثناء رده على هذا الكلام.

(3)

د: «أخذه» .

(4)

من قوله: «فعجز عن

» إلى هنا ساقط من ش، وبعده: «فإذا أمد الله

».

(5)

د: «وتخلى عنه بالضرورة ويقول كل

»، وش: «العبد وما تخلى عنه بالضرورة وبقي كلا موجود

». وكان في (م): «كل شيء» والإصلاح من موضع آتٍ في الكتاب، وش.

(6)

د: «صفاته فأدركه

الوجود الرباني».

ص: 160

فلما استنشق من مبادئ صفاته كاد

(1)

يقول: هو الله. فلحقته العناية الأزلية فنادته، ألا إن هذا الموجود هو الذي لا يجوز لأحدٍ أن يصفه

(2)

، ولا أن يعبِّر عن شيء

(3)

من صفاته لغير أهله، لكن بنور غيره يعرفه

(4)

، فأمده الله بنور سرّ الروح، فإذا هو قاعد

(5)

على باب ميدان السرِّ، فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر

(6)

، فرفع هِمَّته ليعرف هذا السر

(7)

فعَمِي عن إدراكه، فتلاشت جميعُ أوصافه كأنه ليس بشيء، ثم أمدَّه الله بنور ذاته فأحياه به حياة

(8)

باقية لا غاية لها، فنظر جميع المعلومات

(9)

بنور هذه الحياة، فصار أصل الموجودات نوره شائع

(10)

في كل شيء لا يشهد

(11)

غيره.

فنودي من قريب: لا تغتر بالله، فإن المحجوب من حُجِب بالله

(12)

، إذ محال أن يحجب غيره فحيّ بحياة استودعها الله فيه، فقال: أي ربِّ بك منك

(1)

ش: «كان» .

(2)

ش زيادة: «بصفة» .

(3)

ش: «عنه بشيء» .

(4)

د: «يعبر به» .

(5)

ش: «وجد نفسه جالسًا» .

(6)

«فنظر فعرف أوصاف الروح الرباني بنور السر» سقط من ش.

(7)

د، ش: «هذا الموجود الذي هو السر

».

(8)

ش: «أحياه حياةً» .

(9)

(م): «العلويات» وستأتي على الصواب في كلام المصنف، وكذا في د، ش.

(10)

العبارة في ش: «ووجد نور الحق شائعًا» .

(11)

د: «لا يعرف» .

(12)

د، ش:«عن الله بالله» .

ص: 161

إليك، أقِل عثرتي، فإني أعوذ

(1)

بك منك، حتى لا أرى غيرك.

فهذه سبيل الترقِّي إلى حضرة العليِّ الأعلى، وهي طريق المحبين أبدال الأنبياء، والذي يُعْطَى

(2)

أحدهم من بعد هذا لا يقدر أحد أن

(3)

يصف منه ذَرَّة

(4)

.

قال: وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين، فهو

(5)

منه إليه

(6)

، إذ محال أن يتوصل إليه بغيره.

فأول قدم لهم بلا قدم أن ألقى إليهم

(7)

من نور ذاته، فغَيَّبهم بين عباده، وحبَّب إليهم الخلوات، وصغَّر

(8)

الأعمال الصالحات، وعظَّم عندهم رب الأرض والسموات، فبينا هم كذلك إذ ألبسهم ثوب العدم، فنظروا فإذا هُمْ بلا هَمّ

(9)

.

(1)

العبارة في د: «أن يحجبه غيره فيحيى بحياةٍ استودع الله فيها

فأقل

». وفي ش: «أن يحجبه غيره وهناك يحيى حياةً

ثم قال: أعوذ بالله

».

(2)

ش: «وما يعطيه الله تعالى لأحدهم» .

(3)

د: «من بعد لا يقدر أن

»، وش: «من بعد هذا المنزل

».

(4)

بعده في د، ش:«والحمد لله على نعمائه» وزاد التصلية في د.

(5)

ش: «وأما طريق المحبوبين الخاصة بهم فإنه ترقٍّ» .

(6)

بعده في د، ش:«به» .

(7)

د: «عليهم» ، ش:«إذ ألقى عليهم» .

(8)

بعده في د، ش:«لديهم» .

(9)

ش: «لا هم» .

ص: 162

ثم أردف عليهم ظلمةً غيَّبتهم عن نظرهم، بل صار

(1)

عدمًا لا علة له، فانطمست جميع العلل، وزال كل حادث فلا حادث ولا وجُود، بل ليس إلا العدم الذي لا علة له، وما لا علة له فلا معرفة تتعلق به.

اضمحلَّت المعلومات وزالت المرسومات زوالًا لا علة [م 50] فيه، وبقي من أشير إليه لا وصفَ له ولا صفةَ ولا ذات، فاضمحلَّت النعوتُ والأسماءُ والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات. فهناك ظهر من لم يَزَلْ ظهورًا لا علَّةَ له

(2)

، بل ظهر بسِرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أوليَّةَ له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته فحَيِيَ هذا العبد

(3)

بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصافٍ جميلة كلُّها لا علة لها

(4)

، فصار أولًا في الظاهر فلا ظاهر

(5)

قبله، فوجدت الأشياء بأوصافه، فظهر

(6)

بنوره في نوره.

فأول ما ظهر سره، فظهر به قلمه

(7)

، ثم ظهر أمره في سره، وظهر بأمره الدواة في نور العلم بنور القلم

(8)

، ثم ظهر عقله بأمره في أمره، وظهر به عرشه في نور لوحه بنور وجهه

(9)

. ثم ظهر روحه بعقله في عقله، فظهر بروحه

(1)

د: «صاروا» ، ش:«فصار نظرهم» .

(2)

د: «علة له فيه» ، ش:«علة فيه» .

(3)

ش: «لذاته في ذاته فهناك يحيى العبد

».

(4)

«فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها» سقط من ش.

(5)

د: «الظهور فلا

»، ش:«ظهوره لا ظاهرًا» .

(6)

د، ش:«فظهرت» . وبهذا المقطع ينتهي ما في ش مما ساقه المصنف.

(7)

د: «قلبه» .

(8)

د: «بأمره الذوات في قول القدم» .

(9)

«بنور وجهه» سقطت من د.

ص: 163

كرسيه في نور

(1)

عرشه. ثم ظهر قلبه بروحه في روحه، فظهر بقلبه حجبه في نور كرسيه بنور كرسيه. ثم ظهرت نفسه بقلبه في قلبه، وظهر بنفسه فلك للخير والشر في نور حجبه بنور حجبه. ثم ظهر جسمه بنفسه في نفسه، وظهر بجسمه أجسام العالم كلها

(2)

الكثيف من أرضٍ وسماء، وعلى الجملة كل كثيف في نور الفلك)

(3)

.

* * * *

فيقال: هذا الكلام وإن كان في بعضه أمور صحيحة موافقة للكتاب والسنة، ففيه أمور منكرة باطلة مخالفة لدين المسلمين. فمنها ما هو مبنيٌّ على أقوال الفلاسفة الباطنية، ومنها ما هو من مذهب الحلولية، ومنها غير ذلك.

فأما تقسيمه الطريق إلى طريق خاصَّة وعامَّة، وجعله الأول طريق المحبين والثاني طريق المحبوبين، فيقال: كلُّ وليٍّ لله فهو مُحِبٌّ لله وهو محبوب لله، وحبُّ العبد لربه وحبُّ الرب لعبده متلازمان، فإن الله لا يحب إلا من يحبه، ومن أحبَّ الله فإن الله يحبه.

ولكنَّ الناس هنا يتكلمون في المجذوب والمربي، ومع هذا فقد يكون بعض المجذوبين أعلى، وقد يكون بعض المربين أعلى، مع أنه لابد لكل سالك من متابعة الرسول، وهذا هو أصل التربية.

(1)

د: «نوره بنور

».

(2)

ليست في د.

(3)

هنا ينتهي كلام الشاذلي الذي ساقه المصنف بطوله وقد ميزناه بخط أثخن. وسينقله فيما سيأتي فقرةً فقرةً ويردّ عليه.

ص: 164

ولابد أن يجتبيه الحق إليه وهو الجذب، لكن قد يكون ابتداء السلوك قصد العبد وعمله وعبادته ومجاهدة هواه، وقد يمن عليه ابتداءً باجتبائه إليه، وإنابته إلى مولاه، وإعراضه عما سواه، وقد [م 51] قال تعالى:{اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ} [الشورى: 13]. وقد قال بعض الشيوخ: إن هذه الآية فيها ذِكْر المجذوب والمربِّي. وبَسْط هذا له موضع آخر.

وفي المشايخ مَن يقسِّم السالكين إلى مريد ومراد

(1)

، ومعلوم أن الذين قال الله فيهم:{(51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام: 52] ما أرادوا وجهَه حتى أرادَ ذلك منهم على مذهب أهل السنة المثبتين للقدر، وجمهور الصوفية على مذهب أهل السنة في ذلك، حتى إن كثيرًا منهم يغالي

(2)

في ذلك، ويُسقط الأمرَ والنهيَ في بعض المشاهد والأحوال. وكذلك من أراده الله واجتباه وأحبه واصطفاه فلابد أن يجعله مريدًا له، لكنَّ الذين فرقوا بينهما لهم كلامٌ ليس هذا موضع بَسْطه

(3)

.

وإنما المقصود هنا أن نقول: انقسامُ أولياءِ الله إلى عامٍّ وخاص تقسيم صحيح، لكنَّ الخواص هم السابقون المقرَّبون، والعامة هم الأبرار أصحاب اليمين، قال تعالى:{فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ} [فاطر: 32]. وقال تعالى: {(6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ

(1)

انظر «الرسالة القشيرية» : (2/ 351 - 355).

(2)

(م): «يغالوا» .

(3)

ينظر المصدر السابق، و «الاستقامة»:(2/ 30 - 34)، و «مدارج السالكين»:(2/ 473 - 479)، (3/ 122 - 129).

ص: 165

الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ} [الواقعة: 7 - 11]. وقال تعالى: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 88 - 91]. وقال: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22)

} إلى قوله تعالى: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ} [المطففين: 22 - 28].

قال ابن عباس: يشرب بها المقرّبون صِرْفًا، ويُمزَج لأصحاب اليمين مزجًا

(1)

. وقال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ} الآية [الإنسان: 5].

فهذه خمسة

(2)

مواضع من كتاب الله يذكر فيها انقسام أهل الجنة إلى أبرارٍ أصحابِ يمين، ومقربين سابقين.

وفي «صحيح البخاري»

(3)

الحديث الإلهي المشهور: «يقول الله: مَن عادَى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» وقد تقدم

(4)

. فقد قسم الأولياء إلى من تقرب بالفرائض ومَن لا يزال يتقرب إليه بالنوافل بعد الفرائض، ولهذا قال مَن قال: إن الأولين هم الأبرار وإن الآخرين هم المقربون

(5)

.

(1)

أخرجه عبد الرزاق في تفسيره: (2/ 357)، وابن جرير:(24/ 222). وهو قول ابن مسعود وحذيفة، والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم مِن السلف. انظر «الدر المنثور»:(6/ 543 - 544).

(2)

في (م): «خمس» .

(3)

رقم (6502).

(4)

(ص 149).

(5)

(م): «المقربين» . وقد تكلم المصنف على أقسام أهل الجنة إلى سابقين ومقربين في مواضع كما في «الفتاوى» : (3/ 417)، (11/ 23 - 24، 176 - 180).

ص: 166