المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ الكرم والبخل للناس فيه أقوال: - الرد على الشاذلي في حزبيه وما صنفه في آداب الطريق - جـ ١

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌العبادات أغذيةُ القلوب وأدويةٌ لها

- ‌العمل الصالح

- ‌المراد بالبدعة:

- ‌ ذمّ الله تعالى المشركين بذلك

- ‌الواجب على أبي بكر وعمر وسائر الخلق الاعتصام بالكتاب والسنة ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌من كانت الواسطة بينه وبين الله عز وجل نورَ النبوة المحمدية كان أكمل

- ‌ ليس لأحدٍ أن يضيف الاعتقاد الذي يجب اتباعه إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا إلى طائفة غير الصحابة

- ‌ليس لكلّ مَن استحسن عبادةً بذوقه ووجده أن يجعلها من الشريعة والسنة

- ‌ المنقولات تحتاج إلى نقد ومعرفة

- ‌ كمال التوكل

- ‌الموضع الثاني: قوله: (نسألَك العصمةَ في الحركات

- ‌أحدها:

- ‌الثاني:

- ‌الثالث:

- ‌ الرابع:

- ‌ تنازع العلماء في قراءة القرآن بالإدارة

- ‌ قوله في «الحزب الكبير»(1): (فالسعيدُ حقًّا من أغنيتَه

- ‌يقال: هذا الدعاء من الأدعية المحرَّمة

- ‌قوله: «الإحسان لا ينفع مع البغض» ليس بسديد

- ‌الأحوال ثلاثة: رحماني، ونفساني، وشيطاني

- ‌الوجه الثالث

- ‌ الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:

- ‌قوله: (وقد وَسِعْتَ كلَّ شيء من جهالتي بعلمك

- ‌ الأنبياء نوعان: نبيٌّ مَلِك، وعبد رسول

- ‌ لفظ النفس

- ‌ لفظ «الروح»

- ‌قوله: «ثم يمدُّه الله بنور العقل الأصلي

- ‌ قوله: «فأمدّه الله بنور الروح الرباني

- ‌ قوله: «فأمدَّه بنور سرِّ الروح

- ‌ قوله: «أعوذ بك منك»

- ‌هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود

- ‌ الثاني: الفناء عن وجود السّوي

- ‌ قوله: «فهناك يظهر من لم يزل ظهورًا

- ‌الحلول المطلق

- ‌ الحلول الخاص أنواع:

- ‌ جهمٌ وأتباعه خير من هؤلاء من جهتين

- ‌أصل دين الإسلام:

- ‌ مذهب نُظَّار أهل الإثبات كالأشعري وغيره: أن وجود كل شيء هو حقيقته الموجودة

- ‌ فهرس المراجع

الفصل: ‌ الكرم والبخل للناس فيه أقوال:

لحكمته، بل لو كان المُحدِث لها غيره لم يكن مسيئًا إليه إذا كان قصده تلك الغاية المحبوبة له، فمن فعل مع غيره ما يوجب حصول محبوبه لم يكن مسيئًا له، وإن كان في ذلك بعض ما يكره، فكيف إذا كان هو الفاعل؟!

وأما مذهب القدرية من المعتزلة وغيرهم وإن قالوا: إن العبد أحدث المعصية بدون مشيئة الله وقدرته لا يقولون: إنها إساءة إلى الله، ولا أنها تضر الله، بل المعتزلة متفقون على أن علل أفعاله وأحكامه عائدة إلى المخلوق لا إليه، وهم غُلاةٌ في النفي، فلا يصفونه بفرحٍ أو غضبٍ يقوم به، ولا حبٍّ ولا رضًى ولا سخط، بل ولا بإرادة تقوم به، وإنما ذلك كله عندهم مخلوقات منفصلة عنه، ومثل هذا لا يُسمى إساءة إليه بلا ريب.

والمقصود أن هذا ليس إساءةً إلى الله على قول كل طائفة من طوائف المسلمين.

‌الوجه الثالث

(1)

: أنه جعله إذا عاقب المسيئين لم يكن كريمًا، بل لا يكون كريمًا إلا إذا أحسن إليهم. وهذا جهل، فإن الله كريم جواد مع عقوبته للمجرمين، فإنَّ كلَّ نعمة منه فضل، [م 39] وكلَّ نقمة منه عدل، وعقوبته للظالمين لا ينافي كرمه وجوده باتفاق المسلمين، بل هو محمودٌ على كل ما يفعله، وكلُّ فِعْله حَسَنٌ جميل، وذلك أن‌

‌ الكرمَ والبخلَ للناس فيه أقوال:

أحدها: أن البخل يرجع إلى الاعتقاد والخوف، وهو خوف ذهاب المال إذا أنفقه، كما يقول ذلك من يقوله من مناظري القدرية والفلاسفة،

(1)

كذا في (م)، ولم يذكر الوجه الثاني، وقد تقدم الأول (ص 137)، وسيأتي الرابع (ص 94).

ص: 139

كالقاضي أبي بكر

(1)

والقاضي أبي يعلى وغيرهما، وهؤلاء يقولون: فِعْله متعلق بمحض المشيئة لا علة له، والظلم هو الممتنع لذاته، وكل ممكن فهو عدل. وعلى هذا فالله عالم بكل شيء لا يخاف شيئًا، فيمتنع وصفه بالبخل. وأمَّا الكرم فهو فِعْل ما فعله، فكل ما فعله فهو الكرم عندهم.

والقول الثاني: قول القدرية الذين يقولون: فَعَلَ بكل عبد ما يقدر عليه من النعم الدينية، وفي النعم الدنيوية قولان، لكنَّ العبد هو الذي صرفَ نعمتَه في معاصيه، وهؤلاء يقولون: ما لم يوجد من الإحسان لم يكن مقدورًا له.

الثالث: قول الفلاسفة الذين يقولون: هو موجبٌ بذاته، ففعله من لوازم ذاته، والعقوبات أمور لازمة لذاته لا يُتصور انتفاؤها، فلا يكون تركها مقدورًا.

الرابع: قول جمهور المسلمين الذين يقولون: إنه كريم جواد عَدْل يخلق ما يشاء ويختار، وهو على كل شيء قدير، وأنه يفعل ما يفعل لحكمة، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وما يخلقه من الآلام والعقوبات يخلقه لحكمةٍ له في ذلك، لا تحصل تلك الحكمة بدون ذلك المخلوق، فهو على غاية الجود والكرم في إرادته، وغاية القوة والمُكْنة في قدرته، لكنَّ فِعْل الشيء يقتضي فعلَ لوازمه وترك ما ينافيه، فوجود أحد الضدّين يستلزم ترك الآخر، ووجود الملزوم يقتضي وجود اللازم.

وحينئذ فقول القائل: «ليس من الكرم عقوبة العُصَاة» باطلٌ على كل قولٍ، أما على قول الأولين؛ فكل ممكن كرم. وأما على قول الطائفة الثانية

(1)

هو الباقلاني (ت 404).

ص: 140

والثالثة؛ فإن نقيض ذلك ممتنع، وترك الممتنع لا ينافي الكرم. وأما على قول الرابعة؛ فلأنَّ ذلك مخلوق لحكمةٍ لا تحصل إلا به، فلو لم يُخلق لفاتت

(1)

تلك الحكمة التي يستحق الربُّ أن يُحْمَد لأجلها، ويوصفَ بالجود والكرم.

وإذا كان كذلك كان من تمام الكرم ما يخلقه من العقوبات التي لا يحصل الكرمُ التامُّ إلا بها. وهذا بخلاف الواحد منا، فإنه قد يُعاقب من أساءَ إليه لا لحكمةٍ في ذلك ولا [م 40] لرحمةٍ، بل لمحض حظِّ نفس الذي قد يكون مذمومًا أو لا يكون محمودًا، والله تعالى لا يفعل إلا ما يُحمد عليه، فله الحمد على كل الحال.

والواحد مِنَّا إذا عفى عمن أساء إليه كان أفضل له وأعظم لأجره ومنزلته عند الله، والله تعالى لا يفعل شيئًا يكون تركه أكمل له في حقِّه، بل كل ما يفعله فهو الأكمل الذي لا أكملَ منه، فإن كماله من لوازم ذاته، وهو غير مفتقرٍ في ذلك إلى غيره، لامتناع افتقاره إلى غيره بوجهٍ من الوجوه، وإذا كان كماله من لوازم ذاته، وهو لا يقف على غيره، كان كماله واجبَ الحصولِ

(2)

ممتنع القِدَم.

وهو سبحانه المستحقّ لغاية المدح وكمال الثناء، وأفضلُ العباد لا يُحصي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسه. وقد بُسط الكلام على هذه المقامات الشريفة التي هي من مَحارات العقول في غير هذا الموضع

(3)

.

(1)

(م): «لفات» .

(2)

(م): «لحصول» .

(3)

انظر «منهاج السنة» : (1/ 416 وما بعدها).

ص: 141

وقد قال طائفة كأبي حامد

(1)

وغيره: ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم؛ لأنه لو كان ممكنًا ولم يفعل لكان بخلًا يناقض الجود، أو عجزًا يناقض القُدرة. وأنكر ذلك آخرون ونسبوه في ذلك إلى الفلسفة، وقالوا: إذا كان أهل السنة ينكرون على القدرية الذين يقولون: إنَّ إصلاح العباد ليس ممكنًا، فكيف بهذا؟

وقال آخرون: فَصْل الخِطاب أنه إن أُرِيد بذلك أن الله لا يقدر على غير ما فعل، أو أن ذلك ممتنع لذاته= فهذا خطأ، وهو يُشبه قول الدهرية القائلين بالموجب بالذات.

وإن قيل: إنه على كل شيء قدير، ولو شاء لفعل غيرَ ما فعل، ولو شاء أن يؤتي كلَّ نفسٍ هداها لفعل، لكن فَعَل ما فَعَل لحكمة، والمشروط بغيره يمتنع وجوده بدون شرطه، فليس ممتنعًا لنفسه وإنما امتنع لغيره، ومن فَعَل مراده ولوازم مراده لم يكن يترك ما ينافي مراده عاجزًا، إذ الجمع بين النقيضين ممتنع لذاته، وإنما العاجز من إذا أراد شيئًا لم يمكنه فعله، والممتنع لذاته ليس شيئًا باتفاق العقلاء، فهذا قول أكثر المسلمين.

وأما مَن لا يقول بحكمةٍ ولا تعليل، ولا جودَ عنده ولا رحمةَ إلا وجود المراد= فهو لا يقول بهذا، إذ هو يقول: يجوز تخصيص أحد المُتَماثلَين دون الآخر لا لمخصِّص بل لمحض الإرادة، فلا يتصور عنده بخل. فهؤلاء يطعنون في كلام أبي حامد بناءً على هذا الأصل، وهذه الأمور مبسوطة في

(1)

كما في «إحياء علوم الدين» : (4/ 275) وعبارته: «

وليس في الإمكان أصلًا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل، ولو كان وادَّخره مع القدرة ولم يتفضل بفعله لكان بخلًا يناقض الجود وظلمًا يناقض العدل، ولو لم يكن قادرًا لكان عجزًا يناقض الإلهية».

ص: 142

غير هذا الموضع

(1)

. والمقصودُ هنا التنبيه على ما يناسب هذا الكلام.

[م 41] الوجه الرابع: قوله: (كيف وقد أمرْتَنا أن نُحْسِن إلى من أساء إلينا، فأنت أولى بذلك منا)

(2)

.

فهذا أيضًا منكر، ليس كلّ ما أمر الله به العباد يجوز أن يُطْلَب منه، فضلًا عن أن يقال: أنت أولى منا بفعل ما أمرتنا به، أو أنت أولى بفعل نظيره!! فإن الله أمر بالركوع والسجود والصيام والطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ونحو ذلك من الأفعال، ولا يُقال: أنت أولى بذلك منا، والله أمرنا أن ندعوه تضرُّعًا وخُفْيةً، وليس هو أولى بذلك منا. ونظائر هذا كثيرة.

ولكنَّ الدعاء المشروع في مثل هذا قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: «قُولي: اللهم إنك عَفُوٌّ تُحبُّ العَفْوَ فاعْفُ عنَّا»

(3)

فيُطْلَب منه ما يحبه.

(1)

انظر «الفتاوى» : (2/ 213)، (8/ 399).

(2)

«حزب البر» : (ق 5 أ).

(3)

أخرجه أحمد (25384)، والترمذي (3513)، والنسائي في «الكبرى» (7665)، وابن ماجه (3850)، والحاكم:(1/ 530) من طرق عن كهمس عن عبد الله بن بريدة عن عائشة به.

قال الترمذي: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ولم يتعقبه الذهبي، وفيه نظر. وصححه النووي في «الأذكار» (ص 277)، وابن القيم في «أعلام الموقعين»:(5/ 258)، وهذا الطريق هو أحسن طرقه. وقد تكلم في سماع ابن بريدة من عائشة الدارقطنيُّ والبيهقي، وفي الحديث اختلاف على بعض رواته. انظر «العلل»:(15/ 88 - 89) للدارقطني، و «الفتوحات الربانية»:(4/ 346) لابن علان.

ص: 143

وبعضُ العامّة يقول في دعائه: «اللهم إنك أمرتنا أن نُعْتِق عبيدَنا ونحن عبيدك فأعتقنا، وأمرتنا أن نعفوَ عمن ظَلَمنا وقد ظلمنا أنفسنا فاعفُ عنّا، وأمرتنا أن نُحْسن إلى من أساء إلينا، وقد أسأنا إلى أنفسنا فأحْسِن إلينا» . وهذا الدعاء ليس من الأدعية الشرعية النبوية التي يُحتج بها.

وفيه جَهْلٌ من وجه آخر وهو قول القائل: «وقد ظلمنا أنفسنا وأسأنا إلى أنفسنا» ، فإن هذا لا يشبه عفو العافي عمن ظلمه، وإحسانه إلى من أساء إليه. فليس هو مثلًا مطابقًا لو كان التمثيل في ذلك حقًّا.

وبالجملة ففعل الربّ لا يُقاس بأفعال العباد، بل من أعظم الأصول التي أنكرها أهل السنة على المعتزلة ونحوهم من القدرية: قياس أفعال الرب على أفعال العباد وبالعكس، وقالوا: هم مُشَبِّهة الأفعال، فإنهم يجعلون الحَسَنَ من العبد والقبيحَ منه حَسَنًا من الرب وقبيحًا منه، وليس الأمر كذلك، فإنَّ الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله. والله تعالى يحبُّ من العباد أمورًا اتصف بها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنّ الله وَتْرٌ يُحبُّ الوَتْر»

(1)

، وقال:«إنه جميلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ»

(2)

، و «أنه نظيفٌ يحبُّ النظافة»

(3)

،

(1)

أخرجه البخاري (2736)، ومسلم (2677) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

أخرجه مسلم (91) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(3)

أخرجه الترمذي (2799)، والبزار (996)، وأبو يعلى (786)، وابن عدي في «الكامل»:(3/ 5 - 6) من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

قال الترمذي: حديث غريب، وخالد بن إلياس يُضَعَّف.

أقول: وأكثر النقاد على تضعيف خالد تضعيفًا شديدًا وقد تفرد بالحديث، قال أحمد والنسائي: متروك الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء ولا يكتب حديثه، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه كلها غرائب وأفراد. انظر «تهذيب التهذيب» : (3/ 80 - 81).

ص: 144

و «أنه طيبٌ لا يَقبل إلَّا طيبًا»

(1)

، ونحو ذلك، وقال:«الراحِمُون يرحمُهُم الرحمن»

(2)

. فهو يحب اتصاف العبد بهذه الصفات وتعَبّده بهذه المعاني المحبوبة.

وهذا قد طَرَده بعضُ الناس كأبي حامد الغزالي وغيره، وجعلوا العبد يتصف بالجبّار والمتكبّر على وجهٍ فسروه، وجعلوا ذلك تَخَلُّقًا بأخلاق الله، ورووا حديثًا:«تَخَلَّقوا بأخلاق الله»

(3)

، وأنكر ذلك عليهم آخرون كأبي عبد الله المازَرِي وغيره، وقالوا: ليس للرب خُلُق يتخلَّقُ به العبد، وقالوا: هذه فلسفة كُسِيَت عباءة

(4)

[م 42] الإسلام، وهو معنى قول الفلاسفة: الفلسفة التشبُّه بالإله على قدر الطاقة

(5)

.

(1)

أخرجه مسلم (1015) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)

أخرجه الحميدي (602)، وأحمد (6494)، وأبو داود (4941)، والترمذي (1924)، والحاكم:(4/ 159)، وغيرهم عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس مولى لعبد الله بن عمرو عنه به.

قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم، والحافظ في «الفتح»:(3/ 188).

(3)

لم أجده مسندًا، وذكره القشيري في «رسالته»:(1/ 325) من قول داود عليه السلام، وذكره المصنف في «بيان تلبيس الجهمية»:(6/ 518) وقال: «هذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من كتب الحديث، ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم، بل هو من باب الموضوعات عندهم

» اهـ. وذكره ابن القيم في «مدارج السالكين» : (3/ 252) وقال: باطل. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (2822): لا أصل له.

(4)

(م): «عبارة» .

(5)

انظر ما سبق حول هذه المسألة (ص 61).

ص: 145

وبالجملة فالاتصاف والتخلُّق والتعبُّد بما أحبَّ الله من العباد الاتصاف به، وهو من صفاته كالعلم والرحمة والإحسان والجمال الشرعي ونحو ذلك هو حقّ، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، بخلاف الكبرياء ونحوه، فإنه قد ثبت في «الصحيح»

(1)

أن الله يقول: «العَظَمَةُ إزاري والكِبْرِياءُ رِدَائي فمن نازعني واحدةً منها عَذَّبْتُه» .

وصفات الله نوعان؛ نوعٌ يختص به كالإلهية، فليس لأحد أن يتصف بذلك، فإنه لا إله إلا الله. ونوعٌ يتصف عباده منه بما وهبه لهم، كالعلم والرحمة والحكمة، فهذا وإن اتصف به العبد فالله تعالى لا كفوًا له سبحانه، فهو منزَّهٌ عن النقائص مطلقًا، ومنزَّه عن أن يكون له مِثْلٌ في شيء من صفات كماله، بل هو موصوف بصفات الكمال على وجه التفصيل، وهو منزَّه فيها عن التمثيل.

وأما صفات النقص فهي منتفية عنه مطلقًا، وهو موصوف بالكمال الذي لا غايةَ فوقَه، منزَّه فيه عن التمثيل، إثباتٌ بلا تمثيل وتنزيهٌ بلا تعطيل، نُثبت له الأسماءَ الحسنى والصفات العُلى، وننفي عنه مماثلة المخلوقات في شيء منها.

وأما الصفات والأفعال التي تختصُّ العبدَ، كالذل والخوف والرجاء والتضرع والافتقار والسؤال ونحو ذلك، فهذه وإن أمر الله بها العبد فهو سبحانه منزَّه عنها، لا تُطلب منه. وإذا كان ما أمر فإنه قد يَحْسُن منه وقد لا يحسن، لم يجُز أن يقال: أنت قد أمرتنا بذلك فأنت أحقُّ به منا، هذا إذا كان المطلوب مما يسوغ طلبه منه، كالإحسان والعفو والمغفرة.

(1)

أخرجه مسلم (2620) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

ص: 146

فأما إذا كان مُنزَّهًا عنه كالإحسان إلى من أساء إليه، فهذا خطأ لوجهين: لأنه لا يقال: إنَّ العبد يُحسن إلى الله ويسيء إليه، ولأنه لا يُقال: أفعل كذا لأنك أمرتنا به وأنت أحق أن تفعل ما أمرتنا بفعله، بل هذا يقوله

(1)

الأكْفاءُ بعضُهم مع بعض؛ كالإنسان الذي يأمر الناس بطاعة الله ورسوله، فهو أحق منهم بفعل ما أَمَر، كما قال تعالى:{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]. ومن قال مثل هذا في حق الله فهو جاهل إن لم يعرف حقيقةَ ما قال، وإن عرف حقيقته وأصرَّ على ذلك فهو كافر.

ولا ريب أن كثيرًا من أهل العبادة والنُّسُك والتألُّه يناجي الله ويدعوه بأمور منكرة، كما قد يعبده بعبادات مبتدعة، ويكون قصده الخير واتباع السنة، لكن يغلط لجهله، فهذا قد يغفر الله له [م 43] ويرحمه بِحُسْن قصده، ولكن يجب النهي عما أخطأ فيه ويُبين له الصواب، فإن أصرَّ على استصواب مخالفة الرسل قُتِل.

ومن ذلك قوله: (واقْرُب مني بقدرتك قربًا تمحقُ به

(2)

كلَّ حجاب محقْتَه عن إبراهيم خليلك، فلم يحتَجْ لجبريل رسولك ولا لسؤاله منك

(3)

، وحجَبْته بذلك عن نار عدوك

(4)

، وكيف لا تحجب عن مضرَّة الأعداء من

(1)

(م): «يقال» .

(2)

مخطوط الحزب: «به عني» .

(3)

«منك» زيادة ثابتة في نسخة الحزب، وفيما سينقله المؤلف قريبًا.

(4)

مخطوط الحزب: «عدوه» .

ص: 147

غنيته

(1)

عن منفعة الأحباب

(2)

)

(3)

.

فأما قوله: «فلم يحتَجْ لجبريل رسولك» فكلامٌ صحيح، فإن إبراهيم قال:«حسبيَ الله ونِعْم الوكيل»

(4)

ولم يلتفت قلبه إلى غير الله، لا جبريل ولا غيره.

وأما قوله: «ولا لسؤاله منك» فهذا كلامٌ لم ينقله ثقة عن إبراهيم، وهو مخالفٌ لما حكاهُ الله عن إبراهيم من سؤاله ودعائه، بل قوله:«حسبي الله ونعم الوكيل» هو دعاءٌ في حقيقة الأمر، وقد تقدم التنبيه على نظير هذا لمَّا ذكر في «الحزب»

(5)

سؤالَ الله أن يغنيه عن سؤاله، وذكرنا أنّ سؤالَ الله تارة واجبًا وتارة مستحبًّا

(6)

، والواجبات لابد منها والمستحبات لا يُطْلَب من الله الغِنى عنها، فإنَّ ذلك طلبٌ من الله لنقص الدرجة وخفض المرتبة.

مثل أن يقول: اللهم لا تجعلني أفعل نافلةً ولا أتقرَّب إليك بتطوع، ونحو ذلك، والله يحب من عبده التقرُّبَ إليه بالنوافل بعد الفرائض كما في «صحيح البخاري»

(7)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى:

(1)

مخطوط الحزب: «غيبته» .

(2)

مخطوط الحزب: «الأحبَّاء» .

(3)

«حزب البر» : (ق 5 أ).

(4)

سبق تخريجه (ص 38).

(5)

يعني: «حزب البحر» . وانظر ما تقدم (ص 97).

(6)

كذا في النسخة، والوجه الرفع «واجب

مستحب».

(7)

رقم (6502).

ص: 148