المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فتح مكة لقد ارتكبت قريش خطأ فادحاً عندما أعانت بالخيل والسلاح - السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية - جـ ٢

[أكرم العمري]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالثالرسول صلى الله عليه وسلم في المدينةالجهاد ضد المشركين

- ‌تشريع الجهاد

- ‌طلائع حركة الجهاد

- ‌تحويل القبلة إلى الكعبة

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌في أعقاب بدر

- ‌غزوة قرقرة الكدر:

- ‌غزوة السويق:

- ‌غزوة ذي أمر:

- ‌غزوة بحران:

- ‌غزوة القردة:

- ‌غزوة أحد

- ‌في أعقاب أحد

- ‌غزوة بدر الموعد:

- ‌من تاريخ التشريع:

- ‌غزوة بني المصطلق (المريسيع)

- ‌غزوة الخندق (الأحزاب)

- ‌في أعقاب غزوة الخندق

- ‌سرية الخبط (سرية سيف البحر)

- ‌غزوة الحديبية

- ‌رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء

- ‌تأديب الأعراب

- ‌عمرة القضاء

- ‌غزوة مؤتة

- ‌غزوة ذات السلاسل

- ‌فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌غزوة الطائف

- ‌غزوة تبوك

- ‌الأحداث الأخيرة

- ‌عام الوفود

- ‌حج أبي بكر بالناس عام 9 ه

- ‌حجة الوداع

- ‌تجهيز جيش أسامة بن زيد بن حارثة

- ‌وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابعالرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌عالم الغيب:

- ‌الألوهية والربوبية:

- ‌النبوات

- ‌الإيمان بسائر الأنبياء وأثره:

- ‌بشرية الرسول

- ‌ختم النبوة وعموم الرسالة الإسلامية:

- ‌القرآن معجزة الرسول الخالدة:

- ‌أثر القرآن فى تبصير الإنسان:

- ‌خلو القرآن من التعارض:

- ‌حول ما يزعم من وجود الإعجاز الرياضى فى القرآن:

- ‌معجزات الرسول الحسية

- ‌منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادة

- ‌نبي الرحمة

- ‌محبة الرسول من الإيمان

- ‌أمهات المؤمنين

- ‌جيل عصر السيرةفضل الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم

- ‌مبادرة الصحابة إلى طاعة الله

- ‌تجرد الصحابة للدعوة إلى الإسلام

- ‌فضل الهجرة

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الأول

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الثاني

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الثالث

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الرابع

الفصل: ‌ ‌فتح مكة لقد ارتكبت قريش خطأ فادحاً عندما أعانت بالخيل والسلاح

‌فتح مكة

لقد ارتكبت قريش خطأ فادحاً عندما أعانت بالخيل والسلاح والرجال حلفاءها بني بكر على خزاعة حليفة المسلمين، فأوقعوا بها الخسائر على ماء بأرض خزاعة يدعى الوتير، فاستنجدت خزاعة بالمسلمين، وقدم عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة فأنشد أبياتا من الشعر أمام الرسول صلى الله عليه وسلم يستنصره، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"نصرت يا عمرو بن سالم"(1).

ويذكر ابن إسحاق أن بني بكر ألجأوا خزاعة إلى الحرم وقاتلوها فيه (2)، ويذكر الواقدي أن قتلى خزاعة بلغوا عشرين رجلا (3). وقد أوضح موسى بن عقبة أن الذين أعانوا بكرا على خزاعة من زعماء قريش فيهم صفوان بن أمية، وشيبة بن عثمان، وسهيل بن عمرو، ويذكر أن الإعانة كانت بالسلاح والرقيق (4).

وتصرف قريش هذا نقض صريح لمعاهدة الحديبية، وعدوان سافر على حلفاء المسلمين، وقد أدركت قريش خطورة الموقف، وتشير بعض الروايات إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل إلى قريش يخيرهم بين دفع دية قتلى خزاعة أو البراءة من حلف بكر أو القتال فاختارت القتال، ثم ندمت وأرسلت أبا سفيان إلى المدينة يطلب تجديد المعاهدة، لكنه فشل في الحصول على وعد بتجديد المعاهدة (5).

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 278 من طريق ابن إسحق بإسناد حسن لذاته وقد صرح ابن إسحق بالتحديث وله شاهد ضعيف في الطبراني: المعجم الصغير 2/ 73 لضعف يحيى بن سليمان الخزاعي وشاهد آخر في مسند أبي يعلى الموصلي 4/ 400 وفي سنده حزام بن هشام الخزاعي شيخ محله الصدق وأبوه تابعي مجهول الحال وقد وثقهما ابن حبان (الهيثمي: مجمع الزوائد 6/ 162).

(2)

السيرة النبوية 2/ 389 بدون إسناد.

(3)

الواقدي: المغازي 2/ 784 بإسناد ضعيف جدا.

(4)

ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 281 من رواية موسى بن عقبة بدون إسناد.

(5)

ابن حجر: المطالب العالية 4/ 243 من مرسل محمد بن عباد بن جعفر بإسناد إليه صحيح. وفتح الباري 8/ 6 من رواية محمد بن عائذ الدمشقي من حديث ابن عمر وقارن بابن كثير: البداية والنهاية 4/ 281 والواقدي: المغازي 2/ 786.

ص: 473

وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالتجهز للغزو ولم يعلمهم بوجهته وحرص على السرية لئلا تستعد قريش للقتال (1). وقد استنفر القبائل التي حول المدينة: أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، وقد بلغ عدد جيش المسلمين عشرة آلاف مقاتل (2). "وأوعب مع رسول الله المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد"(3) مما يدل على طاقة المسلمين العليا في حشد الجيوش في هذه المرحلة. وكان في الجيش ألف من مزينة وألف من سليم (أو سبعمائة)(4).

وهذا العدد الكبير يدل على تعاظم قوة المسلمين ما بين صلح الحديبية وفتح مكة.

وقد أرسل حاطب بن أبي بلتعة - وهو صحابي بدري- كتابا إلى قريش يخبرها بأن المسلمين يريدون غزوها، وحملت الكتاب امرأة عجوز، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم علياً والزبير والمقداد، فأمسكوا المرأة في روضة خاخ على بعد اثني عشر ميلا من المدينة، وهددوها أن يفتشوها إن لم تخرج الكتاب، فسلمته لهم "فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما هذا؟ قال: يا رسول الله، لا تعجل علي، إني كنت امراً ملصقاً في قريش، يقول: كنت حليفاً، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين، من لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً، يحمون قرابتي، ولم أفعله ارتداداً عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما أنه قد صدقكم. فقال عمر: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا

(1) ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 283 من رواية ابن إسحق بإسناد صحيح.

(2)

ابن سعد: الطبقات 2/ 397 بدون إسناد.

(3)

ابن إسحق بإسناد حسن لذاته (سيرة ابن هشام 2/ 399).

(4)

المصدر السابق.

ص: 474

ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله السورة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى آخر قوله {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} (1)(2). وبذلك شرع الله عداوة الكفار ومصارحتهم ومنع موالاتهم وصداقتهم.

وفي حادثة حاطب هذه تظهر معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بأمر المرأة وكتاب حاطب الذي أرسله معها. وفيها حكم الجاسوس وجواز هتك ستره، وأنه بارتكابه هذه الكبيرة لا يكفر.

وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من الدينة في رمضان سنة ثمان للهجرة، وكان المسلمون صياما حتى بلغوا كديدا - وهي عين جارية تبعد عن مكة 86 كيلا، وبينهما وبين المدينة 301 كيل - فأفطروا (3).

وقد استخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين الغفاري (4).

وقد وصل الجيش الإسلامي إلى مر الظهران دون أن تعلم قريش بتحركه، وكان خروجه من المدينة لعشر خلون من رمضان ودخوله لتسع عشرة خلت منه وهو المشهور في كتب المغازي (5). وقد وقع اختلاف في تاريخ الفتح ما بين ثلاث عشرة وست عشرة وسبع عشرة وثماني عشرة من رمضان واتفقوا أنه في رمضان سنة ثمان (6).

(1) سورة الممتحنة: آية 1.

(2)

البخاري: صحيح 4/ 72، 579/ 99، 9/ 23 وصحيح مسلم 2/ 170.

(3)

البخاري: صحيح 5/ 185 وفتح الباري 4/ 180 - 181. والنووي: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 3/ 173 وقد حدد المسافات بالمراحل والأميال.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 399 من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن لذاته وقد صححه الحافظ ابن حجر (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية 4/ 248). وصححه الحاكم وقال أنه على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك 3/ 44) ولكن ابن إسحق ليس على شرطهما وقد أخرج له مسلم في المتابعات فقط.

(5)

النووي: شرح مسلم 3/ 176.

(6)

صحيح مسلم 1/ 452، 453 وطبقات ابن سعد 2/ 138.

ص: 475

وفي طريق المسلمين إلى مكة قدم بعض زعماء المشركين، فأعلنوا إسلامهم، ففي الأبواء قدم أبو سفيان بن الحارث أخو الرسول صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فأسلما. وكانا شديدين في معاداة الإسلام، فكان أبو سفيان بن الحارث يهجو المسلمين ويقاتلهم في سائر الحروب عشرين سنة حتى قذف الله في قلبه الإسلام، وحسن إسلامه فكان أحد الذين صمدوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حين فر الناس (1). وكان عبد الله بن أبي أمية شديد العداوة للمسلمين وهو أخو أم سلمة -أم المؤمنين- لأبيها، وقدم على الرسول صلى الله عليه وسلم بين السقيا والعرج على طريق (المدينة - مكة)، فأسلم وحسن إسلامه فشهد فتح مكة واستشهد في حصار الطائف (2).

وفي الجحفة - قرب رابغ الآن- قدم العباس بن عبد الطلب على الرسول صلى الله عليه وسلم مهاجرا (3)، وكان العباس قد أسلم قبل فتح خيبر (4)، وقد وردت روايات ضعيفة تبين إسلامه قبل بدر (5). بل قبل الهجرة إلى المدينة (6). ويردُّ ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم طالبه بأن يفتدي عندما أسر ببدر ولا شك أن العباس قدم خدمات جليلة للإسلام قبل دخوله فيه فقد كان يوافي الرسول صلى الله عليه وسلم بأخبار قريش، وكان ملاذاً للمسلمين المستضعفين بمكة.

(1) مستدرك الحاكم 3/ 43 - 45 بإسناد حسن وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وانظر سيرة ابن هشام 2/ 400 وتاريخ الطبري 3/ 50 وأنظر قصيدته في إسلامه في صحيح مسلم 2/ 395.

(2)

ابن عبد البر: الاستيعاب (بهامش الاصابة) 2/ 263.

(3)

ابن هشام: السيرة النبوية 2/ 400 نقلا عن الزهري دون إسناد.

(4)

عبدالرازق: المصنف 5/ 466 وأحمد: المسند 21/ 122 والفسوي: المعرفة والتاريخ 1/ 507، 508، 509، وقال ابن كثير: هذا الإسناد على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى النسائي (البداية والنهاية 4/ 217).

(5)

طبقات ابن سعد 4/ 10 وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي ضعيف، و 4/ 11 وفي إسناده الواقدي متروك وابن أبي سبرة لا يحتج به.

(6)

طبقات ابن سعد 4/ 31 وفي إسناده الواقدي متروك وابن أبي حبيبة ضعيف والسند منقطع.

ص: 476

وفي مر الظهران عسكر المسلمون وعميت أخبارهم عن قريش فخرج أبو سفيان ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي يتحسسون الأخبار، فالتقى بهم العباس بن عبد المطلب، وكان يريد أن يرسل إلى قريش رسولاً يطلب منهم أن يخرجوا أن يخرجوا لمصالحة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يدخل عليهم مكة، وكان أبو سفيان وصاحباه يتناقشون بينهم في أمر الجيش المعسكر بمر الظهران وقد ظنه بعضهم "خزاعة" مما يدل على نجاح المسلمين في كتمان خبر تقدمهم إلى مكة، فلما أخبرهم العباس بأنه جيش المسلمين، سألوه عن رأيه، فطلب من أبي سفيان أن يمضي معه وبجواره إلى معسكر المسلمين، فوافق، وقابل الاثنان الرسول صلى الله عليه وسلم، فدعا أبا سفيان للإسلام فتلطف في الكلام وتردد في الإسلام فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم العباس بأن يأخذه إلى خيمته ويحضره في صباح اليوم التالي، ففعل وأسلم أبو سفيان في اليوم التالي، وأطلعه العباس على قوة المسلمين حيث استعرض الجيش أمامه، فأدرك أبو سفيان قوة المسلمين وأنه لا قبل لقريش بهم، حتى إذا مرت به كتيبة المهاجرين والأنصار وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، فقال العباس: ويحك يا أبا سفيان، إنها النبوة، قال: فنعم إذاً.

ومضى أبو سفيان إلى مكة فأخبر قريشا بقوة المسلمين ونهاهم عن المقاومة (1).

وكان سعد بن عبادة يحمل راية الأنصار عند استعراض الجيش فقال لما مر بأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، فاشتكى أبو سفيان للرسول صلى الله عليه وسلم من قولة سعد فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم

(1) ابن حجر: المطالب العالية 4/ 244 من رواية إسحق بن راهويه، وقال ابن حجر: هذا حديث صحيح، والطحاوي: شرح معاني الأثار 3/ 322 وقال: هذا حديث متصل الإسناد صحيح وقد صرح ابن إسحق فيه بالتحديث. وهي توافق ما في صحيح البخاري 5/ 186 وإن كان فيها تفصيل أكبر.

ص: 477

الله فيه الكعبة ويوم تُكسى فيه الكعبة" (1). وأخذ الراية من سعد بن عبادة فدفعها إلى ابنه قيس ثم كلم سعد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يأخذ الراية من ابنه قيس مخافة أن يقع في خطأ، فأخذها منه (2).

وفي مر الظهران قرر النبي صلى الله عليه وسلم الزحف على مكة، فعين القادة وقسم الجيش إلى ميمنة وميسرة وقلب، فكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى والزبير بن العوام على المجبنة اليسرى، وأبو عبيدة على الرجالة، وكانت راية الرسول صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض (3).

وقد فصَّل الواقدي الكلام عن توزيع الرايات وحملتها، وذكر أن عدد المقاتلين من المهاجرين سبعمائة ومن الانصار أربعة آلاف ومن سليم أربعمائة ومن جهينة ثمانمائة ومن بني كعب بن عمرو خمسمائة ومجموع هؤلاء سبعة آلاف وأربعمائة مقاتل، وأن خيل هؤلاء المقاتلين بلغت تسعمائة وثمانين (4). وما ذكره من العدد يخالف الروايات الصحيحة والواقدي متروك فلا يعول عليه خاصة إذا خالف غيره.

وقد جمعت قريش جموعاً من قبائل شتى ومن أتباعها لحرب المسلمين، وقصدت من ذلك أن تحمي أنفسها فإن أحرزوا نصراً أعانتهم وإلا صالحت المسلمين. فأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتالهم ودخلت جيوشه حتى انتهت إلى الصفا ما يعرض لهم أحد إلا قتلوه ودخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها من جهة كداء (5) ودخل خالد بن الوليد من أسفلها (6). وكانت مقاومة القرشيين يسيرة، حيث ذكر ابن إسحق أن عدد قتلى المسلمين في الخندمة حيث التحم خالد بن الوليد مع

(1) صحيح البخاري 5/ 186. و"كذب" كانت تستعمل بمعنى "أخطأ".

(2)

ابن حجر: مختصر زوائد البزار 248. وقال: صحيح.

(3)

سنن ابن ماجة 2/ 941 بإسناد حسن لذاته.

(4)

مغازي الواقدي 2/ 799، 801.

(5)

صحيح البخاري 5/ 189.

(6)

فتح الباري 8/ 10.

ص: 478

بعض المشركين في قتال بلغ ثلاثة من الفرسان في حين قتل من المشركين اثنا عشر رجلا (1). وذكر موسى بن عقبة أن قتلى المشركين بلغوا قريبا من أربعة وعشرين (2) وقال الواقدي إنهم بلغوا ثمانية وعشرين (3). وقد ذكرت رواية ضعيفة أوردها الطبراني أن قتلى المشركين بلغوا سبعين قتلا (4).

وأقوى هذه الروايات ما ذكره ابن إسحق وموسى بن عقبة فهما أوثق كتاب المغازي، ومغازي ابن عقبة أوثق بالجملة من سيرة ابن إسحق كما أن أبا سفيان أشار إلى كثرة القتلى من قريش فربما ترجِّحُ هذه القرائن رواية موسى بن عقبة. فقد قال أبو سفيان للرسول صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم" مما يشير إلى كثرة القتلى، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق آخرون أبوابهم.

وقد خشى الأنصار أن يكون الأمان الذي أعطي لقريش دليلاً على رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بقومه ورغبة في البقاء بمكة فطمأنهم الرسول بقوله:"المحيا محياكم والممات مماتكم"(5).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أمر قادة جيشه ألا يقاتلوا إلا من يقاتلهم، وأعلن الأمان للناس سوى أربعة رجال وامرأتين أباح دماءهم ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة وهم: عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد

(1) السيرة النبوية 2/ 407 من رواية ابن إسحق عن اثنين من ثقات شيوخه مرسلا والحاكم: المستدرك 3/ 241. وقد ذكر البخاري اثنين من شهداء المسلمين فقط.

(2)

البيهقي: السنن الكبرى 9/ 120 بإسناد فيه لم أقف على ترجمته، وهو من مراسيل موسى ابن عقبة.

(3)

مغازي الواقدي 2/ 827 - 829 بدون إسناد.

(4)

ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 297 وفي إسناده شعيب بن صفوان الثقفي مقبول فالرواية ضعيفة.

(5)

صحيح مسلم 2/ 95، 96، 2/ 296 - 297.

ص: 479

الله بن سعيد بن أبي سرح، وقد قتل عبد الله بن خطل (1) وهو متعلق بأستار الكعبة وقتل مقيس بن صبابة في سوق مكة، وتمكن عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح من الوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أعلنا إسلامهما وحقنا بذلك دمهما (2).

وقد جمع الحافظ ابن حجر أسماء الذين أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دماءهم من مفرقات الأخبار فبلغ عدد الرجال تسعة وعدد النساء ثماني (3). وهؤلاء الذين أهدرت دماؤهم كانوا ممن ألحق الأذى الشديد بالمسلمين، فكان في إهدار دمهم عبرة لم تسول له نفسه الظلم والطغيان على أمل أن ينجو من العقاب طمعا في رحمة الإسلام وطيبة أتباعه.

وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم لخزاعة أن تثأر من بني بكر في اليوم الأول من فتح مكة حتى العصر، وذلك لما كان من غدر بني بكر بخزاعة قبل الفتح رغم دخولها في صلح الحديبية.

(1) كان ابن خطل قد أسلم ثم قتل أحد المسلمين وارتد عن الإسلام، وفي قتله وهو متعلق بأستار الكعبة ما يدل على أن الكعبة لا تعيذ عاصيا مستحقا للحد الشرعي. (سيرة ابن هشام 2/ 410 من طريق ابن إسحق بدون إسناد).

(2)

النسائي: سنن (السيوطي: زهر الربا 7/ 105) وفي إسناده ضعف. وللحديث شاهدان رواهما البيهقي أحدهما في (ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 299 بإسناد فيه الحكم بن عبد الملك البصري ضعيف. ويذكر "عبد العزى بن خطل" بدل " عبد الله بن خطل" - وفي اسمه خلاف- و "أم سارة" بدل "عكرمة") والآخر في السنن الكبرى 9/ 120 وفيه عمرو بن عثمان المخزومي مقبول ويذكر "الحويرث بن نقيذ" بدل "عكرمة" ورغم أن هذه الروايات ضعيفة لكنهما تتضامن لإسناد الخبر تاريخياً، وخبر مقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة في الصحيحين (صحيح البخاري 5/ 188 وصحيح مسلم 1/ 570).

(3)

فتح الباري 8/ 11، 12.

ص: 480

فلما كان العصر أعلن وقف أي قتال بمكة وأوضح حرمتها فلما قتلت خزاعة رجلا تطلبه بثأر وداه الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أن من قتل بعد ذلك قتيلا فأهل القتيل بالخيار بين القصاص والدية (1).

وأما عامة أهل مكة فقد نالهم عفو عام رغم أنواع الأذى التي ألحقوها بالرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته، ورغم قدرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، وقد جاء إعلان العفو عنهم وهم مجتمعون قرب الكعبة ينتظرون حكم الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم فقال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم. فقال:"لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم"(2). وقد نزلت الآية الكريمة {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (3).

فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنهم ويصبر على ما كان منهم ويدع عقوبتهم تفضلاً منه واحتسابًا فقال: "نصبر ولا نعاقب"(4).

وقد ترتب على هذا العفو العام حفظ الأنفس من القتل أو السبي وإبقاء الأموال المنقولة والأراضي بيد أصحابها وعدم فرض الخراج عليها، فلم تعامل مكة كما عوملت المناطق الأخرى المفتوحة عنوة لقدسيتها وحرمتها، فإنها دار النسك ومتعبد الخلق وحرم الرب تعالى، لذلك ذهب جمهور الأئمة من السلف

(1) رواه أحمد في المسند (الفتح الرباني 21/ 159) بإسناد حسن لذاته. وانظر رواية مكلمة في المسند 4/ 32 بإسناد حسن حيث صرح ابن إسحق بالتحديث. وانظر رواية أخرى في المسند 4/ 31 وفيها مسلم بن يزيد السعدي مقبول وقد توبع فقويت روايته إلى الحسن لغيره.

(2)

لأبو عبيدة: الأموال 143 بإسناد حسن لكنه مرسل وانظر سيرة ابن هشام 2/ 412 من رواية ابن إسحق بإسناد فيه جهالة.

(3)

سورة النحل 126

(4)

أحمد: المسند 5/ 135 والترمذي: سنن 4/ 361، 362 والطريقان يعتضدان إلى الحسن، ففي إسناد أحمد هدية المروزي صدوق ربما وهم، وفي إسناد الترمذي الربيع بن أنس صدوق له أوهام، وعيسى بن عبيد الكندي صدوق، وقد قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي (المستدرك 2/ 359).

ص: 481

والخلف إلى أنه لا يجوز بيع أراضي مكة ولا إجارة بيوتها (1)! فهي مناخ لمن سبق، يسكن أهلها فيما يحتاجون إلى سكناه من دورها وما فضل عن حاجتهم فهو لإقامة الحجاج والمعتمرين والعباد القاصدين، وذهب آخرون إلى جواز بيع أراضي مكة وإجارة بيوتها، وأدلتهم قوية في حين ان أدلة المانعين مرسلة وموقوفة (2).

ولم ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته بمكة بل ضربت له قبة في الحجون - في المكان الذي تعاقدت فيه قريش على مقاطعة بني هاشم والمسلمين- وقال عندما سأله أسامة بن زيد إن كان سينزل في بيته: (وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟) مبينا أنه لا يرث المسلم الكافر (3)، وكان عقيل قد ورث أبا طالب هو وطالب أخوه وباع الدور كلها. وأما علي وجعفر فلم يرثاه لأنهما مسلمان وأبو طالب مات كافراً (4).

ولم يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة دخول الفاتحين المتغطرسين، بل كان خاشعا لله شاكرا لأنعمه يقرأ سورة الفتح ويرجِّع في قرائتها (5) وهو على راحلته، بل إنه لما طاف بالكعبة استلم الركن بمحجنه كراهة أن يزاحم الطائفين وتعليماً لأمته (6).

وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم حرمة مكة وأنها لا تغزى بعد الفتح (7)، كما أعلى من مكانة قريش فأعلن أنه لا يقتل قرشي صبراً بعد يوم الفتح إلى يوم القيامة (8).

(1) زاد المعاد 2/ 194 وقال إنه مذهب مجاهد وعطاء في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، وأبي حنيفة في أهل العراق، وسفيان الثوري، والإمام أحمد، وإسحق بن راهويه.

(2)

زاد المعاد 2/ 194.

(3)

البخاري: صحيح 5/ 187 ومسلم: صحيح 1/ 567.

(4)

فتح الباري 8/ 15.

(5)

صحيح البخاري 5/ 187.

(6)

أبو داؤد: سنن 1/ 434 بإسناد حسن لذاته. والمحجن عصا معقوفة. والهيثمي: مجمع الزوائد 3/ 244 من طريق الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح.

(7)

الترمذي: سنن 3/ 83 وقال عنه: حسن صحيح وأحمد: المسند 412 بإسناد حسن لذاته.

(8)

صحيح مسلم 2/ 97 ومسند أحمد 3/ 412 بإسناد صحيح.

ص: 482

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتحطيم الأصنام وتطهير البيت الحرام منها، وشارك في ذلك بيده فكان يهوي بقوسه إليها فتساقط وهو يقرأ {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (1). وكانت ستين وثلاثمائة من الأنصاب (2)، ولطخ بالزعفران صور إبراهيم وإسماعيل وإسحق وهم يستقسمون بالأزلام وكانت هذه الصور داخل الكعبة، وقال: قاتلهم الله ما كان إبراهيم يستقسم بالأزلام (3). وفي رواية أن صورة مريم كانت داخل الكعبة أيضاً (4). ولم يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم الكعبة إلى بعد أن محيت هذه الصور منها (5). ثم دخلها فصلى فيها ركعتين، وذلك بين العمودين المقدمين منها، وكانت مبنية على ستة أعمدة متوازية، وقد جعل باب الكعبة خلف ظهره، وترك عمودين عن يساره وعموداً عن يمينه وثلاثة وراءه (6). ثم خرج فدعا عثمان بن طلحة فأعطاه مفتاح الكعبة، وكانت الحجابة في بني شيبة في الجاهلية فأبقايا بأيديهم (7). ثم استلم الرسول صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود وطاف بالبيت مهللا مكبرا ذاكرا شاكرا، وكان غير محرم وعلى رأسه المغفر ثم لبس عمامة سوداء مما يدل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد حجا ولا عمرة (8).

وهكذا تم تطهير البيت العتيق من مظاهر الوثنية وأوضار الجاهلية ليعود كما أراد له الله تعالى وكما قصد ببنائه إبراهيم وإسماعيل مكانا لعبادة الله وتوحيده.

(1) صحيح مسلم 2/ 95، 96، 296، 297.

(2)

صحيح البخاري 5/ 188 وصحيح مسلم 2/ 97.

(3)

صحيح البخاري 5/ 88 ومسند أحمد 1/ 365 بإسناد صحيح والبوصيري: أتحاف الخيرة المهرة القسم الثالث من الجزء الثالث، ص109 من مسند أبي بكر بن أبي شيبة بإسناد حسن.

(4)

صحيح البخاري 4/ 169.

(5)

صحيح البخاري 5/ 188.

(6)

صحيح البخاري 5/ 222، 109، 110 وصحيح مسلم 1/ 556.

(7)

وردت في ذلك عدة أحاديث مرسلة ومنقطعة تقوي بمجموعها (انظر مصنف عبد الرزاق 5/ 83، 84، 85 وابن حجر: فتح الباري 8/ 19).

(8)

صحيح البخاري 3/ 21 وصحيح مسلم 1/ 570 وشرح النووي على صحيح مسلم 3/ 508.

ص: 483

ولا شك أن تطهير البيت من الأصنام كان أكبر ضربة للوثنية في أرجاء الجزيرة العربية حيث كانت الكعبة أعظم مراكزها، وما أن تم فتح مكة وطُهرت الكعبة حتى أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى نخلة لهدم العزى التي كانت مضر جميعا تعظمها فهدمها (1). وأرسل عمرو بن العاص إلى سواع صنم هذيل فهدمه (2). وأرسل سعد بن زيد الأشهلي إلى مناة بالمشلل (ناحية قديد على طريق مكة - المدينة) فهدمها (3) وبذلك أزيلت أكبر مراكز الوثنية حيث ذكرها القرآن الكريم {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} (4).

وفي فتح مكة نزلت سورة النصر {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} (5) فقد كان العرب تنتظر نهاية الصراع بين المسلمين وقريش فلما كان الفتح أقبلت بمجموعها وبادرت لإعلان إسلامها (6). قال عمرو بن سلمة الجرمي: "وكانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح يقولون: انظروا فإن ظهر عليهم فهو صادق وهو نبي، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم"(1) وعقب ابن إسحق على حادثة الفتح بقوله: "وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوخها الإسلام،

(1) سيرة ابن هشام 2/ 436، وطبقات ابن سعد 2/ 145 ولم تثبت في القصص التي تدور حول هدمها رواية صحيحة.

(2)

ابن سعد: الطبقات 2/ 146.

(3)

طبقات ابن سعد 2/ 146.

(4)

سورة النجم: آية 18.

(5)

صحيح البخاري: 5/ 189.

(6)

صحيح البخاري: 5/ 191.

(7)

ابن سعد 1/ 2، ص 70.

ص: 484

وعرفت العرب أنه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كام قال الله عز وجل أفواجاً يضربون إليه من وكل وجه" (1).

وقد خطب الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة عدة خطب بيَّن في الخطبة الأولى- وكانت على باب الكعبة- دية الخطأ شبه العمد، وألغي مآثر الجاهلية وثأراتها واستثنى سقاية الحاج وسدنة البيت فاستبقاهما (2).

وأعلن في الخطبة الثانية إبطال أحلاف الجاهلية إلا ما كان من المعاقدة على الخير ونصرة الحق وصلة الأرحام (3).

ثم أعلن في الخطبة الثالثة تحريم مكة وتحريم صيدها وخلاها وشجرها ولقطتها وتحريم القتال فيها وبين أن الله تعالى أحلها له ساعة وقت الفتح (4)، وأوضح أن لا هجرة بعد فتح مكة ولكن جهاد ونية (5)، فلم تعد الهجرة من مكة إلى المدينة واجبا، وإن بقي حكمها من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام إلى يوم القيامة (6). فقد شرعت الهجرة إلى المدينة ليعبد المسلمون ربهم بأمان، وليقوى كيان الإسلام بالمدينة أمام خصومه، وليتمكنوا من حماية الدولة ثم توسيع رقعتها عن طريق الجهاد، والهجرة بعد فتح مكة لم تعد ضرورة فقد قوي كيان الإسلام وصار وجود المسلمين في ديارهم أجدى لإقامة شعائر الإسلام ونشر هداه في سائر الأرجاء، وأما الجهاد فباق إلى يوم القيامة. ولذلك بايع النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد الفتح على الإسلام والإيمان والجهاد ولم يبايعهم على الهجرة (7). وقد

(1) سيرة ابن هشام 2/ 560.

(2)

مسند أحمد 3/ 410 بإسناد حسن لذاته. وأبو داؤد: سنن 2/ 492 بإسناد صحيح.

(3)

صحيح مسلم 2/ 409 ومسند أحمد 2/ 215 وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن عياش صدوق له أوهام.

(4)

صحيح البخاري 3/ 17 وصحيح 2/ 568.

(5)

صحيح البخاري 3/ 18، 4/ 28.

(6)

فتح الباري 4/ 49، 7/ 270.

(7)

صحيح البخاري 5/ 72، 193 وصحيح مسلم 2/ 140.

ص: 485

بين ابن عمر (رض) ذلك بقوله (انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار) أي ما دام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة على من أسلم وخشى أن يفتن عن دينه (1).

وأوضح في الخطبة الرابعة أن من قتل له قتيل فيخير بين أخذ الدية أو القصاص (2).

وقد اتضحت بعض الأحكام الشرعية خلال فتح مكة، من ذلك جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية حيث صام الرسول صلى الله عليه وسلم في مسيرة الجيش من المدينة حتى بلغ كديدا فأفطر (3).

ومن ذلك صلاته عليه الصلاة والسلام صلاة الضحى ثماني ركعات خفيفة (4). فهي سنة مؤكدة.

ومن ذلك أن أحق المصلين بالإمامة أكثرهم حفظاً للقرآن (5)

ومن ذلك تحديد مدة قصر الصلاة للمسافر، حيث أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يقصر الصلاة (6).

ومن ذلك إقرار أمان النساء وجوارهن حيث أجازت أم هاني رجلين من أحمائها، فأمضى الرسول صلى الله عليه وسلم جوارها (7). وقد أجمع أهل العلم على أن أمان المرأة جائز (8).

(1) فتح الباري 7/ 270

(2)

صحيح البخاري 1/ 38 صحيح مسلم 1/ 569

(3)

صحيح مسلم 1/ 451

(4)

صحيح البخاري 5/ 189 وصحيح مسلم 1/ 289

(5)

صحيح البخاري 5/ 191

(6)

صحيح البخاري 5/ 190

(7)

صحيح البخاري 4/ 122

(8)

قاله الخطابي (عون المعبود 7/ 44).

ص: 486

ومن ذلك تحريم نكاح المتعة بعد إجازته ثلاثة أيام فقط ثم صار حراماً إلى الأبد (1). وكان تحريم المتعة وإباحتها مرتين، فكانت حلالاً قبيل خيبر ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة، ثم حرمت يومئذ بعد ثلاثة أيام تحريماً مؤبداً إلى يوم القيامة واستمر التحريم (2).

ومن ذلك بيان حكم أن (الولد للفراش وللعاهر الحجر) وذلك من خلال قصة ابن وليدة زمعة. حيث تنازع فيه سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، فحكم به الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد بن زمعة لأنه ولد على فراش أبيه (3).

وحكم نكاح المشرك إذا أسلمت زوجته قبله كما حدث لصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وقد اعتبر عقد النكاح قائما بينهما وبين زوجتيهما لأنهما أسلما قبل انقضاء عدة الزوجتين (4).

ومنها حكم الوصية وأنها لا تجوز في أكثر من ثلث المال، كما تدل قصة سعد ابن أبي وقاص حين مرضه حيث نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم أن يوصي بأكثر من الثلث (5).

ومنها أن للمرأة أن تأخذ من مال زوجها لنفقتها ونفقة أولادها بالمعروف دون علمه إذا امتنع عن النفقة كما في قصة هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان حيث استفتت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك (6).

ومنها تحريم بيع الخمر والميتة والأصنام (7).

ومنها بيان حكم خضاب الشيب بالحناء أو الصفرة كما في قصة أبي قحافة حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير شيبه (8).

(1) صحيح مسلم 1/ 586، 587.

(2)

النووي شرح صحيح مسلم 3/ 553.

(3)

صححي البخاري 8/ 191.

(4)

موطأ مالك (الزرقاني: شرح الموطأ 3/ 156 - 157) وسيرة ابن هشام 2/ 417.

(5)

سنن الترمذي 3/ 291 وقال هذا حديث حسن صحيح.

وانظر فتح الباري 5/ 369.

(6)

صحيح مسلم 2/ 60.

(7)

صحيح البخاري 3/ 110 وصحيح مسلم 1/ 690، 689.

(8)

صحيح مسلم 2/ 244.

ص: 487

ومنها تحريم الشفاعة في حدود الله عز وجل بعد بلوغها للإمام كما حدث في قصة المرأة المخزومية التي سرقت فقطعت يدها، وغضب الرسول صلى الله عليه وسلم من أسامة بن زيد لأنه شفع لها وقوله؛ (إنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)(1).

وفي هذا الحديث إقرارا لمبدأ المساواة بين الناس أمام أحكام الشريعة وتحذير للحكام من أن يقيموا الحدود على الضعفاء دون الأقوياء الذين يحاولون بالوساطات والضغوط تخطي الأحكام .. ولا شك أن بقاء الدول واستقرار المجتمعات منوط بالدرجة الاولى بإقرار العدالة وإنما يجد خصوم الدولة السبيل إلى هدمها من خلال الظلم الذي يقع منها فهو مبرر لاجتماع المظلومين وحافز للتضحية من أجل إسقاطها.

ونتيجة لفتح مكة تحول ثقل معسكر الشرك من قريش إلى قبيلتي هوازن وثقيف اللتين سارعتا لملء الفراغ وقيادة المشركين لحرب الإسلام فكانت غزوة حنين وحصار الطائف.

ويؤرخ ابن إسحاق سرية الطفيل بن عمرو الدوسي في أعقاب فتح مكة، حيث أحرق ذا الكفين صنم عمرو بن حُمَمَة (2).

(1) صحيح البخاري 5/ 192 وصحيح مسلم 2/ 47.

(2)

سيرة ابن هشام 1/ 385 بدون إسناد.

ص: 488