الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وغير ذلك، ويمتاز كلٌّ منهما عن الآخر بخصائصه.
وليس اتفاقهما في ذلك بمعنى أن في الخارج عن العلم والذهن معنًى واحدًا يشتركان فيه، بل كل ما في الخارج من الموجودات فهو مختص بما هو موجود في الخارج، فصفات كل موصوف قائمة به، لا يَشْركه فيها غيره، ولكن يتفقان في معنًى عامّ كلّي لا يوجد مطلقًا كلِّيًّا إلا في الذهن، والكُلِّي لا يكون كليًّا إلا في الأذهان لا في الأعيان.
ولكنْ طائفةٌ من النُّظار غَلِطوا في هذا الموضع، فظنوا أنه إذا قيل: هذان يتفقان في مسمى الوجود، ففي الخارج وجود هو بعينه ثابتٌ لكل منهما. وظنوا أن من قال ذلك فإنه يقول: وجود الشيء زائد على ماهيته التي هي حقيقته. وأن من قال: إن لفظ الوجود والشيء والثابت يُقال بالتواطؤ العام، سواء كان المعنى العام يتفاضل يسمى مشكَّكًا أو لم يكن كذلك= فإن مذهبهم أن وجود كل شيء زائدٌ على ماهيته. ومَن قال: إن وجود الشيء في الخارج هو حقيقته الخارجة، فإنه يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، وهو غلط؛ فإن مذاهب أئمة النظار والمتكلمين: أن لفظ الوجود والشيء ونحوهما من الأسماء العامة التي تسمَّى متواطئة ليس من الأسماء المشتركة لفظيًّا كلفظ «المشتري» الذي يُقال على قابل البيع وعلى كوكب في السماء.
ثم إن
مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة
في الخارج، مع قولهم بأن اسم الوجود عام على كل متواطئ، ومن نَقَل عن هؤلاء أنهم قالوا: لفظ الوجود مشترك اشتراكًا لفظيًّا فقد غَلِط عليهم، كما يوجد ذلك في كلام أبي عبد الله الرازي، وأبي الحسن الآمدي، وغيرهما ممن تبع الشهرستاني في ذلك.
فإن قالوا ذلك لِمَا ظنوه لازمًا له، حيث كان من نفاة الأحوال، وممن يقول:[م 103] المعدوم ليس بشيء، ووجود كل شيء عنده عين حقيقته الموجودة في الخارج= فظنَّ هؤلاء أن هذا يلزمه أن يجعل لفظ الوجود مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، إذ لو كان عامًّا متواطئًا للزم اشتراك الموجودات في مسمَّى الوجود، وامتياز كلِّ واحد عن الآخر بما يخصه، فتكون الحقيقة زائدة على الوجود.
وهذا غلط منهم، فإن نُظَّار أهل الإثبات لا يجعلون في الخارج كليًّا مشتركًا، وإذا قالوا: إن الموجودات اشتركت في مسمى الوجود لم يقولوا: إن في الخارج موجودًا يشترك فيه هذا وهذا. [وكذلك إن]
(1)
قالوا: إن الأشياء تشترك في مسمَّى الشيء، والذات تشترك في مسمَّى الذات، والحقائق تشترك في مسمَّى الشيء والذات والحقيقة. وكذلك إذا قيل: الماهية
(2)
فإنها تشترك في مسمى الماهية.
ومن المعلوم أن الاشتراك في هذه الأسماء لا يوجب أن يكون بين ذات هذا المعيَّن وذات هذا المعيّن في الخارج شيئًا مشتركًا فيه، إذ لو كان كذلك لما كان لشيء من الأشياء شيء يختصُّ به، فإن أخصَّ الأشياء به نفسه وذاته. فإذا قيل: الذات مشترك لم يختص به شيء، وإذا قيل: الذاتان يشتركان في مسمى الذات وإحداهما مختصَّة عن الأخرى بما تختص فيها من مسمَّى الذات، فذلك المختص فيه أيضًا لفظ الذات
…
(3)
كل شيء فإنه يتميز عن
(1)
ما بين المعكوفين غير واضح في (م)، وما أثبته تقديرًا.
(2)
غير واضحة في (م).
(3)
كلمتان لم تظهرا.
الآخر بنفسه، لا يفتقر إلى متميز عن غيره بشيء آخر، فإن ذلك الشيء إن تَمَيَّز بنفسه فقد ثبت أن الشيء متميز بنفسه، وإن كان بشيء آخر لزم التسلسل في المتميزات في آنٍ واحد، وهو من جنس التسلسل في المؤثرات، وهو باطل باتفاق العقلاء. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع
(1)
.
والمقصود هنا التنبيه على أنه لابد من الاعتراف بموجودَيْن قديم وحادث، واجب وممكن، خالق ومخلوق، وأنْ لا بُدَّ من اتفاقهما في بعض الأسماء والصفات، وذلك لا يوجب تماثلهما في شيء من الأشياء، فإنه إذا قيل: هذا شيء موجود قائم بنفسه، وهذا شيء موجود قائم بنفسه، لم يكن بينهما تماثُل في شيء من الأشياء، بمعنى أن ما ثبت لأحدهما في الخارج لا يماثل ما ثبت للآخر، لكن اتفقا في مسمَّى القَدْر المشترك.
فإن قال القائل: قد تماثلا فيه بمعنى أنهما متماثلان في الكلِّيّ الذهني دون الموجود الخارجي، لم يُنازع في ذلك [م 104] فإن المقصود أن ما ثبت لأحدهما لا يماثله فيه الآخر، وأما في الذهن فليس مختصًا بأحدهما، بل ولا هو قائمًا بأحدهما.
فإذا قيل: لفظ الوجود أو العلم أو الحياة أو القدرة أو العليم أو الحكيم أو غير ذلك، فله ثلاثة
(2)
اعتبارات.
أحدها: أن يختص بالمخلوق، فيقال: وجود العبد أو علمه أو قدرته، أو يقال: هذا الإنسان العالم أو الحكيم. فالرب تعالى مُنَزَّهٌ عن كلِّ ما يختص بالمخلوقين، وليس الربُّ متصفًا بشيء من ذلك، فضلًا عن أن يماثل ذلك.
(1)
انظر ما سبق (ص 236)، و «الصفدية»:(1/ 23 وما بعدها).
(2)
(م): «ثلاث» .
الثاني: أن يختصَّ بالخالق، فيقال: وجوده وذاته وعلمه وقدرته، أو يقال: إن الله عليم حكيم، ونحو ذلك، فهذا مختصٌّ بالرب تعالى لا يَشْركه فيه المخلوق بوجهٍ من الوجوه. وبهذا يتبين امتناع التشبيه فيما وَصَفَ اللهُ به نفسَه، فإنه لم يذكر من ذلك شيئًا إلا مضافًا إلى نفسه بما يوجب اختصاصه، ويمنع مشاركة غيره له فيه كقوله:{وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255]، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ} [الذاريات: 58]، وقوله:{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ونحو ذلك، فأضافَ العلمَ والقوة واليد إلى الله إضافةً توجب اختصاصه بذلك، وتمنع مشاركة غيره له فيه بوجه من الوجوه، فإذا كان الموصوف لا يماثل الموصوفات وجب أن تكون صفته لا تماثل الصفات، ودل على ذلك نفس اختصاصه بجهة الإضافة.
ومَن قال حينئذ: إن العلم والقوة واليد لا يفهم منه إلا ما يقوم بالمخلوقين= كان جاهلًا أو متجاهلًا، فإن ذلك إنما يكون عند الإضافة إلى المخلوق، فأما عند الإضافة الموجبة لتخصيص الخالق فهذا كلام باطل.
الاعتبار الثالث: أن يقال: اللفظ إذا كان مطلقًا عامًّا لا يختصُّ بخالق ولا مخلوق، كما يقول: موجودٌ وذاتٌ وقدرةٌ ويدٌ، ونحو ذلك، فهذا المطلق لا يختص بالخالق ولا بالمخلوق، بل اللفظ يتناول الاثنين، لكن هذا المشترك لا وجود له في الخارج عقلًا، ولا لَفْظه موجودٌ في الكلام سمعًا، بل موجود مطلق يتناولهما جميعًا، لا يختص بخالق ولا مخلوق، ولا يوجد في الخارج، ولا هو موجود في كلام الله ورسوله، وإنما [م 105] يجرّد
(1)
لفظًا ومعنى، إذا
(1)
محتملة، وهكذا قرأتها.
قيل: الموجود ينقسم إلى قديم ومحْدَث، وواجب وممكن، ونحو ذلك، فيجرِّد العقلُ المعنى المطلقَ العامَّ المشترك، ويجرد من اللغة لفظًا مطلقًا
(1)
، ثم نقول: ما كان من لوازم هذا المشترك فإنه لا نقص فيه ولا محذور، وإنما النقائص من لوازم المختص بالمخلوقات، والربُّ تعالى مُنَزَّه عن كل ما يختص بالمخلوقات، فأما ما كان مختصًّا به أو كان من لوازم هذه الأمور العامة الكلية، فإنه صفة كمال. فما كان من لوازم الوجود القديم الواجب الخالق، أو كان من لوازم مطلق الوجود فإنه صفة كمال لا نقص فيه، وإنما النقص فيما كان من لوازم الوجود المخلوق.
[وإذا عرف]
(2)
العاقل هذه الأمور، فإنه يزول بها عنه شبهات كثيرة، وقد بُسِطَ الكلام عليها في غير هذا الموضع. وإنما نبهنا هنا على بعض ما يتعلق بكلام هؤلاء ــ أهل الوحدة ــ. والله الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
(3)
.
* * * *
(1)
ضبطها في (م): «لفظٍ مطلقٍ» .
(2)
ما بين المعكوفين غير واضح وأثبته تقديرًا.
(3)
جاء في خاتمة النسخة: «نَجز يوم السبت السابع من شهر محرم من شهور سنة ثلاثة وعشرين وسبع مئة.
تعليق الفقير إلى رحمة ربه الكريم أيوب بن أيوب بن صخر بن أيوب بن صخر بن أبي الحسن بن بقاء بن مساور العامري بالشام المحروس بمدينة حمص المحروسة، والله أعلم.
بلغ المقابلة على أصله فصحَّ بحسب الطاقة، والله أعلم».