الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
2-
إيمان القبيلة بوحدتها:
عرفت القبيلة هذا الإيمان بالوحدة أمرا مقدسا، وترتبت عليه طائفة من التقاليد الاجتماعية كانت بمثابة "دستور" ينظم سياستها، ويحدد ما على أفرادها من واجبات وما لهم من حقوق.
والأساس الذي تقوم عليه نصوص هذا الدستور "العصبية" والمقصود بها "النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة"1، أو هي إحساس الفرد برابطته القبلية، وواجب تأييد مصالحها، والعمل لها بكل ما يملك من قوة2.
وينص هذا الدستور فيما يتصل "بالسياسة الداخلية للقبيلة" على أن أفراد القبيلة جميعا متضامنون فيما يجنيه أحدهم، أو -كما يقول المثل العربي القديم- "في الجريرة تشترك العشيرة"3، وعلى أن هذا "العقد الاجتماعي" بين الفرد
1 مقدمة ابن خلدون/ 128.
2 ENCY. OF ISLAM، ART. ARABIA، P. 376.
3 الميداني: مجمع الأمثال 2/ 17.
وقبيلته قائم على أساس عاطفي بحت، ولا مجال للتفكير فيه1، وإنما هي النجدة التي تجيب دون أن تسأل2، وهي نجدة عملية سريعة لا تحتمل انتظارا، إجابتها تنفيذها3، وتنص "مواد" هذا الدستور على أن نجدة أبناء القبيلة لأخيهم واجبة سواء أكان جارما أن مجروما عليه، فمبدؤهم الذي يسيرون عليه "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"4، فجناية كل فرد منهم جناية المجموع، يعصبونها برأس سيد العشيرة5، ولهم عليه أن يتحمل تبعاتها، وله عليهم أن يطيعوه فيما يأمرهم به.
وفي مقابل هذا الحق الذي كان للفرد على القبيلة، كان عليه واجب لها، عليه أن يحترم رأيها الجماعي، فلا يخرج عليه، ولا يتصرف تصرفا بدون رضاها، ولا يكون سببا في تمزيق وحدتها، أو الإساءة إلى سمعتها بين القبائل، أو تحميلها ما لا تطيق6، ومن هنا "فرضت وحدة القبيلة، وتحمل المجموع لتبعات الفرد، على سادتها أن يمارسوا نوعا من الإدارة البوليسية، فإذا ارتكب فرد جرما رفضت القبيلة أن تتحمل نتائجه، وإذا أخطأ في حق قبيلته نفسها، فإنه يطرد منها"7. ويسمى هذا الطرد خلعا، ويسمى
1
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
…
في النائبات على ما قال برهانا
"قريط بن أنيف في حماسة أبي تمام 1/ 9".
2
إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم
…
لأية حرب أم بأي مكان
"وداك بن ثميل المازني في حماسة أبي تمام 1/ 64".
3
ونجيب داعية الصباح بثائب
…
عجل الركوب لدعوة المستنجد
"مضرس بن ربعي في المصدر السابق 3/ 102".
4 الميداني: مجمع الأمثال 2/ 242. ولم يعرف العرب في الجاهلية التأويل الإسلامي لهذا المثل من رد الظالم عن ظلمه وكفه عنه.
5 "والعرب تقول: سيد معمم يريدون أن كل جناية يجنيها أحد من عشيرته معصوبة برأسه""ابن قتيبة: عيون الأخبار 1/ 226".
6 يقول أبو سفيان "لست أخالف قريشا، أنا رجل منها ما فعلت فعلت""الواقدي: كتاب المغازي/ 200".
7 ency. of islam; art. arabia، pP. 375، 376.
الطريد "خليعا"1.
ويحدث الخلع لأسباب متعددة، تدور كلها حول هذا الأساس، فقد يحدث أن يقتل أحد أفراد القبلة فردا منها، وهنا تجد القبيلة نفسها في موقف حرج، فالقاتل والمقتول كلاهما من أبنائها، ولكل منهما حق الحماية والنصرة. وهنا يضطر سادة القبيلة إلى أن يقوموا بدور الوسيط بين الفريقين، حتى لا يؤدي الأمر إلى انقسام القبيلة على نفسها، "فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بدية مكملة، ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوى أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي، فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجا بالدم فقد نهينا عن أخذ الدية، وإن رجع كما صعد فقد أمرنا بأخذها"، ونتيجة هذا "الإجراء التمثيلي" معروفة طبعا، فما رجع ذلك السهم قط إلا نقيا، وهنا يمسح القوم لحاهم علامة للصلح، ويصالحون على الدية2، وهكذا تحل المشكلة هذا الحل السلمي الذي يحفظ على القبيلة وحدتها. ولكن المشكلة تظل قائمة إذا رفض أولياء الدم الدية، وأصروا على الثأر، وهنا تحل المشكلة على أحد وجهين: إما أن يقتل القاتل بأيدي قومه، وإما أن تخلعه قبيلته3، حتى تترك لأولياء الدم حرية التصرف
1 في لسان العرب: مادة "خلع". والخليع: الرجل يجني الجنايات يؤخذ بها أولياؤه، فيتبرءون منه ومن جنايته، ويقولون إذا خلعنا فلانا فلا نأخذ أحد بجناية تجنى عليه، ولا نُؤاخذ بجناياته التي يجنيها". وفي النهاية لابن الأثير "المادة نفسها" "كانت العرب يتعاهدون ويتعاقدون على النصرة والإعانة، وأن يؤخذ كل منهم بالآخر، فإذا أرادوا أن يتبرءوا من إنسان قد حالفوه أظهروا ذلك إلى الناس، وسموا ذلك الفعل خلعا، والمتبرأ منه خليعا أي مخلوعا، فلا يُؤخذون بجنايته، ولا يُؤخذ بجنايتهم، فكأنهم قد خلعوا اليمين التي كانوا قد لبسوها معه، وسموه خلعا وخليعا مجازا واتساعا". وفي أساس البلاغة "المادة نفسها" "وكان الرجل في الجاهلية إذا غلبه ابنه، أو من هو منه بسبيل، جاء به إلى الموسم، ثم نادى: يا أيها الناس هذا ابني فلان، وقد خلعته، فإن جر لم أضمن، وإن جُر عليه لم أطلب، يريد قد تبرأت منه".
2 البغدادي: خزانة الأدب 2/ 137. ويسمى هذا السهم الاعتذار، كما يسمى أيضا العقيقة.
3 smith; kinship and marriage in early arabia، P. 25.
بدون أن تتعرض وحدتها للتداعي، أو يخلع هو نفسه، فيفر من قبيلته نجاة بحياته. وعلى كلا الوجهين تكون القبيلة قد تصرفت في حدود "دستورها" الذي ينص على أنه "يجب على أهل القاتل ألا يحموه إذا قتل أحدا من دمه"1، وذلك لأن رابطة القبيلة أقوى من رابطة الأسرة2.
وقد يحدث أن تتعدد جرائر أحد أفراد القبيلة حتى تجد نفسها عاجزة عن نصرته؛ لأن في هذا تكليفا لها لا تطيقه، وعبئا ثقيلا عليها تنوء به، وتهديدا دائما لسلامتها، وإراقة لدماء أبنائها بدون مبرر، فتضطر إلى التخلص من هذا الفرد، مفضلة أن تضحي بفرد واحد على أن تضحي بجماعة من أفرادها، ملقية عليه تبعات جرائمه، يتحملها هو وحده، فتخلعه3.
وقد يحدث أن يسوء سلوك أحد أفراد القبيلة من الناحية الخلقية، حتى يصبح وجوده بينها وصمة في جبينها، وسبة في مجدها وشرفها، وحطا من قدرها بين القبائل، فترى أنها أمام عضو فاسد لا يرجى إصلاحه، ضرره أكثر من نفعه، فتتبرأ من نسبته إليها، حرصا على سمعتها، وإبقاء على كرامة المجموع من أن يسيء إليها فرد، فتخلعه4.
هذه أهم الجرائم التي كانت القبيلة تحكم على من يرتكبها من أفرادها بالخلع، وهي كلها تدور حول محور واحد، هو خروج الفرد على وحدة
1 ibid،. P. 43.
2 ibid،. P. 4.
3 في أخبار امرئ القيس أنه لما خرج مطالبا بدم أبيه نزل بعامر بن جوين "وعامر يومئذ أحد الخلعاء الفتاك قد تبرأ قومه من جرائره""الأغاني 9/ 95، والبغدادي: خزانة الأدب 1/ 24". وفي أخبار عبد الله بن جدعان أنه كان "شريرا فاتكا، لا يزال يجني الجنايات، فيعقل عنه أبوه، حتى أبغضته عشيرته، ونفاه أبوه، وحلف ألا يؤويه أبدا، لما أثقله به من الغرم، وحمله من الديات""السهيل: الروض الأنف 1/ 92".
4 smith; kinship and marriage in early arabia، P. 49.
وفي أخبار البراض بن قيس الكناني أنه "كان سكيرا فاسقا، خلعه قومه، وتبرءوا منه""الأغاني 19/ 75". وفي معلقة طرفة حديث عن تهالكه على الخمر واللذات واستهتاره بكل شيء حتى تحامته العشيرة كلها، وأفرد أفراد البعير المعبد.
القبيلة، وتصرفه تصرفا فرديا بدون رضاها أو الرجوع إليها، فتجد القبيلة نفسها أمام فرد "شاذ" خرج على إجماعها، ورفض السير في ركابها، وترى أنه بتصرفه هذا قد ترك لها حرية التصرف، وأنها أصبحت في حل من ذلك العقد الاجتماعي الذي يربطها به، فلم تعد مسئولة عما يفعل، فتتبرأ منه وتطرده من حماها، وتسحب منه "الجنسية القبلية"، وتعلن أنها قد خلعته، وأن صلته بها قد انقطعت، وحمايتها له قد انتهت، وتضامنها معه قد انحلت عقدته.
وكان هذا الخلع يتخذ صورة إعلان رسمي يذاع على الناس في المواسم والأسواق، ليكون في ذلك إشهاد لهم عليه1، وقد يبعثون مناديا بذلك2، وقد يكتبون به كتابا3، وبهذا تسقط حقوق الفرد على قبيلته "فلا تحتمل جريرة له، ولا تطالب بجريرة يجرها أحد عليه"4.
وهنا يجد الخليع نفسه أمام مشكلة خطرة، هي مشكلة الحياة أو الموت. لقد سحبت منه "الجنسية القبلية"، ورفعت القبيلة عنه حمايتها، وطردته من حماها، ولم تعد أمامه إلا أحد أمرين: إما أن يفر إلى الصحراء ليلاقي مصيره في البادية القاسية فقيرا مفردا، لا اعتماد له على أحد، ولا على شيء، وإما أن يلجأ إلى من يحميه ويعيش في جواره، ومن هنا كانت نشأة قانون آخر من قوانين المجتمع الجاهلي، وهو "قانون الجوار"5.
وقد قدس المجتمع الجاهلي هذا القانون تقديسا كبيرا، وكان مما يفخر به
1 انظر الزمخشري: أساس البلاغة، مادة "خلع". وقد خلعت خزاعة قيس بن الحدادية "بسوق عكاظ، وأشهدت على أنفسها بخلعها إياه""الأغاني 13/ 2 بولاق".
2 خلع بنو سهم في الجاهلية عمرو بن العاص، كما خلع بنو مخزوم عمارة بن الوليد؛ إذ هما في الحبشة، خشية أن يتعدى أحدهما على الآخر فتُؤخذ عشيرته به"، "وتبرأ كل قوم من صاحبهم ومما جرا عليهم، فبعثوا مناديا ينادي بمكة بذلك" "الأغاني 9/ 57".
3 انظر جرجي زيدان: تاريخ التمدن الإسلامي 4/ 19، وانظر أيضا:
lammens; la mecque a la veille de l'hegire، P. 164 = 242.
4 الأغاني 13/ 2 "بولاق". وانظر أيضا ابن حبيب: المحبر/ 195.
5 في القاموس المحيط "مادة الجور": الجوار أن تعطي الرجل ذمة فيكون بها جارك فتجيره، والجار أيضا الحليف.
العربي أن يكون ملاذا لكل خائف، وملجأ لكل طريد؛ لأن في ذلك اعترافا بقوته ومروءته وكرمه، وهي فضائل يعتز كل عربي بأن تُنسب إليه، حتى لقد اشتهر بعض أشراف العرب بإجارة الخلعاء وحمايتهم1.
وكانت الصلة بين الجار والمجير تختلف -بطبيعة الحال- وفقا للظروف، فكانت أحيانا مؤقتة، وكانت أحيانا أخرى دائمة، بل وراثية، وفي بعض الحالات كان المجير يتعهد بأن ينصر جاره على عدو معين فقط، وفي حالات أخرى كان يتعهد بإجارته من كل الأعداء، بل من الموت نفسه، وكان هذا يعني أن يدفع المجير إذا مات جاره، وهو في جواره، دية لأسرته2، "وأقوى هذه الحالات على الإطلاق هي تلك التي يتعهد المجير لجاره بأن يثأر له حتى من أخيه الصميم"3.
ومن هنا كان العرب يسمون جارهم هَدْيَهم أو هديّهم "يحرم عليه منه ما يحرم من الهدي"4، وهي تسمية تشعرنا بتلك القداسة التي كانت للجوار في نفوس العرب، فهو عندهم شيء مقدس، كأنه قربان يتقربون به إلى الآلهة. ومما يلقي الضوء على هذه الفكرة أن بعض المكيين كانوا يقسمون على حمايتهم لجارهم في الكعبة، وكان هذا القسم يتخذ صورة إعلان عام،
1 كان الزبير بن عبد المطلب في مكة "ينزل عليه الخلعاء""ابن قتيبة: الشعر والشعراء/ 229" وقد لجا مطرود بن كعب الخزاعي "إلى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بجناية كانت منه، فحماه وأحسن إليه""المزرباني: معجم الشعراء/ 375"، ونزل البراض الكناني بعد خلعه "على حرب بن أمية فحالفه، فأحسن حرب جواره""الأغاني 19/ 75"، وكان حاجز الأزدي حليفا لبني مخزوم "الأغاني 12/ 49 بولاق".
2 SMITH KINSHIP AND MARRIAGE IN EARLY ARABIA، P. 50.
وانظر في الإجارة من الموت قصة الأعشى مع عامر بن الطفيل في الأغاني 9/ 120، 121.
3 SMITH; KINSHIP AND MARRIAGE IN EARLY ARABIA، P. 51.
وفي أخبار أوفى بن مطر المازني أن رجلا جاوره "ومعه امرأة له، فأعجبت قيسا أخاه، فجعل لا يصل إليها مع زوجها، فقتل زوجها غيلة، فبلغ ذلك أوفى، فقتل قيسا أخاه بجاره""ابن حبيب: المحبر/ 348".
4 لسان العرب: مادة "هدي": والهدي: القربان.
ولا يستطيعون التحلل منه إلا في الكعبة أيضا1.
وفي مقابل هذه الحقوق التي كانت للجار، كانت عليه واجبات لمن أجاروه. وتتلخص هذه الواجبات في أن يحترم الجوار، ولا يسيء إلى من أجاروه، لا في أشخاصهم ولا في سمعتهم، لا في حياتهم المادية ولا في حياتهم المعنوية. فإذا ما رأت القبيلة ما يسيئها من جارها كان لها الحق في أن تخلعه، وتتحلل من التزاماتها له. ومن هنا كانت تتعدد استجارة الخليع بالقبائل في بعض الأحيان2.
ومع ذلك فلم تكن حياة هؤلاء الخلعاء في جوار من استجاروا بهم طيبة دائما، فقد كان يحدث أحيانا أن يسيء المجير معاملة جاره، ويستغل تلك الظروف الحرجة التي يمر بها فيغدر به3، وكان يحدث أحيانا أخرى أن يعجز المجير عن رد العدوان عن جاره، إما لضعفه وإما لعدم اهتمامه به4. وعلى كل حال فحسب هؤلاء المستجيرين هوانا لنفوسهم أن ديتهم كانت نصف دية ابن القبيلة الصريح5.
وحين نقف لنتأمل حياة هؤلاء المستجيرين نجد أننا أمام طائفتين: طائفة استقر بها المقام في القبيلة التي أجارتها، فاندمجت في مجتمعها، وطابت لها
1 SMITH; KINSHIP AND MARRIAGE IN EARLY ARABIA، P. 51.
2 في أخبار البراض أنه بعد أن خلعه قومه لجأ إلى بني الديل، فشرب فيهم "فخلعوه، فأتى مكة وأتى قريشا فنزل على حرب بن أمية فحالفه، فأحسن حرب جواره، وشرب بمكة حتى هم حرب أن يخلعه""الأغاني 19/ 75".
3 كان أبو جندب الهذلي جارا لبني نفاثة "جاورهم حينا من الدهر، ثم إنهم ذكروا أن يغدروا به""السكري: شرح أشعار الهذليين 1/ 93".
4 استجار أبو الطمحان القيني بعبد الله بن جدعان التيمي "ومعه مال له من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم، فانتحروا ثلاثة من إبله"، ثم عاودوا عليها الكرة، "فاستاقوها كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخ، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة بني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره""الأغاني 16/ 69". واستجار محرز بن المكعبر الضبي ببني عدي من تميم "فاغار بنو عمرو بن كلاب على إبله فذهبوا بها، فطلب إليهم أن يسعوا له، فوعدوه أن يفعلوا"، ولكنهم لم يفعلوا شيئا، مما اضطره إلى الالتجاء إلى بعض بني مازن" "شرح التبريزي على حماسة أبي تمام 4/ 15".
5 الأغاني 3/ 19 سطر 18، ص26 سطر 4، 5.
الحياة الجديدة، وشاركت في ضروب نشاطها، وسلكت سبل العيش معها في هدوء واستقرار، وطائفة أخرى لم تزل في نفوسها بقية من تمرد، رفضت هذا الفناء الجديد في شخصية القبيلة التي أجارتها، فكانت حياتها فيها امتدادا لحياتها القديمة في القبيلة التي خلعتها.
ويخرج هؤلاء "الشذاذ"1 على حياتهم الجديدة، ليجدوا في الصحراء متسعا لنشاطهم المتمرد الذي لا يحتمله مجال القبيلة الضيق، وليشقوا طريقهم في الحياة بأسلوبهم الذي اعتادوا عليه، دون أن يعتمدوا على أحد سوى قوتهم، وأغراهم على هذا أنهم كانوا واثقين من أنهم "إذا أخفقوا فلن يعدموا أن يجدوا سيدا أو حيا يستقبلهم ويضمن لهم ملجأ"2. ويبدو أن هؤلاء الشذاذ المتمردين كانوا ينظرون إلى القبائل التي يستجيرون بها على أنها "نقط ارتكاز" لنشاطهم، وإلى حياتهم فيها على أنها فترات راحة في حياتهم العنيفة.
وحين نعود إلى أخبار صعاليك العرب لننظر فيها على ضوء هذا "المصباح الاجتماعي" نجد أن طائفة كبيرة منهم من الخلعاء والشذاذ.
فقد كان قيس بن الحدادية "صعلوكا خليعا"3 خلعته قبيلته خزاعة لأنه اشترك مع جماعة من أسرته في قتل أحد أفراد قبيلتهم، وعجزوا عن دفع الدية، ففروا هاربين، "فنزلوا في فراس بن غنم، ثم لم يلبثوا أن أصابوا أيضا منهم رجلا، فهربوا، فنزلوا في بجيلة على أسد بن كرز فآواهم، وأحسن إلى قيس، وتحمل عنهم ما أصابوا في خزاعة وفي فراس"4 وفي خبر آخر أنه بعد خلعه "نزل عند بطن من خزاعة يقال لهم بنو عدي عمرو بن خالد،
1 في لسان العرب "مادة شذ": "وقوم شذاذ إذا لم يكونوا في منازلهم ولا حيهم
…
وشذاذ الناس الذين يكونون في القوم ليسوا في قبائلهم ولا منازلهم".
وفي أساس البلاغة "المادة نفسها""شذ عن الجماعة شذوذا انفرد عنهم، وهو من شذاذ القوم: من الذين هم فيهم وليسوا منهم".
2 LAMMENS; LE BERCEAU DE I'ISLAM، VOL. I، P. 194.
3 الأغاني 13/ 2 "بولاق".
4 المصدر السابق/ 4، 5.
فآووه وأحسنوا إليه"1. والظاهر أن هذا كان قبل استجارته ببني فراس.
وألف قيس بعد خلعه عصابة من صعاليك العرب جمع فيها "شذاذا من العرب وفتاكا من قومه"2، ويغلب عليَّ الظن أن هؤلاء الفتاك هم أولئك الذين اشتركوا معه في حادثة القتل التي كانت سببا في خلعه. وكان أول ما فعلته هذه العصابة أن حاولوا الانتقام لأنفسهم من أولئك الذين كانوا سببا في خعلهم، فأغاروا عليهم وقتلوا منهم رجلا واستاقوا أموالهم3، وهكذا أثبت لقومه الذين خلعوه أنه قادر على أن يقف في وجههم برغم أنه "خليع مطرد"، على حد تعبيره في بعض أبياته4، وأنه لا يتورع عن قتل أي فرد من قومه وقف في طريقه، وأنه قادر على أن يسلبهم تلك الأموال التي كان حرمانه منها سببا في عجزه عن دفع الدية ثم في خلعه نتيجة لذلك. ومع ذلك فقد كان قيس نبيلا في موقفه من أولئك الذين لم يكن لهم ضلع في خلعه، فقد لحقه بعد هذه الغارة "رجل من قومه كان سيدا، وكان ضلعه مع قيس فيما جرى عليه من الخلع يقال له ابن محرق، فأقسم عليه أي يرد ما استاقه، فقال: أما ما كان لي ولقومي فقد أبررت قسمك فيه، وأما ما اعتورته أيدي هذه الصعاليك فلا حيلة لي فيه، فرد سهمه وسهم عشيرته"5. وهكذا كان قيس الصعلوك "سيدا" في موقفه، فرق بين أولئك الذين كانوا سببا في خلعه وبين سائر عشيرته ممن لم يكن لهم يد في هذا الخلع، وفرق بين مركزه زعيما لعصابة لأفرادها حق في الغنيمة لا يجوز حرمانهم منه، وبين مركزه طالبا الانتقام من جماعة معينة.
وظل هذا الصعلوك المتمرد يجمع الخلعاء والشذاذ ويغير بهم، حتى قتل
1 المصدر السابق/ 5.
2 المصدر نفسه/ 2.
3 المصدر نفسه/ 2.
4 المصدر نفسه/ 5.
5 المصدر نفسه/ 2، والضلع -بفتح الضاد- الميل. واعتوروا الشيء: تداولوه.
وهو خليع قتلة كان فيها شجاعا حتى النهاية1، وقبل أن يوشك سراج حياته على الانطفاء تذكر تلك الحادثة التي كانت سببا في تلك الحياة القاسية التي عاشها طريدا مشردا، حادثة خلعه، فأخذ ينشد وهو يقاتل نشيدا فيه حسرة، وفيه شجاعة واعتداد بالنفس2، حسرة على حياته التي ذهبت مع الريح، بعد أيام شباب جميلة قضاها في حمى القبيلة، في اللهو تارة، وفي الجد تارة أخرى3، عضوا عاملا في مجتمع القبيلة، يدافع عنها، ويشيد بمفاخرها، ويهجو أعداءها4، بل يقودها أحيانا في شجاعة إلى مواقع النصر5.
وكذلك كان أبو الطمحان القيني من هذه الطائفة من الخلعاء الشذاذ، ولم تحدثنا أخباره عن سبب خلعه، ولكني أرجح أنه خُلع لسوء أخلاقه، ويصفه ابن قتيبة بأنه "كان فاسقا"6، ويقدمه صاحب الأغاني بأنه "أدرك الجاهلية والإسلام فكان خبيث الدين فيهما"7، ويصفه بعض رواة الأغاني بأنه "كان فاسقا خاربا"8، وقد سئل عن "أدنى ذنوبه" كأنه كان معروفا بكبائره، فاندفع يقص في استهتار قصة ليلة ارتكب فيها أربع موبقات9، فإذا كانت هذه أدنى ذنوبة فليس من شك في أنه كان مستهترا استهتارا فاضحا.
وقد تقلبت الأيام بأبي الطمحان تقلبا عنيفا، فقضى حياة مضطربة،
1 الأغاني 13/ 8 "بولاق".
2 المصدر السابق/ 8، وانظر أيضا كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء لابن حبيب ص6.
3
فيوماي يوم في الحديد مسربلا
…
ويوم مع البيض الأوانس لاهيا
"الأغاني 13/ 8 بولاق".
4 انظر أخبار ذلك في المصدر السابق/ 3، 4، 5.
5 انظر ذلك في المصدر نفسه ص3.
6 الشعر والشعراء /229.
7 الأغاني 11/ 130 "بولاق".
8 المصدر السابق/ 132.
9 ابن قتيبة: الشعر والشعراء/ 229، والأغاني 11/ 132 "بولاق".
لم تكد تعرف طعم الاستقرار إلا في فترات متقطعة، متنقلا بين أحياء العرب مستجيرا بها، لا يكاد يستقر في جوار حتى يحدث ما يعيده إلى حياة الاضطراب مرة أخرى. وهو يشكو في شعره مر الشكوى من غدر من يستجير بهم:
أجد بني الشرقي أولع أنني
…
متى أستجر جارا وإن عز يغدر
إذا قلت أوفى أدركته دروكة
…
فيها موزع الجيران بالغي أقصر1
ويبدو أن شاعرنا الصعلوك كان سيئ الحظ مع جيرانه، فقد كان مجاورا في بطن من طيئ يقال لهم بنو جديلة، "فنطح تيس له غلاما منهم فقتله" فتعلقوا أبا الطمحان وأسروه حتى يؤدي ديته مائة من الإبل، فاستنجد بنزيله، مصورا في أبيات له ذل موقفه، وحسرته على بعده عن قومه2
ويشاء سوء حظه مرة أخرى أن تقتتل طيئ فيها بينها، وتتحزب حزبين، وينهزم حزب جديلة الذي كان مجاورا فيهم، ويؤسر أبو الطمحان في هذا القتال "أسره رجلان من طيئ واشتركا فيه"، فاشتراه منهما أحد أفراد القبيلة، بعدما بلغته أبيات له يمدح فيها قومه، فمدحه أبو الطمحان بقصيدة، فجز الطائي ناصيته وأعتقه3، وهكذا أنقذه شعره من سوء حظه مرتين.
وحدث أنه استجار مرة بعد الله بن جدعان التيمي، فعدا عليه قوم من بني سهم ونهبوا إبله كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، ولكنه لم يستطع أن ينصره؛ لأنه لم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأنشد أبو الطمحان أبيات يحن فيها إلى وطنه وأهله وأيامه بينهم، ويندب سوء حظه، ثم ارتحل عنهم4.
1 الأغاني 11/ 151 "دار الكتب"، 16/ 69. ورواية البيتين في هذا الموضع الأخير تختلف بعض الاختلاف اللفظي عن روايتهما في الموضع الأول؛ ولكنه اختلاف لا يغير المعنى أي تغيير.
2 الأغاني 11/ 133 "بولاق".
3 المصدر السابق/ 132 و133، وانظر بيتا له في مدح بني لأم في الشعر والشعراء/ 230.
4 الأغاني 16/ 69.
ويبدو أن سوء حظه مع جيرانه قد فارقه بعد ذلك، فقد نزل على الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بمكة، فطال مقامه لديه، ولكنه كان كثير الشوق إلى أهله، شديد الحنين إليهم، فاستأذن الزبير في الرجوع إليهم، "وشكا إليه شوقا لهم فلم يأذن له، وسأله المقام، فأقام عنده مدة"، ثم عاوده الحنين مرة أخرى، فأتاه وأنشده أبياتا يصور فيها هذا الحنين الجارف، فلما أنشده إياها أذن له فانصرف1.
ولكن يظهر أن تمرد أبي الطمحان لم يفارقه بعد ذلك، فقد جنى جناية وهرب من بلاده، "ولجأ إلى بني فزارة، فنزل على رجل منهم يقال له مالك بن سعد أحد بني شمخ، فآواه وأجاره، وضرب عليه بيتا، وخلطه بنفسه، فأقام مدة، ثم تشوق يوما إلى أهله وقد شرب شرابا ثمل منه، فقال لمالك: لولا أن يدي تقصر عن دية جنايتي لعدت إلى أهلي، فقال له: هذه إبلي فخذ منها دية جنايتك، وازدد ما شئت، فلما أصبح ندم على ما قاله، وكره مفارقة موضعه، ولم يأمن على نفسه"، فأتى مالكا وأنشد أبياتا يمدحه فيها مدحا قويا، هو من غير شك صادر من أعماق نفسه، يصور تقديره لذلك السيد النبيل، ويصرح له فيها بأنه قرر البقاء في جواره، فقد أصبح كأنه واحد منهم:
وقد عرفت كلابكم ثيابي
…
كأني منكم ونسيت أهلي
"فقال مالك: مرحبا فإنك حبيب ازداد حبا، إنما اشتقت إلى أهلك، وذكرت أنه يحبسك عنهم ما تطالب به من عقل أو دية، فبذلت لك ما بذلت وهو لك على كل حال، فأقم في الرحب والسعة، فلم يزل مقيما عندهم حتى هلك في دارهم"2 بعد أن امتدت به الحياة حتى بلغ أرذل العمر3.
1 الأغاني 11/ 134 "بولاق"، والشعر والشعراء/ 229.
2 الأغاني 11/ 132 "بولاق".
3 يذكر أبو حاتم السجستاني أنه عاش مائتي سنة "كتات المعمرين/ 62".
وهكذا قضى هذا الصعلوك السيئ الحظ حياته الطويلة مشردا حتى تداركته يد هذا السيد النبيل في أخريات أيامه، ولكن أمنيته الكبرى -مع ذلك- لم تتحقق، فقد قُضِي عليه أن يموت بعيدا عن أهله الذين طالما استبد به الحنين إليهم.
هذه هي الصورة التي استطعت أن أكونها عن هذا الجانب من حياة أبي الطمحان من مجموعة أخباره القليلة المتناثرة التي لم تحاول مصادرها أن ترتبها ترتيبا يعطينا صورة كاملة متصلة لحياته الطويلة المضطربة، وهي صورة شخص "بوهيمي" قلق، مفرط الحساسية، قوي العاطفة، سيئ الحفظ، لولا أن تداركته العناية الإلهية في أخريات أيامه، فأدرك الإسلام، وأسلم، وإن لم ير النبي صلى الله عليه وسلم1، ولكنه ظل خبيث الدين في إسلامه، كما كان خبيث الدين في جاهليته.
1 يقول ابن حجر عنه إنه "أدرك الإسلام""الإصابة في تمييز الصحابة 2/ 66"، ويضعه في القسم الثالث من كتابه فيمن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره "ص53 من الجزء نفسه، وانظر مقدمة الكتاب 1/ 4".