المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الثاني: أنه طلب العصمة مما (1) يمنع مطالعةَ الغيب، لم يطلب - الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌العبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها

- ‌العمل الصالح

- ‌المراد بالبدعة:

- ‌ ذمّ الله تعالى المشركين بذلك

- ‌الواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من كانت الواسطة بينه وبين الله عز وجل نورَ النبوة المحمدية كان أكمل

- ‌ ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى طائفة غير الصحابة

- ‌ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة

- ‌ المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة

- ‌ كمال التوكل

- ‌الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات

- ‌أحدها:

- ‌الثاني:

- ‌الثالث:

- ‌ الرابع:

- ‌ تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة

- ‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه

- ‌يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة

- ‌قوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد

- ‌الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني

- ‌الوجه الثالث

- ‌ الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:

- ‌قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك

- ‌ الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول

- ‌ لفظ النفس

- ‌ لفظ «الروح»

- ‌قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي

- ‌ قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني

- ‌ قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح

- ‌ قوله: «أعوذ بك منك»

- ‌هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود

- ‌ الثاني: الفناء عن وجود السّوي

- ‌ قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا

- ‌الحلول المطلق

- ‌ الحلول الخاص أنواع:

- ‌ جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين

- ‌أصل دين الإسلام:

- ‌ مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة

- ‌ فهرس المراجع

الفصل: ‌ ‌الثاني: أنه طلب العصمة مما (1) يمنع مطالعةَ الغيب، لم يطلب

‌الثاني:

أنه طلب العصمة مما

(1)

يمنع مطالعةَ الغيب، لم يطلب ما يمنع الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورُسُله.

فإن قيل: إرادته مطالعةَ الغيبِ مطلقًا

(2)

= دخلَ فيه المكاشفات العامة التي تحصل

(3)

[م 10][و] التي لا تحصل، وأكثرها لا ينفع إذا حصل بل قد يضر.

وإن قيل: أراد بمطالعة الغيب نفس المعرفة الواجبة والمستحبة= فلفظُ «مطالعة الغيب» لا يدل على ذلك، ولا يُفهَم منه ذلك.

‌الثالث:

أنه إذا كان المطلوب هو نفس معرفة الله والإيمان به= فالمشروع أن يَسأل ذلك ابتداءً لا يَسأل العصمة من

(4)

بعض موانعه، فإنَّ الشكَّ والظنَّ والوهمَ بعضُ موانع ذلك ليست جميع موانعه؛ إذ الاعتقادات الجازمة الفاسدة أبلغ في المنع، واتباع هوى النفس بغير هدى من الله أبلغ في المنع، ولم يُذكر.

الوجه‌

‌ الرابع:

أنه لو قُدِّر أنه سألَ

(5)

رفع الموانع، فالمطلوب لا يكفي في حصوله زوال موانعه، بل لابدَّ من وجودِ مقتضيه [ت 22]، وإلا فمجرَّد عدم المانع بدون المقتضي لا يكون محصِّلًا للمطلوب

(6)

.

(1)

(م): «طلب ما

».

(2)

العبارة في (م): «أراد به مطالعته مطلقًا» .

(3)

«التي تحصل» ليست في (ت).

(4)

«العصمة من» من (ت).

(5)

(ت): «مثل» .

(6)

انظر «الفتاوى» : (8/ 167).

ص: 69

وأما المقام الثاني

(1)

: فيقال: هب أنه سلك طريق أولئك، فتلك الطريق فيها باطلٌ كثير من وجوه:

أحدها

(2)

: ظنُّ صاحبها أنه بمجرَّد الزهد والرياضة وتصفية النفس يحصل له ما يحصل لأولياء الله من الإيمان والتقوى، وهذا خطأ؛ فإنَّ ذلك لا يحصل إلا بمتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم، واتباع ما جاء به من القرآن والإيمان.

ولهذا كان السلف يقولون: الإيمان قولٌ وعملٌ وموافقةٌ للسنة

(3)

.

ولفظ بعضهم: لا يُقبل قولٌ إلا بعمل، ولا قولٌ وعملٌ إلا بموافقة السنة

(4)

.

وهذا موضعٌ اضطرب فيه كثير من متأخري أهل النظر والكلام، وأهل الإرادة والعمل:

فزعم الأوَّلون: أن طريقَ معرفة الله هو النظر والعلم فقط.

وزعم الآخرون: أن طريقَ معرفة الله هو الزهد والعبادة فقط.

ثم إن كثيرًا من هؤلاء وهؤلاء أعرضوا عن ملازمة الكتاب والسنة، فصار أولئك يسلكون طريقة البحث والنظر والتفكُّر في الكلام والفلسفة من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة. وصار هؤلاء يسلكون طريقة العبادة

(1)

تقدم المقام الأول (ص 67)

(2)

لم يذكر المؤلف غير هذا الوجه، ولعله طال عليه الكلام فنسي ذكر باقي الوجوه.

(3)

انظر «شرح أصول الاعتقاد» : (1/ 166) لللالكائي.

(4)

انظر «شرح أصول الاعتقاد» (1/ 57)، و «الشريعة»:(2/ 638 - 639) للآجرِّي.

ص: 70

والإرادة والزهد والذكر من غير اعتبارٍ لذلك بالكتاب والسنة

(1)

.

وطائفة من هؤلاء ــ أهل طريقة الذكر ــ قد ينهون عن الذِكر

(2)

ويحرمونه، كما ذكره ابنُ عربي في كتاب «الخلوة»

(3)

وغيره. وقد يأمرون بذكر الاسم المفرد مُظهَرًا أو مُضْمَرًا، فينتج

(4)

ذلك لأحدهم اعتقادات فاسدة، وخيالات غير مطابقة، كما أصاب أصحابَ الوحدة

(5)

.

وطائفة من أولئك ــ أهل الفكر والنظر ــ قد لا يمدحون العمل والعبادة والزهد، بل ربما انتقصوا من يفعل ذلك، وكثير منهم يَقْرن [م 11] بذلك الفسوق واتباع الأهواء، فلا يتورع لا عن الفواحش ولا عن المظالم، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكلِّ مفتون

(6)

.

وكلٌّ من هاتين

(7)

الطائفتين مخطئ من جهتين؛ من جهة اجتزائه بأحد

(1)

انظر «درء التعارض» : (5/ 350 وما بعدها).

(2)

(م): «الفكر» ، والمثبت من (ت) هو الصواب، وقد ذكر المؤلف أنّ هؤلاء كانوا يأمرون بالجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر مطلق وجوع مطلق وصمت مطلق

» «الفتاوى» : (10/ 403).

(3)

كتاب «الخلوة» أو الخلوات له مخطوطات كثيرة في مكتبات العالم، انظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 306 - 308) لعثمان يحيى.

(4)

(ت): «بذكر اسمٍ مفرد

فيفتح».

(5)

انظر «الفتاوى - العبودية» : (10/ 226 وما بعدها)، (10/ 396 وما بعدها).

(6)

أخرجه ابن المبارك في «الزهد - زيادات نعيم بن حماد» (75) قال: سمعت سفيان

، وأحمد في «العلل»:(3/ 118) عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري.

(7)

(م، ت): «هذين» .

ص: 71

الواجِبَين عن الآخر، ومن جهة خروجه في ذلك عن متابعة الكتاب والسنة. فإنَّ الله بعثَ محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحقِّ، وهدى به الناسَ من الظلمات إلى النور، فأمَرَ المؤمنين بما يُحَصِّل لهم الفلاح من العلم النافع والعمل الصالح، فكلٌّ من هذين واجب، وهذا معنى قول السلف: الإيمان قولٌ وعملٌ

(1)

.

فلابدَّ من علمٍ ولا بدَّ من عمل، وكلاهما واجب في الجملة، فمن ظن أنه بالعلم ينال المطلوب بدون العمل الواجب فقد غلط، ومن ظن أنه بالعمل ينال المطلوب بدون العلم الواجب فقد غلط. وكلٌّ منهما لابدَّ أن يَزِنَ عملَه وعلمَه بالكتاب والسنة.

فمن سلكَ طريقةَ العلمِ فقط، وأعرضَ عن اتباع السنة في علمه، ولم يَزِنْه

(2)

بالكتاب والسنة، وأعرض عن العمل الواجب، مثل أهل البدع والفجور من نُظّار أهل الكلام والفلسفة= فقد زاغ من هذين الوجهين.

ومَن سلكَ طريقةَ العملِ فقط، وأعرض عن اتِّباع السنة في عملِه ووَزْنِه بالكتاب والسنة، وأعرض عن العلم الواجب، مثل أهل البدع والجهل

(3)

من العُبَّاد والزُّهَّاد الذين يُبغضون العلم ويُعرضون عن اتباع الشريعة= فقد زاغ من هذين الوجهين.

(1)

انظر «السنة» : (1/ 310 - 317) لعبد الله بن أحمد، و «السنة»:(3/ 580، 571، 566) للخلال، و «أصول اعتقاد أهل السنة»:(1/ 57 - 151 وما بعدها)، و «الشريعة»:(2/ 638 - 639).

(2)

(ت): «وَوَزْنِه» .

(3)

(ت): «والجهال» .

ص: 72

وأمَّا من عَلِم العلمَ النبويَّ ولم يعمل به، أو عمل الأعمال الشرعية من غير علم، فهذا زائغ من وجه دون وجه. وقد أمرنا الله تعالى أن نقول:{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7].

وفي الترمذي

(1)

عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «اليهودُ مغضوبٌ عليهم، والنصارى ضالُّون» . قال الترمذي: حديث صحيح

(2)

.

(1)

رقم (2953). والحديث أخرجه أحمد (19381)، وأبو داود الطيالسي (1135)، وابن حبان «الإحسان» (7206، 6246)، والطبراني في «الكبير»:(17/رقم 236) من طرق عن سماك بن حرب عن عبَّاد بن حُبَيش عن عدي بن حاتم.

قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من طريق سماك بن حرب» . وفي سنده عباد، قال الذهبي: لا يعرف، وذكره ابن حبان في «الثقات»:(5/ 142)، ولم يرو عنه غير سماك وهو متكلم فيه.

وله طريق أخرى عن ابن سيرين عن أبي عبيدة بن حُذيفة، يرويها مرة عن حذيفة بلا واسطة ومرة عن رجل عن عدي بن حاتم، أخرجها أحمد (19403، 19397، 18260) وغيره، لكن ليس فيها اللفظ الذي ذكره المؤلف.

والحديث صححه ابن حبان، والمصنف في «الفتاوى»:(3/ 369) وغير موضع، وابن القيم في «مفتاح دار السعادة»:(1/ 188). وله شاهد من حديث أبي ذر، قال الحافظ في «الفتح»:(8/ 9): «وأخرجه ابن مردويه بإسناد حسن عن أبي ذر» .

(2)

عبارة الترمذي في كتابه (المطبوع، والمخطوط نسخة الكروخي ق 293) هي ما نقلته آنفًا ــ حسن غريب

ــ وهي ما نقله العلماء عنه كالمزي في «التحفة» : (7/ 280) وابن كثير وابن حجر بل والمصنف نفسه في «الاقتضاء» : (1/ 77).

لكنَّ المصنف في مواضع من كتبه كـ «الفتاوى» : (1/ 197)، و «الدرء»:(8/ 69)، و «الجواب الصحيح»:(3/ 167) نقل عن الترمذي أنه قال: «صحيح» . فالله أعلم.

ص: 73

قال سفيان بن عُيينة: كانوا يقولون: مَن فَسَد من علمائنا ففيه شَبَه من [ت 23] اليهود، ومَن فسد من عُبّادنا ففيه شَبَه من النصارى

(1)

.

فإنَّ اليهودَ عرفوا الحق وما عملوا به، فالعالمُ الفاجر فيه شبهٌ منهم. والنصارى عبدوا الله بغير علم، فالعابد الجاهل فيه شَبَهٌ منهم.

وكلٌّ من هاتين الطائفتين الزائغتين تَذُمُّ الأخرى، كما قال تعالى:{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ} [البقرة: 113].

والناسُ لهم في طريق الرياضة والزهد والتصفية؛ هل

(2)

تفيد العلم؟ [م 12] ثلاثة أقوال:

فقالت طائفة: ذلك وحدَه يُحَصِّل العلم، وربما قالوا: لا يُحَصَّل العلمُ إلا به. وهو قول

(3)

طائفة من المتفلسفة والمتصوِّفة، كصاحب «الإحياء» و «كيمياء السعادة» و «مِشْكاة الأنوار» و «جواهر القرآن»

(4)

يشير إلى ذلك،

(1)

تقدم (ص 30).

(2)

(ت): «والزهد خلاف، هل

».

(3)

سقطت من (م).

(4)

كتابا «الإحياء» و «جواهر القرآن» لم يرد ذكرهما في (ت). وجميعها لأبي حامد الغزالي (ت 505)، وكلها مطبوعة ثابتة النسبة إليه إلا «كيمياء السعادة» فإن له نسختين: فارسية مطوَّلة وهذه ثابتة، وأخرى عربية مختصرة مشكوك في نسبتها. انظر «مؤلفات الغزالي» (ص 275، 172).

قال في «الإحياء» : (1/ 31): «علم الصديقين والمقربين ــ أعني علم المكاشفة ــ فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذاك حتى تحصل المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه وبصفاته الباقيات التامات وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة

فنعني بعلم المكاشفة: أن يرتفع الغطاء حتى تتضح له جلية الحق في هذه الأمور اتضاحًا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا، وإنما نعني بعلم طريق الآخرة العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهيرها بالكفّ عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحق يتلألأ فيه حقائقه، ولا سبيل إليه إلا بالرياضة .. وهذه هي العلوم التي لا تسطَّر في الكتب ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار

» اهـ.

وقال في «كيمياء السعادة - ضمن مجموعة رسائل الغزالي» : (5/ 135 - 138): «وتحتاج أن تعرف في ضمن ذلك أن القلب مثل المرآة، واللوح المحفوظ مثل المرآة أيضًا؛ لأن فيه صورة كل موجود، وإذا قابلت المرآة بمرآة أخرى حلَّت صورة ما في إحداهما في الأخرى، وكذلك تظهر صورة ما في اللوح المحفوظ إلى القلب إذا كان فارغًا من شهوات الدنيا

ولا تظن أن هذه الطاقة تنفتح بالنوم والموت فقط، بل تنفتح باليقظة لمن أخلص الجهاد والرياضة، وتخلص من سدّ الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة

» اهـ.

وانظر ردود شيخ الإسلام عليه في «الفتاوى» : (2/ 64 و 12/ 69 و 17/ 121 - 122)، و «بيان تلبيس الجهمية»:(1/ 266 وما بعدها - القاسم)، و «الصفدية»:(1/ 212 - 213)، و «المنهاج»:(5/ 428 - 433 وهو مهم).

ص: 74

لكن قيل: إنه رجع عن ذلك في آخر عُمره

(1)

.

(1)

قال عبد الغافر الفارسي ــ وهو ممن جالسه وخبره ــ: «وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجالسة أهله ومطالعة «الصحيحين» ، ولو عاش لسبق الكلَّ في ذلك الفن بيسير من الأيام» اهـ. انظر «المنتخب من السياق لتاريخ نيسابور» (ص 74) للصريفيني، و «تاريخ الإسلام» (وفيات سنة 505، ص 118).

ص: 75

وقالت طائفة: إنه لا تأثير لذلك في العلم، ولكن يُحَصَّل به ثوابٌ أو يُدفع به عقاب، وهو قول كثير من أهل النظر والكلام والمتفقهة

(1)

وغيرهم.

والقول الثالث ــ وهو الصواب ــ: أن ذلك عَونٌ على بعض العلوم، وشرط في حصول بعض العلوم، ليس مستقلًّا بتحصيل العلم، بل من العلم ما لا يحصل إلا به، فإن الفسقَ والمعاصي تَرِين على القلوب حتى تمنعها الهداية والمعرفة، كما دلَّت على ذلك نصوصُ الكتاب والسنة.

ومن العلوم

(2)

ما تُعين هذه الطريق عليه فيحصل به العلم أيسر

(3)

مما يحصل بدونه، فإن أهل الأعمال الصالحة ييسر الله عليهم العلم

(4)

، كما قال تعالى:{وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 66 - 68]، وقال تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ

(5)

وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ} [المائدة: 16]، وقال تعالى: {آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا

(1)

من (ت).

(2)

(م): «المعلوم» .

(3)

(م): «ليس» ، تصحيف.

(4)

(ت): «العمل» .

(5)

الآية في (ت) إلى هنا فقط.

ص: 76

تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}

(1)

[الحديد: 28].

وقال تعالى في ضدّ هؤلاء: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام: 110]، وقال:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5]، وقال تعالى:{بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155]، وقال تعالى:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا} [الإسراء: 82]، وقال تعالى:{الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} [البقرة: 1 - 2]، وقال:{سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا} [الأعراف: 146].

قال سفيان بنُ عُيينة: منَع قلوبَهم عن فهم القرآن.

وقال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}

(2)

[غافر: 35]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهذا بابٌ واسعٌ.

والقرآنُ يدلُّ على ما أرانا الله من الآيات في أنفسنا وفي الآفاق، كما قال:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] أي: حتى يتبين لهم أن القرآن حقٌّ، فقد أخبر أنه سَيُرِي عبادَه من الآيات العيانية المشهودة ما يبين أنَّ آياتِه المسموعة حقٌّ

(3)

(4)

.

(1)

الآية في (ت) من قوله: {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ} إلى {وَاللَّهُ غَفُورٌ} .

(2)

من قوله: «وقال تعالى في ضد هؤلاء

» إلى هنا زيادة من (ت)، وليس فيها قوله:«والآيات في هذا المعنى كثيرة» .

(3)

العبارة في (ت): «المشهورة ما يتبين أن آياته المبتدعة المنزلة حق» .

(4)

انظر «تفسير الطبري» : (20/ 462)، و «الوسيط»:(4/ 41) للواحدي، و «معالم التنزيل»:(4/ 72)، والقرطبي:(15/ 244).

ص: 77

ولم يُرِد بذلك ما تظنه طائفةٌ من أهل الكلام أنه أراد

(1)

مجرَّد إثبات العِلْم بالصانع بدلائل الآفاق والأنفس

(2)

، فإن إثبات الصانع كان قد بَيَّن أدِلَّتَه قبل نزول هذه الآية، وقد قال في هذه الآية:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا} ، وهذا وعدٌ مستقبل. وما دلَّ على الصانع وحدَه معلومٌ قبل نزول الآية، ولأن الضمير في قوله:{أَنَّهُ الْحَقُّ} عائد على القرآن، كما يدلُّ عليه السياق.

ومن هذا الغلط ظنَّ بعضهم أن المراد بدلائل الآفاق والأنفس الطريق النظرية، وهو الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، والمراد بقوله:{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] الاستدلال بالأثر على المؤثِّر، حتى ظنَّ ابنُ سينا ونحوه أن طريقتهم في إثبات واجب الوجود بمجرَّد الوجود هو مدلول هذه الآية

(3)

.

وآخرون من المتصوِّفة ظنوا أن طريقتهم في أنهم يعرفون الرب ابتداء، ثم يعرِفُون به المخلوقات [ت 24] هو مدلول الآية. والآية دالّة

(4)

على أن

(5)

شهادة الله بصدق القرآن كافية عن الآيات العيانية [م 13] التي سنريهم إياها في

(1)

من (ت).

(2)

العبارة في (ت): «مجرّد آيات العلم بالصانع بدلائل الأنفس والآيات» ، «آيات» الأولى مصحفة عن «إثبات» ، والثانية مصحفة عن «الآفاق» .

(3)

انظر كلامهم وجواب المصنف في «الفتاوى» : (3/ 331)، و «الدرء»:(3/ 133 - 135) رد فيه على الشهرستاني، و «الجواب الصحيح»:(6/ 378 - 379).

(4)

(م): «دلت» .

(5)

«أن» سقطت من (م).

ص: 78

الآفاق وفي أنفسهم.

ولا ريب أن صدق القرآن المعلوم بها، وبما أَرسَل به الرسل من

(1)

الآيات، والمعلوم

(2)

بدلائل الأنفس والآفاق= يتضمن من العلم أضعافَ ما ذكره هؤلاء، فإنَّ في ذلك من العلم بالله، وأسمائه وصفاته، وملائكته وأنبيائه، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وغير ذلك= ما

(3)

يتضمن الحقَّ مما ذكروه وما لم يذكروه، مع تنزّهه

(4)

عما يدخل في كلامهم من الباطل. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع

(5)

.

* * * *

(1)

العبارة في (ت): «المعلوم شهادته بما أرسل الرسول

».

(2)

(ت): «والعلوم» .

(3)

(م): «مما» وما في (ت) أصح.

(4)

(م): «تنزيهه» .

(5)

أشرنا إلى بعض هذه المواضع فيما سبق.

ص: 79

فصل

(1)

وما ذَكَر بعد هذا من زلزال المؤمنين وقول المنافقين فهو في القرآن، لكن ذِكْره مع هذا الدعاء غير مناسب، فإن هذا إنما يقال إذا كان الوعد من الله ورسوله لا من آحاد الناس. والدعاء بعلم الغيب لا يناسب زوالَ الخوف، اللهم إلا أن يكون الداعي وعدَ أصحابه بأمرٍ فلم يحصل، فدعا أن يُطالع بالغيب حتى لا يخطئ كشْفُه، وهذا من عدوانه، حيث قَفَى ما ليس له به علم.

الموضع الثالث: قوله في لفظ الحزب المكتوب: (فقد ابتُلِي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا، وإذ يقول

(2)

المنافقون والذين في قلوبهم مرض

)، فهذا ليس

(3)

بسديد؛ فإن الابتلاء لم يكن لأجل هذا القول، بل كان ليحصل

(4)

لهم من اليقين والصبر، ما ينالون

(5)

به ما وعدهم الله به من الكرامة، كما قال تعالى:{آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة: 214].

الموضع الرابع: وهو يتضمَّن مواضعَ متعددة، منها قوله: (وسَخِّرْ لنا هذا

(1)

من (م).

(2)

في (م): «فيقول» ، والمثبت من (ت) و «الحزب» .

(3)

(ت): «وليس هذا» .

(4)

ليست في (ت).

(5)

(م): «متاولون» ، خطأ.

ص: 80

البحْرَ

(1)

، وكلَّ بحرٍ هو لك في الأرض والسماء، والمُلْك والملكوت، وبحر الدنيا وبحر الآخرة).

فإن هذا كلامٌ لا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول! فإن الإنسان إذا كان راكبًا بحرًا من البحار فما يصنع حينئذٍ بتسخير البحار البعيدة؟!

ثم قوله: «وبحر الآخرة» من أين في الآخرة بحرٌ غير جهنم

(2)

؟!

وقوله أيضًا: «كل بحر في الملك والملكوت» الملكوت هو تأكيد الملك أو باطنه وحقيقته

(3)

، فليس هو خارجًا عنه على لغة القرآن وقول سلف الأمة وأئمتها، ولكنْ بعضُ المتأخرين زعم أن الملكَ: عالم الأجسام، وعالم الملكوت: عالم العقول.

(1)

«هذا البحر» ليست في (ت)، وفي «الحزب- درة الأسرار» (ص 75)، و «أبو الحسن الشاذلي- عمار»:(2/ 197) زيادة بعد قوله: «وسخّر لنا هذا البحر [كما سخرت البحر لموسى، وسخرت النار لإبراهيم، وسخرت الجبال والحديد لداود، وسخرت الريح والشياطين والجن لسليمان]

». وسيشير المصنف إلى هذه التكملة أثناء نقاشه الآتي.

(2)

أخرج أحمد (17959)، والحاكم:(4/ 596)، والبيهقي في «الكبرى»:(4/ 334) وغيرهم عن يعلى بن أمية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البحر هو جهنم» . وفي سنده ضعف.

وعن سعيد بن المسيب قال: قال علي رضي الله عنه لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر، فقال: ما أراه إلا صادقًا {وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ} {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} ــ مخففة ــ. أخرجه ابن جرير: (21/ 568)، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ كما في «الدر المنثور»:(6/ 146).

(3)

تكررت في (م).

ص: 81

ومنهم من يُفَرِّق بين عالم الملك والملكوت والجبروت، فيجعل هذا عالم العقول، وهذا عالم النفوس. وهذا يوجد في كلام أبي حامد

(1)

وأمثاله، وهو مبنيٌّ على قول الفلاسفة الدهرية الذين يجعلون الملائكة خارجة عن ملك الله، ويقولون: إنهم ليسوا أجسامًا يُشار إليها، ولا تصعد ولا تنزل، ولا توصف بحركة ولا سكون، [م 14] ولا هي داخل الأفلاك ولا خارجها، ولا تُرَى ولا يُسْمع لها كلام. وليس هذا من دين أهل الملل، لا المسلمين ولا غيرهم، وقد بُسِط القولُ في فساد هذا بما ليس هذا موضعه

(2)

.

وصاحبُ الحزب وأمثالُه من المتأخرين ينظرون في كتب الصوفية التي فيها ما هو مبنيٌّ على أصول الفلاسفة المخالفة لدين المسلمين، فيتلقَّون ذلك بالقبول، ولا يعرفون حقيقتَه، ولا ما فيه من الباطل المخالف لدين الإسلام.

مثل ما يوجد في كلامهم من دعوى أحدهم أنه يطَّلِع على اللوح المحفوظ، وأنه يأخذ مراده

(3)

من اللوح المحفوظ، ونحو ذلك. فإنَّ اللوح المحفوظ

(4)

عند المتفلسفة كابن سينا وأتباعه هو النَّفْس الفَلَكِيَّة، وعندهم أن نفوس البشر تتصل بالنفس الفَلَكية أو بالعقل الفعَّال في المنام، أو في اليقظة لبعض الناس، وهم يدَّعون أن ما يحصل للناس من المكاشفة يقظةً

(1)

ينظر «معارج القدس» (ص 15)، و «قواعد العقائد» (ص 264) للغزالي.

(2)

انظر الكلام في ذلك في «مجموع الفتاوى» : (11/ 231 - 232)، و «الرد على المنطقيين» (ص 196)، و «بغية المرتاد» (ص 218).

(3)

(م): «مرنداه» ! وهو تحريف.

(4)

«وأنه يأخذ مراده

» إلى هنا سقط من (ت)، انتقال نظر.

ص: 82

ومنامًا هو بسبب اتصالها بالنفس الفَلَكية، والنفس الفَلَكية عندهم هي [ت 25] سبب حدوث الحوادث في العالم، فإذا اتصلت بها نفس البشر انتقش فيها ما كان في النفس الفلكية

(1)

.

وهذه الأمور لم يذكرها قدماءُ الفلاسفة، إنما ذكرها ابنُ سينا ومن تلقَّى عنه، ويوجد في بعض كلام أبي حامد، وابن عربي، وابن سبعين، وأمثال هؤلاء الذين تكلموا في التصوف والحقيقة على قاعدة الفلاسفة لا على أصول المسلمين، ولهذا خرجوا بذلك إلى الإلحاد كإلحاد الشيعة الإسماعيلية، والقرامطة الباطنية.

وهذا بخلاف عُبَّادِ أهل السنة والحديث وصوفيَّتِهم، كالفُضَيل بن عِياض، وإبراهيم بن أدهم، وأبي سليمان الداراني، ومعروف الكرخي، والسَّرِي السَّقَطِي، والجُنَيد بن محمد القواريري، وسَهْل بن عبد الله التُّسْتَري، وعَمرو بن عثمان المكي، فإن أولئك من أعظم الناس إنكارًا لطريق

(2)

مَن هو خيرٌ من الفلاسفة، كالمعتزلة من أهل الكلام، وكالكُلَّابية

(3)

، فكيف بالفلاسفة؟!

والمتكلمون في التصوف والحقائق ثلاثة أصناف:

- قومٌ على مذهب أهل الحديث والسنة، كهؤلاء المذكورين.

(1)

وقد فصل المصنف الرد عليهم في «الرد على المنطقيين» (ص 474 - فما بعدها)، و «درء التعارض»:(10/ 189)، و «الفتاوى»:(10/ 402 - 403) وغيرها. وانظر ما سيأتي (ص 188، 190).

(2)

(م): «على» .

(3)

العبارة في (ت): «من الفلاسفة من أهل الكلام كالمعتزلة والكلامية» .

ص: 83

- وقومٌ على طريقة بعض أهل الكلام من الكُلَّابية وغيرهم، كأبي القاسم القُشَيري وغيره.

- وقومٌ خرجوا إلى طريقة المتفلسفة، مثلُ من سلك مَسْلك «رسائل إخوان الصفا»

(1)

، ومن ذلك قطعة توجد في كلام أبي حَيَّان التوحيدي

(2)

.

(1)

وهي إحدى وخمسون مقالة، خمسون منها في أنواع من الفلسفة، ومقالة جامعة لأنواع المقالات. ومؤلفوها (إخوان الصفا وخلان الوفا) وهم جماعة من الشيعة الباطنية كتموا أسماءهم ــ وقد عُرِف بعضهم ــ اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الفلسفة ممزوجة بالشريعة، ثم بثوها في الوراقين فانتشرت في الناس.

قال المصنف: «وهذا الكتاب هو أصل مذهب القرامطة الفلاسفة، وهم ينسبونها إلى جعفر الصادق، ليجعلوا ذلك ميراثًا عن أهل البيت، وهذا من أقبح الكذب وأوضحه فإنه لا نزاع بين العقلاء أن «رسائل إخوان الصفا» إنما صُنّفت بعد المائة الثالثة في دولة بني بويه قريبًا من بناء القاهرة»، بتصرف. انظر «بغية المرتاد»:(1/ 329)، و «إخبار العلماء»:(1/ 107 - 115) للقفطي.

(2)

انظر «الفتاوى» : (6/ 59)، و «بغية المرتاد» (ص 449).

وقد زعم المازَرِيُّ أن أغلب مادة الغزالي في التصوف عن التوحيدي، وأن له ديوانًا كبيرًا في ذلك لم يصلنا منه شيء. نقله عنه المصنف في «شرح الأصفهانية» (ص 566 - 569) ثم رد عليه بأنه «لم يكن للمازَرِي من الاعتناء بكتب الصوفية وأخبارهم ومذاهبهم ما له من الاعتناء بطريقة الكلام وما يتبعه من الفلسفة ونحوها، فلذلك لم يعرف ذلك» .

قال: «ولم تكن مادة أبي حامد من كلام أبي حيان التوحيدي وحده، بل ولا غالب كلامه منه، فإن أبا حيان تغلب عليه الخطابة والفصاحة، وهو مركب من فنون أدبية وفلسفية وكلامية وغير ذلك ــ وإن كان قد شهد عليه بالزندقة غير واحد وقرنوه بابن الراوندي كما ذكر ذلك ابن عقيل وغيره ــ وإنما كان غالب استمداد أبي حامد من كتاب أبي طالب المكي الذي سماه «قوت القلوب» ، ومن كتب الحارث المحاسبي وغيرها، ومن «رسالة القشيري» ، ومن منثورات وصلت إليه من كلام المشايخ

» اهـ.

ص: 84

وأما ابن عربي وابن سبعين وغيرهما ونحوهما فحقائقهم فلسفية، غيَّروا عبارتها وأخرجوها

(1)

في قالب التصوُّف، أخذوا مُخَّ الفلسفة فكَسوه لِحاءَ الشريعة

(2)

.

[م 15] وابن سينا ذكر في آخر «إشاراته»

(3)

الكلامَ على مقامات العارفين بحسب ما يليق بحاله، وذلك يعظّمه

(4)

مَن لم يعرف الحقائق الإيمانية والمناهج القرآنية.

وأبو حامد الغزالي قد ذكر شيئًا من ذلك في بعض كتبه، لاسيما الكتب «المضنون بها على غير أهلها» ، و «مشكاة الأنوار» ، و «جواهر القرآن» ، و «كيمياء السعادة»

(5)

، ونحو ذلك، ولهذا قال صاحبه أبو بكر بن العربي: شيخُنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منها فما قدر

(6)

.

(1)

(م): «أخرجوا» .

(2)

أصل العبارة لشيخ الإسلام الهروي كما نقلها عنه المؤلف في «بغية المرتاد» (ص 193)، وقد قال المصنف مثل ذلك في ابن سينا ونحوه من الفلاسفة، انظر «الفتاوى»:(10/ 402)، وقاله في الغزالي (4/ 164).

(3)

(4/ 818 - 827).

(4)

(ت): «معظّم عند» .

(5)

انظر ما سبق (ص 61) بشأن هذه الكتب، ومدى ثبوت بعضها إليه. و «جواهر القرآن» و «كيمياء السعادة» لم يذكرا في (ت).

(6)

ذكر ذلك المصنف في عدد من كتبه «الفتاوى» : (4/ 66، 164)، و «الصفدية»:(1/ 211، 250)، و «الرد على المنطقيين» (ص 483).

ص: 85

لكنْ أبو

(1)

حامد مع هذا يُكَفِّر الفلاسفةَ في غير موضع، ويبيّن فسادَ طريقتهم وأنها لا تُحَصِّل المقصود

(2)

، وهو في آخر عمره اشتغل بالبخاري، ومات على ذلك

(3)

. ولهذا قيل: إنه رجع عن هذه الكتب. ومن الناس من يقول: إنها مكذوبة عليه، ولهذا كَثُر كلامُ الناس فيه لأجلها، كما تكلَّم فيه

(4)

المازَرِيُّ، والطُرْطُوشي، والأَرْغِيَاني رفيق أبي حامد

(5)

، وبيت

(6)

القُشَيري، وابن عقيل، وابن الجوزي، والقرطبي، وأبو البيان الدمشقي، وغيرهم. وهذه الأمور مبسوطة في غير هذا الموضع

(7)

.

والمقصودُ هنا أن لفظ «الملكوت والجبروت» في كلام كثير من

(1)

(ت): «لكنّ أبا» .

(2)

انظر تكفير الغزالي لهم في «تهافت الفلاسفة» (ص 307 - 310) له. وانظر «مجموع الفتاوى» : (13/ 238).

(3)

انظر ما سبق (ص 75).

(4)

من (ت).

(5)

في (م): «أبو حامد المرغيناني» ، تحريف، وفي (ت):«والرغيالي» ، واضطربت كنيته في عدد من كتب المؤلف «أبو الحسن» و «أبو نصر» و «أبو إسحاق» .

والذي في طبقة أبي حامد ورفيقه إما أن يكون أبو نصر الأرغياني (ت 528) أو أبو الفتح الأرغياني (ت 499). ينظر «الصفدية» : (1/ 210، 250)، و «الانتصار لأهل الأثر» (ص 95 - 96 مع هامشه) ومنه استفدت.

(6)

(ت): «وابن» ، وقد ورد استعمال «بيت القشيري» في كتب المؤلف، ينظر «الصفدية»:(1/ 210).

(7)

رجح المصنف في «الفتاوى» : (13/ 238) أنه ألَّف هذه الكتب لكنه رجع عنها بعد ذلك. وانظر ما سبق (ص 61).

ص: 86

المتأخرين يريدون به غير ما أراد الله ورسوله، فيتكلَّمون بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة، ومرادهم بها غير ما أراد الله ورسوله؛ فيحصل

(1)

بذلك ضلال لكثير من الناس، فإنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده:«سبحان ذي الجَبَروت والمَلَكوت والكِبرياء والعَظَمة»

(2)

، وهو لم يُرِد بالجبروت والملكوت العقولَ والنفوسَ التي تقصدهما الفلاسفة باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول مسلم: إن ملائكة الله الذين وصفهم في كتابه هي العقولُ العشرة والنفوسُ الفَلَكية التي يذكرها الفلاسفة.

وهؤلاء الفلاسفة يقولون: إنَّ العقل الأول هو المُبْدعِ لكلِّ ما سوى الله، والعقل الفعَّال العاشر هو المبدع لكلّ ما تحت فلك القمر.

ومعلومٌ أن هذا من أعظم الكفر في [ت 26] دين المسلمين، فإنَّ مسلمًا لا يقول: إن مَلَكًا من الملائكة خَلَق كلَّ ما تحت السماء، ولا يقول: إن مَلكًا من الملائكة خَلَق جميع المخلوقات، بل القرآن قد بَيَّن كفرَ مَن قال: إنهم متولِّدون عنه، فكيف بمن قال: هم متولِّدون عنه، وأنهم خالقون لجميع المخلوقات؟! قال الله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ

(1)

كتب بعدها في (ت): «لهم» وكأنها مضروب عليها.

(2)

أخرجه أحمد (23980)، وأبو داود (873)، والنسائي (1049)، والترمذي في «الشمائل» (313)، والبيهقي:(2/ 310) وغيرهم من حديث عوف بن مالك. والحديث صححه النووي في «خلاصة الأحكام» : (1/ 396)، وقال في «الأذكار» (ص 86):«هذا حديث صحيح رواه أبو داود والنسائي في سننهما، والترمذي في كتاب الشمائل بأسانيد صحيحة» . وحسَّنه الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» : (2/ 74 - 75) وتعقب النوويَّ في تصحيحه له.

ص: 87

مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء: 26 - 28]، وقال تعالى:{وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، وقال تعالى:{لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [النساء: 172].

وقال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} [النساء: 173]، وقال تعالى:{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80]، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 22 - 23]، وقال تعالى:{قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [النساء: 56 - 57]. وأمثال ذلك في القرآن كثير

(1)

.

(1)

من قوله: «{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا}

» إلى هنا زيادة من (ت). وفي (م) عقب الآيات: «والآيات في هذا المعنى كثيرة» ويغني عنها ما في (ت).

ص: 88

وقد بُسِط الكلامُ على هذه الأمور

(1)

في غير هذا الموضع

(2)

، فإن المرض بهذه الأمور كثيرٌ في كثيرٍ من الناس، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم. والمقصودُ هنا التنبيه على بعض ما في هذا الحزب.

وأيضًا: فإن هذا الحزب صُنِّف ليُدعَى

(3)

به عند ركوب البحر، والجُهَّال الذين يتلونه كما يُتلى القرآن يقرؤه أحدُهم وهو في البرِّ ليس له عزمٌ على ركوب البحر، فيبقى داعيًا يقول:«سخِّر لنا هذا البحر» ، ولا بحرَ عنده!!

وصاحبُ الحزب ذهبَ ليحجَّ ويركب البحر، فمات ودُفِن بصحراء

(4)

عَيذاب

(5)

بمكان يُسَمَّى: الخَرْجَة، قبل ساحل عَيذاب بأيام

(6)

، قبل أن يركب البحر ويدعو به، فما حصل مقصودٌ لصاحبه فكيف لغيره؟!

وأيضًا: فقول القائل: (سَخِّر لنا هذا البحرَ كما سخَّرتَ البحرَ لموسى) كلامٌ باطلٌ، فإنَّ الله فَرَق البحرَ لموسى حتى مشى على الأرض، لم يركب البحر، وهذا الداعي ليس مطلوبه أن يُفْرَق له، ولو طلب ذلك لما فَرَقَه

(7)

الله

(1)

في (م): «هذا» بدل «هذه الأمور» .

(2)

انظر: «الرد على المنطقيين» (ص 474 فما بعدها)، و «بغية المرتاد» (ص 243)، و «الفتاوى»:(10/ 402 - 403، 11/ 231 - 233) وغيرها.

(3)

(م): «للدعاء» .

(4)

(م): «صحراة» !

(5)

عيذاب: مدينة على ساحل البحر الأحمر، سبق التعريف بها في المقدمة عند الكلام على وفاة الشاذلي.

(6)

(ت): «ودُفن على الساحل رحمه الله» .

(7)

(م): «أن يفرقه له

لم يفرقه».

ص: 89

له، فلا يجوز طلب تسخيرٍ كتسخيرِ موسى.

وإن قال: أردتُ به أصلَ التسخير لا صفته، فقوله:«سَخِّر لنا هذا البحر» كافٍ فلا حاجة إلى قوله: «كما سخرت البحر لموسى» لأن

(1)

فَرْقَ البحر لموسى لا يُسَمَّى تسخيرًا، بل هو أعظم من التسخير.

وأيضًا: فإنَّ الله قد سخَّر لنا ما في السموات وما في الأرض، فالتسخير نوعان: نوعٌ معتاد، ونوعٌ خارق للعادة.

فإن كان طلب التسخير المعتاد لم يكن في تشبيهه بخوارق العادات دون غيرها فائدة، بل يُقال: سخِّرْه لنا كما سَخّرتَه لمن سَلَّمتَه من عبادك، وكما سخَّرت لنا ما في السموات والأرض.

وإن أراد به خَرْق العادة كما خُرِقت العادة

(2)

لموسى وإبراهيم وداود وسليمان= كان هذا جهلًا، فإنَّ ركوبَ البحر والسلامة فيه ليس فيه خرق عادة.

والكلام المعروف في مثل هذا أن يقال: يا من فَرَق البحرَ لموسى، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وألان الحديد لداود

(3)

[ت 27] وسخَّرَ الريحَ والجنَّ لسليمان، سخِّر لنا هذا البحر؛ لأن هذا وصفٌ لله بكمال القدرة العظيمة

(4)

التي فعل بها هذه الأمور الخارقة للعادة، فيقال: يا

(1)

(م): «فلا حاجة إلى التشبيه، مع أن فرق

».

(2)

(ت): «كما خرقتها» .

(3)

«وألان الحديد لداود» من (ت).

(4)

(ت): «وصف الله تعالى بالقدرة والعظمة» .

ص: 90

مَن فَعَل هذا افعل بنا هذا.

وأمّا أن يقال: «سَخِّر لنا هذا كما سخَّرت هذا» ، فلم يُعرَف عن المتقدمين مثل هذا الكلام، بل هو من الكلام المنكر الذي لا يقوله من

(1)

يتصوَّر ما يقول. والنارُ لم تُسَخَّر لإبراهيم بل جُعِلت عليه بردًا وسلامًا، فلم ينتفع هو بها مع كونها نارًا بل غُيِّرت صفتُها، وتسخير الشيء يكون لمن ينتفع

(2)

به مع بقاء حقيقته.

وكذلك موسى فُلِق له البحر، ولا يقال لمثل هذا تسخير، بل هذا أبلغ من التسخير [م 17]، وقد قال تعالى:{وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ}

(3)

[الجاثية: 13]، وقال:{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 32 - 33]، وقال تعالى:{وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا} [الأعراف: 54].

وقال تعالى: {(35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي} [ص: 36 - 38]، وقال تعالى:{وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12 - 13]، وقال تعالى:{إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} [ص: 18]

(4)

.

(1)

(ت): «الذي يقوله من لا» .

(2)

(ت): «الشيء أن ينتفع» .

(3)

الآية ليست في (ت).

(4)

الثلاث الآيات الأخيرة زيادة من (ت).

ص: 91

الموضع الخامس: قوله

(1)

: (وامسَخْهم على مكانتهم) فإنَّ هذا دعاءٌ بالمسخ، وهو غير جائز ولا يُجاب، والله أخبرَ أنه لو شاء فعل ذلك بقوله:{وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} [يس: 67]. والله تعالى مسخَ قومًا قردةً وخنازيرَ لنوعٍ من الكفر، وكذلك يمسخُ من هذه الأمة قومًا قردةً وخنازيرَ، وهذا في أنواعٍ من الكفر؛ كاستحلال المحرَّمات؛ من سَبِّ الصحابة رضي الله عنهم والخمر والمعازف، ونحو ذلك.

وأما المسلم العاصي فلا يجوز الدعاء عليه بالمسخ، ولا يُستجاب ذلك، وقد حرَّم الله الاعتداء في الدعاء، والصائل يُدْفَع بما يكف شرَّه، فإذا دُعِيَ عليه بما يكفُّ شرَّه حصل المقصودُ من غير احتياجٍ إلى مسخِه.

الموضع السادس: قول القائل: (بسم الله بابنا، تبارك حيطاننا، يس سقفنا) دعاء ليس مأثورًا ولا من جنس المأثور

(2)

، وهو مما تنكره القلوب، فإنَّ جَعْلَ كلام الله بمنزلة الباب والسقف والحيطان يحتاج مثله إلى أَثَر، وإلا فهو بدعة، وقد يُفهم من ذلك انتقاص حُرْمته.

الوجه

(3)

السابع: أن يقال: مقصود هذا الدعاء كله تيسير الركوب في البحر ودفع العدوِّ، وهذا مطلوبٌ يسير ليس هو من

(4)

أعظم المطالب، فإنّ غالب من يركب البحرَ من الكُفّار والفُسَّاق يحصل لهم هذا، ليس هو مما

(1)

سقطت من (م).

(2)

(م): «ليس مأمورًا

جنس المأمور»، وما في (ت) أصح.

(3)

(ت): «الموضع» .

(4)

من (ت).

ص: 92

يُحتاج فيه أن تُبْتذَل فيه آياتُ الله وأسماؤه هذا الابتذال.

الوجه الثامن: أنَّ هذا الدعاء لو كان سائغًا مشروعًا لم يكن مشروعًا إلا لمن يقصدُ ركوبَ البحر، فأما الدعاء به في المساجد والبيوت وغيرها من غير ركوب البحر، فإنه لا يفعله إلا جاهل لا يفقه ما يقول، أو يستهزئ بالله، وعلى التقديرين

(1)

فيستحقّ العقوبةَ على ذلك، كمن يقول وهو لا يريد الركوب:«اللهم سَخِّر هذا الفيل وهذا الجمل وهذا الفَرَس والبغل والحمار» وليس هناك شيءٌ من الدواب، ولا هو يقصد ركوبَه! فإنَّ هذا إمَّا جاهل بما يقول أو مستهزئ بمن يناجيه!

أو يقول ــ ولا طعام عنده وهو لا يريد الأكل ــ: «اللهم أطعمني من هذا الطعام» .

الوجه التاسع: أن هذا فيه انتزاع آيات من القرآن ووضعها في غير موضعها، وآيات أنزلت لمعاني استُعْمِلت في غير تلك المعاني، وهذا إن كان سائغًا فيسوغ بقدر الحاجة، فأما أن يُجْعَل ذلك حِزْبًا [م 18] يُتلى كما يُتلى القرآن، ويُجْتَمع

(2)

عليه في أوقات معتادة، فهذا لا يسوغ

(3)

.

وقد تنازع الناسُ في قراءة «آيات الحَرَس»

(4)

مع أنها قرآنٌ محض لم

(1)

(ت): «كل تقدير» .

(2)

(م): «ويجمع» .

(3)

صنف في الاقتباس غير واحد منهم السيوطي في رسالة ضمن «الحاوي» : (1/ 259 - 284)، ورسالة «الاقتباس أنواعه وأحكامه» للعسكر.

(4)

وهي آيات تُجْمع وتُخَص بالقراءة وتسمى «آيات الحرس» . وقد اعتاد بعض المشايخ على قراءتها، انظر «السير»:(22/ 7)، و «ذيل طبقات الحنابلة»:(3/ 113، 4/ 177)، وقد عدَّها أبو شامة المقدسي من البدع، وأنها لا أصل لها، في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» (ص 261).

ص: 93

يُخْلَط بغيره، فكرهها طائفةٌ [ت 28] من العلماء؛ لأنه تلاوة للقرآن على غير الوجه المشروع، فأشبه تنكيس السورة، فإنه منهيٌّ عنه بالاتفاق، ومَن رَخّص في قراءة «آيات الحَرَس» فإنه قد

(1)

جاء ببعض ذلك حديثٌ رواه ابن ماجه

(2)

.

وأما صاحب هذا الحزب وأمثاله فإنه خَلَطَ كلامَ الله بغيره، ووضعَ

(1)

(ت): «ومن رخص في ذلك قال: قد

».

(2)

رقم (3549). والحديث هو: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه أبي ليلى قال: كنت جالسًا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه أعرابيّ فقال: إن لي أخًا وجعًا. قال: «ما وجع أخيك؟ » قال: به لمم. قال: «اذهب فأتني به» قال: فذهب فجاء به فأجلسه بين يديه. فسمعته عوَّذه بفاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول البقرة، وآيتين من وسطها، {هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ} ، وآية الكرسي، وثلاث آيات من خاتمتها، وآية من آل عمران أحسبه قال:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} ، وآية من الأعراف: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ

} الآية، وآية من المؤمنين:{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ، وآية من الجن:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا} ، وعشر آيات من أول الصافات، وثلاث آيات من آخر الحشر، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} ، والمعوِّذتين. فقام الأعرابي قد برأ، ليس به بأس.

وأخرجه الطبراني في «الدعاء» (ص 330)، والحاكم:(4/ 458) وقال: قد احتج الشيخان رضي الله عنهما برواة هذا الحديث كلهم عن آخرهم غير أبي جناب الكلبي، والحديث محفوظ صحيح ولم يخرجاه. وعلق الذهبي بقوله: الحديث منكر. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» : (2/ 225): هذا إسناد فيه أبو جناب الكلبي وهو ضعيف، واسمه يحيى بن أبي حية.

ص: 94