الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفاضلة؛ ولما أوجب اللَّه على أهل العلم من النصح لولاة الأمور، وبيان حكم كل حادثة، وما أوجبه اللَّه على ولاة الأمور من حماية الدين، وتعزيزه، والقضاء على الفساد، وسدّ أبوابه وطرقه، وحسم موادّه والوسائل المفضية إليه: رأينا تعزيز الكتب السابقة بهذا الكتاب، موضحين أدلة ما طلبنا من سموكم منعه وإزالته، وفيما يلي ذكر بعض الأدلة:
(1) الغناءُ وصوت المرأة في الإذاعة
، وغيرها:
تظاهرت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه في الجملة، وحكى غير واحد من العلماء إجماع العلماء على تحريمه، منهم: القرطبي في تفسيره المشهور، وقد بسط ابن القيم رحمه الله أدلة المنع في
كتابه «إغاثة اللَّهفان» ، ونقل الأدلة: من الكتاب، والسنة، وكلام أهل العلم في ذمّه وتحريمه، وبيان ما يترتّب عليه من المفاسد الكثيرة، والعواقب الوخيمة، هذا كله إذا كان غناءً مجرّداً من آلات العزف والطرب.
فأما إذا اقترن به شيء من ذلك صار التحريم أشدّ، والإثم أكبر، والمفاسد أكثر، وقد حكى العلامة ابن الصلاح إجماع العلماء على تحريم الغناء إذا اقترن به شيء من آلات اللَّهو والطرب، نقله عنه العلامة ابن القيم وغيره.
و
من أدلة الكتاب
على ذلك قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا
أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِين} (1)، حكى غير واحد من المفسرين كالواحدي وغيره عن أكثر العلماء تفسير (اللَّهو) هنا بالغناء، وبذلك فسره عبد اللَّه بن مسعود، وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وكان عبد اللَّه بن مسعود رضي الله عنه يحلف على ذلك، وهؤلاء الثلاثة من خيار أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعلمائهم، ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة، وهم أعلم الناس بتفسير كتاب اللَّه، وقد تبعهم على ذلك أكثر العلماء، وقال ابن جرير رحمه الله في تفسيره وجماعة من العلماء: إن الآية الكريمة شاملة للغناء وغيره من آلات اللَّهو، وأخبار الكفرة، وغير ذلك مما يصدّ عن ذكر اللَّه، والآية الكريمة تدلّ على أن الاشتغال بلهو الحديث يفضي بأهله إلى الضلال عن سبيل اللَّه، واتخاذ آيات اللَّه هزواً، وكفى بذلك: قبحاً، وشناعة، وذماً للغناء، وما يقترن به من آلات اللَّهو والطرب.
ومن ذلك قوله: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ
عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} (2)، فسّر كثير من السلف «الصوت» بالغناء وآلات الطرب، وكل صوت يدعو إلى باطل.
ومن ذلك قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا
(1) .. سورة لقمان، الآية:6.
(2)
.. سورة الإسراء، الآية:64.
بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} (1)، فسر كثير من العلماء (الزور) بالغناء وآلات اللَّهو، ولا شك أنه داخل في ذلك، والزور يشمله وغيره من أنواع الباطل.
وهذه الآيات الكريمات تدل دلالة واضحة على ذمّ الغناء، والتحذير منه، سواءٌ كان المُغنّي رجلاً أو امرأة، ولا شك أن الغناء إذا كان من الأُنثى كانت الفتنة به أعظم، والفساد الناتج عنه أكثر.
وقد دلّ القرآن الكريم على تحريم خضوع المرأة بالقول في قوله سبحانه: {يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} (2)، وإذا كان أُمهات المؤمنين يُنهين عن الخضوع في القول مع طهارتهن وتقواهن، فكيف بغيرهن من النساء اللاتي لا نسبة بينهن وبين أُمهات المؤمنين في كمال التقوى والطهارة، فكيف بنساء العصر الفاتنات المفتونات، إلا من شاء اللَّه منهن.
وإذا كان اللَّه نهى عن الخضوع في القول، فالغناء من باب أَولى وأحرى؛ لأن الفتنة فيه أشد من مجرد القول، ولا يخفى على كل من له أدنى بصيرة ما في صوت المرأة بالغناء، ومخاطبتها الناس في الإذاعة ونحوها من الفتنة، وإثارة الغرائز، لاسيما مع ترخيم الصوت
(1) .. سورة الفرقان، الآية:72.
(2)
.. سورة الأحزاب، الآية:32.
وتحسينه.
وعلاوة على ذلك ما يترتب على ذلك من اختلاطها بالرجال، وخلوتهم بها، والتساهل بالحجاب، أو تركه بالكلية، كما هو الواقع من نساء العصر المخالطات للرجال، وتحريم هذا معلوم من الدين بالضرورة.
ومن الأدلة على ذلك قوله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} (1)، وقوله عز وجل:{وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَاّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ} (2) الآية، وأصح ما قيل في تفسير قوله:{إِلَاّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أنه الملابس الظاهرة: قاله ابن مسعود وغيره، ومن فسره بالوجه والكفين، فمراده مع أَمن الفتنة، والمحافظة على العفة، وستر ما سوى ذلك.
والواقع من نساء العصر خلاف ذلك، لضعف إيمانهن، وقلة حيائهن؛ ومعلوم أن سد الذرائع المفضية للمحرمات من أهم أبواب الشريعة الكاملة.
(1) .. سورة الأحزاب، الآية:53.
(2)
.. سورة النور، الآية:31.
فإذا كان (القواعد)، وهن العجائز، يُمْنَعْنَ من وضع الثياب عن
محاسنهن، كالوجه، والكفين، ونحو ذلك، فكيف بالشابات الجميلات الفاتنات، وإذا كان العجائز يُمنعن من التبرج بالزينة، فهو في الشابات أشدّ منعاً، والفتنة بسببهن أكبر.
ولمَّا ذكر ابن القيم رحمه الله (الغناء) وما أورد فيه عن ابن عباس وغيره من الذم، وأنه من الباطل الذي لا يرضاه اللَّه، قال ما نصه:
«فهذا جواب ابن عباس رضي الله عنهما عن غناء الأعراب الذي ليس فيه: مدح الخمر، والزنا، واللواط، والتَّشْبِيب بالأجنبيات، وأصوات المعازف والآلات المطربات؛ فإن غناء القوم لم يكن فيه شيء من ذلك، ولو شاهدوا هذا الغناء لقالوا فيه أعظم قول؛ فإن مضرته وفتنته فوق مضرة شرب الخمر بكثير، وأعظم من فتنته، ومن أبطل الباطل أن تأْتي شريعةٌ بإباحته؛ فمن قاس هذا على غناء القوم فقياسه من جنس قياس الربا على البيع، والميتة على المذكَّاة، والتحليل الملعون فاعله
(1) .. سورة النور، الآية:60.