الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هو أحذق منه، يعنون التِّلِمْساني.
فقلت لابن سعيدٍ هذا: الذي ذكره هذا عن موسى وهارون يوافق ما في القرآن أو يخالفه؟ فقال: بل يخالفه؟ فقلت: فاختر لنفسك: إن كان القرآن حقًّا فهذا باطل؛ وذلك أن الله أخبر عن موسى في القرآن بأنه أنكر عبادة العجل غاية الإنكار وقال: {قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)} إلى قوله: {وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا} [طه: 92 - 98]، وقال تعالى:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، وقال:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الأعراف: 152]، وهذا مبسوط في موضعه.
والمقصود هنا أن
الحلول الخاص أنواع:
منه: قول النصارى في المسيح، والغالية في عليّ، كالزنادقة الذين حرَّقهم بالنار لما ادعوا فيه الإلهية، وقد ادعاها قوم في طائفة من أهل بيته.
وكذلك ادعاها طائفة من أتباع العُبيدية الباطنية، الذين ادعوا أنهم علويون ومَلَكوا مصر نحوًا من مئتي سنة، وملكوا بعض المغرب والشام والحجاز مدة، كالحاكم ونحوه، وقد اعتقدَت طائفةٌ من أتباعهم فيهم الإلهية، كالدُّرْزية أتباع نُشْتِكيْن
(1)
الدُّرزي الذي كان من موالي الحاكم،
(1)
(م): «هشتكين» ومثله في «الفتاوى» في مواضع، والصواب ما أثبت، هكذا ضبطه ابن خلكان في «وفيات الأعيان»:(4/ 473)، قال: وهو اسم أعجميّ تسمّى به المماليك اهـ. وهو لقب لمحمد بن إسماعيل الدرزي (ت 411). ينظر: «الأعلام» : (6/ 35 - 36) للزركلي، و «الحركات الباطنية في العالم الإسلامي» (ص 207) للخطيب، و «دراسة عن الفرق» (ص 337) لأحمد جلي. وعن الدروز انظر «الفتاوى - فتوى في النصيرية»:(35/ 135، 161)، (4/ 162 - 163).
وأضلَّ قومًا بالشام في وادي تيم الله بن ثعلبة. ويقال: إنه رُفِع إليه أسماء بضعة عشر ألفًا يعتقدون فيه الإلهية.
وكذلك بعض الغلاة في المشايخ، فيهم مَن قد يعتقد الحلول والاتحاد في بعض المشايخ، ويحكون كلمات مجملة أو فاسدة عن أبي يزيد البسطامي وغيره
(1)
مضمونها الحلول، ويعتقدون أنها صحيحة، وتلك الكلمات بعضها كذب عمن نقلوها عنه، وبعضها مجملة لا تدل على ما قالوه، وبعضها خطأ وضلال ممن تكلَّم بها.
والحلول والاتحاد كثيرًا ما يقع في أقوال الغالطين من الصوفية، ولهذا أنكر عليهم أبو نعيم الأصبهاني في أول كتاب «حلية الأولياء»
(2)
، وأنكره أيضًا أبو القاسم القُشيري في «رسالته»
(3)
.
ولهذا لما سُئل الجنيد عن التوحيد؟ فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القِدَم
(4)
. فأجاب الجُنيد بجواب يبين به أن القديم الخالق مُباينٌ للمخلوقات المحدَثة، يردُّ بذلك على من يذهب إلى الحلول والاتحاد من
(1)
(م): «وغيرها» .
(2)
(1/ 4).
(3)
سبق للمصنف نحو هذا (ص 208) وانظر التعليق هناك.
(4)
ذكره القشيري في «الرسالة» : (1/ 19) وقد تقدم (ص 207).
جُهَّال النُّسَّاك والمتصوفة.
ولابن عربي كتابٌ في «التجلِّيات» و «الإسراء»
(1)
وهي تجليَّات خيالية في نفسه لا حقيقة لها، ومعراج خيالي في نفسه [م 82] وأَخَذ ينكر فيه على المشايخ الأجلاء من الصوفية كالجنيد وسهل ونحوهما، وقد تقدم ذكر ذلك
(2)
.
وقول
(3)
صاحب الحزب: «بل ظهر بسرِّه في ذاته ظهورًا لا أولية له، بل نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته»
(4)
.
قد يُراد به الحلول والاتحاد العام، وقد يُراد به الحلول والاتحاد الخاص، ومع هذا فبأيهما فُسِّر مراده تناقضَ كلامه، والذين يتكلَّمون بهذه الأمور يتخيلون أشياء لا حقيقة لها، ويتكلمون في كل موطن من مواطن الخيال بحسب ما تخيلوه في ذلك الموطن، فلهذا لا يجري كلامهم على قانون واحد، ولا يُحكَى لهم مذهب واحد بلوازمه، وينفون ما يناقضه.
ولهذا يقول أصحاب الوحدة ــ كما كان يقوله سعيد الفرغاني
(5)
وغيره ــ: ينبغي لمن أراد الدخول في طريق التحقيق أن يُجَوِّز الجمعَ بين النقيضين
(6)
.
(1)
انظر: «مؤلفات ابن عربي» (ص 230، 178).
(2)
(ص 207). ونقلنا هناك قول المصنف حول هذه الكتب ومعنى التجلي والإسراء من «الصفدية» : (1/ 265).
(3)
غير واضحة في (م) ولعلها ما أثبت.
(4)
سبق النص (ص 163).
(5)
تقدمت ترجمته (ص 198).
(6)
في هامش (م) تعليق نصه: «الجمع بين النقيضين باطل، مثل العدد إما زوج وإما فرد، فلا يجوز العدد المعين فردًا فردًا وزوجًا زوجًا» .
ولابن عربي:
عَقَد الخلائقُ في الإله عقائدًا
…
وأنا اعتقدتُ جميعَ ما اعتقدوه
(1)
فهم في جهل وضلال من جنس النصارى لهم عبادة وزهادة وأخلاق حسنة ولكنهم جُهَّال ضالون، لا يعرفون من يعبدون، ولا بماذا يعبدونه!
فالنصارى يعبدون غير الله بغير أمر الله، وأصل الدين الذي بَعَث الله به رسله، وأنزل به كتبه: أن لا يُعبد إلا الله، وأن نعبده بما شرع، لا نعبده بالبدع. فقول هذا القائل:«نظر من ذاته لذاته بذاته في ذاته» ، وقوله:«ظهر بسرِّه لذاته في ذاته ظهورًا لا أولية له» يطابق قول أهل الوحدة والاتحاد العام والحلول العام.
فإن من يقول بالحلول الخاص يحتاج أن يقول: إنه حلَّ في غير ذاته، أو اتحد بغير ذاته، أو نظر أو ظهر لغير ذاته، كما يقوله النصارى من اتحاد اللاهوت والناسوت.
ولا يقال في الحلول الخاص: قلم وعقل وكرسي وعرش، وغير ذلك مما سنذكره، فإنَّ هذا كلَّه إنما يطابق قولَ أهل الوحدة والاتحاد العام.
وإن حُمِل كلامه على الحلول العام؛ فذاك لا فرقَ فيه بين شيء وشيء، ولا طريق الخاصة والعامة، بل هو عند هؤلاء ما ثَمَّ إلا وجود الذات، لكن
(1)
نسبه المصنف في «الفتاوى» : (2/ 288، 311) للحلاج. ونسبه في موضع آخر (2/ 98) لابن عربي، وكذا ابن القيم في «مدارج السالكين»:(3/ 512). والبيت ذكره جامع «ديوان الحلاج» (ص 88) على أنه مما اختلف في نسبته.
هؤلاء يتناقضون أكثر من تناقض غيرهم؛ فإن الحس والعقل يشهد بتعدّد الموجودات، فمن أراد أن يجعل المتعددات شيئًا واحدًا فلابد أن يتناقض.
[م 83] وكذلك أهل الاتحاد الخاص يتناقضون، وأن الاثنين لا يكونان واحدًا إلا إذا استحالا جميعًا فصارا شيئًا ثالثًا، كما يختلط الماء واللبن، والماء والخمر، فيصير ذلك أمرًا مختلطًا ممتزجًا ليس ماءً محضًا، ولا لبنًا محضًا.
ولهذا النصارى تارة تقول: إن اللاهوت والناسوت صارا كالماء واللبن، وهذا يقوله مَن يقوله مِن اليعاقبة
(1)
. وتارة يقولون: صارا كالنار والحديد، كما يقوله مَن يقوله مِن الملكية
(2)
. وأما النسطورية
(3)
فإنهم يقولون بالحلول كحلول الماء في الظرف، وهم أقل النصارى كفرًا وإلحادًا، وإن كان الجميع كفارًا ملحدين.
ومعلوم أن الرب تعالى يمتنع عليه أن تستحيلَ ذاتُه مع ذات بعض
(1)
اليعاقبة أو اليعقوبية: فرقة من فرق النصارى ينسبون إلى يعقوب البرذعاني، تقول: إن المسيح هو الله والإنسان؛ اتحدا في طبيعة واحدة، انظر «الفصل في الملل والنحل»:(1/ 111) لابن حزم، و «الملل والنحل»:(2/ 253 - 255) للشهرستاني.
(2)
الملكية أو الملكانية: فرقة من فرق النصارى نسبة إلى تأييد قول ملوك النصارى في المسيح، انظر «الفصل في الملل والنحل»:(1/ 110 - 111)، و «الملل والنحل»:(2/ 252).
(3)
النسطورية: فرقة من فرق النصارى نسبة إلى نسطور أحد بطارقة القسطنطينية، وقولهم مثل الملكية إلا أنهم قالوا: إن مريم لم تلد الإله. انظر «الفصل في الملل والنحل» : (1/ 111)، و «الملل والنحل»:(2/ 251 - 253).
المخلوقات شيئًا ثالثًا كالماء واللبن، فإن هذا إنما يكون في المخلوقين اللذين مخلطهما وممزجهما
(1)
ثالث غيرهما، فأما الخالقُ لكل ما سواه، الغنيّ عن كل ما سواه، الذي يستحيل أن يفتقر إلى شيء غنيٍّ عنه، أو يؤثر فيه ما هو غنيّ عنه، الذي كل ما سواه فقير إليه، وكل ما يحدث فيما سواه فبقدرته ومشيئته حَدَثَ وَوُجِد.
وإذا أمر الخلق بالدعاء وأجابهم، وأمرهم بالعمل وأثابهم، فهو الذي جعلهم يدعون ويعملون، وهو الذي جعلهم يتوبون، وهو سبحانه يحبّ التوابين ويحبّ المتطهرين، ويفرح بتوبة التائبين ويرضى عن المؤمنين، فهو الذي خلق الأمور التي ترتب عليها ما ترتب، فهو الخالق للأسباب والمسببات، والفاعل للبدايات والغايات.
فإذا فرح بتوبة التائب فهو الذي جعله تائبًا، وإذا رضي عن المؤمنين فهو الذي جعلهم يفعلون ما أرضاه، فما أرضاه إلا ما خلقه، وما أفرحه إلا ما شاءه، إذ لا يكون في مُلكه شيء بدون مشيئته وقدرته وخلقه سبحانه.
وقد بُسِط الكلام في هذه الأمور في غير هذا الموضع، فإنها مواضع شريفة تتعلق بمسائل الصفات والأفعال والشرع والقدر، وقيام الأمور الاختيارية، وهل رضاه وسخطُه وفرحُه مخلوقاتٌ منفصلة عنه، كما يقوله مَن يقوله من المعتزلة ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة [م 84] الأربعة وغيرهم؟
أو ذلك يرجع إلى صفة واحدة هي الإرادة، كما يقوله مَن يقوله من
(1)
أي الناتج عن اختلاطهما وامتزاجهما.
الكُلَّابية ومَن تابعهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
وإما ذلك كله صفاتٌ قديمةُ الأعيان تتَّحد متعلقاتها لا أنفسها كما يقول ذلك من يقوله من الكُلَّابية والسالمية ومَن وافقهم من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم؟
أم ذلك أمور تكون قائمةً بذاته، حاصلةً بقدرته ومشيئته، كما دلت عليه النصوص الثابتة في الكتاب والسنة، ودلت الأدلة العقلية على موافقة النصوص الإلهية وخطأ مخالفيها. وهذا كله مما بُسِط في غير هذا الموضع
(1)
.
والمقصود هنا أن استحالةَ القديم الواجب لذاته، المستلزم صفات الكمال، التي صفاته من لوازم ذاته= ممتنع لذاته. فإن صفات الكمال واجبة له قديمة بقدمه، وما وجب قِدَمُه امتنع عَدَمُه، والاستحالةُ لا تكون إلا بِعَدَمِ ما كان موجودًا قبل ذلك.
وليس هذا موضع بَسْط هذا، وإنما المقصودُ هنا التنبيه على ما يقع في كلام طائفة من الشيوخ من معنى الحلول والاتحاد، سواء كان عامًّا أو خاصًّا، ليحترز عن ذلك ولا يقع فيه من حصل له؛ إما لموافقة ذلك القائل، وإما للجهل بما هو الأمر عليه في نفسه، وما جاء به الكتاب والسنة، وما دلَّ عليه صريحُ المعقول المطابق لصحيح المنقول.
وقوله: «فحَيِيَ هذا العبد بظهوره حياةً لا علة لها، فظهر بأوصاف جميلة كلها لا علة لها، فصار أولًا في الظهور لا ظاهر قبله، فوُجِدَت الأشياء
(1)
انظر المجلد الثامن من «مجموع الفتاوى- القدر» .
بأوصافه وظهرت بنوره في نوره، فأول ما ظهر سرُّه، وظهر قلمه
…
» الفصل إلى آخره، وقد تقدم ذكره
(1)
.
فيقال: هذا الكلام يشبه ترتيبَ الفلاسفة والباطنية القرامطة من الإسماعيلية ونحوهم، الذين يقولون: صدر عن الواجب عقول عشرة مرتبة، ونفوس سبعة للأفلاك. ويريدون أن يجمعوا بين ذلك وبين ما جاءت به الرسل، فيذكرون الحديثَ الموضوعَ:«أول ما خلق الله العقل» ، وقد قدَّمنا
(2)
أنه موضوع، وأن لفظَه مع ذلك حجة عليهم لا لهم، ويسمون العقلَ الأول: القلم، لما رُوِي:«إنَّ أولَ ما خلق الله القلم»
(3)
.
ويوجد نحوٌ من هذا في «رسائل إخوان الصفا» ، وفي كلام أبي حامد، وكلام ابن عربي، وابن سبعين، [م 85] وغيرهم. وقد بسطنا الكلام على فساد مذهب هؤلاء عقلًا ونقلًا في غير هذا الموضع
(4)
.
(1)
سبق (ص 163). والنص هناك: «
…
فصار أولًا في الظاهر
…
وظهر به قلمه
…
».
(2)
(ص 193).
(3)
أخرجه أحمد (22705)، وأبو داود (4700)، والترمذي (2155، 3319)، والطيالسي (578)، وابن أبي عاصم في «السنة» (106 - 109) وغيرهم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال الترمذي:«حسن صحيح غريب» . نقله المزي في «تحفة الأشراف» : (4/ 261)، والذي في «الجامع» في الموضع الأول: غريب من هذا الوجه، والثاني: حسن غريب. وحسنه ابن المديني فيما نقله الحافظ في «النكت الظراف - مع التحفة» : (4/ 261). وللحديث شواهد عن عدد من الصحابة.
(4)
انظر كتاب «بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد من القائلين بالحلول والاتحاد» ، و «الصفدية» كلاهما للمصنف رحمه الله.
وطائفة من الذين تصوفوا على طريقة هؤلاء الفلاسفة كابن القَسِي، صاحب «خلع النعلين»
(1)
، وابن سبعين، وابن عربي، وابن أحْلَى
(2)
، والبوني المتأخر، وابن
(3)
الطفيل صاحب «رسالة حيّ بن يقظان» ، ونحو هؤلاء= خَلَطوا كلام هؤلاء بشيء من كلام الصوفية وألفاظ القرآن والحديث.
وما ذكره ابن سينا في مقامات العارفين في «إشاراته»
(4)
، هي من أسباب دعاء هؤلاء إلى ما هم عليه. وهم لا يتفقون على قولٍ واحد؛ لأن الأصل الذي بنوا عليه باطل، فتجدهم مختلفين، وكلٌّ منهم يدَّعي كشفًا وذوقًا ووجدًا يخالف الآخر، أو يَدَّعي عقلًا ونظرًا واستدلالًا يخالف الآخر، فكلٌّ لكلٍّ مناقض، وكلٌّ لكلٍّ معارض، فإنهم {لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 8 - 9]، وقال تعالى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82].
وهذا الرجل ذكر ظهور القلم، ثم ظهور الأمر، ثم ظهور العقل، وجمهور هؤلاء يجعلون العقل هو القلم. والكلامُ إذا لم يُبْنَ على أصلٍ
(1)
تقدم التعريف به وبكتابه (ص 192).
(2)
هو: محمد بن علي بن أحلى الأنصاري، أمير أندلسي، متصوف من أهل وحدة الوجود (ت 645)، ترجمته في «صلة الصلة»:(4/ 391 - 395)، و «الأعلام»:(6/ 282) وكان في (م)«أجلى» بالجيم تصحيف. واستفدت ترجمته من هامش «الانتصار لأهل الأثر» (ص 115 - 116).
(3)
(م): «أبي» والصواب ما أثبت، وقد سبق التعريف به وبرسالته (ص 110)، وسبقت ترجمة البوني (ص 109).
(4)
(4/ 818 - 827).
علمي قال كلٌّ ما خطر له وتخيله. وهؤلاء كثيرًا ما تخيلوا أشياء لا حقيقة لها يظنونها في الخارج
(1)
، ويسمي الخيالَ أرضَ الحقيقة، ويعظِّمُ أمرَه. ولعمري إن الخيال الباطل الواسع هو
(2)
من إلقاء الشيطان، والوسواس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.
ثم إنه انتقل من هذا الترتيب إلى أن جعل العقل أولًا، ثم الروح، ثم القلب، ثم النفس، وهذه أمور في الإنسان لا في الخارج، فجعل هذا مثل هذا، وهو كلامٌ باطل لا يدل عليه شرع ولا عقل، بل يعلم بطلانه بالشرع والعقل.
وقد قدمنا الكلامَ في ذلك
(3)
، وبينّا أن ذات الإنسان واحدة، ولكن لها صفات متعددة، فباعتبار كلِّ صفة يسمى باسم. فأمَّا أن يكون روح الإنسان أو بدنه أعيانًا قائمة بأنفسها هي أجسام أو جواهر قائمة بأنفسها، إحداها: العقل، والثاني: الروح، والثالث: النفس= فهذا باطلٌ قطعًا.
وأيضًا فقول القائل: «ظهر» يُفهم منه في اللغة المعروفة أنه ظهر لغيره فعرفه، أو رآه بعد أن لم يكن كذلك، مع كونه كان موجودًا في نفسه، كما يقال: ظهر الهلالُ وظهرت الشمس ونحو ذلك.
وهؤلاء قد يريدون بالظهور نفس الوجود ويقولون عن الموجودات: مظاهر الحق ومَجَالِيْه، وليس مرادهم أنه عُرِف بها ودلَّت عليه وشهدت له [م 86] بل مرادهم أنه انكشف موجودًا فيها، وهو لم يزل فيها عندهم، لكنه ظهر للسالك ما لم يكن ظاهرًا له.
(1)
بعده في (م) بياض مقدار كلمة.
(2)
(م): «وهو» .
(3)
(ص 176 - 177).
وكانوا أخذوا عن مشكاة صاحب «الأنوار»
(1)
لمّا سمى الحقَّ نورًا بما يناسب هذا، وتبعه عليه ابنُ رشد الحفيد، فاختار له من الأسماء اسم النور، والنور يُقال فيه: أشرق وظهر ونحو ذلك.
فيقال: إن أُريد بظهور الحق في هذه الأمور نفس وجود ذاته فيها، فهذا صريح الحلول والاتحاد. وإن أُريد به أنه عُرِف وعُلِم، فكلُّ ما في الوجود من شواهد الحقِّ وأعلامه ودلائله وآياته، وهذا حكمٌ يَعُمُّ المخلوقات، ويتناول جميع المصنوعات، سواء سُمِّيت مُحْدَثات أو ممكنات، أو غير ذلك.
فكل ما سوى الله فقير إليه من كل وجه، محتاج إليه حاجةً مطلقة عامة، فلا وجود لذاته ولا شيء من أحواله وأوصافه إلا بالله، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فوجود كل منها مستلزمٌ لوجود الحقِّ، وكلُّ ملزومٍ فهو دليلٌ على اللازم، كما أن كل دليل فهو ملزومٌ لمدلوله.
وكون هذه الموجودات محتاجةً إلى الله، ودليلًا عليه، أمر ذاتيٌّ لها لازم، لا يمكن أن تكون إلا كذلك، فكما أن الخالق غنيٌّ بذاته عن كل شيء يمتنع لذاته أن يكون فقيرًا بوجهٍ من الوجوه، فما سواه فقير لذاته يمتنع أن يكون غنيًّا عن الله بوجهٍ من الوجوه، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والموجود إما قديم وإما محدَث، والمحدَث لا يكون محدَثًا إلا بقديم.
وكذلك الموجود إما واجب لنفسه وإما ممكن، والممكن لا يكون موجودًا إلا بواجب لنفسه.
وكذلك الموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لا بدَّ له من
(1)
هو الغزالي.
خالق غير مخلوق، فلا بدَّ من الموجود الذي ليس بمخلوق.
وكذلك الموجود إما غنيّ وإما فقير، والفقير لا يوجد إلا بالغني، فلابدَّ من الغَنِيّ على كل حال وتقدير.
وهذا لأن تقدير مخلوقات أو مُحْدَثات أو فُقراء أو ممكنات ليس فيها خالق قديم غنيّ واجب بنفسه= أفسد من تقدير مُحْدَث بلا مُحْدِث، ومخلوق بلا خالق، وفقير بلا غني، وممكن موجود بغيره بلا واجب موجود بنفسه. فإنه كلما كَثُرت المحدَثات والممكنات والمخلوقات كان افتقارها إلى المحْدِث الواجب الخالق أعظم من افتقار الواحد، فإذا لم يكن فيها موجود بنفسه لم يكن فيها موجود، فتكون كلها معدومات، وكثرة المعدومات التي ليس موجود فيها بنفسه يوجب كثرة حاجتها إلى الموجِد
(1)
.
[م 87] وهذا مع أنه من الضروريات المتفق عليها بين العقلاء فهو مبسوط في غير هذا الموضع
(2)
.
ولهذا اتفق العقلاء على امتناع التسلسل والدور في المؤثِّر، سواء سُمِّي فاعلًا أو خالقًا أو موجبًا أو علة أو غير ذلك. ولكن تنازعوا في التسلسل في الآثار كما بسطناه في موضعه
(3)
.
والدور نوعان: فالدَّور القَبْلي كالدور في المؤثِّرات والعلل والفاعل،
(1)
ينظر «درء التعارض» : (3/ 206 - 208 و 264 - 265).
(2)
انظر «الرد على المنطقيين» ، و «الصفدية» كلاهما للمصنف.
(3)
انظر «الفتاوى» : (8/ 152)، و «درء التعارض»:(1/ 321).
متفقٌ بين العقلاء على امتناعه.
وأما الدور المعيّ الاقتراني: وهو أنه لا يوجد هذا إلا مع هذا، فهذا ليس ممتنعًا لذاته، بل ممكن في الجملة، كمَعْلولي العلة كالأبوَّة مع البُنوَّة، وكذلك إذا كانا غنيين عن الفاعل، كصفات الرب الأزلية مع ذاته المقدسة، فإنه لا يوجد شيء من ذلك إلا مع الآخر، وهو سبحانه بصفاته الأزلية غني عن الفاعل والمؤثِّر، وهذا كله مبسوط في موضعه
(1)
.
والمقصود أن كون المخلوقات آيات للرب تبارك وتعالى ودلائل وشواهد ومظاهر، بمعنى أنها تدلُّ وتعرِّف وتشهد بما شهد به القرآن، واتفق عليه أهل الإيمان، وعُلِمَ ثبوته بالبُرهان.
بل آياته المخلوقة دلت على صِدْق آياته المتلوَّة، كما قال تعالى:{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53] حتى يتبين لهم أن القرآن حَقٌّ، فالضمير عائد على ما تقدم وهو الذي قيل فيه: إن كان من عند الله ثم كفرتم به، ولهذا قال:{أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت: 53] أي: شهادته بما أنزله من القرآن كافية، وهو مع هذا أظهر للعيان في الأنفس والآفاق ما بَيَّن أن القرآن حق، فيتفق السماع والعيان، وبرهان القرآن والغيب، وبُرهان الحق والشهادة، ويتفق علمه وعلم الله الذي أنزله على الرسول، وعالمه الذي تستدل به العقول، ويتصادق العقل والشرع والرأي والسمع.
(1)
انظر «الرد على المنطقيين» (ص 257)، و «الصفدية»:(1/ 12)، و «بغية المرتاد» (ص 428) وغيرها.
وأما كون ذاته ــ سبحانه ــ نفسها تحلّ في مخلوقاته، فهذا هو الباطل، سواء سُمِّي ذلك ظهورًا وتجليًا أو لم يُسَمَّ، فكثيرًا ما يتكلم فيه أهلُ الضلال بالألفاظ التي فيها إجمال، إمَّا ضلالًا وإما إضلالًا، وقد يتكلم بالمجمل من لا يَضِل ولا يُضِل، لكن مع ما يُبيّن
(1)
به المراد، فالذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون المتشابه ويَدَعُون المُحْكم، كفِعْل النصارى وأمثالهم من أهل الضلال الذين نزل بسببهم ما أنزل الله في كتابه في آل عمران
(2)
.
* * * *
(1)
(م): «بين» .
(2)
[م 88] فصل
ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من مسلم شرًّا وأنت تجدُ لها في الخير مَحْملًا»
(1)
.
وقال: «احمل أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك ما يغلبك منه»
(2)
، وقد قال الله:{اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12].
ونحن لا نحمل كلامَ رجلٍ على ما لا يسوغ إذا وجدنا له مساغًا، ولولا ما أوجبه الله نصيحةً للخلق
(3)
ببيان الحق لمَا كان إلى بيان كلام هذا وأمثاله حاجة، ولكن كثيرٌ من الناس يأخذون الكلام الذي لا يعلمون ما اشتمل عليه من الباطل، فيقتدون بما فيه اعتقادًا وعملًا، ويَدعُون الناسَ إلى ذلك.
وقد يرى بعض المؤمنين ما في ذلك من الخطأ والضلال لكن يهاب ردَّه، إما خوفًا أن يكون حقًّا لا يجوز رَدُّه، وإما عجزًا عن الحجة والبيان، وإما خوفًا من المنتصرين له، فيجب نصح المسترشد، ومعونة المستنجد، ووعظ المتهوِّر والمتلدِّد
(4)
، وبيان الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله
(1)
أخرجه المحاملي في «الأمالي» (447)، وأبو الشيخ في «التوبيخ والتنبيه» (151).
(2)
أخرجه الرافعي في «التدوين» : (1/ 217)، وابن عساكر في «تاريخه»:(44/ 360).
(3)
(م): «الخلق» .
(4)
المتلدد هو: المتوقف المتحيِّر الذي يلتفت يمينًا وشمالًا. واستعمل المصنف هذه العبارة بعينها «نصح المسترشد
…
والمتلدّد» في «إبطال التحليل» (ص 6)، وذكر المحقق أن كلمة «المتهوّر» وقعت في النسخ الخطية:«المتهوِّك» بالكاف، والمتهوّك: المتحيِّر، قال في «الصحاح»:(4/ 1617): «والتهوّك أيضًا مثل التهوّر، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة» .
عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
فلهذا وغيره نذكر ما تحتمله الكلمة من المعاني، لاحتمال أن يكون قصَدَ بها صاحبُها حقًّا، ما لم يتبين مرادُه، فإذا تبين مراده لم يكن بنا حاجة إلى توجيه
(1)
الاحتمالات.
فقد يقال: هذا الشيخ لم يقصد بكلامه الحلول والاتحاد لا مطلقًا ولا معينًا، وإنما تكلم في المقام الذي يسمونه: مقامَ الفناء والاصطلام، وهو أن يغيب السالك بمعروفه عن معرفته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعبوده عن عبادته، وبموجوده عن وجوده.
كما يقال: إن شخصًا كان يحب آخر، فألقى المحبوبُ نفسَه في اليمِّ، فألقى المُحِبُّ نفسه، فقال: أنا وقعتُ فما أوقعك؟ فقال: غبتُ بكَ عني، فظننتُ أنَّك أنِّي
(2)
.
وهذه الحال تعرض لطائفة من أهل سلوك طريق الله وعبادته ومحبته، وتعرض ــ أيضًا ــ لمن يحب غير الله، فيغلب ذكر المحبوب على القلب، حتى لا يخطر للمحب تلك الساعة لا نفسه ولا غيره، ثم لقوة استيلاء ذلك على قلبه، واستتباع قلبه لحواسه، يخيل إليه أنما يسمع هو كلام ذلك المحبوب الذي في قلبه، وما يراه هو هو، وقد يظن أن الذي في قلبه هو في الخارج، وليس ذلك إلا في قلبه.
(1)
(م): «توجه» .
(2)
سبقت هذه الحكاية (ص 152) وقد ذكرها المصنف في مواضع.
وما يُذكر عن بعض
(1)
النُّساك والزهاد أنهم يقولون: إنهم يرون الله بأعينهم في الدنيا= هو من هذا الباب .... [م 89]
…
(2)
ولهم صدق في العبادة والزهد
(3)
.
وكثير من الشيوخ والمتكلمين في المعرفة، ومنازل السائرين، وحقائق التوحيد= يظنون أن هذا المقام ــ مقام الفناء ــ هو غاية السالكين، وهو منتهى الواصلين.
وكذلك المتفلسفة الذين تكلموا في مقامات العارفين، كابن سينا في «الإشارات» ، وأبي بكر بن الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان» ، وغيرها
(4)
= عندهم أن هذا هو غاية العارفين.
وهؤلاء المتفلسفة أمرهم على أصلين فاسدين:
أحدهما: أن كمال الإنسان ونهايته هو مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه، وجعلوا جنس الأخلاق والعبادات والأعمال ونحو ذلك، إنما يُطْلَب لكونه وسيلة إلى المعرفة فقط، فهي تُقْصَد قَصْد الوسائل فقط، كما تُركَب الإبل وتُقطع المسافة لأجل الحج، ولهذا استخفَّ هؤلاء بجنس المحبة
(1)
«عن بعض» غير واضحة في (م)، ولعلها ما أثبت.
(2)
مقدار أربع كلمات (آخر ق 88 - وأول ق 89) ليست واضحة في (م)، وأثبتت في طبعة دار الصحابة هكذا:«حتى وإن كانوا من الزهاد» والظاهر بُعد هذه القراءة.
(3)
انظر «الفتاوى- التوسل والوسيلة» : (1/ 172)، (5/ 489 - 491 - حديث النزول)، (6/ 512).
(4)
كذا في (م)، ولعلها:«وغيرهما» ، إلا إن عاد الضمير على رسالة حي بن يقظان، وهو بعيد.
والإرادة والعبادة والعمل، لكون ذلك عندهم إنما مقصوده
(1)
تهذيب النفس وإعدادها لحصول ما هو عندهم العلم.
والأصل الثاني الفاسد الذي بنوا عليه أمرَهم، فإنهم لما رأوا أن مجَرَّد العلم هو الغاية والكمال الذي يحصل للإنسان، لم يكن عندهم علم إلا ما علموه من العلم الذي يسمونه هم: الإلهي، وذلك العلم منتهاه هو العلم بالوجود المطلق الكلي، وهو [ما] يسمونه: العلم الأعلى، والفلسفة الأولى، ويقولون: هو النظر في الوجود ولواحقه، ويقولون: موضوع العلم الأعلى هو الوجود، ومعلومٌ أن مُسمى الوجود المشترك من الموجودات إنما هو في الذهن، وإنما العلم الأعلى هو العلم بالله، والله هو الأعلى على كلِّ شيء مِن كلِّ وجهٍ، كما قال سبحانه:{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى: 1]، فالعلم به أعلى العلوم، وإرادة وجهه أفضل الإرادات، ومحبته أفضل المحبات.
وهؤلاء يتكلمون في الوجود المطلق، وانقسامه إلى واجب وممكن، وعلة ومعلول، وانقسام العلة إلى العلل الأربعة
(2)
:
المادة والصورة، وهما عِلَّتا ماهية الشيء في نفسه. والفاعل والغاية، وهما عِلتا وجود ذلك.
وانقسامه
(3)
إلى جوهر وعرض، وانقسام الجوهر إلى خمسة أقسام: العقل، والنفس، والمادة، والصورة، والجسم. وانقسام الأعراض إلى تسعة،
(1)
(م): «مقصودها» .
(2)
كذا في (م)، والجادة: الأربع.
(3)
أي الوجود.
وهذه التسعة مع الجوهر هي المسمَّاة بالمقولات
(1)
العشر عندهم، وهي الأجناس العالية للموجودات.
ثم الأعراض هل هي [م 90] تسعة، أو خمسة، أو ثلاثة؟ في ذلك نزاع ليس هذا موضعه، وهي: الكم، والكيف، والأين، ومتى، والوضع، والإضافة، والملك، وأن يفعل، وأن ينفعل، وقد جمعها بعضهم في بيتين، فقال
(2)
:
زيد الطويل الأسود بن مالك
…
في داره بالأمس كان يتَّكِي
في يده سيف نَضَاه فانتضى
…
فهذه عشرة مقالات
(3)
سوا
وكلامهم في هذه الأمور بعضه حق وبعضه باطل، ليس هذا موضع تفصيل ذلك.
ولكنَّ المقصود أن غايتهم معرفة وجودٍ مطلق هو الأعلى عندهم، والوجود المطلق لا يكون مطلقًا إلا في الأذهان لا في الأعيان، فهذه العلوم العقلية الإلهية التي يجعلونها غاية كمال الإنسان، وبها ينال كمال السعادة، غاية معلوماتها أمور مطلقة، كُلِّيات لا توجد إلا في الأذهان لا في الأعيان، كالعلم بالعدد المجرَّد عن المعدودات.
ويقولون: العلومُ ثلاثة:
(1)
(م): «المنقولات» ، والصواب ما أثبت.
(2)
ذكر المصنف هذين البيتين في عدد من كتبه، انظر «الرد على المنطقيين» (ص 132، 303)، و «الصفدية»:(2/ 180، 264)، و «الفتاوى»:(9/ 22، 275).
(3)
في جميع المواضع السابقة من كتب المصنف: «مقولات» .
علمٌ مُتعلق بالمادة في الذهن والخارج وهو العلم الطبيعي، وهو الكلام في الجسم وما يلحق ذلك من حده وأنواعه، وأنواع أنواعه، كالكلام في الجسم مطلقًا، ثم الكلام في السماء والعالم، ثم الكلام في الآثار العلوية، ثم الكلام في المولدات من الحيوان والنبات والمعادن وأنواع ذلك، وهو أوسع علومهم.
وعلمٌ متعلق بالمادة
(1)
في الخارج لا في الذهن، وهو العلم الرياضي، كعِلْم العدد والمقدار، ومنه علم الهندسة.
وعلمٌ لا يتعلق بالمادة لا في الذهن ولا في غيره، وهو علم ما بعد الطبيعة باعتبار العالِمين، وهو علم ما قبلها باعتبار الموجود المعين، وسماه متأخروهم الذين دخلوا في ملة الإسلام: العلم الإلهي.
وهذا العلم إذا حُقّق
(2)
عليهم لم يكن معلومه إلا أمور مطلقة تقوم في الأذهان لا حقيقة له في الخارج، فإن الوجود المطلق وأنواعه وأنواع أنواعه، هذا كله أمور مطلقة كلية لا توجد في الخارج، وإنما توجد مطلقة في الذهن.
وأما العلم بواجب الوجود؛ فهو عندهم جزء من هذا العلم، مع أن واجب الوجود الذي يصفونه لا وجود له في الخارج، بل وجوده في الخارج ممتنع كما قد بُسِطَ في موضعه.
(1)
«متعلق بالمادة» غير واضحة بـ (م)، وهي ما أثبت بدليل ما قبلها وما بعدها، وانظر «الجواب الصحيح»:(3/ 290) للمصنف.
(2)
(م): «خفي» ، والظاهر ما أثبت أو نحوه وبه يصحّ المعنى. ومثله ما سيأتي (ص 245) في قوله: «وإذا حقق الأمر على القوم
…
».
والعقول العشرة التي يثبتونها إذا حُقِّق الأمر فيها لم يكن لها ــ أيضًا ــ وجود إلا في الأذهان لا في الأعيان، [م 91] بل يسمونها: مجردات، هي عند التحقيق ما يُجَرِّده العقل من المعقولات الكلية التي انتزعها من المحسوسات. والمعقولات الكلية المنتزعة من المحسوسات هي أمور ثابتة في الذهن، وهي أمور كلية، سواء كانت شيئًا مفردًا أو كانت قضية مركَّبة من موضوع ومحمول.
وإذا حُقِّق الأمرُ على القوم فلا يثبتون موجودًا في الخارج إلا الفلك وما حواه، وما يثبتونه من العقليات غير ذلك، فلا وجود لها في الحقيقة إلا في الذهن، وهذه جملة مختصرة مبسوطة في غير الموضع نَبَّهنا عليها هنا لارتباط الكلام بها
(1)
.
والذين تصوَّفوا وتألَّهوا وسلكوا مسلك التحقيق والعرفان على طريقة هؤلاء كان منتهاهم إثبات هذا الموجود
(2)
المشهود، وهو الفلك وما حواه، وهذا غاية ابن سبعين وابن عربي والتلمساني وأمثالهم.
وهو حقيقة قول فرعون، لكنَّ هؤلاء سموا هذا: الله، وظنوا أنه الله، وفرعون كان أحذقَ منهم وأخْبَر، فعَلِمَ أنه ليس هو الله، وكان يثبت صانع العالم، لكن جَحَده ظلمًا وعلوًّا، لهذا لمَّا قال لموسى:{وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 23]، قاله على طريق استفهام الإنكار، يقول: هذا الذي تقول إنه
(1)
انظر «درء تعارض العقل والنقل» : (5/ 168 وما بعدها)، (6/ 36 وما بعدها)، و «الفتاوى- مختصر الرد على منطق اليونان»:(9/ 139).
(2)
كذا في (م)، ولعلها:«الوجود» .
أرسلك، ما هو؟ عَرِّفنا به؟ فأجابه موسى جوابَ من يعرف أنه يعرفه، ويظهر إنكاره، ويقول: هو أعْرَف من أن يُعَرَّف، وأبيَنُ من أن يحتاج إلى إظهار، وهو معروف عندك.
كما لو جاء رجل برسالة من عند عمر بن الخطاب إلى بعض أعراب المدينة، فقال ذلك الأعرابي: ما هو هذا عمر؟ فقال له الرسول: هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الذي ولَّى عليكم فلانًا، وفعل بكم كذا وكذا، وذلك الأعرابيُّ يعلم ذلك لكن تجاهل. فهذه كانت حال فرعون مع موسى.
وأما مَن يقول: إنه سأله طالبًا لتعريفه الحقيقة بالجنس والفصل، وأنَّ موسى عَدَل عن ذلك إلى التعريف بالأفعال، فهذا كلامُ طائفةٍ من المتأخرين الغالطين، فإنَّ فرعون كان منكرًا لوجوده، وهو القائل:{مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]، وقال:{لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ} [الشعراء: 29]، والطالبُ لتعريف الحقيقة يكون مُقِرًّا بالوجود، على أن الجواب بذكر الماهية المركَّبة من الجنس والفصل قد تكلَّمنا عليها في غير هذا الموضع، وبيَّنا بعضَ ما وقع فيه من غلط المنطقيين
(1)
.
فهؤلاء المتفلسفة ضلالهم في كمال النفس وسعادتها مركَّبٌ من أصلين: ظَنُّهم أن الكمال هو [م 92] مجرَّد العلم، وظنهم أن ذلك العلم هو ما عندهم من العلم الإلهي الذي ليس فيه علم بالإله، بل هو من أعظم الجهل بالإله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
(1)
انظر «الرد على المنطقيين» ، و «الصفدية»:(1/ 242)، و «درء التعارض»:(3/ 321 وما بعدها)، و «الفتاوى»:(2/ 269)، (9/ 55).