المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌غزوة حنين هوازن قبيلة عربية مشهورة من عرب الشمال، فهي مضرية - السيرة النبوية الصحيحة محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية - جـ ٢

[أكرم العمري]

فهرس الكتاب

- ‌الفصل الثالثالرسول صلى الله عليه وسلم في المدينةالجهاد ضد المشركين

- ‌تشريع الجهاد

- ‌طلائع حركة الجهاد

- ‌تحويل القبلة إلى الكعبة

- ‌غزوة بدر الكبرى

- ‌في أعقاب بدر

- ‌غزوة قرقرة الكدر:

- ‌غزوة السويق:

- ‌غزوة ذي أمر:

- ‌غزوة بحران:

- ‌غزوة القردة:

- ‌غزوة أحد

- ‌في أعقاب أحد

- ‌غزوة بدر الموعد:

- ‌من تاريخ التشريع:

- ‌غزوة بني المصطلق (المريسيع)

- ‌غزوة الخندق (الأحزاب)

- ‌في أعقاب غزوة الخندق

- ‌سرية الخبط (سرية سيف البحر)

- ‌غزوة الحديبية

- ‌رسائل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء

- ‌تأديب الأعراب

- ‌عمرة القضاء

- ‌غزوة مؤتة

- ‌غزوة ذات السلاسل

- ‌فتح مكة

- ‌غزوة حنين

- ‌غزوة الطائف

- ‌غزوة تبوك

- ‌الأحداث الأخيرة

- ‌عام الوفود

- ‌حج أبي بكر بالناس عام 9 ه

- ‌حجة الوداع

- ‌تجهيز جيش أسامة بن زيد بن حارثة

- ‌وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌الفصل الرابعالرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم

- ‌عالم الغيب:

- ‌الألوهية والربوبية:

- ‌النبوات

- ‌الإيمان بسائر الأنبياء وأثره:

- ‌بشرية الرسول

- ‌ختم النبوة وعموم الرسالة الإسلامية:

- ‌القرآن معجزة الرسول الخالدة:

- ‌أثر القرآن فى تبصير الإنسان:

- ‌خلو القرآن من التعارض:

- ‌حول ما يزعم من وجود الإعجاز الرياضى فى القرآن:

- ‌معجزات الرسول الحسية

- ‌منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في العبادة

- ‌نبي الرحمة

- ‌محبة الرسول من الإيمان

- ‌أمهات المؤمنين

- ‌جيل عصر السيرةفضل الصحابة ووجوب محبتهم وموالاتهم

- ‌مبادرة الصحابة إلى طاعة الله

- ‌تجرد الصحابة للدعوة إلى الإسلام

- ‌فضل الهجرة

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الأول

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الثاني

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الثالث

- ‌ثبت المصادر والمراجع للفصل الرابع

الفصل: ‌ ‌غزوة حنين هوازن قبيلة عربية مشهورة من عرب الشمال، فهي مضرية

‌غزوة حنين

هوازن قبيلة عربية مشهورة من عرب الشمال، فهي مضرية عدنانية تفرعت منها فروع كثيرة منها ثقيف، وقد استقرت ثقيف في مدينة الطائف الحصينة وما حولها، في حين انتشرت بطون هوازن الأخرى في تهامة على ساحل البحر الأحمر من حدود بلاد الشام الجنوبية إلى حدود اليمن الشمالية (1).

وفي ديار ثقيف كانت تقام أسواق العرب في الجاهلية منها سوق عكاظ الشهير بين نخلة والطائف، حيث تتم البيوع والمقايضات التجارية، وتعقد الندوات الأدبية والشعرية، ومنها سوق ذي المجاز قرب عرفت على بعد فرسخ منها من جهة الطائف، وسوق مَجَنَّة بمر الظهران التي تبعد عن الطائف، وتقرب من مكة (2).

ولا شك أن الثقفيين كانوا يستفيدون فوائد عظيمة من أسواق العرب هذه سواء في تجارتهم وتصريف نتاجهم الزراعي حيث يمتلكون بساتين الأعناب والرمان والخضراوات. أو في رقيهم الأدبي وتفتح مداركهم حيث التلاقح الثقافي في هذه اللقاءات الموسمية المنظمة، وحيث يقومون بالوساطة في التجارة الخارجية بين الشام واليمن من ناحية وسكان البوادي من ناحية أخرى.

وقد تشابكت مصالح ثقيف وهوازن مع مصالح قريش تشابكاً وثيقاً بحكم الجوار. فمكة والطائف قريبتان من بعضهما بينهما تسعون كيلا فقط، وكان القرشيون يصطافون بالطائف، ويمتلكون فيها البساتين والدور حتى سميت الطائف "بستان قريش"(3)، وقد وطَّد هذه العلاقات ما كان بين قريش وهوازن

(1) ياقوت: معجم البلدان 2/ 173، 3/ 204، 4/ 216 - 217، 5/ 55، 216 - 262، والحربي: كتاب المناسك ص 532 - 538، والبلادي: نسب حرب ص 349 - 350.

(2)

نفس المصادر السابقة.

(3)

اشتهر في السيرة عتبة وشيبة ابني ربيعة القرشين، والوهط بستان عمرو بن العاص، وذو الهرم مال أبي سفيان (معجم البلدان 5/ 386 ومغازي الواقدي 3/ 971؛ وسيرة ابن هشام 1/ 709)، وأخبار مكة للأزرقي، ص 70؛ والبلاذري: فتوح، ص 56.

ص: 489

من صلات نسبية قديمة توثقها المصاهرات المتجددة فكلاهما من مضر الذي هو الجد السادس لهوازن والسابع أو الخامس لقريش تبعاً لاختلاف النسابين (1).

وإن نظرة إلى كتب معرفة الصحابة يمكن أن توضح تشابك العلاقات بين قريش وهوازن نتيجة المصاهرات الكثيرة بين القبيلتين (2). ولتوثيق هذه الصلات نجد أن عروة بن مسعود الثقفي كان رسولا لقريش إلى المسلمين في الحديبية (3).

فلا غرابة وقد تشابكت علاقة قريش وهوازن بهذا الوثوق أن تقف هوازن مع قريش في صراعها ضد المسلمين منذ المرحلة المكية، وأن يئول إليها حمل الراية ضد الإسلام بعد فتح مكة لتملأ الفراغ إثر سقوط زعامة قريش لمعسكر الشرك في الجزيرة العربية.

فمنذ أن لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثقيف في الطائف يدعوهم بدعوة الإسلام، ثم يطلب منهم بعد رفضهم دعوته أن يكتموا ذلك، أبوا إلا أن يظهروا العداء الصريح وأمروا صبيانهم فرشقوه بالحجارة .. إن قريشا وهوازن أمرهم واحد، فمن خرج على قريش ودينها ومصالحها فقد خرج على دين هوازن وهدد مصالحها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية إسلام ثقيف، لمكانتها العسكرية والاقتصادية، ولعلاقاتها الوثيقة بقريش، وقد سعى إلى دعوة زعمائها للإسلام حتى بعد إخفاق رحلته إلى ثقيف، فالتقى بالعقبة وهو يعرض نفسه على زعماء

(1) ابن هشام: السيرة 1/ 1: 93؛ وابن سعد: الطبقات 1/ 55؛ وابن قتيبة: المعارف ص 31، 51؛ والطبري: تاريخ 2/ 262، والنويري: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب ص 397.

(2)

راجع في كتب معرفة الصحابة والأنساب ترجمة ميمونة بنت الحارث، ولبابة الكبرى بنت الحارث، ولبابة الصغرى بنت الحارث، وصفية بنت حزن، وأم جميل بنت مجالد الهلالية، وزينب بنت أبي سفيان، وأم الحكم بنت أبي سفيان.

(3)

صحيح البخاري 3/ 170.

ص: 490

القبائل بابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبه إلى الإسلام مما أهمَّه حتى انطلق بعيدا عن مكة لا يتعرف في طريقه إلى داره لفرط الهم (1).

وقد وقفت هوازن بعيدا عن الصراع الذي احتدم بين قريش والمسلمين بعد الهجرة، ولعلها كانت تظن أن قريشا تكفيها، وظلت ترقب المعارك في بدر وأحد والخندق دون أن تحرك ساكنا، بل إن الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة أقنعها بالرجوع عن المشاركة ببدر ما دامت تجاراتها قد سلمت (2). وكان عروة بن مسعود الثقفي يطلب من قريش قبول الخطة التي عرضها عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية (3). ولكن هذه المواقف الفردية تعبر عن حكمة بعض الثقفيين فقط، ولا تعبر عن موقف مسالم لثقيف وهوازن.

ويبدو أن عدم اشتراك ثقيف في الأحداث التي جرت حتى فتح مكة يرجع إلى اعتمادها على قريش وضعف تصورها لحقيقة القوة الإسلامية. وليس معنى ذلك أن هوازن لم تشعر قط بخطر المسلمين قبيل فتح مكة، فقد كان موقف قريش مشعرا بضعفها أمام المسلمين منذ اعترافها بهم ومعاهدتها معهم في الحديبية، واستمر موقفها يضعف مع الأيام ويعلو صوت الإسلام، وكانت معنوية قريش ضعيفة وقت فتح مكة، فلا شك أن جيرانها الثقفيين كانوا على قدر من الوعي بذلك، وكان بعض رجالهم قريبا من الأحداث، ولعل عدم نجدة هوازن وثقيف لقريش يرجع إلى نجاح المسلمين في كتمان هدف تحركهم. كما كانت هوازن تخشى على ديارها منهم، لذلك لم تبادر للدفاع عن مكة، ويشير الواقدي إلى أنهم أرسلوا عينا لهم لمعرفة إن كان المسلمون سيتوجهون إلى قريش أم هوازن، بل إن هوازن اتخذت موقف الاستعداد للمواجهة بجمع جموعها منذ

(1) صحيح البخاري 4/ 91، 9/ 95 وصحيح مسلم 3/ 1420.

(2)

ابن حجر: الاصابة 1/ 25.

(3)

صحيح البخاري 3/ 170.

ص: 491

أن تحرك المسلمون من المدينة، وقد تصورت أنها المقصودة (1). وأعان على هذا التصور غموض موقف المسلمين من مصير صلح الحديبية.

فلما فتحت مكة وسقطت الزعامة القريشية، حملت هوازن راية الشرك، وتحركت بسرعة لمواجهة الموقف خاصة أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوقف نشاط المسلمين العسكري بعد الفتح، بل أرسل السرايا منها سرية بقيادة خالد بن الوليد بثلاثين فارسا نحو نخلة لهدم العزى فهدمها (2)، وكانت بيتاً تعظمه العرب وهي من ديار ثقيف (3). وكان ذلك لخمس ليال بقين من رمضان كما أرسل سعد بن يزيد الأشهلي في عشرين فارسا لست بقين من شهر رمضان إلى مناة بالمشلَّل - وهي القديدية الآن- وكان صنماً يعظمه العرب وخاصة الأنصار قبل إسلامهم، فهدمه سعد الأشهلي، وعاد إلى مكة (4)، وقيل إن علياً (رض) هو الذي هدم مناة أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طريقه إلى مكة قبل الفتح (5). والروايتان ضعيفتان من الناحية الحديثية فابن سعد ساقها دون إسناد ومصدره فيما يبدو شيخه الواقدي وهو ضعيف، وابن الكلبي ضعيف، وثمة رواية تفيد أن أبا سفيان بن حرب هو الذي تولى هدمها، وليست بأقوى من الروايتين (6). ولكن لا شك أن مناة قد هدمت فهذا الذي يثبت تاريخيا، وليس الحديث كالتاريخ من حيث الحاجة إلى قوة الأدلة.

وكذلك أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية بقيادة خالد بن الوليد في شهر شوال من سنة ثمان للهجرة تضم ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار إلى بني

(1) الطبري 3/ 70.

(2)

ابن هشام: السيرة 2/ 436 وابن سعد: الطبقات 2/ 145 والطبري: تاريخ 3/ 65؛ والمزي: تحفة الأشراف 4/ 235، حديث 5054 نقلا عن السنن الكبرى للنسائي لكن فيه الوليد بن جميع صدوق يهم. ولم تثبت في القصص التي تدور حول هدمها رواية صحيحة.

(3)

البلادي: نسب حرب ص 388.

(4)

ابن سعد: الطبقات 2/ 146 - 147؛ والواقدي: المغازي 2/ 869، 870.

(5)

ابن الكلبي: الأصنام، ص 15.

(6)

ابن هشام: السيرة 1/ 86؛ وابن حجر: الإصابة 2/ 179، منسوبة إلى ابن إسحاق.

ص: 492

جذيمة في يلملم جنوب مكة بثلاثين كيلا، داعيا لهم إلى الإسلام، فلما وصلهم دعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا، فقتل منهم وأسر، ثم أمر بعد حين بقتل الأسرى، وقد توقف عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن عوف وبعض الصحابة عن قتل الأسرى، حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي تبرأ مما صنع خالد مرتين (1).

لقد تأول خالد بن الوليد قولهم "صبأنا" بأنهم لا يريدون إعلان إسلامهم أو أنهم ينتقصون الإسلام بذلك فلم يحقن دماءهم (2)، ورأى عبد الرحمن بن عوف وعبد الله أنهم عبروا عن إسلامهم بما يعرفون، ولم تكن المصطلحات الشرعية قد اتضحت لسائر العرب آنذاك، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن تبرأ من فعل خالد لعجلته وعدم تثبته فإنه لم يعاقبه ولم يعزله عن إمارة جنده، إذ أنه اجتهد فأخطأ.

وتقول رواية لا تصلح للاحتجاج بها لانقطاعها أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع ديات القتلى جميعا وزادهم فيها تطييبا لنفوسهم وبراءة من دمائهم (3).

وهذا يتفق مع أحكام الإسلام في قتل الخطأ، ولو اعتمدنا على الرواية المنقطعة فينبغي أن نقبلها جميعا وفيها أن خالد بن الوليد لما وصل بني جذيمة حملوا السلاح فأمرهم بإلقائه وذكرهم بأن الناس قد أسلموا، فوضعوا السلاح فكتفهم وقتل العديد منهم. وقد ساق هذه الرواية ابن إسحق وساق روايات أخرى تفيد أن عمل خالد كان ثأراً لعمه الفاكه بن المغيرة الذي قتلته بنو جذيمة في الجاهلية وقد عقب ابن كثير على روايات ابن إسحق بقوله: "وهذه مرسلات

(1) صحيح البخاري 5/ 131 وابن كثير: التفسير 4/ 306 وحول الملاحاة بين ابن عوف وخالد انظر: صحيح مسلم 4/ 1967.

(2)

ابن حجر: فتح الباري 8/ 57،وكان قريش تقول عن كل من أسلم إنه صبأ، فصارت تطلق في معرض الذم، وهو عذر لخالد الذي كان يعرف ظل الكلمة وظروف استعمالها، أما بن جذيمة فيبدو أنهم استعملوها دون أن يفطنوا لما أحاط بها من ظلال ووقع في حس المسلمين.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 430، وهو من مراسيل أبي جعفر محمد على الباقر، فهو منقطع لأن الباقر ولد ما بين (40 - 56 هـ) كما في تهذيب التهذيب لابن حجر 9/ 351.

ص: 493

ومنقطعات" أي لا تقوم بها حجة (1). إن أعظم ما يبريء ساحة خالد ويفيد أنه اجتهد فأخطأ هو عدم معاقبة الرسول صلى الله عليه وسلم له واكتفاؤه بالبراءة من عمله.

وعلى أية حال فإن اثنتين من سرايا المسلمين كانت في ديار هوازن وثقيف. ولم تكن هذه السرايا لتخفى على هوازن التي بدأت تحشد قواها في حنين بعد نصف شهر فقط من فتح مكة لمواجهة المسلمين (2). وقد عزمت على مهاجمة المسلمين قبل أن يهاجموها، ومما يدل على أنهم أرادوها موقعة فاصلة حشدُهُم للأموال والنساء والأبناء، حتى لا يفر أحد دون ماله وأهله. وكان يقودهم مالك بن عوف النصري وقد انضمت إلى هوازن بعض القبائل الأخرى من غطفان وغيرها (3)، وتخلف عنه من هوازن كعب وكلاب (4).

ويلاحظ أن مالك بن عوف رتب قومه بشكل صفوف حسنة، وقد الخيل ثم الرجالة ثم النساء ثم الغنم ثم الإبل (5). وكان مالك النصري في الثلاثين من عمره، وقد عرف بالشجاعة وحسن البلاء في القتال (6)، وقد وردت روايات تبين أن دريد بن الصَّمة أنكر على مالك النصري الخروج بالنساء والأطفال والأموال لأن المنهزم لا يرده شئ- في رأيه- لكن مالك النصري لم يعمل برأيه (7).

وقد انفرد الواقدي بتقدير عدد جيش هوازن فذكر انهم عشرون ألفا (8).

وقد مال الحافظ ابن حجر إلى قبول هذا التقدير فقال إنهم كانوا ضعف عدد المسلمين وأكثر (9).

(1) سيرة ابن هشام 1/ 431، والطبري 3/ 66 وابن كثير: البداية والنهاية 4/ 313 - 314.

(2)

الطبري: تاريخ الرسل والملوك 3/ 70.

(3)

البخاري: صحيح 5/ 130 - 131 ومسلم: الصحيح 2/ 735.

(4)

سيرة ابن هشام 2/ 437.

(5)

صحيح مسلم 2/ 736 وأحمد: المسند 3/ 157.

(6)

ابن حجر: الإصابة 3/ 182، 352.

(7)

سيرة ابن هشام 2/ 437.

(8)

مغازي الواقدي 3/ 893.

(9)

فتح الباري 8/ 29.

ص: 494

وقدر أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حدرد الأسلمي للتعرف على أمرهم فمكث فيهم يوماً أو يومين ثم عاد إلى المسلمين بخبرهم (1). فأخذ المسلمون أهبتهم واستعدوا لمواجهتهم.

واستعار النبي صلى الله عليه وسلم مائة درع من صفوان بن أمية (2)، وكان لا يزال على الشرك، وقد سأله صفوان إن كان يأخذها غصباً أم عارية؟ فأخبره أنها عارية، وقد أعادها إليه بعد غزوة حنين شاكرا له صنيعه (3). وقد أورد عبد البر روايات دون أسانيد تذكر أنه صلى الله عليه وسلم استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وقبل عون نوفل بن الحارث بن عبد المطلب له بثلاثة آلاف رمح (4). ولا مانع من استعانته بهما إذ ثبت أنه استعان بصفوان وهو مشرك.

وخاصة أن كيان الإسلام كان راسخا وأن صبغة المعركة الإسلامية لا يؤثر فيها قبول معونة من سواهم ما دامت لا تفرض عليهم شروطا تخل بالتزاماتهم العقدية.

ولم يطل استعداد المسلمين فإن الجيش الذي فتح مكة لم يلق من الجهد والقتال سوى مناوشات يسيرة في الخندمة، فكان على استعداد لمواجهة هوازن، وخلال أيام تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال - وقد

مضى على مقامه بمكة بعد الفتح خمس عشرة ليلة وكان فتحها في التاسع عشر من رمضان- ووصلوا إلى حنين في مساء العاشر من شوال (5). ويبدو من ذلك أنهم

(1) الحاكم: المستدرك 3/ 48 - 49، وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وللحديث شواهد جعلت الشيخ الألباني يحكم بصحته بمجموع طرقه (إرواء الغليل 5/ 344 - 346).

(2)

نفس المصدر السابق.

(3)

ابن ماجة: السنن 2/ 809، والنسائي: المجتبي 7/ 276، وفيه انقطاع بين إبراهيم بن عبد الرحمن -راويه- وجده عبد الله بن أبي ربيعة، ويصلح للاستشهاد به في التاريخ إذ هو يتفق مع أحكام الإسلام في الوفاء بالسلف.

(4)

الاستيعاب 1/ 385، 3/ 537.

(5)

ابن هشام: السيرة 2/ 437، البيهقي: السنن 3/ 151، وابن التركماني: الجوهر النقي بحاشية سنن البيهقي والنسائي: السنن 3/ 100؛ وابن حجر: فتح الباري 2/ 562، 8/ 27.

ص: 495

كلما اقتربوا من حنين ساروا ببطء وحذر فإنها لا تبعد عن مكة سوى عشرين كيلا شرقي مكة وتعرف الآن بالشرائع (1). أما في أول خروجهم من مكة فقط مضوا مسرعين (2). وقد استخلف الرسول صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد أميرا على مكة عند خروجه (3). وكان عدد جيش المسلمين كبيرا إذا قورن بسائر الغزوات السابقة فقد انضم إلى الجيش الذي فتح مكة -وعدده عشرة آلاف مقاتل (4) - ألفان من أهل مكة من مسلمة الفتح الذين سموا بالطلقاء، حيث أجمعت الروايات على ذلك رغم أنها لا ترقى إلى درجة الصحة الحديثية في عدد الطلقاء الذين انضموا إلى الجيش، ولكنها تكفي لاعتمادها تاريخياً (5). ولذلك تعتبر غزوة حنين أكبر المعارك التي خاضها المسلمون في عصر السيرة ومن أكثرها خطورة.

وقد اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بحراسة جيشه حتى إذا حضرتهم صلاة العشاء وهم قريبون من العدو أمر أحد الصحابة بمراقبة عدوهم من أحد الجبال المطلة على وادي حنين وقد عبر عن ثقته الكبيرة بربه وبنصره عندما أخبره الصحابي بما رأى من جموع هوازن وأموالها بقوله "تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله" ثم تطوع انس بن أبي مرثد الغنوي بحراسة المسلمين حيث ناموا في المكان وأوصاه ألا

(1) حمد الجاسر: تعليقه ص 471 على كتاب المناسك للحربي وفؤاد حمزة: قلب جزيرة العرب ص 268.

(2)

أبو داؤد: السنن 1/ 210، 2/ 9؛ والحاكم: المستدرك 1/ 237، 2/ 83 - 84 وصححه ووافقه الذهبي.

(3)

سيرة ابن هشام 2/ 440 وتاريخ خليفة ص 88؛ وتاريخ الطبري 3/ 73 والحاكم: المستدرك 3/ 270 وتصل هذه الروايات رغم ضعفها حديثياً للاستدلال التاريخي خاصة أنها تتفق مع أحكام الإسلام في الإمارة.

(4)

صحيح البخاري 5/ 20؛ وسيرة ابن هشام 2/ 399 - 400.

(5)

ابن هشام: السيرة 2/ 440 وتاريخ خليفة بن خياط ص 88؛ وطبقات ابن سعد 2/ 154 - 155 وتاريخ الطبري 3/ 73؛ والحاكم: المستدرك 2/ 121 وصحح الرواية ووافقه الذهبي لكن الهيثمي أشار إلى علة فيها هو عبد الله بن عياض لم يوثقه أحد (مجمع الزوائد 6/ 186).

ص: 496

يغفل عن الحراسة حتى الفجر، وقد أدى أنس مهمته خير أداء فوعده النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة (1).

لقد كان لوجود الطلقاء في جيش المسلمين آثار سلبية، فقد كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتخلصوا من كل الرواسب الجاهلية المستقرة في أعماقهم وحياتهم، حتى إذا رأى بعضهم في الطريق إلى حنين شجرة تعرف بذات أنواط يعلق عليها المشركون أسلحتهم قالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط؟ فقال: "سبحان الله، كما قال قوم موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من قبلكم"(2).

ولا شك أن طلبهم يعبر عن عدم وضوح تصورهم للتوحيد الخالص رغم إسلامهم لكن النبي صلى الله عليه وسلم أوضح لهم ما في طلبهم من معاني الشرك وحذرهم من ذلك، ولم يعاقبهم أو يعنفهم لعلمه بحداثة عهدهم بالإسلام.

ومن تلك الآثار السلبية ما أصاب المسلمين من إعجاب بكثرتهم حتى رد أحدهم (3) ما سيحوزونه من نصر إلى أنهم "لن يغلبوا من قلة". وعبر عن ذلك جهرة، في حين أصاب هذا الشعور آخرين سواه حتى استحقوا معاتبة القرآن الكريم لهم وتذكيرهم بعدم الاتكال إلا على الله وحده، وإلا وكلهم إلى أنفسهم {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (4). وقد انتبه الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الأمر،

(1) أبو داؤد: السنن 1/ 210، 2/ 9، وهو حديث صحيح الإسناد (الاصابة 1/ 86).

(2)

الترمذي: سنن 3/ 321 - 322، وقال: حسن صحيح والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف 11/ 112 حديث رقم 15516 وأحمد: المسند 5/ 218. وابن كثير: تفسير 2/ 243 ط. الحلبي وقال: أورده ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده مرفوعا.

(3)

وردت روايات كلها ضعيفة في تحديد قائل ذلك (مغازي الواقدي 3/ 890؛ والهيثمي: كشف الأستار عن زوائد البزار 2/ 346 - 347؛ وسيرة ابن هشام 2/ 444).

(4)

سورة التوبة: الآية 25.

ص: 497

فأكد لهم بدعائه افتقاره لربه ولجوءه إليه وحده، فقال:"اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل"، وحكى لهم قصة نبي أعجبته كثرة أمته فسلط الله عليهم الموت (1). وهكذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراقب المسلمين ويقِّوم ما يظهر من انحرافات في التصور أو السلوك حتى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العتاة. لأن النصر معلق بشرط {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} ولكن هل تتم تربية الجموع وإزالة رواسب الجاهلية التي عاشوا فيها أعمارهم بين عشية وضحاها، لقد كان الشعور بالزهو لكثرتهم سبباً لإدبارهم في أول المواجهة، وكان إدبارهم وهول اللقاء قد أعادهم إلى التصور الصحيح والتوكل الخالص فكانت الجولة الثانية خالصة لهم من دون الكفارين.

ومن الآثار السلبية لوجود الطلقاء وبعض الأعراب في جيش المسلمين، أن معظمهم خرجوا للحصوص على الغنائم والنظر لمن تكون الغلبة، فلم يشعروا أنهم يدافعون عن قضية ومبدأ، إذ كانوا حديثي عهد بالإسلام ولم يتذوقوا طعم الإيمان ولا حب الجهاد في سبيل الله وكان منهم المقيم على الكفر (2) -ومنهم بالطبع من كان حسن الإسلام- فلا غرابة أن ينهالوا على الغنائم، في بدء المعركة وينشغلوا بها ويشغلوا سواهم من الجند معهم، ولم يكن مصير المعركة يهم بعضهم كثيراً، فقد عبر أحدهم عن فرحته بإدبار المسلمين في الجولة الأولى، فقال كلدة بن أمية - أخو صفوان بن أمية الجمحي-: ألا بطل السحر اليوم!! فقال له صفوان -وكان مشركاً آنذاك- اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يَرُبَّني رجل من قريش أحب إليَّ من أن يَرُبَّني رجل من هوازن (3)!!

(1) الدارمي: سنن 5/ 135 وأحمد: المسند 4/ 333 و 6/ 16.

(2)

قيل إنه خرج ثمانون من أهل مكة وهم على كفرهم (القسطلاني: المواهب اللدنية 1/ 162؛ والزرقاني: شرح المواهب 3/ 5).

(3)

الهيثمي: مجمع الزوائد 6/ 179 - 180 وقال رواه أحمد وأبو يعلي ورجال أحمد رجال الصحيح وقد صرح فيه ابن إسحق بسماع في رواية أبي يعلي. ويربني: يصير لي رباً وسيداً.

ص: 498

وقد ذكر موسى بن عقبة أن أبا سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وهم زعماء مكة كانوا يقفون في الخطوط الخلفية للمعركة ينظرون لمن يكون النصر!! وذكر عروة بن الزبير أن صفوان بن أمية كان يرسل غلاماً له للتعرف على أخبار القتال!! وذكر ابن إسحق أن أبا سفيان قال عندما رأى إدبار المسلمين في الجولة الأولى: "لا تنتهي هزيمتهم دون البحر" وكان يحمل الأزلام -وهي القداح- التي يستقسم بها في كنانته!! (1). ورغم أن ما رواه موسى بن عقبة وعروة وابن إسحق لا يصح من الناحية الحديثية لعلة الإرسال فيه، إلا أن الثلاثة أئمة المغازي ورواياتهم تتضافر لتعطي الصورة التاريخية لموقف زعماء مكة وفيهم صفوان المشرك وأبو سفيان مسلم جديد من المؤلفة قلوبهم آنذاك.

المعركة:

سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم وبثوا كتائبهم في شعابه ومنعطفاته وأشجاره. وكانت خطتهم محكمة تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر (2)، وكانت معنويات هوازن عالية فقد أوضح لهم قائدهم مالك النصري ان المسلمين لم يلقوا مثلهم من قبل من حيث معرفتهم بالحرب وشجاعتهم وكثرتهم العددية (3). وقد تقدم المسلمون في الوادي قبل انبلاج الفجر، تتقدمهم الخيالة بقيادة خالد بن الوليد، وفي طليعتها بنو سليم، ثم بقية الجيش بشكل صفوف منتظمة (4).

(1) ابن هشام: السيرة 2/ 443 - 444؛ والبيهقي: دلائل النبوة 2/ 45؛ وفي سنده أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد مجهول وابن كثير: البداية والنهاية 4/ 230.

(2)

ابن هشام: السيرة 2/ 442، من حديث الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري بإسناد صحيح صرح فيه ابن إسحق بالسماع وأخرجه أحمد: المسند 3/ 376؛ وأبو يعلي: المسند 2/ 200 رقم 302، وابن حبان (موارد الظمآن ص 417)

(3)

ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 330؛ والواقدي: مغازي 3/ 893.

(4)

الواقدي: المغازي 3/ 895 - 897 حيث انفرد بتفصيل ذكر جملة الألوية من قبائل العرب وحامليها. وأما قيادة خالد بن الوليد للخيالة فثابتة من حديث أنس بن مالك أحد شهود الغزوة (صحيح البخاري 5/ 130 - 131؛ ومسلم: الصحيح 2/ 735).

ص: 499

وفي بداية القتال تراجعت طلائع هوازن أمام تقدم المسلمين تاركين بعض الغنائم التي أقبل على جمعها الجند (1)، وكأنهم حسبوا أن هوازن قد هزمت هزيمة نهائية، ولكن هوازن فاجأتهم بالسهام الكثيفة تنهال عليهم من جنبات الوادي، وكان بعض المسلمين قد تعجلوا بالخروج دون استكمال عدة القتال، فكان بعضهم حاسري الرءوس، والبعض الآخر من الشبان لم يحملوا معهم السلاح الكافي (2) ولم يحسبوا للأمر حسابه، وأمام هول المفاجأة ودقة الرماة من هوازن حتى:"ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوه رشقاً ما يكادون يخطئون"(3) كما وصفهم البراء بن عازب أحد شهود المعركة من الصحابة - فانكشفت خيالة المسلمين ثم المشاة، وفر الطلقاء والأعراب، ثم بقية الجيش، حتى لم يصمد مع الرسول صلى الله عليه وسلم سوى فئة قليلة صمدت بصموده.

لقد استمر القتال في هذه الجولة الأولى من الفجر إلى العشاء ثم طيلة الليل ثم انكشف المسلمون وأدبروا، وكان الحر خلال النهار شديداً فكان المسلمون يأوون قبل المعركة إلى ظلال الأشجار في النهار، أما في وقت المعركة فكانوا معرضين للشمس الملتهبة، وكانت الأرض رملية فكان الغبار يرتفع في وجوههم، فيحد من قدرة المقاتلين على الرؤية كما عبر أحدهم:"فما منا أحد يبصر كفَّه"(4). في حين استفادت هوازن من كمائنها في المنعطفات والشعاب.

(1) صحيح البخاري 4/ 25 ومسلم 3/ 1401.

(2)

صحيح البخاري 4/ 35، 5/ 126 وصحيح مسلم 3/ 1400 - 1401 من حديث البراء بن عازب أحد شهود المعركة.

(3)

صحيح البخاري 4/ 35 وصحيح مسلم 3/ 1400 - 1401.

(4)

مسند أحمد 5/ 268 وسنن أبي داؤد 2/ 649 ومسند البزار (كشف الأستار 2/ 350) وطبقات ابن سعد 2/ 156 ومداره على أبي همام عبد الله بن يسار وهو مجهول لم يوثقه سوى ابن حبان، لكن أبا داؤد وصفه بأنه حديث نبيل ووثق سنده الهيثمي (مجمع الزوائد 6/ 182) وابن حجر (مختصر زوائد مسند البزار ص 251 رقم 816) والزرقاني (شرح المواهب اللدنية 3/ 13).

ص: 500

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يركب بغلته دلدل (1) رغم امتلاكه للخيل وبذلك يرسخ في أذهان المسلمين فكرة الصمود، فالبغلة لا تصلح للكر والفر ولا للإدبار خلافاً للخيل، وكان الرسول ينظر إلى إدبار المسلمين ويدعوهم للثبات وهو يدفع بغلته للأمام ويقول:"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" والعباس عمه وأبو سفيان بن الحارث يمسكان بعنان بغلته لئلا تسرع به خلال العدو (2)، وقد تراجع قليل من المسلمين يسيراً (3)، في حين ابتعد معظمهم عن الميدان مدبرين ولم يصمد معه سوى عشرة أو اثني عشر من الصحابة كانوا يحيطون به فيهم العباس وأبو سفيان بن الحارث وأبو بكر وعمر وعلي (4)، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم عمه العباس - وكان جهوري الصوت - فنادى الناس للعودة ثم خص الأنصار وأصحاب الشجرة بالنداء ثم خص بني الحارث بن الخزرج بالنداء فتلاحقوا نحوه حتى صاروا ثمانين أو مائة، فقاتلوا هوازن (5)، وبدأوا جولة جديدة مليئة بالشجاعة والصدق والعزيمة والإيمان وحسن التوكل، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله

(1) وانظر تعليق القسطلاني على ذلك (المواهب اللدنية 1/ 163). وقد انفرد الواقدي بذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس درعين والمغفر والبيضة (المغازي 3/ 895 - 897) والمغفر زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح، والبيضة تلبس في الرأس (الفيروز آبادي: القاموس المحيط 2/ 103، 3/ 20).

(2)

مسلم: الصحيح 3/ 1398 - 1400. والحاكم: المستدرك 3/ 255 وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي. وأبو يعلي: المسند 3/ 338 ب رقم 303 ورجاله رجال الصحيح غير عمران بن دوار ففيه كلام. وابن إسحق (سيرة ابن هشام 1/ 442) بإسناد صحيح.

(3)

الزرقاني: شرح المواهب اللدنية 3/ 19 - 20، وهم الثمانون أو المائة الذين تراجعوا على أقدامهم ولم يولوا الدبر.

(4)

ابن إسحق (سيرة ابن هشام 2/ 442 بإسناد صحيح إلى جابر بن عبد الله أحد شهود المعركة).

(5)

مسلم: الصحيح 3/ 1398، 1400 وسيرة ابن هشام 2/ 444 - 445 وعبد الرزاق: المصنف 5/ 380 - 381 وابن سعد. الطبقات 4/ 18.

ص: 501

ويسأله النصر، يقول:"إنك إن تشأ لا تبعد بعد اليوم"(1). حتى إذا غشيه الأعداء نزل عن بغلته وترجل (2)، وكان الصحابة إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون به لشجاعته وثباته (3)، فلما رأى الفارون من المسلمين ذلك وسمعوا العباس يناديهم أخذوا يتلاحقون به ويرددون: لبيك لبيك. حتى أن من لم يستطع منهم أن يثني بعيره ويعود به أخذ سلاحه وتركه (4)، فاشتد القتال من جديد وقال الرسول صلى الله عليه وسلم "هذا حين حمي الوطيس" (5) وأخذ تراباً أو حصيات فرمى بهن وجوه الكفار وهو يقول:"شاهت الوجوه"، "انهزموا ورب محمد"(6)، {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا} (7) ولم تصمد هوازن وثقيف طويلاً في الجولة الثانية، بل فروا من الميدان وتعقبهم المسلمون بعيداً عن حنين تاركين وراءهم قتلى كثيرين وأموالاً عظيمة في الميدان. ولم يتمكنوا من الانسحاب المنظم حتى أنهم تركوا خلفهم شراذم من الجيش تمكن المسلمون من القضاء عليها بسهولة (8) فكانت خسارتهم في الأرواح خلال الهزيمة أعظم من خسارتهم خلال المعركة فقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتعقب الفارين وقتلهم لإضعاف شوكتهم حتى لا يعودوا إلى الاجتماع والقتال (9). وقد أباح سلب المشرك لقاتله (10) ولكنه نهى عن قتل

(1) أحمد: المسند 3/ 121 وهو من ثلاثيات المسند وقال ابن كثير والسفاريني إنه على شرط الشيخين (البداية والنهاية لابن كثير 4/ 348 وشرح ثلاثيات مسند أحمد للسفاريني 2/ 286).

(2)

صحيح البخاري 4/ 35، 53 وصحيح مسلم 3/ 1400 - 1401.

(3)

صحيح مسلم 3/ 1400 - 1401، والنووي: شرح صحيح مسلم 4/ 401 - 402.

(4)

مسلم: الصحيح 3/ 1398، 1400، وابن إسحق (سيرة ابن هشام 2/ 444 - 445).

(5)

صحيح مسلم 3/ 1398، 1400.

(6)

صحيح مسلم 3/ 1398، 1400، 1402.

(7)

سورة التوبة: آية 26، وقال الشوكاني: الظاهر أن المراد جميع من حضر الغزوة من المؤمنين، الذين انهزموا والذين لم ينهزموا، لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا (فتح القدير 2/ 348).

(8)

كشف الأستار 2/ 346.

(9)

الهيثمي: مجمع الزوائد 6/ 181 وكشف الأستار 2/ 349 بإسناد رجاله ثقات.

(10)

أبو داؤد: سنن 2/ 65 وقال: هذا حديث حسن، والحاكم: المستدرك 2/ 130 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.

ص: 502

النساء عندما رأي امرأة مقتولة فقال:"ما كانت هذه تقاتل"(1). وكذلك نهي عن قتل الذراري لما بلغه أن بعض المسلمين يقتلونهم، فلما ذكروا: إنما هم أولاد المشركين؟ قال: "أو هل خياركم إلا أولاد المشركين؟ والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة حتى يُعرب عنها لسانها"(2).

ولم يعنَّف الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا ممن فرَّ عنه، بل لما قالت له أم سليم الأنصارية أن يقتل الطلقاء لفرارهم قال:"إن الله قد كفى وأحسن" وكانت أم سليم تحمل خنجراً تدافع به عن نفسها (3) في المعركة.

وقد بلغ قتلى هوازن خلال المعركة اثنين وسبعين قتيلاً من بني مالك من ثقيف وحدهم حسب رواية ابن إسحق (4)، وقتيلين من الأحلاف من ثقيف لأنهم سارعوا إلى مغادرة ميدان المعركة (5). وخلال الهزيمة ثلثمائة قتيل من بني مالك فقط قتلهم المسلمون بقيادة الزبير بن العوام في أوطاس (6) كما قتل عدد آخر في أوطاس (7) وقد قتل أبو طلحة وحده عشرين رجلاً منهم وأخذ أسلابهم (8)، كما

(1) أبو داؤد: سنن 2/ 49 - 50.

(2)

مسند أحمد 3/ 435 من طريقين عن الحسن عن الأسود بن سريع وهو مشترك في الغزوة. ولكن الحسن لم يسمع منه، وفي الطريق الأولى عنعنة قتادة وهو مدلس. لكنه ورد من الطريق الأخرى بسند فيه قتادة تبقى علة الانقطاع بين الحسن والأسود.

(3)

صحيح مسلم 3/ 1442

(4)

ابن هشام: السيرة 2/ 450 بدون إسناد ومن طريقه أخرجه الطبري من طريق معضل لأن يعقوب بن عتبة من صغار التابعين (تاريخ الرسل والملوك 3/ 78).

(5)

ابن هشام: السيرة 2/ 450.

(6)

كشف الأستار 2/ 346 وفي سنده على بن عاصم وثقه قوم وضعفه آخرون وحسن الحافظ ابن حجر هذا الحديث (فتح الباري 8/ 42). وقد بينت رواية البخاري أن دريد ابن الصمة قتل باوطاس وأن الزبير هو الذي قتله (صحيح 5/ 128).

(7)

سيرة ابن هشام 2/ 457 بدون إسناد.

(8)

أبو داود: السنن 2/ 65 وقال هذا حديث حسن، والحاكم: المستدرك 2/ 130 وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.

ص: 503

قتل المئات من بني نصر بن معاوية ثم من بني رئاب حيث استحر فيهم القتل وهم من أهم فروع هوازن (1).

وهكذا كانت خسارة هوازن وثقيف في الأرواح جسيمة فضلا عن الجرحى وأما السبي فقد بلغ ستة آلاف في رواية سعيد بن المسيب (2). وقال عروة إن الستة آلاف من النساء والأبناء معاً (3)، وهو قول ابن إسحق أيضاً (4). ووصف الزهري كثرة السبي بقوله:"وملئت عُرُش مكة منهم"(5) وأما الأموال فكانت أربعة آلاف أوقية فضة (6) وأما الإبل فكانت أربعة وعشرين ألفاً (7)، وأما الشاة فكانت أكثر من أربعين ألف شاة (8). وكان معهم خيل وبقر وحمير لكن المصادر لم تذكر عدد ما غنمه المسلمون منها. وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بحبس الغنائم في الجعرانة لحين عودته من حصار الطائف (9).

وأما تضحيات المسلمين فتتمثل في استشهاد أربعة منهم سماهم ابن إسحق (10) وإصابة عدد منهم بجروح منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن أبي أوفى وخالد بن الوليد (11).

(1) ابن هشام: السيرة 2/ 455 وابن سعد: الطبقات 2/ 152 ومغازي الواقدي 3/ 916.

(2)

عبد الرزاق: المصنف 5/ 381، وابن سعد: الطبقات 2/ 155، والطبري: تاريخ 10/ 102.

(3)

الطبري: تاريخ 3/ 82 وإسناده حسن إلى عروة.

(4)

ابن هشام: السيرة 2/ 488 بدون إسناد لكن في رواية الطبري عن ابن إسحق أن الإبل ستة آلاف وأما النساء والذراري فعدد كثير (تاريخ الرسل والملوك 3/ 86).

(5)

ابن كثير: البداية والنهاية 4/ 347 والعُرُش: بيوت من عيدان منصوبة ويظلل عليها (ابن الأثير: النهاية 3/ 207 - 208).

(6)

ابن سعد: الطبقات 2/ 152 بدون إسناد.

(7)

ابن سعد: الطبقات 2/ 152 بدون إسناد.

(8)

ابن سعد: الطبقات 2/ 152 بدون إسناد.

(9)

أخرجه البزار كما في كشف الأستار 2/ 353 وقال ابن حجر في الإصابة 1/ 145 "إسناده حسن" والصحيح أن فيه عنعنة ابن إسحق وهو مدلس وفيه اجام اسم ابن بديل بن ورقاء.

(10)

سيرة ابن هشام 2/ 459 بدون إسناد.

(11)

صحيح البخاري 5/ 126 ومسند الحميدي 2/ 398 بإسناد صحيح. والبزار (كشف الأستار =

ص: 504

ولعل خسارتهم الطفيفة هذه في الأرواح ترجع إلى أن الجولة الأولى التي أدبروا فيها كان القتال خلالها في الغالب تراشقاً بالسهام، وكان الالتحام في الجولة الثانية أكثر لكن الدائرة كانت على هوازن وثقيف فكانت معظم إصابات المسلمين جروحاً شفوا منها، ومما يدل على سلامة جيش المسلمين أنهم طاردوا المنهزمين في حنين إلى مسافات بعيدة كما أنهم اتجهوا إلى حصار الطائف مباشرة دون استجمام يزيل عنهم آثار هذه الموقعة الحاسمة. والتي تشبه في خطورتها غزوة بدر الكبرى فإن المسلمين قدموا كل جيشهم وكذلك فعلت هوازن، وكانت العرب والأعراب تنتظر مصير المعركة لتتخذ موقفها الأخير من الإسلام فلما هزمت هوازن أقبلت الوفود تعلن الدخول في الدين الجديد

تعقب الفارين نحو نخلة وأوطاس:

انهزمت هوازن وتفرقت في الجبال والأودية، وتحصن مالك بن عوف النصري بالطائف في حين عسكر آخرون منهم بأوطاس - وهو واد بين الطائف وحنين - وعسكر بنو غيرة من ثقيف في نخلة بين سبواحة والشرائع (حنين)(1).

وقد تبعت خيل المسلمين من سلك في نخلة من هوازن، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتلهم وقتل دريد بن الصمة (2)، ثم أصيب بسهم وهو يقاتلهم فاستشهد بعد أن استخلف أبا موسى الأشعري وأوصاه بتبليغ

= للهيثمي 2/ 346) وحسن إسناده ابن حجر في فتح الباري 8/ 42 لكنه وصف المتن بأنه منكر في (مختصر زوائد مسند البزار ص 249 - 250 رقم 816).

وقد لفَّقتُ أسماء الجرحى من هذه المصادر ولم ينص كل مصدر عليهم جميعاً.

(1)

ابن إسحق (سيرة ابن هشام 2/ 453 - 454) بدون إسناد. وانظر عن تحديد المواقع: كتاب المناسك للحربي، تعليق حمد الجاسر ص 346، 353، 471، 654.

(2)

سبقت الإشارة إلى أن الزبير بن العوام قتل دريد بن الصمة بعد معركة حنين وهذا يتفق مع رواية البخاري لأن الزبير كان في جيش أوطاس.

ص: 505

السلام لرسول الله وأن يطلب منه أن يستغفر له، وقد دعا له الرسول صلى الله عليه وسلم لما أبلغه أبو موسى ذلك (1).

وممن وقع في الأسر الشيماء أخت الرسول صلى الله عليه وسلم من الرضاعة حيث تضافرت الأحاديث المرسلة من ابن إسحق وغيره على إكساب هذه الحادثة القوة التاريخية، وقد أكرمها الرسول بعد أن استدل على صحة ما تقول من عضة عضها لها أيام رضاعه في بني سعد (2)، كما تدل روايات ليست قوية - لكنها تتضافر لإسناد الخبر التأريخي - على أن أمه من الرضاعة حليمة السعدية قدمت إليه فأكرمها وطوى لها ثوبه لتجلس عليه (3).

(1) البخاري: صحيح 5/ 128، 4/ 28، 8/ 69. ومسلم: الصحيح 4/ 1943، وابن إسحق بدون إسناد (سيرة ابن هشام 2/ 454) والواقدي: المغازي 3/ 915.

(2)

ابن إسحق (سيرة ابن هشام 2/ 458) عن بعض بني سعد، وانظر البيهقي: دلائل النبوة 3/ 56 من مراسيل قتادة وفي إسناده راوٍ ضعيف أيضاً.

(3)

الطبري: جامع البيان 10/ 101 من مراسيل قتادة بإسناد حسن. وابن عبد البر: الاستيعاب 4/ 270 من مراسيل عطاء بن يسار - تابعي من الثالثة - والبخاري: الأدب المفرد 440 وأبو داؤد: السنن 2/ 630 من حديث أبي الطفيل ولكن في إسناده مجاهيل والحاكم: المستدرك 3/ 618 و 4/ 164 وقال: صحيح الإسناد وابن كثير: البداية والنهاية 4/ 364 ويرى أنها أخته الشيماء وليست حليمة لأنها تكون في حدود التسعين من عمرها. وأبو داؤد: المراسيل بإسناد معضل (ابن كثير: البداية النهاية 4/ 364).

ص: 506