المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامةتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني[العرف الندي في جواز لفظ سيدي] - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١١

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌بحث في مؤاخاته صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة

- ‌بحث في المتحابين في الله

- ‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل

- ‌زهرة النسرين الفائح بفضائل المعمرين

- ‌بحث في جواب سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا

- ‌بحث في الإضرار بالجار

- ‌نثر الجوهر على حديث أبي ذر

- ‌سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام

- ‌رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة

- ‌رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم

- ‌العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي

- ‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامةتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

- ‌ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة

- ‌جواب سؤالات وصلت من كوكبان

- ‌الدواء العاجل لدفع العدو الصائل

- ‌القول الحسن في فضائل أهل اليمن

- ‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين

- ‌بحث مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال

الفصل: ‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامةتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

(185)

17/ 3

‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة

تحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني

[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

تأليف

السيد عبد الغفار بن محمد الحسني

عفا الله عنه وعن أسلافه وعن المسلمين آمين

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

ص: 5659

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامة على رسالة الشوكاني.

[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

2 -

موضوع الرسالة: آداب.

3 -

أول الرسالة: " رب يسر، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى. . .

4 -

آخر الرسالة: تمت الرسالة المسماة بتحقيق الرباني العالم الصمداني على رسالة الشوكاني تأليف العالم العلامة السيد عبد الغفار بن محمد الحسني، غفر الله له ولكاتبه وللمسلمين أجمعين، آمين.

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

عدد الصفحات: 5 صفحات + صفحة العنوان.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 28 سطرا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 1 - 25 كلمة.

9 -

الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 5661

رب يسر.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، لا سيما المصطفى وآله المجتبى.

أما بعد:

فيقول الفقير إلى لطف ربه الستار الصمد أبو التائب عبد الغفار بن محمد الحسني - بصره الله بعيوب نفسه، وجعل يومه خيرا من أمسه - أنه وصلت إليه من بعض خيار الأعلام، علم الإسلام، نبذة تامة وأرجوزة ضامة في رد على من لا يرى إطلاق لفظ سيدي أو سيدنا في المكاتبات والمخاطبات، تأليف العالم النحرير، والعلامة البحر الغزير، سلالة المحققين على ظهر الدحية، خصوصا ما بين صنعاء واللحية، (1) القاضي الرباني محمد بن علي الشوكاني، متع الله المسلمين بطول بقائه، ورفع بين الأولوية لواءه.

ولقد أفاد وأجاد، ونصح في ظنه للعباد، وإنما لكل امرئ ما نوى، ولما كانت الأنظار قليلة القرار بالإضافة إلى الأغيار؛ لاختلاف الأوضاع الدالة على تعدد الأوطار، خلج في خلدي أن أرشد لمنشد الضالة حسبة مني أنه من حكماء الديار، فهو أحق للوقاية عن البوار، لكن قلة بضاعتي تأخذ كشحي عن مهالك البحث، ولندرة الإنصاف والاعتبار، ولم يزل يخط ذلك عدة ليالي والأنهار، حتى اقتحمت معتصما بحبل التوفيق لمن أقر الفلك الدوار، ولعا على إظهار الحق حبك الشيء، يصم ويعمي من غير إنكار،

(1) اللحية: بلدة تهامية على ساحل البحر الأحمر شمالي الحديدة، وهي من الموانئ الصغيرة، وبها مغاصات اللؤلؤ والمرجان، ويرجع تاريخ عمارة اللحية إلى أوائل القرن الثامن الهجري، وإلى أراضيها يصب وادي مور أكبر أودية تهامة.

" معجم البلدان والقبائل اليمنية "(ص 548)، " هجر العلم ومعاقله "(4/ 1929).

ص: 5665

ورمت الإيجاز جدا لعدم الفرصة لمدة الأطوار، وجعلت كالحاشية على هامشها لحصول البغية بذلك بأدنى اعتبار، وخير الكلام ما قل ودل، مع أنه ليس الغرض إلا إخراج الأسرار من كلام المؤلف، وأما المقدمات فأكثرها لصاحب النهاية رئيس الأحرار، اللهم كن لي في دار الفناء ودار القرار.

قوله: ولا شك ولا ريب - تنبه أيها النائم بسنة الغفلة - قد أفاد العلامة أنه قد خلت عن نحو تلك الاستعمالات القرون الثلاثة المحمودة المزكاة بتزكية المصطفى صلى الله عليه وسلم، فلو كان فيها حسن لأتوا بها؛ لوفور الوله لهم لاكتساب أنواع الحسنات، فإنهم أحدثوا أمورا جمة لما عرفوا الحسن فيها فلما يقدموا عليه مع جد طلب وجوه الحسنات، علم أنه لا حسن فيها، وحدوثها في القرون التالية التي أخبر الرسول بقلة الديانة والأمانة حيث قال صلى الله عليه وسلم:" ثم فشى الكذب، فيسبق حلفهم شهادتهم وشهادتهم حلفهم "(1) مع عدم شهدة (2) ذلك في القرن الرابع والخامس أيضًا المبني على زيادة القبح المستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم: " ما من عام إلا الذي بعده شر منه (3) دال على أنها من البدعة القبيحة المعضودة قباحتها بإنكاره صلى الله عليه وسلم لنفسه الكريمة، الآتي ذكره.

وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (4)، وفي لفظ آخر: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (5)، وأيضا: " كل بدعة ضلالة،

(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (2652) ومسلم رقم (2533) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته ".

وقد تقدم بألفاظ.

(2)

كذا في المخطوط، ولعلها شهادة.

(3)

أخرجه الترمذي في " السنن " رقم (2206) من حديث أنس بن مالك، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وهو حديث صحيح.

(4)

أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2697) ومسلم رقم (1718) وأبو داود رقم (4606) وابن ماجه رقم (14) من حديث عائشة، وقد تقدم.

(5)

أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2697) ومسلم رقم (1718) وأبو داود رقم (4606) وابن ماجه رقم (14) من حديث عائشة، وقد تقدم.

ص: 5666

وكل ضلالة في النار " (1).

قوله: وتلبس بغير شعار الإسلام، أنت خبير بأنه تقرر سابقا أنها بدعة قبيحة، وكل بدعة قبيحة فهي غير شعار الإسلام، فكيف يصح إنكار العلامة على قائله! كيف ولا يبعد أن يقال هذا في شعائر الجاهلية وأمورها [1]! ولذا لم يوجد ذلك في إسلام السلف رأسا، فلا هذا الوفد الذين هم قريب عهد من الإسلام يؤيد إنكاره صلى الله عليه وسلم عليهم، وعدم حدوثه إلا حين ضَعْفِ الإسلام وشبوب الشرك في الناس، إما باستدعاء الخلف إلى عبادتهم كبعض المتعلمين وبعض المتصوفين، أو بإغرائهم إلى عبادة أربابهم كبعض التلامذة وبعض المريدين، حتى شاع الشرك في أكثر البلاد مع وقوع الخلق في الغلط، فصار ذلك عندهم من شعائر الإسلام ومستحسناته؛ فلذا ترى مشركي زماننا يذكرون عند ذكر آلهتهم سيدي فلان، أو سيدنا. فوضح أن ذلك من أمور الجاهلية، ما وجدت إلا عند عود الجاهلية.

قوله: فالخطب يسير، والخطر في ذلك حقير، فيها إيهام استصغار المعصية، وقد صرح أهل الدين أن استصغار المعصية ولو كانت صغيرة تصير كبيرة (2)، فلا يتصور صدور مثل ذلك عن العلامة إلا ذهولا عن تلك المقدمة، أو قصدا لأمر آخر في باله الشريف، ثم إنك قد عرفت مما سردنا أنه من البدعة القبيحة ومن أمور الجاهلية، وقد صح إنكاره صلى الله عليه وسلم على مرتكبيه، فلا يلام من قال بأنه حرام أو مكروه تحريما.

قوله: يتعذر تلافيها. قد أدركت إنحاء دفعنا لإنحاء رده ابتداءً، وسترى أحسن من

(1) تقدم تخريجه.

(2)

منها ما أخرجه أبو داود رقم (4990) والترمذي رقم (2315) والنسائي في " السنن الكبرى " رقم (11655) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى:(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين: 14].

ص: 5667

ذلك انتهاء - بحول الله تعالى وحسن توفيقه - فصح أن يقال ذلك من طرفنا.

قوله: فهذا حجتهم. فيه تلويح بأنه لا مستند لهم غير هذا الحديث، ولعمري أن العلامة خلط الحديثين (1)، ولعل وجهة ادعائه على اتحاد القصة بالتاريخ فهو مؤاخذ بتصحيح ذلك، أو وصلت إليه الرواية بتلك الطريق على نحو ما ذكره، أو غير ذلك من البواعث، وإلا فقد أخرج أبو داود (2) بإسناد جيد عن عبد الله بن الشخير قال: انطلقت في وفد [بني] عامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال:" السيد الله تبارك وتعالى " قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، قال:" قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرنكم الشيطان ".

وأخرج النسائي (3) عن أنس بسند حسن أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، يا سيدنا وابن سيدنا، فقال:" يا أيها الناس قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل " ثم اعلم أنه يفهم من سياق كلام العلامة وسياقه أن الإنكار على ذلك إنما حدث بين قوم معين لا غير، وليس الأمر كذلك، بل الإنكار لم يبرح من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا على مباشرة من العلماء الراسخين الأبرار المتقدمين الأحرار، فإن طائفة من أمته صلى الله عليه وسلم لا تزال على الحق ظاهرين ومنصورين كما ورد حتى تقوم الساعة (4)، وذلك واضح لمن له أدنى إلمام بالسير في

(1) انظر التعليقة الآتية.

(2)

في " السنن " رقم (4806)، وهو حديث صحيح.

(3)

في " عمل اليوم والليلة " رقم (248) وأخرجه أحمد (3/ 241، 249).

(4)

أخرج البخاري رقم (7311) ومسلم رقم (1921) من حديث المغيرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون ".

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (1924) من حديث عقبة مرفوعا: " لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون عن أمر الله قاهرين لعدوهم، ولا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك ".

ص: 5668

أحوال المشائخ الكمل القائمين الذين لم يخافوا لومة لائم، لكن السيف المفرق للمفارق لم يكن وضع على أعداء الدين إلا باستقامة تلك القوم المنصورة، فلا يرفع عنهم - إن شاء الله تعالى - إلى قيام القيامة كما ورد، وأظن أن [2] هذه القوم هي المبشرة بها.

قوله: فما قال غير خاف على ذي الفطنة القويم، وصاحب الطبع المستقيم أن مدار القياس هو مماثلة المقيس والمقيس عليه، فيبطل القياس بدونه، فإذا قياس العلامة قول الرجل: أنت سيدنا على قوله صلى الله عليه وسلم قياس مع الفارق، وذلك باطل كما في محله، فإن السيد في موضع التخاطب والتكاتب يراد به المالك (1)، فلا يصح إطلاقه على هذه الحيثية إلا على المالك حقيقة كالواحد القهار، أو مجازا كملاك العبيد؛ ولذا أباح صلى الله عليه وسلم للعبيد ذلك دون غيرهم، ونهاهم عن إطلاق لفظ الرب (2).

(1) انظر " فتح الباري "(5/ 179 - 180).

(2)

أخرج البخاري في صحيحه رقم (2552) ومسلم في صحيحه رقم (2249) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يقل أحدكم: أطعم ربك وضئ ربك، وليقل: سيدي مولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي، أمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي ".

قال الحافظ في " الفتح "(5/ 179): وفيه نهي العبد أن يقول لسيده: ربي، وكذلك نهي غيره، فلا يقول له أحد: ربك، ويدخل في ذلك أن يقول السيد ذلك عن نفسه، فإنه قد يقول لعبده: اسق ربك، فيضع الظاهر موضع الضمير على سبيل التعظيم لنفسه، والسبب في النهي أن حقيقة الربوبية لله تعالى؛ لأن الرب هو المالك والقائم بالشيء، فلا توجد حقيقة ذلك إلا لله تعالى.

قال الخطابي: سبب المنع أن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لله وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم؛ لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار ورب الثوب.

قال ابن بطال: لا يجوز أن يقال لأحد غير الله رب، كما لا يجوز أن يقال له إله.

قال الحافظ ابن حجر: والذي يختص بالله تعالى إطلاق الرب بلا إضافة، أما مع الإضافة فيجوز إطلاقه في قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام:{اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} وقوله: {ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} ، وقوله صلى الله عليه وسلم في أشراط الساعة:" أن تلد الأمة ربها " فدل على أن النهي في ذلك محمول على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه.

ص: 5669

وأما قول القائل: أنا سيد بني فلان، وأنت سيد أهل الوبر، أو فلان سيد القبيلة، فمعناه على هذا الاستعمال هو المتقدم عليهم، فمعنى قوله صلى الله عليه وسلم:" أنا سيد ولد آدم "(1) أي: المتقدم عليهم، فكيف يصح القول:" أنت سيدنا " حملا على قوله صلى الله عليه وسلم لعدم الجامع. ولو كان الجامع بينهما لما نهى صلى الله عليه وسلم عنه الوفد الوافد، فأين الحديث حجة لكم؟

واعلم أنا لا نمنع إطلاق لفظ السيد على الله وعلى غيره، حيث ثبت أنه يستعمل لمعان متعددة، لكنا نمنع إطلاقه عليه تعالى إذا أريد به معنى الزوج والخادم ونحوهما مما يجب تنزيهه تعالى عن مثله؛ ولذا ذهبت طائفة من المتكلمين إلى منع ذلك مطلقا حيث كان مشتركا ولم تقم قرينة مطردة دالة على معنى مناسب له تعالى.

ونحن لم نتبع تلك الطائفة، وقلنا بالجواز مع شرط إرادة معنى لائق به؛ لإطلاقه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ونمنع إطلاقه في المكاتبات والمخاطبات قطعا؛ لأنه لا يراد في هذه المواضع إلا المالك، والمؤيد نهي الرسول صلى الله عليه وسلم للوفد وإباحته للعبيد، فكان ذلك مخصوصا عن العام، فإنا مجوزون في غير ذلك المقام بالكتاب والسنة، فالمخصص له حديث عبد الله بن الشخير، وحديث أنس، وإجماع القرون الثلاثة، وأنه من أمور الجاهلية كما سبق، وأنه بدعة قبيحة، ولقوله تعالى:{لَا تَغْلُوا في دِينِكُمْ} (2).

وهذا أبلغ غلو؛ لأنه يجعل المخلوق مثله مالكا له، وهو شأن الباري تعالى فإنه مالك الرقاب من غير شراء، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" إياكم والغلو؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو "(3)، ولقوله صلى الله عليه وسلم:" هلك المتنطعون. . . ثلاثا "(4) وغيرها من الأحاديث. فهذه تسعة حجج مخصصة للعموم المستفاد مما ذكر العلامة وغيره ونحوه، ولا يمكن أن يراد

(1) تقدم تخريجه.

(2)

[النساء: 171، المائدة 77].

(3)

تقدم تخريجه.

(4)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (7/ 2670) من حديث عبد الله بن مسعود.

ص: 5670

عند الإطلاق في تلك المواضع معنى صالحا كالرئيس ونحو؛ لأنه مهجور شرعا فلا يسع إلا تركه فيها، وأما إذا قال: من فلان إلى السيد الشريف، أو: يا سيد بني فلان، أو: يا سيد أئت - من غير إضافة - فلا بأس به. . .

قوله: كما يقول القائل: أنت الرجل علما. قد أسلفنا أن القياس مع الفارق باطل (1) وهنا كذلك، بل هنا أبطل؛ لعدم تعين ما شرحه العلامة من قصد القوم الوافد، مع قيام القرينة بأنهم أرادوا المالك الذي كانوا يقصدون ذلك عند الإطلاق لآلهتهم، ونهي الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وأباح للعبيد لوجود الملك مجازا، ولعدم صدور مثل ذلك عن الرسول [3]، فإنه صلى الله عليه وسلم ما قال: الله سيادة، وما قال القوم أيضا:" أنت نبي أو رسول سيادة " حتى يقال: أرادوا هذا المعنى، أو أراد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المعنى، بل (للأمة) في قوله صلى الله عليه وسلم للحصة المشخصة في الخارج التي هي في الأصل في وضعها، كما حقق ذلك صدر الشريعة بيانه أنهم لما قالوا:" أنت سيدنا " وأرادوا المعنى الذي عهد عندهم وهو المالك، قال صلى الله عليه وسلم:" السيد " أي: الذي قلتم لي هو الله سبحانه وتعالى لا غير، فاعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا هذا المعنى في مثل هذا المقام؛ ولذا لم يبح إلا للعبيد، فكان ذلك معناه في مثل هذا الموضع لغة وشرعا، وعرف بقرينة الإنكار وعدم الإباحة، وعدم الاستعمال في القرون المحمودة، وحدوث ذلك في الأزمنة التي عادت فيها الجاهلية أنه لا يجوز الإطلاق في مثل هذا المقام ولو بإرداة معنى آخر، ولله الحمد، وقد كشفنا الغطاء في التبيان، فأين أرباب الجنان المشتاقون للقاء الرحمن (2)؟

قوله: ولهذا كانت هذه العلوم. وقد ذهل العلامة عن خصلة أخرى هي أحرى بكونها ملاك الاجتهاد، وترى أصحاب الفن قاطبة ضموها مع الشرائط، وهي ملكة الاستنباط،

(1) انظر " إرشاد الفحول "(ص 656)، " البحر المحيط "(5/ 6) و" شروط القياس "(ص 678) وما بعدها، " اللمع "(ص 57)، " تيسير التحرير "(3/ 276).

(2)

سيأتي رد الشوكاني على ذلك.

ص: 5671

وهي البصيرة في القلب كالبصر للعين، فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب.

قال تعالى: {ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (1)، وقال صلى الله عليه وسلم:" استفت قلبك. . . ثلاثا "(2)، ثم قال:" وإن أفتاك المفتون " فما لم تكن في قلبه بصيرة يضيء له الحق بها لم يعرف الحق أصلا، فيخبط في البحث خبط عشواء، ويصير كمن ركب متن عمياء

قوله: لأنه قد فهم من مقصدهم. قد أنصف العلامة هنا، لكنه لم يصرح بأن ذلك المعنى هو المعهود في مثل هذا المقام حتى يتضح عنده الحق كما اتضح مبدؤه، فإن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (3).

قوله: ولم يريدوا به المعنى الذي يطلقه البشر على الأنبياء وغيرهم. أي: في غير هذه المواضع كالتوصيف بأنه عالم سيد، أو الإعلام بأن فلان سيد بني فلان وأشباهه.

قوله: فعرفت بهذا أن ذلك الحديث لا يدل على مطلوب المستدل. أي: الذي تمسك به لعدم جواز إطلاقه على البشر مطلقا، فإن ذلك باطل بالكتاب والسنة دلالة وصراحة.

وأما الذي تثبت به للتخصيص به مقام الخطاب مع الإضافة فهو أدل دليل لا بطريق المغالطة التي ارتكبها العلامة، بل بوجه الإنصاف والاعتبار، وقد سلف. . .

قوله: فالدليل حجة عليهم لا لهم يعني الذين منعوا مطلقا.

قوله: فإن في هذا الحديث وذلك ما ننكره أصلا. . .

قوله: وهذه الأحاديث كلها، ومع ذلك كلها دالة على جواز إطلاقه على البشر في غير المقام المتنازع فيه بخصوصه، حتى يتصور التعارض، وتعارض العموم مع كونه غير

(1)[ق: 37].

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم توضيحه.

انظر " فتح الباري "(5/ 175)، " المفهم "(6/ 48 - 49).

ص: 5672

صالح له؛ لكونه ظني الدلالة مرفوعًا بالتخصيص، ثم إطلاقه في تلك الأحاديث بمعنى الرئيس والمتقدم ونحوه، وهو ظاهر [4].

قوله: فالرجل السيد هنا بمعنى الخادم المدبر لما ساد عليه.

قوله: فهو سيد، أي كريم حليم شريف، وهذه كلها من معانيه.

قوله: وسودوا أي قدموا.

قوله: لا تقولوا للمنافق سيد أي: شريفا كريما وما يساويه.

قوله: من السيد، أي: من الكريم. وقد ورد في رواية أخرى.

قوله: فهذا حضر لا يخفى على ذهنك الثاقب وقلبك الراقب أنه لم يأت بحديث يدل على خصوص محل التنازع، بل وليس في شيء منها مستعملا بمعنى المالك البتة، فعلم أنه لا يطلق على البشر إلا بمعنى يليق [غير](1) الرب والمالك، وإذا وجد الملك ولو مجازا يطلق عليه أيضًا كما جيز للعبيد (2).

قوله: والمجال واسع، أي: في جميع أمثاله مما يجديه نفعا.

قوله: وقد جرى. واعلم أنه لم يجر على لسان أحد من الصحابة، ولا من التابعين، وتابعيهم في المقام المتنازع لفظ سيدي.

وأما الذي بصدده العلامة من إطلاقه على البشر مطلقا فذلك لا ننكره، فلا ينبغي لنا الاشتغال لجواب كلامه؛ لأنه مما لا يعني، وهو أثر حسن الإسلام كما ورد على أن أقوال هؤلاء ليست بحجج فضلا عن الأعمال، وقول عائشة وإن كان فيه الإضافة فليس في مقام الخطاب، على أنه يمكن أن يقال: إنه مجاز من الحب الذي ورد في رواية مشهورة عنها (3). وقول أم ..........................................

(1) كذا في المخطوط، ولعلها (بغير).

(2)

انظر هذه المعاني في " النهاية "(1/ 417 - 418).

" اللسان "(6/ 424).

(3)

تقدم تخريجه.

ص: 5673

الدرداء (1) ليس في مقام الخطاب، مع أنه ليس بحجة، وفيه احتمال المجاز أيضا.

قوله: قبل أن تسودوا في الرياسة، أي: تقدموا عليهم.

قوله: أسود، أي: أكرم وأشرف أو نحوهما.

قوله: على المطلوب أي: عدم الجواز مطلقا.

قوله: لأن يقول: يا سيدي أو سيد القبيلة الفلانية، والقياس المذكور مع فارق وقد أبطلناه، ومبنى قياسه أنه ليس في قوله:" يا سيدي " غلو، وليس كذلك كما قدمنا.

قوله: ولا فرق. وقد سقنا الفرق سابقا، فتذكر.

قوله: وأهل الشرع إلى عصرنا هذا إذا أطلقوه على فرد من أفراد لا يريدون إلا هذا المعنى، أي في غير المقام المتنازع، وأما فيه فلم يطلق الشارع - عليه أفضل الصلاة والسلام - بل أنكره، وكذا ما بعده، ما دام لم يختل أمر التوحيد، وأما بعد الاختلال فقد صار في ذلك من أعظم الحسنات وأوفر للكرامات:{أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا} (2)، {سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} (3)، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ} (4)، {وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} (5)، {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (6) فيجب على كل ورع أن يستقصي في الأمور المشتبهة، فإنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم بأن كثيرا من الناس لا يعلمونها، فإن لم يكن معه قلب سليم يلتمس من أرباب الإيقان وأهل العرفان:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (7)، ولا

(1) ذكره ابن الأثير في " النهاية "(1/ 418).

(2)

[محمد: 14].

(3)

[الجاثية: 45].

(4)

[النمل: 24].

(5)

[الكهف: 104].

(6)

[الروم: 59].

(7)

[النحل: 43، الأنبياء: 7].

ص: 5674

يجتري على الفتوى؛ فإنه: " أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار "(1).

قوله: فقد أذن به الشرع، هذا موضع اقشعرار جلود العارفين، فإنه جرأة عظيمة، وإنما الأعمال بالنيات و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (2) فإن ذات العلامة في نظري في غاية القصوى من الكمال، وما فوق الطاقة معفو عنه ..

قوله: فمن قال للرئيس. ترى غلطات العبارات، فإنه إنما يجوز إطلاق سيدي بالمعاني المذكورة في الفاضل والكريم ونحوه؛ ولذا سوى بين قوله:" سيدي " وقوله: " فلان سيد "، وإرادة هذا المعنى في قوله:" سيدي " مهجورة لغة وشرعا، وقد أوفينا الكلام فيه سابقا.

قوله: ومن زعم هذا. أي: لا يجوز إطلاقه على غيره تعالى، ونحن نجوز كما سلف.

قوله: وظهر بهذا. وقد أبطلناه، بناء الكلام عليه، وبناء الفاسد على الفاسد فاسد.

قوله: فإن هذا غلط على الشريعة. الله يعلم بأن إحدى الفريقين مخالفون، وكل يعمل على شاكلته، وربك أعلم بمن هو أهدى سبيلا ..

وهذا آخر ما أوردت إيضاح مخدورات عبارات العلامة، مع حسن الإيجاز، مع إحاطة المطالب والاحتياز، وإنما استهدفت نفسي نصحا للخلق مع إنسداد طريق البحث في هذه الأيام، والقلق ومخافة اندراج النفس في وعيد كتمان الحق، وهو العالم بأسرار القلوب، فهو المسئول - إن زلت القدم أو ضل القلم - أن يستر العيوب، ويعصم لكافة أهل التوحيد من الذنوب؛ فهو غفار الذنوب وستار العيوب ..

تمت الرسالة المسماة بتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني ..

تأليف العالم العلامة السيد عبد الغفار بن محمد الحسني، غفر الله له ولكاتبه وللمسلمين أجمعين، آمين [5].

(1) تقدم تخريجه.

(2)

[البقرة: 286].

ص: 5675