الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ف
يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة
التي لا يستجيبها الله، بمنزلة أن يقال: فَضِّل أهلَ الكفر على أهل الإيمان، وأهل الفجور على أهل البر، وفَضِّل الغافلين على الذاكرين! وهذا دعاء بخلاف ما أخبر الله أن يفعله، وبخلاف ما كتبه على نفسه، وسبقَتْ به كلمَتُه، وأخبرَتْ به رسُلُه عنه؛ وقد قال تعالى:{أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28]، وقال:{(34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ} [القلم: 35 - 36]، وقال:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21].
فقد أنكر سبحانه على من ظنَّ أنه يساوي بين أهل طاعته وأهل معصيته، فكيف بمن يطلب منه أن يفضِّل العبد العاصي على المطيع؟! وقد قال تعالى:{(151) فَاذْكُرُونِي} [البقرة: 152]، وفي «الصحيح»
(1)
: «من ذَكَرني في نفسِه ذكرتُه في نفسي، ومن ذَكَرني في ملأٍ من خَلْقي ذكرتُه في ملأٍ
…
» الحديث.
وفي «الصحيح»
(2)
: «مَثَل الذي [م 25] يذكُر ربَّه والذي لا يذكره كمثل الحيِّ والميِّت» .
والله تعالى يقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر: 22] فكيف يُسأل اللهُ أن يذكرَ الميتَ الغافلَ بأحسن مما يذكرُ الحيَّ الذَّاكِر؟!
وقد قال: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ
(1)
أخرجه البخاري (7405)، ومسلم (2675) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2)
أخرجه البخاري (6407)، ومسلم (779) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.
الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} إلى قوله: {وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ} [الأعراف: 156 - 157].
فقد كتبَ رحمتَه لأهل طاعته المتَّقين لكتابه ولرسوله، وقد أخبر أنهم هم المفلحون، فكيف يكون من لم يُطِع اللهَ ورسولَه، بل يعصيه مثل هؤلاء؟! فهذا من الاعتداء في الدعاء الذي نهى الله عنه.
ولو قال الرجل: اللهم اجعلني أفضل من السابقين الأولين، لكان معتديًا، فكيف إذا قال: اجعل رحمتك لمن يعصيك أتمّ من رحمتك لمن يطيعك؟! والله قد وعد أهل طاعته بقوله: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13]، وقال:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14].
فإن قيل: قد يُراد بذلك أن المطيع قد يحصل له إعجابٌ وكِبْر، وصاحب المعصية يحصل له ذُلٌّ وخشية.
قيل: من كان عنده كِبْر أو عُجْب أو رياء فليس مطيعًا بل عاصيًا، ومعصيةُ
(1)
الكِبر والعُجب والرياء أعظمُ من معصية شُرب الخمر، فالشارب الخاشع الخائف من ربه أقرب إلى رحمة ربه من الصائم المتكبِّر المُعْجَب المُرائي. فمن ظنَّ أن الطاعة صُوَر الأعمال فهو جاهل، بل اسم الطاعة يتناول طاعة القلب بالخوف والرجاء والإخلاص لله والشكر وغير ذلك، أعظم مما يتناول طاعةَ البدن كالصيام والقيام والصدقة، قال الله تعالى:
(1)
(م): «ومعصيته» ، وكذا ما بعدها.
{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} الآية [البقرة: 177].
وقد أجمع المسلمون على أن مجرَّد أعمال البدن بدون عمل القلب لا يكون عبادة ولا طاعة لله، وأن كلَّ عمل لا يُراد به وجه الله فليس هو عبادة له. وفي «الصحيح»
(1)
: «إنَّ في الجَسَد مضغةً إذا صَلحت صَلَح لها سائرُ الجسد، وإذا فَسَدت فسدَ لها سائرُ الجسد، ألا وهي القلب» ، وهذا باب واسع.
وقد يقال: المراد إذا وقَعْنا في الغفلة والمعصية تدارَكْنا برحمتك وانقِذْنا منها إلى الذِّكْر والطاعة أعظم مما تفعل إذا لم
(2)
نقع في ذلك.
قيل: هذا خطأ من وجهين:
أحدهما: أن يقال: فهذا طالبٌ لأن يجعله ذاكرًا مطيعًا، لا أن يكون مذكورًا [م 26] مرحومًا في حال الغفلة والمعصية أعظم مما يكون حال الذِّكر والطاعة.
والثاني: أنه لا يسوغ أن يدعوه بأن ينقله من حال الغفلة والمعصية إلى حالٍ أفضل مما ينقله في حال الذكر والطاعة، بل إذا كان يريد الانتقال إلى حالٍ أفضل من حاله، فهو إذا كان ذاكرًا مطيعًا يطلب الانتقال إلى ذكرٍ هو طاعة أفضل من ذلك الذكر والطاعة، فهو إن طلب أن يكون لأهل الغفلة والمعصية من الكرامة أعظم مما لأهل الذكر والطاعة مع مُقامِهم على ذلك= فهذا ممتنع، وهو مُراغمة لدين الله.
(1)
أخرجه البخاري (52)، ومسلم (1599) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.
(2)
(م): «إذا وقعنا لم
…
»، وكلمة «وقعنا» هنا لا معنى لها.