الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكلُّ شيخٍ سالك لم يقم بالأمر والنهي متابعًا في ذلك للكتاب والسنة والإيمان= فإنَّ الله لم يُرِد به خيرًا، كما ثبت في «الصحيح»
(1)
: «مَن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدين» . فمن لم يُفَقَّه في الدين لم يُرد به خيرًا.
فمن سلك الطريق شاهدًا لتوحيد الربوبية، غير متفقِّهٍ في الأمر والنهي ولا عاملٍ بذلك، فإنه ضالٌّ مُضل، ولا بد أن يتناقض في طريقه لينظر في حقوق الله تعالى بعين القدر، وفي حظوظه بعين هواه، إذا نظر إلى الكفار والفجَّار نظر بعين القدر، وإذا نظر إلى من آذاه أو قَصَّر في حَقِّه ــ ولو كان من خيار أولياء الله ــ نظر بعين الهوى، فذمَّه وعابَه
(2)
وطلبَ عقابَه، وربما سعى في قتله بباطنه أو ظاهره لهوى نفسه لا لحقِّ ربِّه، وإن لم يقتله سلبه حاله، لنوع من الحسد والهوى لا لأجل الأمر والتقوى، ويقول: إني متصرِّف بالأمر، والأمر مجمل لا يُفرّق بين الأمر الإلهي النبوي الشرعي الذي بَعَث به رسولَه، وبين أمرٍ نفسانيٍّ أو شيطاني يُلقى في باطنه من جهة النفس والشيطان.
و
الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني
(3)
.
فالرحماني ما وافق الكتاب والسنة، وما خرج عنهما فمِنَ النفسِ والشيطان، والله ورسوله بريئان منه وإن كان واقعًا بالقدر.
(1)
البخاري (71)، ومسلم (1037) من حديث معاوية رضي الله عنه.
(2)
(م): «وعبابه» ، ولعل الصواب ما أثبته.
(3)
تكلم المصنف على هذه الأحوال في عدد من مصنفاته، انظر:«الفتاوى» : (10/ 613)، (11/ 635)، (27/ 497)، (35/ 108 - 119)، وابن القيم في «الروح» (ص 583 - 587)، و «مدارج السالكين»:(2/ 481 - 482).
ونرى صاحبَ هذا المقام الفاسد يحتجُّ بالقدر، وبعضهم يروي أنَّ أهلَ الصُّفَّة قاتلوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم شهودًا للقدر وتوحيدًا للربوبية، وهذا من أعظم الفِرية على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه
(1)
! وهذا حال المشركين الذين احتجُّوا بالقدر على ترك التوحيد، وقالوا:{لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 148]، فإن طَرَد صاحبُ هذا القول مقالَه انتهى إلى شركِ عُبَّاد الأوثان من العرب وغيرهم، فإنهم كانوا مقرِّين بتوحيد الربوبية، ولكن عبدوا غيرَ الله بغيرِ إذنِ الله، فمن عبد غيرَ الله، أو عبد الله بغير شرعه، ففيه شوبٌ من شبه المشركين والنصارى، وإذا تعلق مع ذلك بتوحيد الربوبية كان كالمشركين الذين تعلقوا بتوحيد الربوبية.
والمشايخ المستقيمون
(2)
كالفُضيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني
(3)
، ومعروف الكَرْخي، وأمثالهم، هم المتبعون
(1)
قال المصنف في «الفتاوى» : (11/ 52): «فمن لم يؤمن بأن محمدًا رسول الله إلى جميع العالمين، وأنه يجب على جميع الخلق متابعته، وأنَّ الحلال ما أحلَّه الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه= فهو كافر مثل هؤلاء المنافقين ونحوهم ممن يجوِّز الخروج عن دينه وشرعته وطاعته
…
ويحتجون بما يفترونه: أن أهل الصُّفة قاتلوه، وأنهم قالوا: نحن مع الله، من كان الله معه كنا معه. يريدون بذلك القدر والحقيقة الكونية دون الأمر والحقيقة الدينية. ويحتج بمثل هذا من ينصر الكفار والفجار ويخفرهم بقلبه وهمته وتوجهه
…
» اهـ بتصرف. وانظر: (10/ 384).
(2)
(م): «المستقيمين» .
(3)
هو: عبد الرحمن بن عطية أبو سليمان الداراني الدمشقي، من كبار مشايخ الصوفية (ت 215). ترجمته في «طبقات الصوفية» (ص 75 - 82) للسلمي، و «الحلية»:(9/ 254 - 280)، و «الرسالة القشيرية»:(1/ 61 - 62)، و «السير»:(10/ 182).
للكتاب والسنة، والصوفية المتبعون لهم هم صوفية أهل السنة والحديث في اعتقادهم وفي عملهم، فهم [يؤمنون]
(1)
بما أخبر به الرسول، ويَمْتَثلون ما أمر به، يصدقونه في خبره، ويطيعونه في أمره، ومن كان كذلك فهو من أولياء الله المتقين [م 30] الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
وآخرون من المتصوِّفة دخلوا في نوع من بدع الجهمية الذين ينفون الصفات أو بعضها، ويشهدون الجَبْر والقَدَر مُعرضين عن الأمر والنهي، فهؤلاء إذا حققوا طريقهم انتهوا إلى البقاء في التوحيد والصفات، والفناء في الأمر والنهي.
ومن هنا دخل متصوفة المتفلسفة الذين جمعوا مع هذا وهذا القولَ بِقِدَم الأفلاك، وأن النبوة فيض، وأن العبادات وسائل إلى حصول الفيض الذي يصير به الإنسان مثل موسى بن عمران!
وخرج مِن هنا مَن جعل النبوة مُكتسبة، فطلب أن يصير نبيًّا كالسَّهْرَورْدي المقتول، وابن سبعين وغيرهما.
ومن الصوفية مَن يكون مُثبتًا للصفات رادًّا على الجهمية، لكن يلحظ الجَبْر وإثبات القَدَر شاهدًا لتوحيد الربوبية، معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية، كما وقع طرف من ذلك في «منازل السائرين»
(2)
وأَخَذَه
(1)
زيادة لازمة.
(2)
لأبي إسماعيل الهروي (ت 480)، في مواضع عديدة، من ذلك قوله:«إن مشاهدة العبدِ الحُكْمَ لم تدع له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباح سيئة؛ لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحُكْم» . انظر شرحه «مدارج السالكين» : (1/ 250) لابن القيم وقال عقبه: «هذا الكلام إن أُخِذَ على ظاهره فهو من أبطل الباطل» . وقد رد المصنف على الهروي في غير موضع، انظر «المنهاج»:(5/ 359)، و «الفتاوى»:(13/ 229)، وما سيأتي (ص 104).
عنه ابن العريف في «محاسن المجالس»
(1)
.
وقد صار لفظ «الصوفية» لفظًا مجملًا يدخل فيه مَن هو صِدِّيق ومَن هو زنديق، فإنَّ من صَدَّق الرسولَ فيما أخبر وأطاعه فيما أمر، إذا حقق ذلك صار صدِّيقًا، ومن أعرض عن خبره وأمره حتى أخبر بنقيض ما أَخبر، وأمَرَ بخلاف ما أَمر، فإنه يصير زنديقًا. وهذا حال الملاحدة الذين ينتسبون إلى الصوفية، كالقائلين بوحدة الوجود ويسمون ذلك تصوفًا. وقد بُسِط الكلامُ على لفظ التصوف وما يتعلق به في غير هذا الموضع
(2)
.
[ومن ذلك قوله: (فليس كرمُك مخصوصًا بمن أطاعك وأقبل عليك، بل هو مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك، وإن عصاك وأعرض عنك)]
(3)
.
لابد لهم أن يمنَّ عليهم بسبب ذلك من الإيمان والطاعة، وإلا فمع
(1)
ابن العريف هو: أحمد بن محمد بن موسى الصنهاجي أبو العباس الأندلسي، الصوفي (ت 536). ترجمته في «الصلة»:(1/ 81)، و «وفيات الأعيان»:(1/ 168 - 170)، و «السير»:(20/ 111 - 114). وكتابه «محاسن المجالس» في التصوف مطبوع، وانظر «كشف الظنون»:(2/ 1609). وللمصنف رسالة مستقلة في الكلام على تصوف ابن العريف. انظر «أسماء مؤلفات ابن تيمية - ضمن الجامع» (ص 302) وقد تصحف فيه إلى «ابن الشريف» فليصحح. ولابن القيم نقد طويل لكتاب ابن العريف في «طريق الهجرتين» .
(2)
انظر «الفتاوى» : (10/ 369)، (11/ 5 - 7، 195).
(3)
سقط من (م) الورقة (30 ب- 31 أ). وما بين المعكوفين أثبتناه من «حزب البر» : (ق 5 أ) لأن ما بقي من كلام المصنف ردٌّ على هذا المقطع من كلام الشاذلي.
موت العبد على العصيان والإعراض عن الله لا يجعله كالمطيعين المقبلين عليه، كما قال تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ
(1)
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28].
والله تعالى يعلمُ الأشياءَ على ما هي عليه، ويُخبر بها كذلك، ويكتبها كذلك، كما ثبت في «الصحيح»
(2)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما مِنكُم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِم مقعدُهُ من الجنة والنَّار» . قالوا: أفلا ندَعُ العملَ ونتَّكِلُ على الكتاب؟ فقال: «لا، اعمَلُوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِق لهُ، أمَّا مَن كان مِن أهل السعادة فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل السَّعادة، وأمَّا مَن كان مِن أهلِ الشَّقاء فسَيُيَسَّرُ لعمل أهل الشَّقاء» .
فلمَّا استأذنوه أن يتَّكِلوا على السابقة نهاهم وأخبرهم أن السابقة سبقت بالسعادة بعملها، والشقاوة بعملها، لم يَسْبِق بسعادةٍ مجرَّدَةٍ وشقاوةٍ مجرَّدَةٍ، فمن ييسره الله لعمل أهل السعادة حتى يموت على ذلك كان هو الذي سبقت له السعادة، وبالعكس.
وأما قول
(3)
القائل: «كرمك مبذولٌ بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك» .
إن أراد به ما يبذله للكفار والفجار من نعيم [م 32] الدنيا فهذا صحيح،
(1)
(م): «أفنجعل» .
(2)
أخرجه البخاري (1362)، ومسلم (2647) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(3)
مطموسة في (م) ولعلها ما أثبت.
لكنَّ المؤمن لا يطلب مجرَّد ذلك، فإنَّ نعيم الدنيا مع عذاب الآخرة لا يطلبه مسلم، ولهذا تنازع أهل السنة المثبتون للقدر في الكافر، هل عليه نعمة دنيوية؟ على قولين معروفين لهم؛ قيل: النعيم الذي يعقبه عذاب ليس بنعمة، وقيل: بل هو نعمة.
وفصل الخطاب: أنه نعمة مقيدة، وليس نعمةً مطلقةً تامةً، ولهذا لم يدخل في قوله:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 6 - 7].
وإن أراد أنك تبذل في الدنيا والآخرة لمن عصاك ما تبذله لأهل الطاعة، وأنك تسوِّي بين هؤلاء وهؤلاء، فهذا مما أنكره الله على من ظنَّه، كما قال تعالى:{(34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ} [القلم: 35]. والآيات في عدم التسوية كثيرة، وقد تقدم منها جملة مما فيه حُسْن حال أوليائه وقُبْح حال أعدائه
(1)
. فمن ظنَّ أنَّ مشيئةَ الله قد تقتضي التسوية بين هؤلاء وهؤلاء فهو مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولا ريبَ أن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء قدير، لكن من الأمور أمور يُعلم أنه لا يشاؤها، فما سبق في علمه أنه يفعله، وسَبَقت كلمتُه أنه يفعله، وأخبر أنه يفعله، وكتب في اللوح المحفوظ أنه يفعله= فإنه لابد أن يفعله، وهو لا يشاء نقيضه، وهذا متفق عليه بين المسلمين.
ثم جمهور المسلمين يقولون: حكمته وعدله مستلزم أنه يشاء ذلك ولا
(1)
تقدم (ص 113 - 114، 116، 124).
يشاء نقيضَه، وتفضيل أهل طاعته على أهل معصيته من هذا الباب؛ لأنه لا يكون منه إلا ذلك، ولا يشاء نقيضه قط.
فقول القائل: «إن كرمك مبذول بالسبق لمن شئت من خلقك وإن عصاك وأعرض عنك» كلامٌ مجمل، فإنه إن أراد: أنه قد يكون سبق له أنه يتوب وأنك تشاء توبته، فهذا كلام صحيح. وكذلك إن أراد: أنك تغفر له بأسباب المغفرة كالحسنات الماحية، والشفاعة المقبولة، ونحو ذلك.
وإن أراد: أنك تُكرم العُصاة مثل كرامة المطيعين أو أفضل منها مُطلقًا مع موت هذا على الطاعة وموت هذا على الكفر والفسوق والعصيان= فهذا خطأ مخالفٌ للنصوص والإجماع، بل ومخالف لحكمة الله وموجِب كلماته.
وقول القائل: إن الاعتبار بالسابقة أو بما سبق به العلم، ونحو ذلك، كلامٌ صحيح، لكن يُعلم مع ذلك أن علم الرَّبِّ حقٌّ مطابقٌ للمعلوم، فهو يعلم الأشياء على ما هي عليه، لا يكون علمه بخلاف الواقع. فهو سبحانه إذا [م 33] عَلِم أنه سيخلق السموات والأرض، ويقيم القيامة، فهو يعلم أنه يفعل ذلك بمشيئته وقدرته، لا أن ذلك يكون بدون مشيئته وقدرته.
وإذا عَلِم أن السُّعداء يدخلون الجنة، وأن الأشقياء يدخلون النار، فهو يعلم أن الأشقياء يدخلون النار بكفرهم وفسوقهم، وأن السعداء يدخلون الجنة بالإيمان، فإنه يُخْرِج من النار مَن في قلبه مثقال ذرة من إيمان
(1)
، والله تعالى ينشئ للجنة خَلْقًا في الآخرة يدخلهم الجنة بفضل رحمته
(2)
.
(1)
تقدمت الإشارة إلى الحديث قريبًا.
(2)
كما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه البخاري (4850)، ومسلم (2846).
وأما النار فلا يدخلها عند جمهور المسلمين إلا من اتبع الشيطان، قال تعالى:{لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، فأقسم أنه ليملأنها من أتباع إبليس، ومَن لم يعص الله لم يتبع إبليس، وإذا امتلأت بأتباعه لم يكن لغيرهم فيها موضع.
وقد ذهب طائفة من الناس إلى أن النار قد يدخلها مَن لا ذنب له، وهو قولُ مَن يقطع أن أطفال المشركين يدخلون النار، وقول مَن يُجَوِّز ذلك بلا تكليف، وهذا يقوله طائفة من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف، ولكنَّ جمهور الناس على نقيض ذلك
(1)
. وقد ثبت في «الصحيحين»
(2)
من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرةِ، فأبواه يُهوِّدانه ويُنَصِّرانه ويُمَجِّسانِهِ، كما تُنتَجُ البهيمَةُ بهيمةً جمعاءَ هل تحسُّ فيها من جَدْعَاء» ، ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا هذه الآية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].
وفي «الصحيح»
(3)
قيل: يا رسول الله، أرأيتَ مَن يموتُ من أطفال المشركين وهو صغير؟ فقال:«الله أعلمُ بما كانوا عاملين» . وفي «الصحيح»
(4)
عن ابن عباس أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلَمُ بما كانُوا عاملين» .
(1)
انظر «الفتاوى» : (7/ 484)، (11/ 187).
(2)
البخاري (6599)، ومسلم (2658).
(3)
أخرجه مسلم (2659) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري (1383)، ومسلم (2660).
فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يحكم على مجموعهم بجنة ولا نار، بل أحال على عِلْمِ الله بما كانوا عاملين، وهذا هو المنصوص عن أئمة السُّنَّة كأحمد وغيره
(1)
، وهو الذي حكاه أبو الحسن الأشعري في «المقالات»
(2)
عن أهل السُّنَّة والحديث. وقال: وبكلِّ ما ذكرناه مِن قولهم نقول، وإليه نذهب.
ثم هؤلاء الذين يقفون؛ فيهم مَن يقول: يجوز أن يدخلوا جميعُهم النار أو الجنة بلا أمرٍ ولا نهي. ومنهم مَن يقول: بل يُمتَحنون في الآخرة، فمنهم مَن يدخل الجنة ومنهم مَن يدخل النار بمعصيته في الآخرة، وقد جاءت بذلك آثار عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين، وهو الذي حكاه الأشعريُّ عن أهل السُّنَّة [م 34] والحديث.
وقد قال طائفة عن أحمد وغيره: إنهم يدخلون النار، واختاروا ذلك كالقاضي أبي يعلى وغيره، وذلك غَلَطٌ على أحمد، وسببُ الغلط: أن أحمدَ سُئل عنهم، فأجاب أنهم على حديث النبي صلى الله عليه وسلم:«الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» وهذا الحديث في «الصحيح» من حديث أبي هريرة وابن عباس، كما
(1)
انظر «الاعتقاد» (ص 194 - 196) للبيهقي، و «شرح أصول الاعتقاد» (994 - 1001) لللالكائي، و «الفتاوى»:(4/ 245، 247، 277 - 281). وقد نبَّه الإمام ابن القيم في «أعلام الموقعين» : (5/ 199 - 200) وغيره إلى أن معنى قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» ليس هذا قولًا بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولًا بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جوابٌ فصل، وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة لا على مجرد علمه، كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار» اهـ.
(2)
«مقالات الإسلاميين» : (1/ 349 - 350).
تقدم
(1)
.
وقد رُوِي في حديثٍ آخر: أن خديجة سألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين؟ فقال: «هم في النار» ، فقالت: بلا عمل؟ فقال: «الله أعلَمُ بما كانوا عاملين»
(2)
، فظنَّ القاضي أبو يعلى ومَن وافقه أنَّ أحمدَ أخذ بحديث خديجةَ هذا، وفيه: أنهم من أهل النار. وهذا غلَطٌ على أحمد، فإنَّ حديث خديجة موضوعٌ لا أصل له، وأحمد أجلُّ من أن يعتَمِد عليه، وإنما اعتمد على الحديث الصحيح المتقدم، ثم إنه حديثٌ متناقض؛ لأن فيه الجَزْم بكونهم من أهل النار، وفيه قوله:«الله أعلَمُ بما كانوا عاملين» ، وهذا قول متناقض.
وقالت طائفة: إنهم كلهم في الجنة، كابن حزم وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما
(3)
.
(1)
قريبًا (ص 128).
(2)
أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (1131)، وابن أبي عاصم في «السنة» (220)، وفي سنده محمد بن عثمان، قال عنه الذهبي في «ميزان الاعتدال»:(5/ 77): لا يُدرى مَن هو، فتَّشتُ عنه في أماكن، وله خبر منكر. ثم ساق هذا الحديث مِن زوائد عبد الله، وقال الهيثمي في «المجمع»:(7/ 217): لم أعرفه.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (23/ رقم 27)، وأبو يعلى في «مسنده» (7041) من طريق الأزرق بن قيس عن عبد الله بن الحارث ــ أو ابن بريدة ــ عن خديجة رضي الله عنها. قال الذهبي في «السير»:(2/ 113): «فيه انقطاع» . فإن عبد الله بن الحارث وابن بريدة لم يدركا خديجة. وقد حكم عليه المصنف بالوضع أيضًا في «درء التعارض» : (8/ 398 - 399)، (9/ 64) و «المنهاج»:(2/ 306).
(3)
ذكر المصنف الأقوالَ في المسألة والأدلة، والغلط على أحمد فيها في عدد من كتبه، كما في «درء التعارض»:(8/ 398 - فما بعدها)، (9/ 64)، و «المنهاج»:(2/ 306)، و «الفتاوى»:(4/ 303)، (24/ 372). وانظر «طريق الهجرتين»:(2/ 842 - 877).
والمقصود هنا أنه لم يثبت بدليل يُعتَمَد عليه أن الله يعذِّب في الآخرة مَن لم يُذنب، ودلائل القرآن والسُّنة يدلان على نقيض هذا القول، والله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لكنَّ هذا مما عُلِم أنه لا يشاؤه بالأخبار الصادقة، وبموجِب حكمته، وبمقتضى أسمائه الحُسنى وصفاته العُلَى، كما أنه قد عُلِمَ أنه لا يُخْرِج أهلَ الجنة منها، بل خالدون فيها أبدًا، وأنها لا تفنى أبدًا.
وعُلِمَ أنه لا يُخَلِّد في النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، كما أخبرت بذلك النصوص
(1)
. وهو سبحانه لو عَذَّب أهلَ سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لكن قد عُلِم أنه لا يعذب المتقين، ولا يسويهم بالفجَّار المذنبين.
والأصلُ الجامعُ في هذا الباب: أنه لا يَدخُل الجنةَ إلا مؤمن، وكلُّ مؤمن فلابدَّ له من دخول الجنة، وأنَّ كلَّ كافر فلابد له من دخول النار، فمن آمن بالرسل فإنه لا بدّ له من الجنة، ومن كذَّب الرسل فلا بدّ له من العذاب.
ومَن لم يصدِّقهم ولم يكذِّبهم لكونه لم تبلغه الرسالة= لم يكن من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل يُحال أمره على علم الله، وقد جاءت الآثار بأن هؤلاء يُرسل إليهم الرسل في الدار الآخرة
(2)
، وحينئذٍ فينعَّم المؤمن ويُعاقَب
(1)
انظر ما سبق قريبًا (ص 124).
(2)
قال المصنف في حكاية هذا القول وترجيحه وتقوية الأحاديث الواردة في الامتحان: «والأكثرون يقولون: لا يجزي على علمه بما سيكون حتى يكون فيمتحنهم يوم القيامة ويمتحن سائر من لم تبلغه الدعوة في الدنيا؛ فمن أطاع حينئذ دخل الجنة ومن عصى دخل النار. وهذا القول منقول عن غير واحد من السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقد روي به آثار متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم حِسان يُصَدِّق بعضها بعضًا، وهو الذي حكاه الأشعري في «المقالات» : (1/ 349) عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه يذهب إليه. وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة بالكتاب والسنة كما قد بُسِط في غير هذا الموضع، وبُيِّن أن الله لا يعذب أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا» اهـ. من «درء التعارض»:(9/ 64).
المكذب. فهذا حكم مَن كان في الدنيا، وأما من ينشئه الله للجنة في الدار الآخرة فليسوا من هؤلاء
(1)
.
[م 35] ومن ذلك قوله: (وليس من الكرم أن لا تُحْسِن إلَّا لمن أحسن إليك وأنت المفضال العلي
(2)
، بل من الكرم أن تُحْسِن إلى من أساء إليك وأنت الرحيم الغني
(3)
، وقد أمرتنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا فأنت أولى بذلك مِنَّا)
(4)
.
فيقال: إحسان الله إلى عباده ليس من جنس إحسان المخلوق إلى المخلوق مكافأةً له على إحسانه، فإن العباد كما ثبت في الحديث الصحيح الإلهي:«إن الله يقول: يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني»
(5)
، وليس لمخلوقٍ عند الله يدٌ يستحقُّ أن يكافئه على
(1)
تقدم تخريج حديث الإنشاء (ص 127).
(2)
في الحزب: «الغني» .
(3)
في الحزب: «العلي» .
(4)
«حزب البر» : (ق 5 أ).
(5)
أخرجه مسلم (2577) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.
ذلك. بل أهل السنة المثبتون للقدر متفقون على أن العباد لا يجب لهم على الله تعالى بأنفسهم شيء، واتفقوا على أن الله مُنْجِز لهم ما وعدهم إياه.
وتنازعوا هل يوجب بنفسه على نفسه ويُحَرِّم بنفسه على نفسه؟ على قولين:
أحدهما: أنه لا يوجب ولا يُحَرِّم، وما ورد من ذلك محمولٌ على الإخبار لا على الطلب.
والثاني: أنه يوجب ويحرِّم كقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام: 54]، وقوله:«يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي وجعلتُهُ بينكم محرَّمًا فلا تَظَالموا»
(1)
.
والقدرية الذين يقولون: إنه يجب عليه بمقتضى القياس، لا يقولون إن أحدًا من الخلق يُحْسِن إليه، بل هم متفقون على أنه المحسن إلى عباده الرحيم بهم.
وقد قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} [الإسراء: 7]، وفي الصحيح المتقدم
(2)
والله تعالى وإن كان يحبُّ المتقين والمحسنين والصابرين والتوابين،
(1)
هو حديث أبي ذر السابق.
(2)
الحديث السابق.
ويفرح بتوبة التائبين، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات= فهو الذي جعلهم كذلك، هو الذي جعل المسلم مسلمًا، والمصلي مصلِّيًا، كما قال الخليل:{وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} [البقرة: 128]، وقال:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40].
وإذا كان كذلك فليس يمكن أن يكون للعبد على ربه نعمة حتى يُقال: إنه أحسن إليه، بل إحسانُ العبد إلى نفسه، وإرضاؤه لربه، وثوابُ ربه له= هو من نعمة ربه عليه وإحسانه إليه، كلُّ نعمةٍ منه فَضْل وكلُّ نقمةٍ منه عَدل.
وأَمْر الله عبادَه ليس لحاجته إليهم كأمر المخلوق للمخلوق، مثل ما يأمر السيدُ عبدَه، والأميرُ جندَه. ولا نَهْيه بُخْلًا عليهم، بل أمْرُه لهم بالطاعة، وتوفيقُهم لها، وإثابَتُهم عليها= كلُّ ذلك من إحسانه، أَمَرَهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وأحلَّ لهم الطيبات [م 36] وحرَّمَ عليهم الخبائث، فالعبد إذا عصاه ظَلَم نفسَه وضرَّ نفسَه، لم يضرَّ الله شيئًا.
والناس في أمره ونهيه على ثلاثة أقوال
(1)
:
منهم من يقول: هو صادر عن مَحْض المشيئة، فقد يأمر بما يضر العباد، وقد ينهى عما ينفعهم، وهو لا يُسأَلُ عما يفعل. وهذا قول من يجعل المشيئة يجوز أن تتناول كلَّ مقدور، وأنَّ الظُّلمَ ممتنع لذاته، وأن الحكمة ليست إلا مُطابقةَ العلم. وهذا قول طائفة من أهل الكلام المثبتين للقدر ومَن اتبعهم
(1)
تكلم المصنف على هذه المسألة والخلاف فيها في مواضع، انظر:«درء التعارض» : (8/ 405)، و «الفتاوى»:(8/ 82)، و «المنهاج»:(1/ 134)، (3/ 39). وانظر «شفاء العليل»:(1/ 343 وما بعدها) لابن القيم.
من الفقهاء.
ومنهم من يقول: بل لا يأمر عبدًا معينًا إلا لأن ذلك الأمر مصلحة له، ولا ينهاه إلا لأن ذلك النهي مفسدة له، والعبد هو الذي اخترع الطاعة والمعصية من غير معونة من الله امتازَ بها المُطيع على العاصي. وهذا قول المعتزلة ونحوهم من القدرية.
ومنهم من يقول: بل أمَرَ العباد بما فيه منفعة لهم إذا أطاعوه، ونهاهم عما يضرهم إذا عصوا، فمَن فعل ما أُمِرَ به لم يكن الفعل إلا مصلحة في حقِّه، والمنهيُّ عنه مفسدة في حقِّه. وأما نفس الأمر والنهي فذلك من الله، وله حكمة في ذلك كما له حكمة في خلقه، وذلك رحمة منه لعموم الخلق وإن لم يُصِب بعضَهم، كالمطر الذي ....
(1)
والشمس التي بطبعها
(2)
، وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وأهل الكلام.
وتقابلَ
(3)
الناسُ في محبة الله ورضاه؛ هل هي بمعنى الإرادة أو هي أمرٌ آخر أخص؟
فقالت القدرية وطائفة من المُثْبتة: هي بمعنى الإرادة، وقال أكثر أهل السنة المثبتين للقدر: بل هي أخص من الإرادة، فالقدرية يقولون: ما أحبَّ الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ فلم يُرِدْه، فكان في ملكه ما لا يريد، وشاء ما لا يكون، وكان ما لا يشاء. وإذا حلف الرجل ليصلينَّ الظهرَ الواجب عليه غدًا
(1)
كلمة غير واضحة.
(2)
هكذا رسم الكلمة ولم يتحرر معنى هذه الجملة.
(3)
غير واضحة، ولعلها ما أثبت بدليل ما بعدها.
إن شاء الله ولم يصلِّ حَنَث؛ لأن الله شاء ذلك بزعمهم.
والمقابلون لهم من المُثْبِتة يقولون: هو أراد ما العباد فاعلوه، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فما وُجِدَ من الكفر والفسوق والعصيان فهو بإرادته، فيكون بمحبته ورضاه، وما علم كونه عندهم فقد أراد كونَه، وأحبَّ كونَه، ورضي كونَه.
فإذا قيل لهم: فقد قال: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7]، و {لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة: 205].
قالوا: لا يرضاه دينًا كما أنه لا يريده دينًا. ولا يرضاه ممن لم يفعله [م 37] كما أنه لم يُرِدْه منه.
فقيل لهم: فقولوا: إنه لا يحب فعل المأمور ولا ترك المحظور، وقولوا: إن ما أمر الله به ورسوله، فإنه لا يحبه ولا يرضاه، ولكن يحب ويرضى ما يكون، سواء كان كفرًا أو إيمانًا.
وقولوا
(1)
: إنه لا يريد ما وقع من الكفر والفسوق والعصيان، فإنه لم يرده دينًا كما تأولتم قوله:{وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} ، وأنتم تطلقون ما أطلقه المسلمون مِن أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى:{إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ} [النساء: 108]، فهذا قول قد وقع بمشيئته وقد أخبر أنه لا يرضاه. وقال تعالى:{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} [محمد: 28] وما أسخطه لم يرضه، مع أنه قد أراده.
(1)
(م): «وقوله» ولعلها ما أثبت.
وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع
(1)
، والمقصود هنا التنبيه عليها، فإن كثيرًا من الخائضين في هذه المواضع تجدهم متقابلين، هؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وهؤلاء يثبتون حقًّا وباطلًا، وخيار الأمور أوساطها، وهي طريقة سلف الأمة وأئمتها رضي الله عنهم أجمعين.
فإن قال هذا المدَّعي: أنا أريد بالإحسان إليه: فِعْل ما يرضاه من الطاعة، وبالإساءة إليه: فعل ما يُسْخِطه من المعاصي.
قيل له: وإن أراد هذا فهو مخطئ أيضًا من وجوه:
أحدها: أن إطلاق القول بأن الطاعة إحسان إلى الله، وأن المعصية إساءة إلى الله= بدعة، فإن التعبير بهذا اللفظ عن هذا المعنى بدعة، والألفاظ التي يُعَبَّر بها عن صفات الله يُتَحَرَّى بها الاتباع دون الابتداع، لا سيما في مقام المناجاة والدعاء.
والمفهوم من هذا اللفظ أن العبد يُحسن إلى الله بالطاعة، وهذا باطل، فإنه إنما يحسن إلى نفسه، والله هو المنعم عليه بذلك، والله سبحانه غنيٌّ عن غيره من كل وجه، ولو لم يكن رضاه متضمِّنًا لِنَفْع الفاعل، فكيف إذا كان رضاه للعباد بالشكر يتضمن النفعَ لهم بذلك.
وكذلك المعصية وإن كان يبغضها ويكرهها ويمقت فاعلها، فإنه لا يقال: هي إساءة إلى الله. أما على مذهب أهل السنة المثبتين للقَدَر، فإنه هو الذي خلقها لحكمة في ذلك على قول من يثبت الحكمة، أو لمحضِ المشيئة على قول من لا يُعَلِّل أفعاله وأحكامه.
(1)
انظر «الفتاوى» : (6/ 116)(8/ 82 وما بعدها، 159 وما بعدها، 235 وما بعدها).
وإذا كان هو الخالق لها مع قدرته على أن لا يخلقها لم يَجُز أن يقال: إن غيرَه أساء إليه بها لوجهين:
أحدهما: أن الخلقَ عاجزون [م 38] عن ذلك، كما قال تعالى:«يا عبادي إنكم لن تبلغوا نَفْعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضُرِّي فتضروني»
(1)
.
والثاني: أنه إذا كان هو الخالق لها بمشيئته وقدرته لحكمة يحبها أو لمحض مشيئته، امتنع أن تكون ضارةً له؛ لأن الغنيَّ عن كل شيء، القادرَ على كل شيء، العالِمَ بكل شيء يمتنعُ أن يضره ما يفعله بقدرته ومشيئته، فإن المخلوق العالمَ بما يضره، الغنيَّ عنه، القادرَ على تركه لا يفعله، فكيف بأعلم العالِمين، وأقدَر القادِرِين، وأحكَم الحاكِمين، وأغنى الأغنياء؟!
ثم من لم يُعَلِّل يقول: فِعْلُه لا يُعَلَّل، ومن يُعَلِّل يقول: له في ذلك حكمة خَلَق ذلك لأجلها، ومن فعل شيئًا لمرادٍ له يحبه لم يكن متضرِّرًا بحصول محبوبه ومراده.
وهؤلاء يقولون: وإن كان مُبْغضًا للمعصية، كارهًا لها، ماقتًا لها، فهذا لا ينافي كونه خلقها وأرادها لحكمة في ذلك، وهو يحب الغاية التي خلقها لأجلها، كالمريض الذي يريد شربَ الدواء وهو يبغضه، فهو يريده لمحبته العافيةَ الحاصلةَ به، فهو وإن كان مرادًا له لحكمة يحبها فهو مبغض له في نفسه، فهكذا ما خلقه من الشياطين والمعاصي خلقها لحكمة، وهو يبغض تلك المخلوقات المرادة.
وعلى قول هؤلاء فلا تكون المعاصي إساءة إليه إذ كان هو الخالق لها
(1)
أخرجه مسلم (2577) وقد تقدم.