الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
«رسالته»
(1)
وغيرها، وحذَّروا منه ومِن أهله، وذموا هؤلاء، كما كان المشايخ العارفون الذين يُقتدى بهم يذمون هذا.
وأما قوله: «إذا ألبسهم ثوب العَدَم فنظروا فإذا هم بِلا هَمّ
(2)
[م 72] ثم أردف عليهم ظُلمةً غَيَّبتهم عن نظرهم، بل صار عدمًا لا علة له»
(3)
.
فيقال: هذا الكلام مجمل يحتمل شيئين
(4)
:
أحدهما: أن يغيب الإنسان عن ملاحظة نفسه وشهودِها وذِكْرها، وهذا هو الفناء عن رؤية السّوي، وهو الفناء الناقص الذي يغيب فيه بموجوده عن وجوده، وبمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره. فهذا أمر يعرض لبعض السالكين، فإن كان صاحبه مغلوبًا عليه، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه، فحَسْبه أن يكون معذورًا. وأمَّا مَن كان يُمكنه الفرق بين الربِّ والعبد ولم يُفرِّق بينهما فهو من الملحدين.
والاحتمال
الثاني: الفناء عن وجود السّوي
، وهو أن يشهد عين وجوده عين وجود الحق، فيرى ما سوى عين وجود الحق عدمًا، لا يرى موجودَين أحدهما خالق والآخر مخلوق. فهذا مشهد أهل الإلحاد مِن أهل الوحدة والاتحاد.
(1)
تكلم القشيري عن بعض شطحاتهم وضلالاتهم في أولها (1/ 16 - 17)، ولم أر كلامه على الحلول.
(2)
(م): «بَلاهُم» .
(3)
تقدم النص (ص 162).
(4)
تقدم للمصنف ذكر هذين الاحتمالين (ص 151).
ثم إنه على هذا التقدير قد يشهد هذا في نفسه، فيكون من أهل الوحدة والحلول المعين الخاصّ كالنصارى، لكن هذا شرٌّ من النصارى، فإنَّ النصارى ادَّعوا ذلك في المسيح، وهؤلاء يجعلونه فيمن لا يُعلم إيمانه. وقد
(1)
يشهد ذلك في الوجود مطلقًا، فيكون من أهل الوحدة والاتحاد العام المطلق، فيقول في جميع المخلوقات شرًّا مما قالته النصارى في المسيح، فإن أولئك يقولون: كانا اثنين فاتحد أحدهما بالآخر. وهؤلاء ما عندهم تعدد، بل ما زال وجود ما يقال إنه المخلوقات عين وجود الخالق.
(2)
.
فإن هذا الكلام مبالغة في الوحدة، فإن الزوال والعدم المحض المعلول ليس عدمًا محضًا وزوالًا صِرفًا، فإذا حصل العدم المحض، والزوال الصِّرف، لم يكن هناك حادث ولا موجود، بل ليس إلا وحدة الوجود.
ولهذا قال: «وبقي من أُشير إليه لا وصف له، ولا صفة، ولا ذات»
(3)
. فهذا مطابق لمذهب أهل الوحدة، فإنهم يقولون: الرب له تجلٍّ باعتبار ذاته، وتجلٍّ باعتبار أسمائه [م 73] وصفاته.
فتجلِّي الذات: وجودٌ محضٌ مطلق، ليس فيه اسم ولا صفة، ولا يُرى ولا يُشهد، ولا يتميز فيه شيء عن شيء. ولا ريب أن الوجود المطلق الذي
(1)
رسمها في (م): «وهو» ولعله ما أثبت.
(2)
سبق النص (ص 163).
(3)
سبق النص (ص 163).
يتصوره الإنسان في نفسه هو بهذا الاعتبار، فإن الوجود المطلق بشرط الإطلاق لا يقال فيه: ربٌّ ولا عبد، ولا قديمٌ ولا مُحْدَث، ولا خالق ولا مخلوق، ولا حي ولا عليم ولا قدير، ولا غير ذلك. فإنّ كل هذه الأمور فيها تخصيص وتقييد بموجود دون موجود. فالرب يُخرِج العبدَ، والقديم يُخرج المحدَث، والخالق يخرج المخلوق، والحي العليم القدير يخرج الميت الجاهل العاجز.
وأما التجلِّي الأسمائي عندهم فهو: ظهوره في الممكنات بحسب استعدادها، فيظهر في الكلب بصورة الكلب، وفي الإنسان بصورة الإنسان، وفي الفلك بصورة الفلك، ونحو ذلك.
وقد حكى بعض أصحابنا أنه وقع بين ابن عربي وبين الشيخ أبي حفص السَّهْرَوردي صاحب «عوارف المعارف» : في الحق إذا تجلَّى للعبد، هل يمكنه أن يسمع خطابه حين التجلِّي؟ فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وقال السَّهْروردي: بل يمكن ذلك. قال ابن عربي: مسكينٌ هذا السَّهروردي، نحن نقول له عن تجلِّي الذات وهو يخبر عن تجلِّي الصفات
(1)
.
فلمَّا عرفتُ هذا مِن هؤلاء قلتُ لأصحابنا: صدق على أصله الفاسد، فإن الذات عنده وجود مطلق لا كلام لها، فكيف يكون في حال تجليها سماع خطاب؟ ! لكن هذه الذات التي يعنيها إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان.
وأما السَّهْروردي فقوله قول المسلمين
(2)
: إن الله يتجلَّى لعباده يوم
(1)
ذكر المصنف هذه الحكاية في مواضع. انظر «الفتاوى» : (7/ 590 - 594)، (10/ 339).
(2)
قال المصنف عن السهروردي بعد ذكر هذه الحكاية في «مجموع الفتاوى» : (7/ 594): «أما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة وأتبع للسنة من هذا ــ يعني ابن عربي ــ وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده ويخاطبهم حين تجليه لهم فآمن بذلك، لكنَّ ابن عربي في فلسفته أمهر من هذا في سنته؛ ولهذا كان أتباعهما يعظمون ابن عربي عليه مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة» اهـ. وانظر «جامع المسائل» : (4/ 395).
القيامة، ويكلمهم في عرصات القيامة وفي الجنة، كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(1)
.
فقول القائل: «بقي من أشير إليه لا وصف له ولا صفة ولا ذات، فاضمحلت النعوت والأسماء والصفات، فلا اسم ولا صفة ولا ذات»
(2)
يطابق قول هؤلاء، وهذا إن أراد به أن الله نفسه تعدم صفاته، فهذا من أظهر الباطل، فإن صفاته القائمة بذاته لا تعدم. وإن أراد أني أشهده بلا صفة، فهذا شهودٌ ناقص، وهو نقص علمٍ وإيمان، وإن أراد أني أشهده بحقيقته وهي في نفس الأمر لا صفة لها ولا اسم، فهذا مذهب هؤلاء الملاحدة، وهو مذهب ملاحدة الإسماعيلية [م 74] الذين هم شرٌّ من هؤلاء.
وقوله: «لا اسم ولا صفة ولا ذات» قد يُريد بالذات القائم بنفسه، فإنه يشهد وجودًا مطلقًا أطلسًا
(3)
، ليس فيه شيء قائم بنفسه فيكون ذاتًا، ولا قائم بغيره فيكون صفة.
(1)
انظر جملة منها في «صحيح البخاري» كتاب التوحيد، باب قوله:{وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]، ومسلم (162، 193، 2652).
(2)
سبق النص (ص 163).
(3)
(م): «أطلس» . يقال: طَلَسَ بصره، أي ذهب. وانطلس أثره، أي خفي. انظر «تاج العروس»:(8/ 342).