الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عمر العمري
(1)
ومنهم ابن عمنا عمر:
أديب شاعر، وصايغ ناثر، وأسد في ميدان البلاغة كاسر، هاصر أفنان المجد والسعادة، وقاهر همم الرشد على معاقد الإفادة وبدر الأدب اللائح الأنوار، وشمس المعارف المشرق على جميع الأمصار. واحد الشعر ومؤلفه، ومقرط النظم ومشنفه (2). ملك المعالي بإبداعه، وزين العوالي بيراعه.
نسب طاهر ومجد أثيل
…
وفخار عال وفضل جزيل
فهو غمام النظم الهاطل، الذي حلى بألفاظه كل جيد عاطل.
استظل بظلال الفضل الوارف، والتقط فرائد الكمالات من معادن اللطائف. فغدت رباع الفصاحة به آهلة، ومعالم الرجاحة بمكارمه متكاملة. وكان رحمه الله ذا طبع نقاد، وذكاء وقاد. ونظم شعر واحد، يصلح أن يكون للأعناق قلائد. وقد أتيت منه بالغريب العجاب، الذي يكون غيره بالنسبة إليه هباب. إذ كان بيننا مع
(1) هو عمر بن ابى بكر بن عمر بن ابى بكر بن محمد بن علي بن قاسم. الذي ترجم له صاحب منهل الاولياء فقال: كان رجلا صالحا، منقطعا في بيته مشغولا بمطالعة الكتب ومذاكرة الطلاب ينظم المدائح النبوية، وشعره متوسط، وكان قد عرض له آخر عمره مرض الوسواس فتحاشى عن مجالسة الناس. ومات سنة نيف وستين بعد المائة والالف. ثم ذكر عدة ابيات من قصيدته التي مطلعها «ان ماس تيها باعتدال القوام» التي سيذكرها المؤلف. منهل الاولياء 1:232.
(2)
في الاصل: مشرفه.
هذا الأديب نسابة متعاقدة، وكلنا بيت العمرية من جرثومة واحدة.
وكنت اجتمع به في بعض الاحيان، فأراه لعيون البلاغة كالانسان فنقصر إذا على معاطاة القريض، والأخذ من بحره الطويل العريض. واجعل أبياته المشتى (1) ومقاطيعه المقيظ. وكنت أتلقى نظمه من لسانه، وآخذ الأدب عن بيانه.
حسيب إلى الفاروق يعزى وينتمي
…
لقد طاب أصلا ثم فرعاً ومحتدا
أديب لبيب كامل متكمل
…
ترى لفظه عقداً ودراً منضدا
فتخال النادي رياضا (2)، والأشعار حياضا (3). كأنها عقود جمان، أو حدائق جنان. وهو في الحقيقة الدر المنير، والسحاب المطير، والأديب الذي لم يقبل النظير.
فكان يحبني الحب الشديد ويوافقني في الأدب على كل ما أريد.
مولي ومولي نعمة وكرامة
…
وأخا إخاء مخلصاً وخليلا
فمن شعره الرقيق، الذي هو أحلى من الرحيق قوله في قصيدة قد التزم فيها الجناس، وأتى به في أحسن لباس وهي:
غزال سرب إذا ما سره غزلي
…
نبال مقلته الكحلا بها غزلي (4)
كان الحاظ عينيه إذا غمزت
…
سيف بكف أمير المؤمنين علي
يرق لي من سقامي وهو أمرضني
…
ويدري ماذا شفائي لو تعطف لي
ألقى على كبدي كفيه قلت له
…
مهلا فاصل سقامي الأعين النجل (5)
فقل لمن لامني في حبه سفها
…
اقصر فليس ملي البال مثل خلي
(1) في ب: المشنا.
(2)
في ب: رياض.
(3)
في ب: حياض.
(4)
في المخطوطتين: بها غزى لي.
(5)
في هذا البيت اقواء.
هويته فهواني في الهوان فها
…
هلال مهجته بالهم يشهد لي
نوى النوى فلوى نومي فأسهرني
…
وقال لي صح منك الجسم قلت بلي (1)
سألته مذ سلاني أن يبلغني
…
من سلسل الريق سؤلي قال لا تسل (2)
مذ ملني لامني اللوام من ملل
…
يروم إملال قلبي وهو منه ملي
قد حل لما حلا والحلي يحلو له
…
فحل حبل احتمالي وانطوت حيلي
ومنها:
قد شفني فشفاني رشف شفته
…
وشاقني بشقيق زين بالكحل
ومنها في حسن التخلص:
جفا فقلت لماذا أنت هاجرني
…
بغير ذنب ومن أفتاك في القتل
ألم تخف حاكم الشرع الشريف ومن
…
قد سار بالفضل سير السادة الأول
محمد عمري الأصل أن له
…
من الكمال أياد في العلا طول (3)
بحر العلوم رأينا من فضائله
…
مالا رأته ذوو الالباب في رجل
كنز الحقائق كشاف الدقائق بل
…
هداية، حكمة، تبري من الجهل
رام السباق إلى العليا فجد إلى
…
إن نالها فمشى في أحسن السبل
ومنها:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرت
…
حتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
فكيف تخفى وقد شاعت مكارمها
…
فأصبحت في فم الأيام كالمثل
ما أمه قاصد إلا وامنحه
…
فينثني مايسا في الحلي والحلل
(1) في ب: فلوا نومى.
(2)
في ب: لا تسلي.
(3)
الصواب ان تكون ايادي في العلا طولا. ولا يستقيم البيت الا بالخطأ.
لا زال يسمو ويرقى كل مرتبة
…
تعلو على هامة الجوزاء مع زحل
وعاش في طيب عيش دائما أبدا
…
يختال ما عاشه في أفخر الدول
وقد نسج هذا الشاعر أبياته على منوال قصيدة الصفي الحلي (1) وطريقه الذي اخترعه وهي:
سل سلسل الريق لم لم يرو حر ظما
…
بل بلبل القلب لما زاده ألما
قد قدّ قدّ حبيبي قدّ مصطبري
…
إن آن إن اجتنى جرما فلا جرما
مذ مل ململ قلبي في تقلبه
…
مذ كف كفكف دمعا صار منه دما
بل رب ربرب سرب ثغره شنب
…
لو لؤلؤا رام تشبيها به ظلما
لو قابل الشمس لا لألاؤه انكسفت
…
وأن يقل للدجى زح زحزح الظلما
كم هد هدهد واشينا بقافية
…
غداة عنعن عن أعدائنا الكلما
مذ نم نمنم أقوالا شفيت بها
…
إذ زل زلزل طود الصبر فانهدما
لم لملم الوجد عندي بعد مصرفه
…
عني وجمجم جم الصب فالتأما
(1) انظر حاشية ص 148.
مذلج لجلج نطقي عن إجابته
…
لورق رقرق دمعاً ظل منسجما
إن كان دعدع دع كأس العذاب وقل
…
مه مهمه العشق لا يطويه منه سما
إن قيل ضع ضعضع الخدين معتمداً
…
أو قيل قلقل قل أرضى بما حكما
أو قيل طحطح طح بالحب ملتجيا
…
أو قيل دمدم دم بالحب ملتزما
سب سبسب الحب فاسكن من أحبتنا
…
لكل من منّ من أهل الوفا كرما
هم همهم حفظهم للحق حق وقا
…
من حيث حضحض حض الحب منتقما
إن قيل أج أجاج العذر فارض بهم
…
أو لا فنفسك لُم، لم لا تفيض دما
وقول صاحب الترجمة في قصيدته:
شاعت مواهبه في الأرض واشتهرت
…
حتى روى عنها سهل الأرض عن جبل
مأخوذ من قول القيراطي (1):
أوصافكم تسري أحاديثها
…
مسرى النجوم الزهر في الأفق
كما أحاديث الندى عنكم
…
تسندها الركبان من طرق
(1) انظر حاشية ص: 144.
ولابن نباتة (1) في هذا المعنى:
روت عنك أخبار المعاني محاسنا
…
كفت بلسان الحال عن ألسن الحمد
فوجهك عن بشر وكفك عن عطا
…
وخلقك عن سهل ورأيك عن سعد
وفيه لبعضهم:
من زار بابك لم تبرح جوارحه
…
تنشي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة
…
والقلب عن جابر والسمع عن حسن
ولصاحب الترجمة في مدح الوزير (2) علي باشا ابن الحكيم:
جبت البلاد معاشراً لكرامها
…
وإذا أنا في حيهم بتنقل
نادى مناد للكرام وقال لي
…
من حاتم الاجواد قلت لهم علي
لو لم يكن أهلا لكل فضيلة
…
ما كان حقاً للوزارة قد ولي
با ملجأ الملهوف يا بحر الندى
…
يا سيدي يا صاحب القدر العلي (3)
أيذلني ضنك المعاش بغربتي
…
وأضيق ذرعاً في المعاش وأنت لي
أنت الذي ما أم ربعك قاصد
…
إلا انثنى ذا حشمة وتجمل
ومن نظمه:
إن ماس تيها باعتدال القوام
…
يكاد ان يسلب عقل الأنام
ظبي إذا لاحت على خده
…
نار ترى في القلب منها ضرام (4)
(1) انظر حاشية ص 114.
(2)
في ب الوزير الاكرم والدستور الاعظم.
(3)
في ب: يا ملجآء.
(4)
في منهل الاولياء 1: 232:
ظبي لقد لاحت على خده
…
نار أرى في القلب منها ضرام
مذ أرسل الشعر على وجهه
…
عاينت بدر التم تحت الظلام
أفديه لما أن رنا معجبا
…
ارشق قلبي نحوه بالسهام
لقد بدا العارض في خده
…
لام فما لي في هواه ألام (1)
لما كوى القلب بنيرانه
…
ناديت هذي النار أين السلام
ظبي فأما خصره ناحل
…
لكنه أورث جسمي السقام
حلو دلال طرفه ناعس
…
لكنه أسهر طرفي ونام
مقطب إن ذبت من هجره
…
أوبحت بالشكوى علاه ابتسام
لله ما أحلاه من فاتن
…
أنشأه ربي فتنة للانام
إن سل سيف اللحظ من عجبه
…
فليس للعشاق منه ذمام
مبرقع الوجه ولكنه
…
يسبى البرايا أن أزال اللثام
فلم أر من حبه مخلصا
…
إلا بمدح الشيخ راعي الذمام (2)
ذاك أبو بكر الذي قد غدت
…
عطايا كفيه شبيه الغمام
من دوحة الفخر فطوبى لمن
…
قد حل في اكنافه لا يضام (3)
مطوق الأعناق من جوده
…
ونيل كفيه كطوق الحمام
من عنصر الفضل فقصاده
…
تسابقت من كل مصر وشام
ماذا أقل في مدح اطباع من
…
يعجم عنهن فصيح الكلام (4)
لا زال كهفا لجميع الورى
…
وعاش في العيش المهنى ودام
وله رحمه الله:
وأهيف ملتفت كالغزال
…
صير قلبي حبه كالخيال
(1) في منهل الاولياء: لاح من العارض في خده.
(2)
في ب: فلم ارى من حبه مخلص.
(3)
في ب: فطوبا. وفي الاصل وب. لا يظام.
(4)
جزم أقل ليستقيم له الوزن.
أصبحت مفتوناً به مغرماً
…
بمقلة نجلاء فيها اكتمال
لم أنسه لما بدا مقبلا
…
بطلعة مشرقة كالهلال
مذ رفع البرقع عن وجهه
…
عوذت بالله لذاك الجمال
وجاء يرنو نحونا معجبا
…
فسل سيف اللحظ فينا وصال
شكوته ماذا أقاسي به
…
فماس تيها وتثنى ومال
وجائر قلت له سيدي
…
إذا احتشام في الهوى أم دلال
ألوى على صدغيه فرعاً له
…
أعقبني من بعد رشدي ضلال
قد كتب الحسن على خده
…
بخطه واواً وراء ودال (1)
حققت من شهد غدا ريقه
…
لما سعت في وجنتيه نمال
وخصره المعدوم من رقة
…
البسه الخاتم فيه فجال
كأنما العارض في خده
…
تبدد المسك عليه فسال
وإنما الحاجب قوس وقد
…
ارشق قلبي والحشا باختبال
ذو مبسم يخجل غصن النقا
…
منه إذا ما ماس قاف ودال
وتفضح الغزلان لفتاته
…
ويخجل الأقمار وقت الكمال
أفديه إن واصلني أو جفا
…
فما لقلبي عن هواه انتقال
أعرض عن قربي بلا موجب
…
أعدمني الصبر وهجري أطال
وقائل دع حبه واسترح
…
أحببته دعني فهذا محال
أنا غريق في بحور الهوى
…
فكيف أخشى يا خليلي بلال
فجد لنا بالوصل يا سيدي
…
واطرح الهجر ودع ذا المطال
(1) في ب: بخطه واد.
وله أيضا عفي عنه:
أهل من عطفة للصب يحيى
…
لعل قتيلكم بالوصل يحيى (1)
نظرت لحسنكم فسكرت وجدا
…
فما لي لم أجد للسكر صحيا
ظمئت للثم ثغرك والثنايا
…
فهل لي من لمى المعسول ريا (2)
في الله قد عقربت صدغا
…
ومن فرعيك قد ألويت حيا (3)
فمذ لاحت على خديك نار
…
كويت بها الحشا والقلب كيا
وقد أسدلت ليلا فوق بدر
…
فصيرت الهوى رشدا وغيا
(1) في المخطوطتين: يحيا.
(2)
في المخطوطتين: لما المعسول، واللمى مثلثة اللام سمرة في الشفة أو شربة سواد فيها.
(3)
في الاصل: أبديت حبا.