المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيد حقا من أغنيته - الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌العبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها

- ‌العمل الصالح

- ‌المراد بالبدعة:

- ‌ ذمّ الله تعالى المشركين بذلك

- ‌الواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من كانت الواسطة بينه وبين الله عز وجل نورَ النبوة المحمدية كان أكمل

- ‌ ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى طائفة غير الصحابة

- ‌ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة

- ‌ المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة

- ‌ كمال التوكل

- ‌الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات

- ‌أحدها:

- ‌الثاني:

- ‌الثالث:

- ‌ الرابع:

- ‌ تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة

- ‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه

- ‌يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة

- ‌قوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد

- ‌الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني

- ‌الوجه الثالث

- ‌ الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:

- ‌قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك

- ‌ الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول

- ‌ لفظ النفس

- ‌ لفظ «الروح»

- ‌قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي

- ‌ قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني

- ‌ قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح

- ‌ قوله: «أعوذ بك منك»

- ‌هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود

- ‌ الثاني: الفناء عن وجود السّوي

- ‌ قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا

- ‌الحلول المطلق

- ‌ الحلول الخاص أنواع:

- ‌ جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين

- ‌أصل دين الإسلام:

- ‌ مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة

- ‌ فهرس المراجع

الفصل: ‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيد حقا من أغنيته

وذلك مثل‌

‌ قوله في «الحزب الكبير»

(1)

: (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه

عن السؤال منك، والشقيُّ حقًّا من حرمْتَه

(2)

مع كثرة السؤال لك، فاغنِنا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك).

فيقال: من المعلوم أنَّ أحدًا من المكلَّفين لا يستغني عن سؤال الله، بل السؤال عليه فرضٌ في صلاته بقوله:[م 19]{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]،

وقد ثبت في «الصحيح»

(3)

أن الله تعالى يقول: «قَسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قال: مجّدني عبدي، فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قال: هذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل»

(4)

.

وهذا دعاء واجب على كل مسلم في كل صلاة، لا صلاة إلا به، وعند جمهور العلماء أنه رُكن في الصلاة لا تصح الصلاة إلا به، وهو قول مالك

(1)

«حزب البر» : (ق 2 أ).

(2)

مخطوطة الحزب: «أحرمته» .

(3)

أخرجه مسلم (395) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

«وقد ثبت في

» إلى هنا زيادة من (ت).

ص: 97

والشافعي وأحمد في المشهور عنه وأبي يوسف وغيرهم، وعند

(1)

بعضهم هو واجب وتاركه مسيءٌ آثم

(2)

وإن لم يوجبوا عليه الإعادة، كما يقوله أبو حنيفة ومحمد

(3)

.

ومعلومٌ أنَّ ما كان واجبًا على العبد لم يكن مُستغنيًا عنه، إذ لابدَّ للعبد من أداء الواجبات، والصلاة عمود الدين لا تسقط لا عن الأنبياء ولا عن الأولياء ولا غيرهم، ومن اعتقد سقوطَها عن خواصِّ الأولياء فإنه يُستتاب، فإن تابَ وإلا قُتِل.

فإنَّ كثيرًا من أهل الضلال يعتقدون سقوط الواجبات عن الأولياء الواصلين إلى الحقيقة، ويتأولون قوله:{وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99]، قالوا: فإذا حصل اليقين سقطت العبادة. وهذا من جنس قول القرامطة الباطنية من المتفلسفة وغيرهم، الذين يرون العبادات رياضة النفس حتى تصل إلى المعرفة التي يدَّعونها، فإذا وصل إلى المعرفة سقطت عنه

(4)

.

ومن المعلوم [ت 29] أنَّ هذا خلاف دين الإسلام، وأنه قد عُلِمَ بالاضطرار من دين الإسلام: أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد من

(1)

العبارة في (م): «وأحمد والمشهور عند أبي يوسف وعند

».

(2)

من (ت).

(3)

انظر «المغني» : (2/ 146 - 147)، و «الوسيط»:(2/ 109) للغزالي، و «الذخيرة»:(2/ 182 - 183) للقرافي، و «مختصر اختلاف العلماء»:(1/ 295)، و «بدائع الصنائع»:(1/ 160).

(4)

وقد رد عليهم المصنف في مواضع كثيرة، انظر «الفتاوى»:(2/ 95 - 96)، (10/ 166، 503)، (11/ 417 - فما بعدها، 539 - 541).

ص: 98

الأولياء ولا شيءٌ من واجباتها إلا لعذر شرعيٍّ، مثل سقوط الطهارة للعجز عن استعمالها لعدمٍ أو خوفِ ضررٍ، وسقوطها بالجنون، وسقوط فعلها بالإغماء. وفي وجوب القضاء نزاع مشهور، ونحو ذلك مما هو معروف في مواضعه.

وقوله: {حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} المرادُ به ما يوقَنُ به من الموت وما بعده باتفاق السلف

(1)

، كما في قوله الذي حكاه عن الكفار:{عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)} [المدثر: 42 - 47]. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مَظْعون: «أمَّا هذا فقد جاءه اليقينُ مِن رَبّه»

(2)

.

ولهذا قال الحسن البصري: «لم يجعل الله لعبده المؤمن أجلًا دون الموت»

(3)

.

ولهذا قال الجُنَيد: تكلَّمَ قومٌ

(4)

بإسقاط الأعمال، وهذه عظيمة، والذي

(1)

نقله الطبري في «تفسيره» : (14/ 154 - 157) عن أهل التأويل، والواحدي في «الوسيط»:(3/ 53) عن جماعةِ المفسرين، وانظر رسالة «الإجماع في التفسير» (ص 334 - 336).

(2)

أخرجه البخاري (2687). والعبارة في (ت): «قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أما عثمان بن مظعون فقد أتاه

».

(3)

أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (18)، وأحمد في «الزهد» (ص 272)، وابن المقرئ في «المعجم» (750). ولفظه في (ت):«لعبده من أجل» .

(4)

(م): «قومًا» ، وفي مصادر الخبر ــ في إجابة على سؤال ــ: «إنَّ هذا قولُ قومٍ تكلموا

». والعبارة في (ت): «قال الجنيد عن هؤلاء: الزنا والسرقة وشرب الخمر خير من قول هؤلاء» .

ص: 99

يزني ويسرق أهون من هذا

(1)

. أو كما قال.

وأيضًا: فإن هذا كلام متناقض، فإنه يسأل أن يغنيه عن السؤال فيسقط [م 20] السؤال بالسؤال، ويذكر أن الحرمان قد يقترن بكثرة السؤال

(2)

، وأن السعيد من أغنيته عن السؤال، فإن كان هذا الكلام حقًّا فصاحب هذا السؤال ليس بسعيد؛ لأنه لم يُغْنِه

(3)

عن السؤال.

وإن لم يكن سعيدًا ولكن يطلب أن يكون سعيدًا

(4)

أيضًا في جميع ما يعرض له من الحوائج أن يسأل الله تعالى ذلك فيقضيه له، فالسؤال إن كان سببًا للسعادة فهو مشروع، فلا يسأل الله أن يرفع سبب سعادته، وإن لم يكن سببًا للسعادة فلا يشرع هذا السؤال.

وإن قيل: هذا السؤال بعينه هو سبب السعادة دون غيره= كان هذا معلومَ البطلان، فإن هذا السؤال لم يسأله أحدٌ من الأنبياء والمرسلين، ولا من المهاجرين الأولين، وهم أسعد الخلق.

ثم هو متناقض في نفسه، فإن الرغبة في الشيء تُناقض الزهدَ فيه، والسائل مريد للسؤال، فكيف يريد السؤال مع إرادته عدم السؤال؟!

(1)

ذكره أبو نعيم في «الحلية» : (4/ 386)، وأبو القاسم القشيري في «الرسالة»:(1/ 78 - 79).

(2)

(م): «أن الحرمان بكثرة السؤال قد يكون» .

(3)

(م): «لم يعتذر» ، وما في (ت) أصح.

(4)

كلمة طُمِس بعضها لم تتبين لي.

ص: 100

وهو

(1)

أراد عدم النوع مطلقًا بإرادة واحدٍ منه، ووجود الواحد من النوع ينافي عدمه

(2)

.

وأيضًا: فيقال: «مَن لم يسألِ الله يغضب عليه»

(3)

، فكيف يكون

(4)

السعيد من أغناه عن السؤال؟! والسؤال لله يكون إما واجبًا وإما مستحبًّا، فكيف يكون السعيد من يترك الواجبات والمستحبات؟! قال تعالى:{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32]، وقال تعالى:{(7) وَإِلَى رَبِّكَ}

(5)

[الشرح: 8]، وقال تعالى:{رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)} [الأعراف: 55]، وقال تعالى:{فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43]، وقال تعالى:{عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} [السجدة: 16]، وقال تعالى:{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90]

(6)

.

وقد أخبر الله تعالى عن أنبيائه؛ كآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم سؤالَه ودعاءَه، وهؤلاء أسعد الخلق وأفضلهم، فكيف يكون السعيد

(1)

غير واضحة ولعلها ما أثبت.

(2)

من قوله: «وإن لم يكن سعيدًا

» إلى هنا زيادة من (ت).

(3)

تقدم تخريجه (ص 46).

(4)

(ت): «فكيف أن لا يكون ويكون» .

(5)

الآية من (ت).

(6)

الآيات الثلاث الأخيرة زيادة من (ت).

ص: 101

مَن لا

(1)

يسأل الله لغناه عن سؤاله؟!

فإن قيل: المراد أن يعطيه بدون السؤال فلا يُحْوجه أن يسأل

(2)

.

قيل: لم يحصل لأحد جميع مطالبه الدينية والدنيوية بدون السؤال لله تعالى، لا لأُولي العزم ولا لمن دونهم، بل سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم كان أعظم الناس سؤالًا لربه، وبذلك أمَرهُ ربُّه

(3)

فقال: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]، وقال تعالى:{(6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ} [الشرح: 7 - 8]، وقال تعالى:{فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3]، وقال تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]

(4)

، وقال:{وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114]، وقد ثبت في «الصحيح»

(5)

أنه كان يوم بدرٍ يقول: «اللهمَّ أنجز لي ما وعدتني، اللهم

اللهم

» حتى أنزل الله الملائكة

(6)

وقد قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ

(1)

(م): «لم» .

(2)

العبادة في (ت): «المراد بذلك

بدون سؤال

إلى السؤال».

(3)

(م): «به» .

(4)

الآيات الثلاث زيادة من (ت).

(5)

أخرجه مسلم (1763) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

(6)

كلمة مطموسة لعلها «بالنصر» ..

ص: 102

قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}

(1)

[البقرة: 285 - 286].

والأدعية في القرآن كثيرة، مثل قوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا

} الآية، فهذا دعاء شرعه الله لرسوله وللمؤمنين.

والأدعية في الأحاديث الصحيحة كثيرة جدًّا مما كان يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعلِّمها للمؤمنين، بل المقام المحمود الذي يَغبِطُه به الأوَّلون والآخرون هو الشفاعة يوم القيامة، وهو سؤالٌ لربِّه ودعاءٌ له، فإذا كان في أفضل مقاماته داعيًا لربه، فكيف يكون غيره مُستغنيًا عن السؤال؟!

وأصحابه رضي الله عنهم كانوا إذا توسَّلوا به واستشفعوا به واستسقوا به إنما يتوسَّلون بدعائه وسؤاله، وهذا هو استشفاعُهم به واستسقاؤهم به، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحديث الصحيح لمَّا أجْدَب الناسُ عامَ الرَّمادة:«اللهم إنا كنَّا إذا أجْدَبنا نتوسَّلُ بنبينا فتَسقِينا، وإنا نتوسَّلُ إليك بعَمِّ نبينا فاسْقِنا»

(2)

. فإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه وسؤاله، وتوسلوا بعده بدعاء العباس وسؤاله لقُرْبه منه. وكذلك معاوية استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي

(3)

وقال: «اللهم إنا نستسقي إليك بخيارنا [م 21] بيزيد، يا يزيد ارفع

(1)

هنا تنتهي نسخة (ت)، وقد ختمها الناسخ بقوله:«سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين» . وفي الطرة: «بلغت مقابلة على أصله» .

(2)

أخرجه البخاري (1010) عن أنس أن عمر

الحديث.

(3)

(م): «الحرشي» ــ بالحاء المهملة ــ وهو تصحيف.

ص: 103

يديك إلى الله» فرفع يديه يدعو ويدعون

(1)

.

ولهذا قال العلماء: يستحب الاستسقاء بأهل الصلاح والدين، والأولَى أن يكون من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيُتوسَّل إلى الله بدعائهم، ولو كان التوسُّل بذات النبي صلى الله عليه وسلم والإقسام به على الله مشروعًا، لكان التوسل بذاته والإقسام به على الله حيًّا وميتًا أولى من العباس ويزيد بن الأسود وغيرهما؛ لأن ذاته أفضل من ذواتهم، والإقسام به على الله ــ إن كان القَسَم بالمخلوق مشروعًا ــ أولى من الإقسام بهم، بخلاف ما إذا كان التوسُّل بدعاء الشخص وسؤاله، فإنه يتعذَّر

(2)

بموت النبي صلى الله عليه وسلم كما يتعذّر الائتمامُ به في الصلاة والجهاد معه.

ومن هذا الباب: الحديث الذي رواه الترمذي والنسائي وغيرهما عن عثمان بن حُنَيف أنَّ أعمى أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ادعُ الله أن يَرُدَّ عليَّ بصري، فأمره أن يتوضَّأ ويصلي ركعتين ويقول:«اللهم إني أسالُك وأتوجَّه إليك بنبيِّك محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نبيِّ الرحمة، يا محمد يا رسول الله إنِّي أتوجَّه بك إلى ربِّي في حاجتي لِتقْضِيها، اللهم فشَفِّعه فيَّ»

(3)

.

(1)

أخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» : (9/ 448)، والبسوي في «المعرفة»:(2/ 381)، واللالكائي في «أصول الاعتقاد»:(9/ 215).

(2)

العبارة في (م): «فأما يعذر» ، وكذا في الموضع الثاني، ولعل الصواب ما أثبت.

(3)

أخرجه أحمد (17240)، والترمذي (3578)، والنسائي في «الكبرى» (10419)، وابن ماجه (1385)، وابن خزيمة (1219)، والحاكم:(1/ 313). قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وصححه ابن خزيمة، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين.

ص: 104

فهذا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه سؤاله لله، وأمَرَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يدعو هو أيضًا، ويتوسَّل إلى الله بسؤال الرسول، ولهذا أمره أن يقول في الدعاء:«اللهم فشفِّعه فيَّ» ، قال ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، وأمرَه هو أن يسأل الله قبول شفاعة الرسول فيه. وكذلك حديث الأعرابي وسؤاله الغَيْث وإزالته، وهو في «الصحيحين»

(1)

.

ومن قال: إن العبد قد يستغني عن سؤال الله ودعائه؛ فهو بمنزلة من قال: إنه يستغني عن عبادة الله وطاعته، بل سؤال الخلق لربهم أكثر من عبادتهم، فإنه يسأله المؤمن والكافر، ولا يعبده إلا المؤمن، قال الله تعالى:{(28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي} [الرحمن: 29]، وقال تعالى:{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].

وإن قيل: المراد بذلك: يُلهمه عبادتَه وطاعتَه فيغنيه عن سؤاله.

قيل: سؤاله ودعاؤه الواجب والمستحب من أكبر عبادات العبد وطاعته، فكأنه قال: لا تجعلني أعبدك بسؤالك والتضرُّع إليك.

وكذلك لمَّا قيل: {(35) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36]. قيل: «عبده» هنا هو الذي يعبده بما أمر، والدعاءُ الواجبُ والمستحبُّ من جملة ذلك.

فإن قيل: مراده: حاجات الدنيا، أي: اقْضِها لي بدون سؤال.

قيل: هذا باطل لوجوه:

(1)

البخاري (933)، ومسلم (897) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

ص: 105

أحدها: أنه لم يخصَّ سؤالًا من سؤال.

[م 22] الثاني: أنه قال: (فأخو الصلاح من أصلحته، وأخو الفساد من أضللته، والسعيدُ حقًّا من أغنيته عن السؤال منك)

(1)

وسياق الكلام يقتضي أنه طلب الاستغناء عن طلب الصلاح.

الثالث: أنه يقال: والسعيد مأمور بطلب مصالح دينه ودنياه، كما في قوله تعالى:{وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في الأدعية المأثورة عنه فعلًا وتعليمًا لأمته يذكر صلاح الدين والدنيا، كقوله:«اللهم اغفِر لي وارحَمني واهدني وعافني وارزقني»

(2)

.

وقوله: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عِصْمَة أمري، وأصلح لي دُنْيَاي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي»

(3)

.

وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من المأثم والمَغْرَم»

(4)

.

وقوله في الصحيح: «اللهم إني أعوذُ بك من الهمِّ والحَزَن، وأعوذُ بك من العَجْز والكَسَل، وأعوذُ بك من الجُبْنِ والبُخْلِ، وأعوذُ بك من ضَلَعِ الدَّين

(1)

«حزب البر» : (ق 2 أ).

(2)

أخرجه مسلم (2697) من حديث الأشجعي رضي الله عنه.

(3)

أخرجه مسلم (2720) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

أخرجه البخاري (832)، ومسلم (589) من حديث عائشة رضي الله عنها.

ص: 106

وغلبةِ الرِّجالِ»

(1)

.

وقوله في الحديث الصحيح: «اللهم ربَّ السمواتِ السبع وربَّ العرش العظيم، ربنا وربَّ كلِّ شيء، فالقَ الحبِّ والنَّوَى، مُنْزِلَ التوارةِ والإنجيل والقرآن، أعوذُ بك من شرِّ كلِّ دابةٍ أنتَ آخِذٌ بناصيتها، أنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخِرُ فليس بعدَك شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَكَ شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونك شيءٌ، اقْضِ عنِّي الدَّين وأغنِني من الفقر»

(2)

.

وفي الترمذي: «ليسأل أحدُكم ربَّه حاجَتَه كلَّها حتى شِسْعَ نَعْلِه إذا انقطَعَ، فإنه إن لم يُيَسِّرْه لم يتيسَّر»

(3)

.

وما زال الأنبياءُ وأتباعُهم يسألون الله مصالحَ دينهم ودنياهم وآخرتهم، فمن هو الذي استغنى عن سؤال الله تعالى؟!

ثم خاصية العبد أن يسأل ربه، وخاصية الرب أن يجيبه، فمن ظنَّ أنه يستغني عن سؤاله فقد خرج عن رِبْقة العبودية.

وهذا من حماقات الجُهَّال الذين يسلكون مسلك المتفلسفة في العبادات ويقولون: إن المقصود منها إصلاح أخلاق النفس لتستعدّ للعلم، فيجعلون غاية الإنسان هو العلم، ويجعلون العلم ما يعرفونه من العلم الإلهي، وهم

(1)

أخرجه البخاري (2893)، ومسلم (1365) من حديث أنس رضي الله عنه.

(2)

أخرجه مسلم (2713) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(3)

تقدم تخريجه مطولًا، والكلام على لفظ:«إنه إن لم ييسّره لم يتيسر» (ص 46) حاشية 02.

ص: 107

ضالون في هذا وهذا، كما قد بُسِط في موضعه

(1)

، فإن نفس حُبِّ الله هو من كمال النفس وسعادتها التي لا يتحصَّل إلا بها، وليس هو

(2)

مقصود، والعلم بالله مقصود لنفسه، والعلم الإلهي الذي عندهم غايته معرفةُ وجودٍ مطلق [م 23] لا يُتصور إلا في الأذهان لا في الأعيان.

وهؤلاء يجعلون الدعاء إنما هو قوة للنفس لتؤثِّر في هَيُولى العالم

(3)

، والشفاعة إنما هي فيضٌ تفيض من الشافع على المشفوع، كما يفيض شعاع الشمس، فليس عند هؤلاء في الحقيقة سؤال لله ولا عبادة له، وعندهم كمال النفس في الفلسفة: التشبُّه بالإله على حسب الطاقة، فلا يجعلون العبد عابدًا لربه، ولا مستغنيًا به، بل تفيض عنه الأمور كما تفيض عن الربّ عندهم، وعن العقول كالعقل الأول، والعقل الفعَّال، ويَدَّعون أن العقول التي يثبتونها هي من الملائكة في لسان الأنبياء، وهذا من أعظم الباطل الذي قد بُسِط الكلامُ عليه في غير هذا الموضع

(4)

.

بل الملائكة من أعظم المخلوقات عبادةً لله وسؤالًا له، كما أخبر الله

(1)

انظر «الرد على المنطقيين» (ص 145)، و «الصفدية»:(2/ 232)، و «الفتاوى»:(9/ 136).

(2)

أي العلم الإلهي الذي عندهم.

(3)

الهيولى: لفظ يوناني بمعنى: الأصل والمادة، وفي الاصطلاح: جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين: الجسمية والنوعية. انظر «التعريفات» (ص 257)، و «التوقف على مهمات التعاريف» (ص 745).

(4)

انظر ما سبق (ص 20 - 22)، و «الفتاوى»:(11/ 229 - فما بعدها).

ص: 108

عنهم في كتابه بقوله: {فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)} [فصلت: 38].

ومن ظنَّ أنه يستغني عن سؤال ربِّه دعاه ذلك إلى الاستنكاف والاستكبار، وقال تعالى:{يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ} الآيات [غافر: 7]. وفي «الصحيح» : «أن الملائكة تُصَلِّي على العبد ما دام في مصلَّاه»

(1)

.

فأين هذا مما تدَّعيه الفلاسفة من أن العقل الأول مُبدِع كلِّ ما سوى الله، وأنَّ العقلَ الفعَّال مُبدِع لكلِّ ما تحت الفَلَك؟

وقد وقع طائفةٌ من أصولهم في الكتب المنسوبة إلى أبي حامد، مثل «مشكاة الأنوار» ، و «المضنون به» وغير ذلك

(2)

، وكذلك في كتب البُوني

(3)

(1)

أخرجه البخاري (648)، ومسلم (649/ 274) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

سبق الكلام على كتبه ومدى ثبوتها وهل رجع عن بعضها (ص 61 - 62).

(3)

البُوني ــ نسبة إلى بونة على ساحل البحر بإفريقية ــ: هو أحمد بن علي بن يوسف أبو العباس المغربي، صاحب المصنفات في علم الحرف منها:«شمس المعارف الكبرى والوسطى والصغرى» ، و «لطائف الإشارات» (ت 622). انظر «ديوان الإسلام»:(1/ 25)، و «الأعلام»:(1/ 174)، و «كشف الظنون» (2/ 1062).

وقد ذكر المصنف البونيَّ وبعضَ مقالاته في «الفتاوى» : (10/ 451) فقال: «وكذلك أصحاب دعوات الكواكب الذين يدعون كوكبًا من الكواكب ويسجدون له ويناجونه ويدعونه ويصنعون له من الطعام واللباس والبخور والتبركات ما يناسبه، كما ذكره صاحب «السر المكتوم» المشرقي (وهو الفخر الرازي) وصاحب «الشعلة النورانية» البوني المغربي وغيرهما، فإن هؤلاء تنزل عليهم أرواح تخاطبهم وتخبرهم ببعض الأمور، وتقضي لهم بعض الحوائج، ويسمون ذلك روحانية الكواكب. ومنهم من يظن أنها ملائكة وإنما هي شياطين تنزل عليهم» اهـ.

ص: 109

المتأخِّر وأمثاله. وفي كلام صاحب «الحزب» من هذه المواد الفاسدة ما أوجبَتْ مثل هذا الكلام، كما سننبِّه عليه إن شاء الله، فإنه قد ذكر في مصنَّفٍ له قطعةً من الحقائق مبنية على أصولِ متصوفةِ الفلاسفة، ويُشْبِهُ أن يكون أخَذَها من كتب صاحب الكتب المضنون بها، أو من نحوه.

وابنُ عربي، وابن سبعين، وابن

(1)

الطفيل صاحب رسالة حَيّ بن يقظان، وابن رُشد الحفيد= يستمدُّون من كلامه. ومن هذا الباب وقعوا في الإلحاد الذي شاركوا فيه ملاحدة الشيعة، وهم يسمونه التوحيد والتحقيق، و [هو]

(2)

تحقيق الإلحاد الذي يخرج به الرجل من الدين كما تخرج الشعرةُ من العجين.

ثم إن صاحب الحزب خرج من ذلك إلى ضروبٍ من الحلول والاتحاد المقيد أو المطلق، كما سنذكره إن شاء الله.

وأيضًا: فقول القائل: «والشقيُّ حقًّا من حَرَمْته مع كثرة السؤال لك» كلامٌ مخالفٌ لما أخبر الله به ورسوله، فإنَّ في الصحيح

(3)

عن النبي صلى الله عليه وسلم

(1)

(م): «وأبي» ! وهو خطأ، وهو: محمد بن عبد الملك بن محمد بن محمد بن طُفَيل القيسي أبو بكر الأندلسي، الطبيب الفيلسوف، له تصانيف في الفلسفة وغيرها (ت 581). انظر:«عيون الأنباء» : (2/ 78)، و «الإحاطة في أخبار غرناطة»:(2/ 478 - 482)، و «وفيات الأعيان»:(7/ 134).

وهذه الرسالة (حي بن يقظان) غرضه فيها بيان مبدأ النوع الإنساني على مذهب الفلاسفة.

(2)

زيادة لعل السياق يستقيم بها.

(3)

كذا في (م)، وقد نسبه المصنف أيضًا للصحيح في «الفتاوى- التوسل والوسيلة»:(1/ 223)، وللصحيحين في «الفتاوى»:(10/ 319). ولم أجده في «الصحيحين» ولا أحدهما.

ص: 110

[م 24] أنه قال: «ما من عبد يدعو اللهَ بدعوةٍ ليس فيها إثمٌ ولا قطيعةُ رحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى خصالٍ ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دعوتَه، وإما أن يدَّخِر له من الخير مثلَها، وإمَّا أن يصرفَ عنه من السوءِ مثلَها» ، قالوا: يا رسول الله إذًا نُكْثِر؟ قال: «الله أكثر»

(1)

.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إني لا أحمِلُ همَّ الإجابة، وإنما أحمل همَّ الدعاء، فإذا أُلْهِمْتُ الدُّعاءَ فإنَّ الإجابة معه»

(2)

.

وفي «الصحيحين»

(3)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ينزِل ربُّنا كلَّ ليلةٍ إلى

(1)

أخرجه أحمد (11133)، وابن أبي شيبة:(6/ 22)، والبخاري في «الأدب المفرد» (710)، والبزار (3143، 3144 - الكشف)، وأبو يعلى (1015)، والحاكم:(1/ 493)، والبيهقي في «الشعب» (1089، 1090)، وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الحاكم:«هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن علي بن علي الرفاعي» . وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» : (10/ 148): رجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة.

وله شاهد من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أخرجه الترمذي (3573) وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ومن حديث جابر رضي الله عنه أخرجه الترمذي (3381).

(2)

لم أجده، وذكره المصنف في «الاقتضاء»:(2/ 229)، و «الفتاوى»:(8/ 193)، وذكره تلميذه ابن القيم في غير موضع من كتبه.

(3)

البخاري (1145)، ومسلم (758) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 111

سماء الدنيا حين يبقى ثلثُ الليل الآخرُ فيقول: مَن يدعوني فأستجيبَ له، مَن يسألني فأعطيَه، مَن يستغفرني فأغفرَ له. فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر».

وفي رواية: «لا أسأل عن عبادي غيري»

(1)

.

وفي «الصحيح»

(2)

أيضًا عنه أنه قال: «إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه إيَّاهُ، وذلك في كلِّ ليلة» .

وفي «الصحيحين»

(3)

عن يومِ الجمعة مثله.

وقد قيل: سبب الإجابة إما الطاعة للأمر، وإمَّا الإيمان بإجابته للداعي، فكيف يُقال: إنه يحرم عبده مع كثرة السؤال له؟ وإن هذا هو الشقيّ حقًّا؟! ثم إن هذا سؤال له ممكن أن يكون صاحبه من الأشقياء الذين حَرَمهم مع كثرة السؤال، وحينئذ فيلزم أن لا يُدْعى بهذا، فيكون هذا الدعاء باطلًا على قوله، كما هو باطلٌ على موجب الكتاب والسنة.

ومن ذلك قوله: (واذكرنا إذا غَفَلْنا عنك بأحسن مما

(4)

تذكرنا به إذا ذكرناك، وارحمنا إذا عصيناك بأتمّ مما ترحمنا به إذا أطعناك)

(5)

.

(1)

أخرجه أحمد (16215)، والنسائي (10236)، وابن ماجه (1367)، وابن حبان (212)، وغيرهم من حديث رفاعة الجهني رضي الله عنه. والحديث صحح سندَه المصنف في «الفتاوى- حديث النزول»:(5/ 372).

(2)

أخرجه مسلم (757) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(3)

البخاري (935)، ومسلم (852) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4)

نسخة الحزب: «ما» وكذا ما بعدها.

(5)

«حزب البر» : (ق 3 أ).

ص: 112