المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١١

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌بحث في مؤاخاته صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة

- ‌بحث في المتحابين في الله

- ‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل

- ‌زهرة النسرين الفائح بفضائل المعمرين

- ‌بحث في جواب سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا

- ‌بحث في الإضرار بالجار

- ‌نثر الجوهر على حديث أبي ذر

- ‌سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام

- ‌رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة

- ‌رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم

- ‌العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي

- ‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامةتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

- ‌ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة

- ‌جواب سؤالات وصلت من كوكبان

- ‌الدواء العاجل لدفع العدو الصائل

- ‌القول الحسن في فضائل أهل اليمن

- ‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين

- ‌بحث مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال

الفصل: ‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين

(190)

24 - /3

‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين

تأليف محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه محمد صبحي بن حسن حلاق أبو مصعب

ص: 5779

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين.

2 -

موضوع الرسالة: آداب.

3 -

أول الرسالة: مما نقله ابن أبي أصيبعة في كتابه المعروف بعيون الأنباء في تراجم الأطباء من الحكم المروية عن الحكيم أسقلينوس. . .

4 -

آخر الرسالة: ونقل من كلام الفارابي وابن سينا ونحوهما ما لم أستحسن نقله هاهنا، ثم والحمد لله.

5 -

نوع الخط: خط نسخي جيد.

6 -

عدد الصفحات: 7 صفحات.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 24 سطراً.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 10 كلمات.

9 -

الرسالة من المجلد الثالث من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 5781

مما نقله ابن أبي أصيبعة (1) في كتابه المعروف " بعيون الأنباء في تراجم الأطباء "(2) من الحكم المروية عن الحكيم إسقلنيوس (3) وهو أول الحكماء اليونانيين، قوله: من عرف الأيام لم يغفل الاستعداد. كم من أمر أبغضت أوائله، وبكي عند أواخره عليه، المتعبد بغير معرفة كحمار الطاحون يدور ولا يبرح، ولا يدري ما هو فاعل، فوت الحاجة خير من طلبها إلى غير أهلها.

وقال في وصف الدنيا: أمس آجل، واليوم عمل، وغداً أمل.

ومما نقله في ترجمة أبقراط (4) من الحكم التي قالها منها قوله: إنما نأكل لنعيش، لا نعيش لنأكل. وقال: لا تأكل حتى تأكل. يتداوى كل عليل بعقاقير أرضه؛ فإن الطبيعة تفرغ إلى عادتها. وقال: مثل المني في الظهر (5) كمثل الماء في البئر، إن نزفته فات، وإن

(1) أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي موفق الدين، أبو العباس بن أبي أصيبعة. الطبيب المؤرخ صاحب " عيون الأنباء في طبقات الأطباء ".

ولد سنة 596 بدمشق وفي سنة 668 هـ زار مصر ومن كتبه " التجاريب والفوائد "، " حكايات الأطباء في علاجات الأدواء "، " معالم الأمم "، وله شعر كثير.

(2)

رتبه على خمسة أبواب [خمسة عشر باباً] الأول في كيفية وجود صناعة الطب، الثاني في طبقات الأطباء الذين ظهرت لهم أجزاء من صناعة الطب. الثالث: في طبقات الأطباء اليونانيين من نسل إسقلبيوس الرابع في طبقات الأطباء اليونانيين، الخامس في طبقات الأطباء الذين كانوا منذ زمان جالينوس وقريباً منه. . . ".

" كشف الظنون "(2/ 1185)، " الأعلام " للزركلي (1/ 197).

(3)

انظر " الفهرست " لابن النديم (ص 398 - 399).

(4)

هو بقراط بن إيراقليس من تلاميذ إسقلنيوس. طبيب فيلسوف قال يحيى النحوي: بقراط وحيد دهره الكامل الفاضل المبين المعلم لسائر الأشياء.

" الفهرست "(ص 400 - 402).

(5)

قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)[الطارق: 5 - 7].

ص: 5787

تركته غار.

وقال: المجامع يقدح من ماء الحياة. وسئل في كم ينبغي للإنسان أن يجامع؟ قال: في كل سنة مرة، قيل له: فإن لم يقدر؟ قال: في كل شهر مرة، قيل له: فإن لم يقدر؟ قال: في كل أسبوع مرة، قيل له: وإن لم يقدر؟ قال: هي روحه متى شاء أخرجها (1) وقال: إذا كان الغدر في الناس طباعا؛ كان الثقة بكل أحد عجزا، وإذا كان الرزق مقسوما؛ كان الحرص باطلاً (2) وقال: قلة العيال أحد اليسارين (3)، وقال العافية ملك خفي لا يعرف قدرها إلا من عدمها (4). وقال: الأمن مع الفقر خير من الغنى مع الخوف.

وقال: محاربة الشهوة أيسر من معالجة العلة. وقال: التخلص من الأمراض الصعبة صناعة كبيرة.

وقال عند موته: خذوا جامع العلم مني: من كثر نومه، ولانت طبيعته [1]، ونديت

(1) قال تعالى: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)[البقرة: 223].

(2)

قال تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)[الذاريات: 22 - 23].

(3)

عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم ".

أخرجه أبو داود رقم (2050) والنسائي (6/ 65) والحاكم (2/ 162) وصححه ووافقه الذهبي.

وهو حديث صحيح.

(4)

أخرج أبو داود رقم (5075) والنسائي في " عمل اليوم والليلة " رقم (566) والحاكم في " المستدرك "(1/ 517) وصححه ووافقه الذهبي.

عن ابن عمر رضي الله عنه قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: " اللهم إني أسألك العافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي. . . ".

ونقول: اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة.

ص: 5788

جلدته طال عمره.

وقال: من صحب السلطان فلا يجزع من قسوته كما لا يجزع الغواص من ملوحة البحر.

وقال: من أحب لنفسه الحياة أماتها. وقال: العلم كثير، والعمر قصير، فخذ من العلم ما يبلغك قليله إلى كثيره. وقال: استدامة الصحة تكون بترك التكاسل عن الرياضة، وبترك الامتلاء من الطعام والشراب (1). وقال: الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع. وقال: ليس معي من فضيلة العلم إلا علمي بأني لست بعالم (2) وقال: إن أحببت أن لا تفوتك شهوتك فاشته ما يمكنك. وقال: لأن أدع الحق جهلا به أحب إلي من أن أدعه زهدا فيه.

وقال: العلم روح (3)، والعمل بدن، والعلم أصل، والعمل فرع، والعلم والد،

(1) قال صلى الله عليه وسلم: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكيلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه وثلث لنفسه " من حديث المقدام بن معديكرب رضي الله عنه.

أخرجه الترمذي رقم (2380) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه رقم (3349) وابن حبان في صحيحه رقم (5236) والحاكم (4/ 121).

وهو حديث صحيح.

(2)

قال الماوردي في " أدب الدنيا والدين "(ص81): قلما تجد بالعلم معجبا ربما أدرته مفتخرا، إلا من فيه مقلا ومقصرا، لأنه قد يجهل قدره، ويحسب أنه نال بالدخول أكثره. فأما أكثره من كان فيه متوجها، ومنه مستكثرا، فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته. ما يصده عن العجب به وقد قال الشعبي: العلم ثلاثة أشبار، فمن نال منه شبرا شمخ بأنفه، وظن أنه ناله! ومن نال منه الشبر الثاني صغرت إليه نفسه وعلم أنه لم ينله، وأما الشبر الثالث فهيهات! لا يناله أحد أبدا ".

(3)

قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)[محمد: 19] فبدأ بالعلم وأن العلماء هم ورثة الأنبياء؛ ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر، ومن سلك طريقا يطلب به علما سهل الله له طريقا إلى الجنة.

وقال جل ذكره: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)[فاطر: 28] وقال: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)[العنكبوت: 43]، (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) [الملك: 10]. وقال (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[الزمر: 9]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما العلم بالتعلم ".

انظر: " فتح الباري "(1/ 161).

ص: 5789

والعمل مولود. وكان العمل لمكان العلم، ولم يكن العلم لمكان العمل. وقال: العمل خادم للعلم، والعمل غاية، والعلم رائد، والعمل مرسل (1).

ومما نقله من كلمات فيثاغورس (2) الحكمية: الأقوال الكثيرة في الله - سبحانه - علامة تقصير الإنسان عن معرفته. وقال: احذر أن تركب قبيحا من الأمر لا في خلوة، ولا مع غيرك (3)، وليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من كل ....................

(1) قال الماوردي في " أدب الدنيا والدين "(ص84): وليكن من شيمته العمل بعلمه، وحث النفس على أن تأمر بما يأمر به ولا يكن ممن قال الله تعالى فيهم:(مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا) قال بعض العلماء: ثمرة العلم أن يعمل به، وثمرة العمل أن يؤجر عليه.

(2)

فيثاغورس ولد في ساموس باليونان، عاش فيما بين 572 - 497 قبل الميلاد وهو فيلسوف يوناني ذاع صيته لمعلوماته العلمية والرياضية.

" تاريخ الفلسفة اليونانية "(ص 20 - 21).

(3)

أخرج مسلم في صحيحه رقم (38/ 8) من حديث عمر بن الخطاب وفيه: " فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

وأخرج الترمذي في " السنن " رقم (2458) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استحيوا من الله حق الحياء " قال: قلنا: يا رسول الله! إنا نستحي والحمد لله؟! قال: " ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة، ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله الحياء ".

وهو حديث حسن.

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (9) ومسلم رقم (35) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان ".

قال الماوردي في " أدب الدنيا والدين "(ص 242 - 244): الحياء في الإنسان قد يكون ثلاثة أوجه:

1 -

الحياء من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.

2 -

حياؤه من الناس. فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح وهذا من كمال المروءة وحب الثناء.

3 -

حياؤه من نفسه: فيكون بالعفة وصيانة الخلوات.

قال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك.

قال بعض الأدباء: من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده قدر.

وهذا النوع من الحياء يكون من فضيلة النفس، وحسن السريرة فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا، وقال بعض الشعراء:

وإني ليثنيني عن الجهل والخنا

وعن شتم ذي القربى طلائق أربع

حياء وإسلام وتقوى وأنني

كريم، ومثلي من يضر وينفع

ص: 5790

أحد (1) وقال: إذا سمعت كذبا فهون على نفسك الصبر عليه.

وقال: ما لا ينبغي أن تفعله احذر أن تخطره ببالك، وقال: الأشكال المزخرفة، والأمور المموهة في اقتضاء الأزمان تتبهرج.

وقال: الإنسان الذي اختبرته بالتجربة، فوجدته لا يصلح أن يكون صديقا وخلا احذر أن تجعله لك عدوا. وقال: ينبغي أن تعرف الوقت الذي يحسن فيه الكلام، والوقت الذي يحسن فيه السكوت (2).

(1) أخرج مسلم في صحيحه رقم (38/ 8) من حديث عمر بن الخطاب وفيه: " فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

وأخرج الترمذي في " السنن " رقم (2458) عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استحيوا من الله حق الحياء " قال: قلنا: يا رسول الله! إنا نستحي والحمد لله؟! قال: " ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة، ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله الحياء ".

وهو حديث حسن.

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (9) ومسلم رقم (35) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان ".

قال الماوردي في " أدب الدنيا والدين "(ص 242 - 244): الحياء في الإنسان قد يكون ثلاثة أوجه:

1 -

الحياء من الله تعالى فيكون بامتثال أوامره والكف عن زواجره.

2 -

حياؤه من الناس. فيكون بكف الأذى وترك المجاهرة بالقبيح وهذا من كمال المروءة وحب الثناء.

3 -

حياؤه من نفسه: فيكون بالعفة وصيانة الخلوات.

قال بعض الحكماء: ليكن استحياؤك من نفسك أكثر من استحيائك من غيرك.

قال بعض الأدباء: من عمل في السر عملا يستحي منه في العلانية، فليس لنفسه عنده قدر.

وهذا النوع من الحياء يكون من فضيلة النفس، وحسن السريرة فمتى كمل حياء الإنسان من وجوهه الثلاثة، فقد كملت فيه أسباب الخير وانتفت عنه أسباب الشر وصار بالفضل مشهورا، وبالجميل مذكورا، وقال بعض الشعراء:

وإني ليثنيني عن الجهل والخنا

وعن شتم ذي القربى طلائق أربع

حياء وإسلام وتقوى وأنني

كريم، ومثلي من يضر وينفع

(2)

قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ)[القصص: 55].

وقال سبحانه وتعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاة فَاعِلُونَ)[المؤمنون: 1 - 4].

واعلم أن شروط الكلام أربعة:

1 -

أن يكون الكلام لداع يدعو إليه، إما في اجتلاب نفع، أو دفع ضرر.

قال عمر بن عبد العزيز: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه.

وقال بعض الحكماء: عقل المرء مخبوء تحت لسانه.

2 -

أن يأتي بالكلام في موضعه.

3 -

أن يقتصر منه على قدر حاجته، فإن الكلام إن لم ينحصر بالحاجة، ولم يقدر بالكفاية؛ لم يكن لحده غاية. ولا لقدره نهاية.

وأنشدت لأبي الفتح البستي:

تكلم وسدد ما استطعت فإنما

كلامك حي والسكوت جماد

فإن لم تجد قولا سديدا تقوله

فصمتك عن غير السداد سداد

4 -

أن يختار اللفظ الذي يتكلم به فلأن اللسان عنوان الإنسان يترجم عن مجهوله، ويبرهن عن محصوله؛ فيلزم أن يكون بتهذيب ألفاظه حريا، وبتقويم لسانه مليا.

" أدب الدنيا والدين "(ص 266 - 268).

* وأخرج البخاري في صحيحه رقم (6478) ومسلم رقم (2988) ومالك (2/ 985) عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إن العبد يتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم ".

ص: 5791

وقال: بقدر ما تطلب تعلم، وبقدر [2] ما تعلم تطلب. وقال: ليس من شرائط الحكيم أن لا يضجر، ولكن يضجر بوزن. وقال: ليس الحكيم من حمل عليه بقدر ما يطيق فصبر واحتمل، ولكن الحكيم من حمل عليه أكثر ما تحتمل الطبيعة فصبر.

وقال: الدنيا مرة لك وأخرى عليك (1)، فإن توليت فأحسن (2)، وإن تولوك

(1) قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ)[آل عمران: 140].

قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن "(4/ 218): قيل: هذا في الحرب، تكون مرة للمؤمنين لينصر الله عز وجل دينه، ومرة للكافرين إذا عصى المؤمنون ليبتليهم، ويمحص ذنوبهم، فإذا لم يعصوا؛ فإن حزب الله هم الغالبون.

وقيل: (نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) من فرح وغم وصحة وسقم وغنى وفقر، والدولة الكرة، قال الشاعر:

فيوم لنا ويوم علينا

ويوم نساء ويوم نسر

وقيل: يوم لك، ويوم عليك، ويوم لا لك ولا عليك.

يساق في تقلب الأيام وعدم بقائها على وتيرة واحدة.

انظر: " الأمثال اليمانية "(2/ 1389). للقاضي إسماعيل بن علي الأكوع.

" مجمع الأمثال "(3/ 541) للميداني.

(2)

قال صلى الله عليه وسلم: " كلكم راع ومسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته. . . . " من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

أخرجه البخاري في صحيحه رقم (893) وأطرافه (2409، 2554، 2558، 2751، 5188).

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (7151) ومسلم رقم (142) عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم، إلا حرم الله عليه الجنة ".

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (1750) ومسلم رقم (142) عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما من عبد استرعاه الله رعية، فلم يحطها بنصيحة إلا لم يجد رائحة الجنة ".

ص: 5792

فلن (1).

وقال: من استطاع أن يمنع نفسه من أربعة أشياء فهو خليق أن لا ينزل به المكروه كما ينزل بغيره: العجلة، واللجاجة (2)، والعجب (3) والتواني، فثمرة العجلة الندامة

(1) طاعة الأئمة واجبة إلا في معصية الله.

قال تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[النساء: 59].

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (7143) من حديث أنس مرفوعا: " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله ".

(2)

اللجاج: التمادي في العناد في تعاطي الفعل المزجور عنه، وقد لج في الأمر يلج لجاجا. قال تعالى:(وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)[المؤمنون: 75].

" مفردات ألفاظ القرآن "(ص736).

وقيل: الحق أبلج والباطل لجج أي يردده من غير أن ينفذ.

قيل: اللجاج: التمادي في الخصومة.

" لسان العرب "(12/ 240).

أخرج مسلم في صحيحه رقم (2594) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع منه إلا شانه ".

(3)

من أسباب الكبر - يكون بالمنزلة وما تظنه من علوها -:

1 -

علو اليد ونفوذ الأمر.

2 -

قلة مخالطة الأكفاء.

أما الإعجاب يكون في النفس وما تظنه من فضائلها. ومن أسبابه.

1 -

كثرة مديح المقربين.

2 -

إطراء المتملقين الذين استبضعوا الكذب والنفاق، واستصحبوا المكر والخداع.

لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " احثوا في وجوه المداحين التراب " أخرجه مسلم في صحيحه رقم (3002) من حديث المقداد.

" أدب الدنيا والدين "(ص288). " تسهيل النظر "(ص51 - 53).

ص: 5793

وثمرة اللجاجة الحيرة، وثمرة العجب البغضاء، وثمرة التواني الذلة.

وقال: اصبر على النوائب إذا أتتك من غير أن تتذمر، بل اطلب مداواتها بقدر ما تطيق (1)، وقال: كثرة العدو تقل الهدو وقال: انكأ لعدوك أن لا تريه أنك تتخذه عدوا وقيل له: ما أحلى الأشياء؟ فقال: الذي يشتهي الإنسان. ومما نقله من كلمات سقراط الحكمية: عجبا لمن عرف فناء الدنيا كيف تلهيه عما ليس له فناء (2)

(1)" الصبر ضياء. . . ".

إذا استحكمت الأزمات وتعقدت حبالها، وترادفت الضوائق وطال ليلها فالصبر وحده هو الذي يشع للمسلم النور العاصم من التخبط، والهداية الواقية من القنوط. والصبر فضيلة يحتاج إليها المسلم في دينه ودنياه.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ)[محمد: 31].

وقال سبحانه وتعالى: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران: 186].

وقال سبحانه وتعالى: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)[البقرة: 45].

قال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاة وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ)[الكهف: 28].

وانظر " عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين " لابن القيم.

وانظر الرسالة رقم (178) من " الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني ".

(2)

عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: " يقول ابن آدم، مالي مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ".

أخرجه مسلم رقم (2958) والترمذي رقم (3351) والنسائي (6/ 238) وهو حديث صحيح.

وأخرج أحمد (6/ 71) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا دار من لا دار له. ولها يجمع من لا عقل له ".

ص: 5794

وقال: ما ضاع من عرف نفسه، وما أضيع من جهل نفسه!. وقال: لو سكت من يعلم لسقط الاختلاف. وقال: من ملك سره خفي على الناس أمره (1).

وقال: خير من الخير من عمل به، وشر من الشر من عمل به. وقال: العقول مواهب، والعلوم مكاسب. وقال: الدنيا سجن لمن زهد فيها، وجنة لمن أحبها (2)

وقال: لكل شيء ثمرة، وثمرة قلة القنية تعجيل الراحة، وطيب النفس الزكية. وقال طالب الدنيا إن نال ما أمل تركه لغيره، وإن لم ينل ما أمله مات بغصته (3).

(1) قال الماوردي ليس يصح الصبر في الأمور يترك التسرع إليها دون كتمان السر فيها فهو أقوى أسباب الظفر بالمطالب وأبلغ في كيد العدو الموارب.

" قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " سرك أسيرك، فإذا تكلمت به صرت أسيره ".

قال الشاعر:

إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه

فصدر الذي يستودع السر أضيق

وقال عمرو بن العاص: " ما استودعت رجلا سرا فأفشاه فلمته، لأني كنت أضيق صدرا حين استودعته وتمثل:

إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها

فسرك عند الناس أفشى وأضيع

وأخرج الطبراني في " الكبير "(20/ 183) و" الصغير "(2/ 149) والقضاعي في " مسند الشهاب "(1/ 410 - 412 رقم 707 و708) والعقيلي في " الضعفاء "(151).

انظر: " الصحيحة "(3/ 436 رقم 1453).

عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " استعينوا على الحاجات بالكتمان ".

(2)

أخرج مسلم في صحيحه رقم (2956) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ".

(3)

قال تعالى: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)[الحجر: 3].

قال القرطبي في " الجامع لأحكام القرآن "(10/ 2 - 3) أخرج البزار في مسنده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أربعة من الشقاء جحود العين وقساوة القلب وطول الأمل والحرص على الدنيا ".

وطول الأمل داء عضال ومرض مزمن ومتى تمكن من القلب فسد مزاجه واشتد علاجه ولم يفارقه داء ولا نجع فيه دواء. .

وحقيقة الأمل: الحرص على الدنيا والانكباب عليها، والحب لها والإعراض عن الآخرة، يروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قام على درج مسجد دمشق فقال: يا أهل دمشق، ألا تسمعون من أخ لكم ناصح، إن من كان قبلكم كانوا يجمعون كثيرا ويبنون مشيدا ويأملون بعيدا، فأصبح جمعهم بورا وبنيانهم قبورا وأملهم غرورا. هذه عاد قد ملأت البلاد أهلا ومالا وخيلا ورجالا فمن يشتري مني اليوم تركتهم بدرهمين! وأنشد:

يا ذا المؤمل آمالا وإن بعدت

منه ويزعم أن يحظى بأقصاها

أنى تفوز بما ترجوه ويك وما

أصبحت في ثقة من نيل أدناها

وقال الحسن: ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل وصدق رضي الله عنه! فالأمل يكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى، وإن قصر الأمل يبعث على العمل، ويحيل على المبادرة ويحث على المسابقة.

ص: 5795

وقال: لا تردن على ذي خطأ خطأه، فإنه يفيد منك علما، ويتخذك عدوا.

وقال: إذا وليت [3] أمرا فأبعد عنك الأشرار؛ فإن جميع عيوبهم منسوبة إليك (1).

(1) أخرج البخاري في صحيحه رقم (7198) عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما بعث الله من نبي، ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان؛ بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله ".

وأخرج أبو داود رقم (2932) وابن حبان في صحيحه رقم (4477) والنسائي (7/ 159) عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك، جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره وإن ذكر لم يعنه ". وهو حديث صحيح.

قال الماوردي في " درر السلوك في سياسة الملوك "(ص 99): وبالملك أسد الحاجة إلى تفقد أربع طبقات، ولا يستغني عن تفقد أحوالهم بنفسه، لأنهم عماد مملكته وقوام دولته.

فالطبقة الأولى: الوزراء لأنهم خلفاؤه، وعلى أيديهم تصدر أفعاله، فإن أحسنوا نسب إليه إحسانهم وإن أساءوا أضيف إليه مساوئهم مع عظم الضرر الداخل عليه في مملكته والقدح الموهن لدولته.

ص: 5796

وقال: إنما أهل الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر بعضها طوي بعضها. وقال: الصبر يعين على كل عمل. وقال: طالب الدنيا قصير العمر، كثير الفكر (1). وقال: إذا ضاق صدرك بسرك فصدر غيرك به أضيق (2). وقال: رأس الحكمة حسن الخلق. (3). وقيل له: إن الكلام الذي كلمت به أهل المدينة لا يقبل. فقال: ليس يكربني أن لا يقبل وإنما يكربني أن لا يكون صوابا. وقال: لا يصدنك عن الإحسان جحود جاحد للنعمة. وقال: الجاهل من عثر بحجر مرتين (4). وقال: من قل همه على ما فاته استراحت نفسه صفا ذهنه (5).

(1) تقدم التعليق عليها.

(2)

تقدم التعليق عليها.

(3)

قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4].

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (3559) ومسلم رقم (2321) عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقا ".

(4)

أخرج البخاري في صحيحه رقم (6133) ومسلم رقم (2998) وأبو داود رقم (4862) وابن ماجه رقم (3982).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ".

قال الخطابي: هذا لفظه خبر ومعناه أمر، أي ليكن المؤمن حازما حذرا لا يؤتى من ناحية الغفلة فيخدع مرة بعد أخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدين كما يكون في أمر الدنيا وهو أولاهما بالحذر.

" فتح الباري "(10/ 530).

(5)

قال تعالى: (لِكَي لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ)[الحديد: 23].

قال ابن جرير الطبري في " جامع البيان "(13 \ جـ27/ 235): فالفائت من الدنيا من فاته منها شيء، والمدرك منها ما أدراك عن تقدم الله عز وجل وقضائه. وقد بين ذلك جل ثناؤه لمن عقل عنه بقوله:(مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) فأخبر أن الفائت منها بإفاتته إياهم فاتهم، والمدرك منها بإعطائه إياهم أدركوا، وأن ذلك محفوظ لهم في كتاب من قبل أن يخلقهم.

ص: 5797

وقال: داووا الغضب بالصمت (1). وقال: الذكر الصالح خير من المال؛ فإن المال ينفذ والذكر يبقى، والحكمة غنى لا يعدم ولا يضمحل (2) وقال: ما في نفسك فلا تبديه لكل أحد، فما أقبح أن يخفي الناس أمتعتهم في البيوت، ويظهرون ما في قلوبهم. وقال: القنية ينبوع الأحزان فلا تقتنوا الأحزان.

وقال: قللوا القنية تقل مصائبكم (3). ومما نقله من كلمات أفلاطون (4) الحكمية: للعادة على كل شيء سلطان.

وقال: الملك هو كالنهر الأعظم تستمد منه الأنهار الصغار، فإن كان عذبا عذبت وإن كان مالحا ملحت (5).

وقال: إن أردت أن تدوم لك اللذة فلا تستوفي المستلذ أبدا، بل دع فيه فضلة تدوم لك اللذة.

(1) أخرج أبو داود في " السنن "(4782) وابن حبان في صحيحه رقم (5688) عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع " وهو حديث صحيح والله أعلم.

أخرج البخاري في صحيحه رقم (6048) ومسلم رقم (2610) عن سليمان بن صرد رضي الله عنه قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يغضب ويحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ".

(2)

تقدم ذكره.

(3)

انظر تعليقة قصر الأمل.

(4)

أفلاطون بن أرسطن ومعناه الفسيح، وذكر ثاون أن أباه يقال له أسطون، وأنه كان من أشراف اليونانيين، وكان في قديم أمره يميل إلى الشعر، حضر مجلس سقراط فرآه يثلب الشعر فتركه ثم انتقل إلى قول فيثاغورس في الأشياء المعقولة. وعنه أخذ أرسطاليس وخلفه بعد موته، توفي أفلاطون في السنة التي ولد فيها الإسكندر، وهي السنة الثالثة عشر من ملك لاوخوس.

" الفهرست " لابن النديم (ص343).

(5)

تقدم التعليق على ذلك.

ص: 5798

وقال: لا تصحبوا الأشرار؛ فإنهم يمنون عليكم بالسلامة منهم (1).

وقال: لا تطلب سرعة العمل، ولكن اطلب تجويده؛ فإن الناس ليس يسألون في كَمْ فرغ من هذا العمل؟ وإنما يسألون عن جودة صنعته.

وقال: إحسانك إلى الحر يحركه على المكافأة، وإحسانك إلى الخسيس يحركه على معاودة المسألة.

وقال: ليس يكمل خير الرجل حتى يكون صديقا لمتعاديين [4].

وقال: اطلب في الحياة العلم والمال تحز الرئاسة؛ لأنهم بين خاص وعام، فالخاصة تفضلك بما تحسن، والعامة تفضلك بما تملك (2).

وقال: من جمع إلى شرف أصله شرف نفسه فقد قضى الحق الذي عليه واستدعى التفضيل بالحجة، ومن أغفل نفسه واعتمد على شرف آبائه فقد عقهم، واستحق أن لا يقدم بهم على غيره.

وقال: لا يزال الجائر ممهلا حتى يتخطى إلى أركان العمارة، ومباني الشريعة، فإذا قصد لها تحرك عليه قيم العالم فأباده.

وقال: إذا حصل عدوك في قدرتك خرج من جملة أعدائك، ودخل في عدة حشمك.

(1) أخرج البخاري في صحيحه رقم (5534) ومسلم في صحيحه رقم (146/ 2628) عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة ".

وأخرج أبو داود رقم (4832) والترمذي رقم (2395) وأحمد (3/ 38) وابن حبان رقم (554) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ". وهو حديث حسن.

(2)

تقدم التعليق عليه.

ص: 5799

وقال: من مدحك بما ليس فيك من الجميل، وهو راض عنك ذمك بما ليس فيك من القبيح وهو ساخط عليك (1) وقال: الأمل خداع النفوس (2).

وقال: أكثر الفضائل مرة المبادئ حلوة العواقب، وأكثر الرذائل حلوة المبادئ مرة العواقب.

وقال: خرجت إلى الدنيا مضطرا، وعشت فيها متحيرا، وهاأنا أخرج منها كارها ولم أعلم فيها إلا أنني لا أعلم.

ومما نقله من كلمات أرسطاطاليس (3) الحكمية: إذا أردت الغنى فاطلبه بالقناعة، فإنه من لم تكن له قناعة فليس المال مغنيه وإن كثر (4). وقال: من نكد الدنيا أنه لا يصلح منها جانب إلا بفساد جانب آخر، ولا سبيل لصاحبها إلى عز إلا بإذلال، ولا باستغناء

(1) تقدم التعليق على ذلك.

(2)

تقدم التعليق على ذلك.

(3)

أرسطو أو أرسطوطاليس، فيلسوف يوناني له مؤلفات كثيرة منها:" المقولات "، " باري إرما يناس " الجدل - العبارة أو التفسير. " السماء والعالم " وغيرها. عاش ما بين 384 - 322 ق. م.

أرسطوطاليس: معناه محب الحكمة. ويقال الفاضل الكامل. كان اسم أمه أفسيطيا وترجع إلى أسقلبيادس، وكان من مدينة لليونانيين تسمى إسطاغاريا وكان أبوه نيقوماخس متطبب لفيلبس أبي الإسكندر وهو من تلاميذ أفلاطون.

" الفهرست "(345 - 350).

(4)

أخرج مسلم في صحيحه رقم (1054) والترمذي رقم (2349).

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما أتاه ".

وهو حديث صحيح.

الكفاف: من الرزق ما كفى عن السؤال مع القناعة لا يزيد عن قدر الحاجة.

وأخرج الترمذي رقم (2350) والحاكم (1/ 35) عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم: " طوبى لمن هدي للإسلام، وكان عيشه كفافا وقنع ".

وأخرج البخاري رقم (6446) ومسلم رقم (1051) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس ".

ص: 5800

إلا بافتقار. وقال: اقتنص من عدوك الفرصة، واعمل على أن الدهر دول (1).

وقال: الصدق قوام أمر الخلائق، والكذب داء لا ينجو من نزل به (2).

وقال: من تجبر على الناس أحب الناس ذلته.

وقال: من مات محمودا كان أحسن حالا ممن عاش مذموما.

وقال: من نازع السلطان مات قبل يومه.

وقال: الحكمة شرف من لا قديم له.

وقال: رغبتك فيمن يزهد فيك ذل نفس، وزهدك فيمن يرغب فيك قصر همة.

وقال: [5] النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء (3)، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك نقل عنك (4).

وقال: الجاهل عدو نفسه، فكيف يكون صديقا لغيره!. وقال: الوفاء نتيجة الكرم (5).

(1) تقدم التعليق على ذلك.

(2)

أخرج البخاري رقم (6094) ومسلم رقم (2607) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا ".

(3)

قال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)[الحجرات: 12].

انظر الرسالة: [181].

(4)

انظر: إحياء علوم الدين " (3/ 108 - 162) آفات اللسان.

(5)

قال تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّاي فَارْهَبُونِ)[البقرة: 40].

وأخرج البخاري في صحيحه رقم (2227) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل، ولم يوفه أجره ".

ص: 5801

وقال: الحاجة تفتح باب الحيلة. وقال: بالتواضع تتم النعم (1).

وقال: باحتمال المؤن تجد السؤدد، وقال، بالسيرة العادلة يقل المناوئ.

وقال: بترك ما لا يعنيك يتم لك الفضل (2). وقال: خير الأشياء أجدها إلا المودات؛ فإن خيرها أقدمها. وقال: لكل شيء خاصة، وخاصة العقل حسن الاختيار.

وقال: دفع الشر بالشر جلد، ودفع الشر بالخير فضيلة (3) وقال: ليكن ما تكتب من خير ما تقرأ، وما تحفظ من خير ما تكتب. وقال: إذا أعطاك الله ما تحب من الظفر فافعل ما أحب من العفو (4).

ومما نقله من كلمات جالينوس (5) الحكمية: الهم فناء القلب، والغم مرض القلب، والغم مرض القلب،

(1) تقدم التعليق عليه.

(2)

أخرج الترمذي في " السنن " رقم (2317) وابن ماجه رقم (3976).

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من حسن إسلام المرء، تركه ما لا يعنيه ".

وهو حديث صحيح.

وانظر: " فتح الباري "(13/ 264 - 266).

(3)

قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَة وَلَا السَّيِّئَة ادْفَعْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَة كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[فصلت: 34 - 35].

وقال تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ السَّيِّئَة نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ)[المؤمنون: 96].

(4)

قال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)[آل عمران: 134].

وأخرج مسلم في صحيحه رقم (2588) والترمذي رقم (2029) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل ".

(5)

ظهر جالينوس بعد ستمائة وخمس وستين سنة من وفاة بقراط، انتهت إليه الرياسة في عصره وهو الثامن من الرؤساء أولهم أسقلبيادس مخترع الطب، وكان معلم جالينوس أرمينس الرومي.

من كتبه: الفرق، الحمايات، التشريع الكبير، تشريع الحيوان الميت، اختلاف التشريع. " الفهرست " لابن النديم (ص402 - 403).

ص: 5802

وثم بين ذلك. فقال: الغم (1) مما كان، والهم (2) مما يكون.

وقال: من رغب عن الحقائر نافس في العظائم.

وقال: العليل الذي يشتهي أرجأ من الصحيح الذي لا يشتهي.

وقال العادل من قدر أن يجور فلم يفعل. وقيل له: متى ينبغي للإنسان أن يموت؟

قال: إذا جهل ما يضره مما ينفعه.

ومما نقله من كلام يعقوب بن إسحاق الكندي (3) العاقل يظن أن فوق علمه علماء، فهو أبداً يتواضع لتلك الزيادة، والجاهل يظن أنه قد تناهى فتمقته النفوس لذلك.

ومما نقله من كلام ثابت بن قرة الحراني (4) راحة الجسم في قلة الطعام، وراحة النفس في قلة الآثام، وراحة القلب في قلة الاهتمام، وراحة اللسان في قلة الكلام. [6]

(1) انظر " لسان العرب "(5/ 137).

(2)

انظر " لسان العرب "(10/ 127).

(3)

يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي، أبو يوسف، فيلسوف من العرب والإسلام في عصره وأحد أبناء ملوك من كندة. نشأ في البصرة وانتقل إلى بغداد فتعلم واشتهر بالطب والفلسفة والموسيقى والهندسة والفلك. ألف وترجم وشرح كتباً كثيرة يزيد عددها على ثلاثمائة. منها:

الأدوية المركبة، رسم المعمور، خرائط وصور عن الأرض، الترفق، في العطر.

" الأعلام للزركلي "(8/ 195)، " مرآة الجنان "(2/ 269).

(4)

ثابت بن قرة بن زهرون الحراني - الصابئ أبو الحسن: طبيب حاسب فيلسوف ولد ونشأ بحران - (221 هـ - 288 هـ).

من مؤلفاته: المباني الهندسية، الشكل القطاع، الهيئة، المسائل الطبية.

" الأعلام " للزركلي (2/ 98)، " سير أعلام النبلاء "(13/ 485).

ص: 5803

ومما نقله من كلام أمين الدولة ابن التلميذ: ينبغي للعاقل أن يختار من اللباس ما لا يحسده عليه العامة، ولا يحتقره فيه الخاصة.

ومما نقله من كلام محمد بن زكريا الرازي (1) إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية فقد وافق السعادة.

ونقل فيه من كلام الفارابي (2) وابن سينا (3) ونحوهما ما لم أستحسن نقله هاهنا.

[تم والحمد لله].

(1) محمد بن زكريا الرازي، أبو بكر فيلسوف، من الأئمة في صناعة الطب من أهل الري، ولد وتعلم بها وله كتب: الفاقر في علم الطب، الفصول في الطب، أسئلة من الطب.

" الأعلام " للزركلي (6/ 130).

(2)

تقدمت ترجمته.

(3)

تقدمت ترجمته.

ص: 5804