الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيرازي لمَّا دعاني إلى هذا المذهب. فقلت له: هذا يشبه قول فرعون، فقال: نعم نحن على قول فرعون. قلت له: صرَّحَ لك بهذا؟ قال: نعم، فقلت: مع إقرار الخصم لا يحتاج إلى بينة. وكان لم يُسْلِم بعد. قال: فقلتُ له: أنا لا أدع موسى وأذهب إلى فرعون. فقال: لِمَ؟ قلتُ: لأنَّ موسى غرَّق فرعون. فقلت له: نفعَتْك اليهودية، يهوديٌّ خير من فرعوني
(1)
.
وأما
قوله: «أعوذ بك منك»
فهذه الكلمة مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم
(2)
لكنه لم يُرِد بها ما أراده النبي صلى الله عليه وسلم، بل هي كلمة حق أراد بها هذا القائل معنًى باطلًا حيث قال:«حتى لا أرى غيرك» ومراده: أنه ليس ثَمَّ غير.
كما قال: «محالٌ أن يحجبه غيره» ، ثم إن هذا مذهب متناقض
(3)
، فإنه إن كان ثَمَّ غير، فقد ثبت التعدُّد، وإن كان ما ثَمَّ غير، فلا يتصور أن يُحْجَب عن الله، حتى يقال له: المحجوب من حُجِبَ عن الله.
و
هؤلاء يشهدون وحدة الوجود، وفطرتهم تشهد بتعدُّد الوجود
، فلهذا كلامهم دائر بين فطرتهم السليمة ومذاهبهم الذميمة.
ولقد حضر عندي منهم شيخ من شيوخهم وطلب مني شيئًا، فجعلتُ أستنطقه هذا المذهب ليسمعه الحاضرون، فإن من الناس من ينكر وجود هؤلاء ــ مع كثرتهم ــ لفساد مذهبهم في العقل، وكان قد طلب درهمًا، فقلتُ
(1)
ذكر المصنف هذه الحكاية في «الفتاوى» : (2/ 359)، (13/ 187 - 188).
(2)
ضمن حديث أخرجه مسلم (486).
(3)
عبارة «ثم إن هذا مذهب متناقض» غير واضحة في مصورتي، واستفدت قراءتها من طبعة دار الصحابة.
له: مَن الطالب؟ فقال: هو الله، قلتُ: والمطلوب؟ قال: هو الله؟ قلت: والدرهم؟ قال: هو الله!!
وكان هناك فرُّوج وسكِّين، فقلت: والفرُّوج والسكين؟ فقال: هو الله! فجعل يقول: إني مريض فأعطني، فقلت له: المعطي غير المُعْطَى أم لا؟ من هو الذي يعطيك؟ وأمثال هذا الكلام الذي أُبيِّن به تناقض قولهم ليظهر له فساده، وتَوَّبْتُه بعد ذلك، فضجر في أثناء الكلام، ورفع بصرَه إلى السماء، وقال: يا الله، فقلت: إلى مَن ترفع؟ وعلى مذهب المحققين ــ أعني أصحابه ــ ما هناك شيء؟! فقال: أستغفرُ الله أخطأتُ، فصار بفطرته يُقرُّ بأن الله فوق، ومذهبه يأمرُهُ بأن ينكر أن يكون فوق العالم شيء، وهو حائر بين فطرته التي فُطِر عليها، ومذهبه الذي تلقَّاه من شيوخه. والكلام على هذا يطولُ وصفُه [م 71] وإنما المقصود التنبيه
(1)
.
فصل
ثم قال: «وأما الطريق المخصوص بالمحبوبين فهو منه إليه به، إذ مُحالٌ أن يتوصل إليه بغيره»
(2)
.
فيقال: لو قال: «هو به إليه» لكان حقًّا، فإن الله لا يُعبد إلا بإعانته، ولا
(1)
قال المصنف في «المنهاج» : (8/ 26) في سياق كشفه لأصحاب هذا المذهب الباطل: «فلما يسر الله أني بيَّنت للناس حقائقهم، وكتبت في ذلك من المصنفات ما علموا به أن هذا هو تحقيق قولهم، وتبين لهم بطلانه بالعقل الصريح، والنقل الصحيح، والكشف المطابق= رجع عن ذلك من علمائهم وفضلائهم مَن رجع، وأخذ هؤلاء يثبتون للناس تناقضهم ويردونهم إلى الحق» اهـ بتصرف يسير.
(2)
تقدم قوله (ص 162).
حول ولا قوة إلا بالله فـ {(177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي
(1)
وَمَنْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17].
لكن قال: «فهو منه إليه» فقوله: «منه إليه» من جنس قول أهل الوحدة: بل هو من العبد المخلوق المُحْدَث إلى الرب الخالق القديم.
ولما كان كثير من السالكين يقعون في الحلول والاتحاد، وكَثُر ذلك في طريق مُتأخِّري الصوفية= [أجاب]
(2)
الجُنَيد ــ قدَّسَ الله روحَه لمّا سُئل عن التوحيد ــ فقال: التوحيدُ إفرادُ الحُدوث عن القِدَم
(3)
. فرضي الله عن الجُنيد فإنه كان إمام هُدًى. وتكلَّم على المرض الذي يُبتلى به كثيرٌ من هؤلاء.
وقد أنكر ابن عربي على الجنيد وعلى غيره من الشيوخ، مثل سهل بن عبد الله التُّسْتَري وأمثاله في كتابه الذي سماه بـ «التجليات»
(4)
، وادَّعى أن هؤلاء ماتوا وما عرفوا التوحيد، وأنه عَرَّفَهم إياه في هذا التجلِّي الذي له، وهو تجلٍّ خياليٌّ شيطانيٌّ من نفسه إلى نفسه في نفسه
(5)
.
(1)
كذا في (م) بإثبات الياء، وهي قراءة أبي عمرو ونافع وغيرهما، انظر «المبسوط» (ص 241) لابن مهران.
(2)
غير ظاهرة في (م)، ولعلها ما أثبت.
(3)
نسَبَه له القُشيريُّ في «رسالته» : (1/ 19) قال: «التوحيد إفراد القدم من الحدث» . وللمصنف رسالة في معنى هذه الكلمة، ذكرها ابن رُشيّق «الجامع» (ص 304).
(4)
كتاب «التجلِّيات» له مخطوطات كثيرة جدًا، وطبع في الهند سنة 1948 م، وله عدة شروح، انظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 230 - 233) لعثمان يحيى.
(5)
انظر ما سيأتي (ص 178)، وقد قال المصنف في «الصفدية»:(1/ 265) عن ابن عربي إنه: «يطعن في قول الجنيد لما سُئِل عن التوحيد فقال: التوحيد إفراد الحدوث عن القدم. ويقول: لا يميز بين المحدث والقديم إلا مَن كان ليس واحدًا منهما. ذكر هذا وأشباهه في كتابه «التجليات» ، وله كتاب «الإسراء» الذي سماه «الإسرا إلى المقام الأسرى» ، وجعل له إسراء كإسراء النبي صلى الله عليه وسلم. وحاصل إسرائه
…
من نوع الكشف العلمي
…
وهو كله في نفسه وخيالِه، منه المتكلم ومنه المجيب. وباب الخيال باب لا يحيط به إلا الله، وابن عربي يدعي أن الخيال هو عالم الحقيقة ويعظمه تعظيمًا بليغًا، فجعل في خياله يتكلم على المشايخ وتوحيدهم بكلام يقدح في توحيدهم، ويدَّعي أنه علّمَهم التوحيد في ذلك الإسراء. وهذا كله من جنس قرآن مسليمة بل شر منه، وهو كلام مخلوق اختلقه في نفسه» اهـ بتصرف. وانظر «مؤلفات ابن عربي» (ص 178).
وأوْرَدَ على الجُنيد: أنك إذا قلت: التوحيد تمييز المحدَث عن القديم، فالمميِّز بين الشيئين لابدَّ أن يكون غيرهما، وإذا كان ما ثَمَّ إلا مُحْدَث وقديم فمن الذي يُميِّز؟
[فيقال]
(1)
: هذا ممنوع، فليس من شرط المميِّز بين الشيئين أن يكون غيرهما، بل العبد يفرِّق بين نفسِه وبين غيره من المخلوقات وليس هو غيرهما، وكذلك يميز بين نفسه وبين ربه، والرب تعالى يفرِّق بين نفسه المقدَّسة وبين مخلوقاته، وليس هو عين الشيئين. وما أكثر ما في كلامهم من هذه القضايا الحادثة الخيالية التي يُلَبِّسون بها على الناس، لا سيما على مَن يحسن بهم الظن.
وإنما كان الحلول يكثر في كثير من الصوفية، ذكر ذلك أبو نعيم الأصبهاني في أول «حلية الأولياء»
(2)
، وذكره أبو القاسم القُشَيري في
(1)
هنا نحو ثلاث كلمات غير ظاهرة في مصورتي!
(2)
(1/ 4).