الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلحين وتطريب بألحان أهل الفسق والفجور، ومن غير دفٍّ، ومن غير آلات لهوٍ وطرب.
*
أما الرقص الذي يفعله بعض الرجال
، والضرب بالدف على أوقاع الألحان مع الغناء بالأغاني الرقيقة، ويغنون ويتمايلون كما يتمايل السُّكارى والمجانين، فهذا لا يجوز؛ لأنه سفه ورعونة، وفيه بطر، ومقابلة لنعم اللَّه تعالى بضدِّ الشكر، وما أحسن قول القائل:
فَهَذِهِ شِيمَةُ القَوْمِ الّذِينَ مَضَوْا
…
وَالرَّقصُ مِنْ شِيمَةِ الأقْرَادِ والدّبَبِ
إنْ يُنْقَرِ الطَّارُ أضْحَوْا يَرْقُصُونَ لَهُ
…
شِبْهَ البِغَالِ عَلَى الأقْدَاحِ وَالرُّكَبِ
قال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} : ((المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرِّك النفوس، ويبعثها على الهوى، والغزل، والمجون الذي يحرِّك الساكن، ويبعث الكامن، فهذا النوع إذا كان في شعرٍ يُشبَّب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات، لا يختلف في تحريمه؛ لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق.
فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح: كالعرس، والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع المغاني بالآلات المطربة، من
الشبَّابات، والطار، والمعازف، والأوتار فحرام
…
)) (1).
قال شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله على كلام القرطبي هذا: ((وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن، وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش، وحوَّل وجهه، ودخل أبو بكر رضي الله عنه، فانتهرني، وقال: مزمار الشيطان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((دعهما))، فلما غفل غمزتهما فخرجتا (2)، وفي رواية لمسلم:((فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا بكر، إن لكل قوم عيداً، وهذا عيدنا)) (3)، وفي رواية له أخرى: فقال صلى الله عليه وسلم: ((دعهما يا أبا بكر، فإنها أيام عيد)) (4)، وفي بعض رواياته أيضاً:((جاريتان تلعبان بدف)) (5)، فهذا الحديث الجليل يستفاد منه أن كراهة الغناء وإنكاره، وتسميته مزمار الشيطان، أمر معروف مستقر عند الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها، وسمّاه مزمار الشيطان، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم تلك التسمية، ولم يقل له: إن الغناء والدف
(1) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 14/ 57.
(2)
البخاري، كتاب الجمعة، باب الحراب والدرق يوم العيد، برقم 950، ومسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه في أيام العيد، برقم 892.
(3)
البخاري، برقم 952، ومسلم، برقم 892، وتقدم تخريجه.
(4)
البخاري، برقم 988، ومسلم، برقم 892، وتقدم تخريجه.
(5)
مسلم، برقم 992، وتقدم تخريجه.
لا حرج فيهما، وإنما أمره أن يترك الجاريتين، وعلّل ذلك بأنها أيام عيد، فدلّ ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد؛ لأنها أيام فرح وسرور، ولأن
الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بُعاث، فيما يتعلق بالشجاعة والحرب، بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم، فإنه يثير الغرائز الجنسية، ويدعو إلى عشق الصور، وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم اللَّه، ومراعاة حقه، فكيف يجوز لعاقلٍ أن يقيس هذا على هذا، ومن تأمّل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر، يجب التحذير منه حسماً لمادة الفساد، وحفظاً للقلوب عما يصدُّها عن الحق، ويشغلها عن كتاب اللَّه، وأداء حقه)) (1).
(1) مجموع فتاوى ابن باز، 21/ 111 - 113، و3/ 397 - 398.