المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ١١

[الشوكاني]

فهرس الكتاب

- ‌بحث في مؤاخاته صلى الله عليه وآله وسلم بين الصحابة

- ‌بحث في المتحابين في الله

- ‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل

- ‌زهرة النسرين الفائح بفضائل المعمرين

- ‌بحث في جواب سؤال عن الصبر والحلم هل هما متلازمان أم لا

- ‌بحث في الإضرار بالجار

- ‌نثر الجوهر على حديث أبي ذر

- ‌سؤال وجواب في فقراء الغرباء الواصلين إلى مكة من سائر الجهات ومكثهم في المسجد الحرام

- ‌رفع الريبة فيما يجوز وما لا يجوز من الغيبة

- ‌رسالة في حكم القيام لمجرد التعظيم

- ‌العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي

- ‌هذه مناقشة للبحث السابق لبعض الهنود الساكنين في تهامةتحقيق الرباني للعالم الصمداني على رسالة الشوكاني[العرف الندي في جواز لفظ سيدي]

- ‌ذيل العرف الندي في جواز إطلاق لفظ سيدي جوابا على المناقشة السابقة

- ‌جواب سؤالات وصلت من كوكبان

- ‌الدواء العاجل لدفع العدو الصائل

- ‌القول الحسن في فضائل أهل اليمن

- ‌مجموعة من الحكم لبعض الحكماء المتقدمين

- ‌بحث مشتمل على الكلام فيما يدور بين كثير من الناس هل الامتثال خير من الأدب أو الأدب خير من الامتثال

الفصل: ‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل

‌تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل

تأليف

محمد بن علي الشوكاني

حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 5313

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه من الدلائل.

2 -

موضوع الرسالة: آداب.

3 -

أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم" الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله الأطهرين اعلم أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادي الأمر

4 -

آخر الرسالة:

ودين الله سبحانه بين المفرط والغالي، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية، والله ولي التوفيق.

5 -

نوع الخط: خط نسخي مقبول.

6 -

عدد الصفحات: 10 صفحات ما عدا صفحة العنوان.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 34 سطر.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 13 كلمة.

9 -

الناسخ: محمد بن علي الشوكاني.

10 -

الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 5315

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله الأطهرين.

اعلم أنه قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة، وهي قوله عز وجل:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} (1)، وقوله:{إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} (2)، وقوله:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (3)، وقوله:{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} (4). فقد قيل إنها معارضة لقوله عز وجل: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} (5) وقوله - سبحانه -: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (6) وقوله - سبحانه -: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} (7) فذهب الجمهور (8) إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص استدلالا بالآيات المتقدمة، وبالأحاديث الصحيحة كحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكا، ويؤمر بأربع كلمات ويقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد".

(1)[المنافقون: 11].

(2)

[نوح: 4].

(3)

[النحل: 61].

(4)

[آل عمران: 145].

(5)

[الرعد: 39].

(6)

[فاطر: 11].

(7)

[الأنعام: 2].

(8)

[انظر "المحرر الوجيز"(7/ 51).

ص: 5319

وهو في الصحيحين (1) وغيرهما (2) وما ورد في معناه من الأحاديث الصحيحة (3).

(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6594) ومسلم رقم (2643).

(2)

كأبي داود رقم (4708) والترمذي رقم (2137) وابن ماجه رقم (76) وأحمد (1/ 382، 414) وابن حبان في صحيحه رقم (6174) والبغوي في "شرح السنة"(1 \ رقم 71) والحميدي في مسنده (1/ 69) والنسائي في "التفسير"(1/ 593 رقم 266).

قال الحافظ في "الفتح"(11/ 489): وفيه أن تقدير الأعمال ما هو سابق ولاحق، فالسابق ما في علم الله تعالى، واللاحق ما يقدر على الجنين في بطن أمه كما وقع في الحديث وهذا هو الذي يقبل النسخ.

وقال الحافظ في "الفتح"(11/ 488): وفيه أن السعيد قد يشقى وأن الشقي قد يسعد لكن بالنسبة إلى الأعمال الظاهرة، وأما ما في علم الله تعالى فلا يتغير، وفيه الاعتبار بالخاتمة، قال ابن حمزة نفع الله به: هذه التي قطعت أعناق الرجال مع ما هم فيه من حسن الحال لأنهم لا يدرون بماذا يختم لهم.

وفيه أن عموم مثل قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ} الآية مخصوص بمن مات على ذلك وأن من عمل عمل السعادة وختم له بالشقاء فهو في طول عمره عند الله شقي وبالعكس وما ورد يخالفه يؤول إلى أن يؤول إلى هذا.

وقد اشتهر الخلاف بين الأشعرية والحنفية وتمسك الأشاعرة بمثل هذا الحديث، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى:{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} وأكثر كل من الفريقين الاحتجاج لقوله. والحق أن النزاع لفظي، وأن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله.

وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(14/ 492): قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة وأما علم الله سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له ما لم يكن عالما به، فلا محو فيه ولا إثبات.

(3)

منها: ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2663) وأحمد (1/ 390، 413، 433، 445، 466) من حديث أم حبيبة عندما قالت: اللهم متعني بأبي، أبي سفيان، وبأخي معاوية وبزوجي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:"لقد سألت في آجال مضروبة، وأرزاق مقسومة، لا يؤخر منها شيء". قال النووي في شرحه لصحيح مسلم (18/ 213): وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك، وأما ما ورد في حديث صلة الرحم تزيد في العمر ونظائره - "من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" - وقد أجاب العلماء على ذلك بأجوبة منها:

1 -

): الصحيح: أن هذه الزيادة بالبركة في عمره والتوفيق للطاعات وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.

2 -

): أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة إلا أن يصل رحمه فإن وصلها زيد أربعون وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيقع له من ذلك وهو من معنى قوله تعالى: {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} فيه النسبة إلى علم الله وما سبق به قدرة ولا زيادة بل هي مستحيلة وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة وهو مراد الحديث.

3 -

): أن المراد بقاء ذكره الجميل يعده فكأنه لم يمت حكاه القاضي وهو ضعيف.

"شرح صحيح مسلم" للنووي (18/ 2114).

ومنها: ما أخرجه أبو داود رقم (4700) والترمذي رقم (2155) والطيالسي في مسنده (ص79 رقم 577) وأحمد (5/ 317) والبيهقي في "السنن الكبرى"(10/ 204) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب. قال: يا رب. ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". وهو حديث صحيح.

ص: 5320

وأجابوا عن قوله عز وجل {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39] بأن المعنى يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه؛ وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب. ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصص (1).

وأيضا يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأحاديث الصحيحة (2). ومن جملة ذلك الشرائع والفرائض فهي مثل العمر، إذا جاء فيما المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. وقيل (3) المراد بالآية محو ما في ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة، لأنهم مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان، ويجاب عنه بمثل

(1) تقدم توضيحه.

(2)

انظر الحديث المتقدم.

(3)

انظر هذه الأقوال في "الجامع لأحكام القرآن"(9/ 331 - 332).

ص: 5321

الجواب الأول. وقيل: يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفره. ويجاب عنه بمثل الجواب السابق.

وقيل (1) يمحو ما يشاء من القرون كقوله: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ} (2) وكقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ} (3) فيمحو قرنا ويثبت قرنا، ويجاب عنه أيضًا بمثل ما تقدم. وقيل (4) هو الذي يعمل بطاعة الله، ثم يعمل بمعصيته الله ثم يتوب فيمحوه الله من ديوان السيئات، ويثبته في ديوان الحسنات.

وقيل (5) يمحو ما يشاء يعني الدنيا، ويثبت الآخرة. وقيل غير ذلك (6).

وكل هذه الأجوبة [1أ] دعاوى مجردة. ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاؤه الله - سبحانه -، فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص، وإلا كان ذلك من التقول على الله عز وجل بما لم يقل (7).

وقد توعد الله - سبحانه - على ذلك، وقرنه بالشرك فقال:{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (8).

(1) عزاه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(9/ 232) لعلي بن أبي طالب.

(2)

[يس:31].

(3)

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن "(9/ 332) ذكره الثعلبي والماوردي عن ابن عباس.

(4)

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن "(9/ 332) ذكره الثعلبي والماوردي عن ابن عباس.

(5)

ذكره القرطبي في تفسيره ولم يعزه لأحد (9/ 332).

(6)

(منها): قال الربيع بن أنس. هذا في الأرواح حالة النوم، يقبضها عند النوم، ثم إذا أراد موته فجأة أمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه بيانه قوله تعالى:{اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} . منها: قول الحسن: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ} من أجله {وَيُثْبِتُ} من لم يأت أجله.

(7)

قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(9/ 329) مثل هذا لا يدرك بالرأي والاجتهاد، وإنما يؤخذ توقيفا، فإن صح فالقول به يجب ويوقف عنده وإلا فتكون الآية عامة في جميع الأشياء، وهو الأظهر والله أعلم. وهذا يروي معناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وأبي وائل وكعب الأحبار وغيرهم وهو قول الكلبي

(8)

[الأعراف:33].

ص: 5322

وأجابوا عن قوله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (1) بأن المراد بالمعمر الطويل العمر، والمراد بالناقص قصير العمر. وفي هذا نظر، لأن الضمير في قوله:{وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} يعود إلى قوله: {مِنْ مُعَمَّرٍ} . والمعنى على هذا: وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب، هذا ظاهر معنى النظم القرآني (2)، وأما التأويل المذكور فإنما يتم على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية، وذلك لا وجود له في النظم.

وقيل (3) إن معنى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} ما يستقبله من عمره. ومعنى (4): {وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} ما قد مضى. وهذا أيضًا خلاف الظاهر، لأن هذا ليس ينقص من نفس العمر، والنقص يقابل الزيادة (وما) هنا جعله مقابلا للبقية من العمر، وليس ذلك بصحيح. وقيل (5) المعنى:{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} من بلغ سن الهرم ولا ينقص من عمره، أي من عمر آخر غير هذا الذي بلغ سن الهرم عن عمر هذا الذي بلغ سن الهرم ويجاب عنه بما تقدم. وقيل (6) المعمر من يبلغ عمره ستين سنة، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين، وقيل غير من التأويلات (7) التي يردها اللفظ ويدفعها.

(1)[فاطر \ 11].

(2)

انظر "الجامع لأحكام القرآن"(14/ 333)، "جامع البيان"(12 \ جـ22/ 122).

(3)

عزاه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"(14/ 333) لسعيد بن جبير.

(4)

ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن "(14/ 333).

(5)

انظر الجامع لأحكام القرآن " (14/ 333).

(6)

قاله قتادة كما في "الجامع لأحكام القرآن"(14/ 333).

(7)

قال ابن جرير الطبري في "جامع البيان"(12 \ حـ22/ 122): عن ابن عباس قوله: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ} أي: ليس أحد قضيت له طول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر، وقد قضيت ذلك له، وإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له، لا يزاد عليه، وليس أحد قضيت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر، ولكنه ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت له لا يزاد عليه، فذلك قوله:{وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} يقول كل ذلك في كتاب عنده " وهو الراجح.

انظر: " تفسير البغوي"(3/ 567)، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي (14/ 333).

ص: 5323

وأجابوا عن قوله - سبحانه -: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} (1). بأن المراد بالأجل الأول النوم، والثاني الوفاة (2). وقيل (3): الأول: ما قد انقضى من عمر كل أحد، والثاني: ما بقي من عمر كل أحد. وقيل (4) الأول أجل الموت، والثاني أجل الحياة في الآخرة. وقيل (5): المراد بالأول ما بين خلق الإنسان إلى موته، والثاني: ما بين موته إلى بعثه، وقيل غير ذلك مما فيه مخالفة للنظم القرآني.

وقال جمع من أهل العلم: إن العمر يزيد وينقص، واستدلوا بالآيات المتقدمة. فإن المحو والإثبات عامان يتناولان العمر والرزق والسعادة والشقاوة وغير ذلك.

وقد ثبت عن جماعة من السلف من الصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيهم، وإن كنت كتبتني في أهل الشقاوة فامحني، وأثبتني في أهل السعادة (6). ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم. وهكذا يدل على هذا المعنى الآية الثانية. فإن معناها

(1)[الأنعام:2].

(2)

انظر "الجامع لأحكام القرآن "(6/ 387).

(3)

انظر هذه الأقوال في "التفسير الكبير للرازي "(12/ 153).

(4)

انظر "الجامع لأحكام القرآن "(6/ 389).

(5)

قال الألوسي في "روح المعاني "(7/ 88): ذهب بعضهم إلى أن الأجل الأول ما بين الخلق والموت، والثاني ما بين الموت والبعث وروي ذلك عن الحسن، وابن المسيب وقتادة والضحاك واختاره الزجاج.

(6)

انظره في "الكافي الشافي"(ص139).

ص: 5324

أنه لا يطول عمر إنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ (1).

وهكذا يدل قوله - سبحانه -: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} (2). أن للإنسان أجلين يقضي الله - سبحانه - له بما يشاء منهما من زيادة أو نقص. ويدل على ذلك أيضًا ما في الصحيحين وغيرهما [1ب] عن جماعة من الصحابة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر. وفي لفظ في الصحيحين (3): "من أحب أن يبسط له في

(1) قال ابن تيمية: "فالأجل الأول هو أجل كل عبد الذي ينقضي به عمره، والأجل المسمى عنده هو أجل القيامة العامة، ولهذا قال: مسمى عنده. فإن وقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل كما قال:{يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ}

وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد كما ثبت في الصحيحين:" أن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة

" الحديث - تقدم - فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن يشاء من عبادة وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو ".

انظر: "مجموع فتاوى"(4/ 489)"والتفسير الكبير " لابن تيمية (4/ 198 - 199).

وقال الطبري وأولى الأقوال عندي بالصواب قول من قال: معناه ثم قضى أجل الحياة الدنيا، وأجل مسمى عنده، وهو أجل البعث عنده، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنه تعالى نبه خلقه على موضع حجته عليهم من أنفسهم فقال لهم: أيها الناس، إن الذي يعدل به كفاركم الآلهة، والأنداد هو الذي خلقكم فابتدأكم وأنشأكم من طين، فجعلكم صورا أجساما أحياء، بعد إذ كنتم طينا جمادا، ثم قضى آجال حياتكم لفنائكم ومماتكم، ليعيدكم ترابا وطينا، كالذي كنتم قبل أن ينشأكم ويخلقكم:{وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} لإعادتكم أحياء وأجساما، كالذي كنتم قبل مماتكم وذلك نظير قوله:{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} .

(2)

[الأنعام:2].

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2067) وطرفه رقم (5986) ومسلم في صحيحه رقم (2557) وأحمد (3/ 156، 247، 266) وأبو داود رقم (1693) والبيهقي في "السنن الكبرى"(7/ 227) والبغوي في "شرح السنة "(13/ 18 - 19) وابن حبان صحيحه رقم (440) من طرق عن أنس بن مالك.

* وأخرجه البخاري في صحيحه رقم (5985) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

ص: 5325

رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " وفي لفظ (1):"من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط في رزقه فليتق الله وليصل رحمه" وفي لفظ (2): "صلة الرحم، وحسن الخلق، وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار".

ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر للعباد بالدعاء كقوله عز وجل {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (3) وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (4) وقوله: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (5).

وقوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} (6). والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة وفيها: "إن الدعاء يدفع البلاء، ويرد القضاء " وفيها: "أن الدعاء مخ العبادة "(7)، وفيها الاستعاذة من سوء القضاء. كما ثبت عنه - صلى الله عليه وآله

(1) أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائده"(3/ 266). وقال الهيثمي في "المجمع"(8/ 153) رواه عبد الله بن أحمد والبزار والطبراني في "الأوسط" ورجال البزار رجال الصحيح. غير عاصم بن حمزة وهو ثقة.

والحاكم في "المستدرك"(4/ 160) من حديث علي بن أبي طالب وهو حديث حسن.

(2)

أخرجه أحمد في "المسند "(6/ 159). وأورده الهيثمي في "المجمع"(8/ 153) بإسناد صحيح وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن بن القاسم لم يسمع عن عائشة.

(3)

[غافر:60].

(4)

[النمل: 62].

(5)

[البقرة:186].

(6)

[النساء:32].

(7)

أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (3371) من حديث أنس وقال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وهو حديث ضعيف بهذا اللفظ.

ولكن أخرجه أبو داود رقم (1479) والترمذي رقم (3247) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "السنن الكبرى" رقم (11464) وابن حبان في صحيحه رقم (890) والحاكم في "المستدرك" (1/ 491) وصححه ووافقه الذهبي وابن أبي شيبة في المصنف (10/ 200) وأحمد (4/ 267) والبغوي في "شرح السنة" رقم (1384) والطيالسي رقم (801) وابن ماجه رقم (3828) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (714) وأبو نعيم في "الحلية" (8/ 120) من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء هو العبادة ثم تلا: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} [غافر:60] " وهو حديث حسن.

ص: 5326

وسلم - في الصحيح (1) أنه قال: "اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشفاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء"، وثبت في حديث قنوت الوتر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال:"وقني شر ما قضيت"(2) فلو كان الدعاء لا يفيد شيئا، وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزلي، لكان أمره عز وجل بالدعاء لغوا لا فائدة فيه (3)، وكذلك وعدة بالإجابة للعباد الداعين له. وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء، وأنه عبادة لغوا لا فائدة فيه. وهكذا

(1) أخرجه البخاري في صحيحه رقم (6347) ومسلم رقم (53/ 2707) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من: "سوء القضاء ومن درك الشفاء ومن شماتة الأعداء وجهد البلاء".

(2)

أخرجه أبو داود رقم (1425، 1426) والترمذي رقم (464) وابن ماجه رقم (1178) من حديث الحسين بن علي رضي الله عنه.

(3)

قال الشوكاني في "قطر الولي"(ص514): لو كان القضاء السابق حتما لا يتحول فأي فائدة في استعاذته صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء.

* وهذا مخالف لما ذهب إليه المحققون من أهل العلم حيث قال الحافظ في "الفتح"(11/ 500): "

أن الذي سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل، وأن الذي يجوز عليه التغيير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل ولا يبعد أن يتعلق ذلك بما في علم الحفظة والموكلين بالآدمي فيقع فيه المحو والإثبات كالزيادة في العمر والنقص وأما ما في علم الله فلا محو فيه ولا إثبات والعلم عند الله".

وانظر: "مجموع الفتاوى"(14/ 492) و"شرح صحيح مسلم "للنووي (18/ 213).

ص: 5327

تكون استعاذته صلى الله عليه وآله وسلم من سوء القضاء لغوا لا فائدة فيه. وهكذا يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "وقني شر ما قضيت". لغوا لا فائدة فيه وهكذا يكون أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي، وأن الله - سبحانه - ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغوا لا فائدة فيه، ومع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح (1) عنه صلى الله عليه وآله وسلم.

فإن قلت: فعلام تحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، ومن ذلك قوله عز وجل:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (2). قلت: قد أجاب (3) عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف، بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر، فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره. ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك، فإنه قال:{وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} (4)،

(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أحمد (4/ 278) وأبو داود رقم (3855) والترمذي رقم (2038) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه رقم (3436) وغيرهم من حديث أسامة: "قالت الأعراب: يا رسول الله: ألا نتداوى؟ قال: "نعم عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحد " قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال:"الهرم".

وهو حديث صحيح.

* قال ابن القيم في "الجواب الكافي"(ص27): "إن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجردا عن أسبابه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور، ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور وهكذا، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج روح الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال الحسنة ودخول النار بالأعمال السيئة. وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال لا فائدة في الأكل والشرب، وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء، ولا أبلغ من حصول المطلوب.

(2)

[النحل:61].

(3)

انظر أول الرسالة.

(4)

[المنافقون: 11].

ص: 5328

وقوله - سبحانه -: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} (1) فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى.

فإذا حضر الأجل لم يتأخر ولا يتقدم. وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم، أو بفعل الخير. ويجوز أن يقدمه لمن عمل شرا وقطع ما أمر الله به أن يوصل، وانتهك محارم الله - سبحانه -.

فإن قلت: فعلام يحمل نحو قوله عز وجل: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} (2) وقوله سبحانه: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} (3) وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى؟

قلت: هذه أولا معارضة بمثلها وذلك قوله عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (4). ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح (5) القدسي: " يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد شرا، فلا يلومن إلا نفسه .. ".

وثانيًا: بإمكان الجمع بحمل مثل قوله: {إلا في كتاب} وقوله: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا} على عدم التسبب من العبد بأسباب الخير من الدعاء، وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبب بأسباب الخير الموجبة لحسن القضاء، واندفاع شره. وعلى وقوع التسبب بأسباب الشر المقتضية لإصابة

(1)[نوح:4].

(2)

[الحديد: 22].

(3)

[التوبة:51].

(4)

[الشورى:30].

(5)

أخرجه مسلم في صحيحه رقم (2577).

ص: 5329

المكروه ووقوعه على العبد.

وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء. وأنه فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير، وكذلك الدعاء، فتحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير أو الشر.

وتحمل الأحاديث الأخرى على أنه قد وقع من العبد التسبب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح، وصلة الرحم أو التسبب بأسباب الشر، فإن قلت قد تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة بأن علمه عز وجل أزلي، وأنه قد سبق في كل شيء، ولا يصح أن يقدر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلا، وذلك لا يجوز إجماعا.

قلت: علمه عز وجل سابق أزلي، وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحق من هذه الحيثية، ولكنه غلا قوم فأبطلوا فائدة [2ب] ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء.

وأنه يرد القضاء، وما ورد من الاستعاذة منه صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه، وبما كسبت يده، ونحو ذلك مما جاءت به الأدلة الصحيحة (1)، وجعلوه مخالفا لسبق العلم ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلا، والأمر أوسع من هذا والذي جاءنا بسبق العلم وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء، والأمر بالدواء، وعرفنا بأن صلة الرحم تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد فيه أيضا، وأن أعمال الشر

(1) منها: ما أخرجه أحمد (5/ 277، 282) وابن ماجه رقم (90) والنسائي في "السنن الكبرى"(2/ 133) كما في "تحفة الأشراف" والحاكم في "المستدرك"(1/ 493) والطبراني في "المعجم الكبير "(2/ 100) وابن أبي شيبة في "المصنف"(10/ 441 - 442) والبغوي في "شرح السنة"(13/ 6) وابن حبان في صحيحه رقم (872). من حديث ثوبان مرفوعًا بلفظ: " لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

وهو حديث حسن.

ص: 5330

تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه كما يصل إلى الخير، ويندفع عنه الشر بكسب الخير والتلبس بأسبابه.

فإعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنة، وإهمال البعض الآخر ليس كما ينبغي. فإن الكل ثابت عن الله عز وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم والكل شريعة واضحة، وطريقة مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه لشيء من الأدلة، وبيانه أن الله - سبحانه - كما علم أن العبد يكون له من العمر كذا، أو من الرزق كذا، أو هو من أهل السعادة أو الشقاوة قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا، أو بسط له من الرزق كذا، أو صار من أهل السعادة بعد أن كان من أهل الشقاوة، أو صار من أهل الشقاوة بعد أن كان من أهل السعادة (1).

وهكذا قد علم ما يقضيه للعبد. كما علم أنه إذا دعاه، واستغاث به، والتجأ إليه صرف عنه الشر، ودفع عنه المكروه. وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم، بل فيه تقيد المسببات بأسبابها (2) كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر، فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق أو ينافيه بوجه من الوجوه؟ فلو قال قائل: أنا لا آكل ولا أشرب بل أنتظر القضاء، فإن قدر الله لي ذلك كان، وإن لم يقدر لم يكن. أو قال: أنا لا أزرع الزرع، ولا أغرس الشجر، بل أنتظر القضاء، فإن قدر الله ذلك كان، وإن لم يقدره لم يكن. أو قال: أنا لا أجامع زوجتي أو أمتي ليحصل لي منهما الذرية، بل إن قدر الله ذلك كان، وإن لم يقدره لم يكن. لكان هذا مخالفا لما عليه رسل الله، وما جاءت به كتبه، وما كان عليه صلحاء الأمة وعلماؤها، بل يكون مخالفا لما عليه هذا النوع الإنساني [3أ] من أبينا آدم إلى الآن، بل مخالفا لما عليه جميع أنواع الحيوانات في البر والبحر، فكيف ينكر وصول العبد إلى الخير بدعائه أو بعمله الصالح؟! فإن هذا من

(1) تقدم توضيحه. انظر "فتح الباري"(11/ 477).

(2)

انظر "الجواب الكافي " لابن القيم (ص27). "شفاء العليل"(ص25 - 26).

ص: 5331

الأسباب التي ربط الله مسبباتها بها وعلمها قبل أن تكون، فعلمه على كل تقدير أزلي في المسببات والأسباب، ولا يشك من له اطلاع على كتاب الله عز وجل ما اشتمل عليه من ترتيب حصول المسببات على حصول أسبابها. كما في قوله:{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (1) وقوله: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} (2) وقوله: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} (3) وقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} (4) وقوله: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} {لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} (5) وكم يعد العاد من أمثال هذه الآيات القرآنية، وما ورد موردها من الأحاديث النبوية! وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا، ويجعلونه مخالفا لسبق العلم مباينا لأزليته؟ فإن قالوا: نعم، فقد أنكروا ما في كتاب الله عز وجل من فاتحته إلى خاتمته، وما في السنة المطهرة من أولها إلى آخرها، بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة جميعا، لأنها كلها مسببات مترتبة على أسبابها، وجزاءات معلقة بشروطها. ومن بلغ إلى هذا الحد في الغباوة وعدم تعقل الحجة لم يستحق المناظرة، ولا ينبغي معه الكلام فيما يتعلق بالدين، بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه وأمر دنياه حتى ينتعش من غفلته ويستيقظ من نومته ويرجع عن ضلالته وجهالته والهداية بيد ذي الحول والقوة لا خير إلا خيره.

ثم يقال لهم هذه الأدعية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دواوين

(1)[النساء:31].

(2)

[نوح: 10 - 12].

(3)

[إبراهيم:7].

(4)

[البقرة:282].

(5)

[الصافات:143 - 144].

ص: 5332

الإسلام وما يلتحق بها من كتب السنة المطهرة. قد علم كل من له علم أنها كثيرة جدا بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط ومصنف حافل (1) وفيها تارة استجلاب الخير وفي أخرى استدفاع الشر، وتارة متعلقة بأمور الدنيا وتارة بأمور الآخرة. ومن ذلك تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ما يدعون به في صلواتهم [3ب] وعقب صلواتهم وفي صباحهم ومسائهم وفي ليلهم ونهارهم وعند نزول الشدائد بهم وعند حصول نعم الله إليهم. هل كان هذا كل منه صلى الله عليه وآله وسلم لفائدة عائدة عليه، وعلى أمته بالخير خالية لما فيه من مصلحة دافعة لما فيه مفسدة؟ فإن قالوا نعم، قلنا لهم فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم، فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرة الاختلاف، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أوردتموه وأوردناه. وإن قالوا ليس ذلك لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير، جالبة لما فيه مصلحة، دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوابهم، وليس للمحاجة لهم فائدة، ولا في المناظرة معهم نفع.

يا عجبا كل العجب! أما بلغهم ما كان عليه أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أول نبوءته إلى أن قبضه الله إليه من الدعاء لربه، والإلحاح عليه، ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه (2)، وحتى يسقط رداؤه كما وقع منه في يوم بدر (3)! فهل يقول عاقل فضلا عن عالم، إن هذا الدعاء منه فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن، وأن هذا السبق

(1) انظر "الأذكار " للنووي.

" عمل اليوم والليلة " للنسائي، و" عمل اليوم والليلة " لابن السني. " الكلم الطيب" لابن تيمية، " الوابل الصيب" ابن القيم.

(2)

منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم (1031) وطرفاه رقم (3565، 6341) ومسلم رقم (895) من حديث أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء وإنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه".

(3)

انظر "فتح الباري"(7/ 292 - 293).

ص: 5333

يرفع فائدة ذلك، ويقتضي عدم النفع به؟ ومعلوم أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعلم بربه، وبقضائه وقدره، وبأزليته وسبق علمه بما يكون في بريته. فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئا ولا ينفع نفعا لم يفعله، ولا أرشد الناس إليه وأمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي يتنزه عنه كل عاقل فضلا عن خير البشر وسيد ولد آدم.

ثم يقال لهم: إذا كان القضاء واقعا لا محالة، وإنه لا يدفعه شيء من الدعاء والالتجاء والإلحاح والاستغاثة، فكيف لم يتأدب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع ربه! فإنه قد صح عنه أنه استعاذ بالله - سبحانه - من سوء القضاء كما عرفناك، وقال:"وقني شر ما قضيت"(1). فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا! أو على أي محمل يحملونه!.

ثم ليت شعري علام يحملون أمره سبحانه وتعالى لعباده بدعائه بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (2) ثم عقب ذلك بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (3)

(1) تقدم تخريجه.

(2)

[غافر: 60].

قال الشيخ أبو القاسم القشيري في "شرح الأسماء الحسنى" ما ملخصه: جاء الدعاء في القرآن على وجوه منها:

أ - العبادة: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ} [يونس:106].

ب - الاستغاثة: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة:23].

ج - السؤال: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60].

د - القول: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} [يونس:10].

هـ - النداء: {يَوْمَ يَدْعُوكُمْ} [الإسراء:52].

و- الثناء: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ} [الإسراء:110].

قال الحافظ في "الفتح"(11/ 94): هذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض وقالت طائفة الأفضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء. وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على أن المراد بالدعاء العبادة لقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" - تقدم تخريجه.

وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادات وقد تواترت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء والحث عليه كحديث أبي هريرة رفعه: "ليس شئ أكرم على الله من الدعاء" أخرجه الترمذي في "السنن" رقم (3370) وابن حبان في صحيحه رقم (870) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (712) والطيالسي (1/ 253) وأحمد (2/ 362) وابن ماجه رقم (3828) - وهو حديث حسن -.

ثم قال (11/ 95): أما قوله بعد ذلك: {عَنْ عِبَادَتِي} فوجه الربط أن الدعاء أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء وعلى هذا فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارا ومن فعل ذلك فقد كفر، وأما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة الواردة في الحث عليه.

قلت: - الحافظ ابن حجر - وقد دلت الآية الآتية قريبا من السورة المذكورة أن الإجابة مشترطة بالإخلاص، وهو قوله تعالى:{فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} قال الطيي: معنى حديث النعمان أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له، وما شرعت العبادات إلا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه، ولهذا ختم الآية بقوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي} حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار ووضع عبادتي موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان.

وحكى القشيري في "الرسالة"(ص265): الخلاف في المسألة فقال: اختلف في أي الأمرين أولى: الدعاء أو السكوت والرضا؟ فقيل: الدعاء وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الأدلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار وقيل السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل.

قلت: وشبهتهم أن الداعي لا يعرف ما قدر له فدعاؤه إن كان على وفق المقدور فهو تحصيل حاصل. وإن كان على خلافه فهو معاندة. والجواب عن الأول أن الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار. وعن الثاني أنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان إذعانا لا معاندة.

وفائدة الدعاء: تحصيل الثواب بامتثال الأمر، ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها.

(3)

[غافر:60].

ص: 5334

أي عن دعائي كما صرح بذلك أئمة .............................

ص: 5335

التفسير (1). فكيف يأمر عباده أولا؟ ثم يجعل تركه استكبارا منهم ثم يرغبهم إلى الدعاء، ويخبرهم أنه قريب من الداعي، مجيب لدعوته بقوله:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (2)، ثم يقول معنوناُ لكلامه الكريم بحرف يدل على الاستفهام الإنكاري والتقريع [4أ] والتوبيخ:{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (3) ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} (4) فإن قالوا: إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به، وأرشدنا إليه، وجعل تركه استكبارا وتوعد عليه بدخول النار مع الذل، ورغب عباده إلى دعائه، وعرفهم أنه قريب وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف ما نزل به من السوء وأمرهم أن يسألوه من فضله، ويطلبوا ما عنده من الخير أن كل ذلك لا فائدة فيه للعبد، وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء وسبق به العلم. فقد نسبوا إلى الرب عز وجل ما لا يجوز عليه، ولا يحل نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يعتد بها، ولا يرغبه إلا إلى ما يحصل له به الخير، ولا يرهبه إلا عما يكون به عليه الضير (5)، ولا يعده إلا بما هو حق يترتب عليه فائدة فهو صادق الوعد

(1) انظر:"جامع البيان"(12/ 78 - 79).

(2)

[البقرة:186].

(3)

[النمل:62].

(4)

[النساء:32].

(5)

وقد فند مثل هذا القول ابن تيمية رحمه الله في "مجموع الفتاوى "(8/ 176) إذ قال: "الدعاء في اقتضائه الإجابة كسائر الأعمال الصالحة في اقتضائها الإثابة وكسائر الأسباب في اقتضائها المسببات، ومن قال: إن الدعاء علامة ودلالة محضة على حصول المطلوب المسئول، ليس بسبب، أو هو عبادة محضة لا أثر له في حصول المطلوب وجودا ولا عدما، بل ما يحصل بالدعاء يحصل بدونه فهما قولان ضعيفان، فإن الله علق الإجابة به تعليق المسبب بالسبب كقوله: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له في دعوته، وإما أن يدخر له من الخير مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها"، قالوا: يا رسول الله إذا نكثر، قال: "الله أكثر".

أخرجه الترمذي رقم (3573) وهو حديث حسن من حديث عبادة بن الصامت.

وأخرجه أحمد (3/ 18) من حديث أبي سعيد الخدري وهو حديث صحيح.

ص: 5336

لا يخلف الميعاد، ولا يأمرهم بسؤاله من فضله إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء، ويكون بسببه التفضل عليهم، ورفع ما هم فيه من الضرر وكشف ما حل بهم من السوء.

هذا معلوم لا يشك فيه إلا من يعقل حجج الله، ولا يفهم كلامه، ولا يدري بخير ولا شر، ولا نفع ولا ضر. ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية فهو حقيق بألا يخاطب، وقمين بأن لا يناظر. فإن هذا المسكين المتخبط في جهله، المتقلب في ضلاله قد وقع فيما هو أعظم خطرا من هذا، وأكثر ضررا منه، وذلك بأن يقال له: إذا كان دعاء الكفار إلى الإسلام، ومقاتلتهم على الكفر، وغزوهم إلى عقر ديارهم لا يأتي بفائدة، ولا يعود على القائمين به من الرسل وأتباعهم وسائر المجاهدين من العبادة بفائدة، وأنه ليس هناك إلا ما قد سبق من علم الله عز وجل، وأنه سيدخل في الإسلام، ويهتدي إلى الدين من قد علم الله - سبحانه - منه ذلك، سواء قوتل أو لم يقاتل، وسواء دعي إلى الحق أو لم يدع إليه كان هذا القتال الصادر من رسل الله وأتباعهم ضائعا ليس فيه إلا تحصيل الحاصل، وتكوين ما هو كائن فعلوا أو تركوا، وحينئذ يكون الأمر بذلك عبثا تعالى الله عز وجل عن ذلك.

وهكذا ما شرعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه، وأنزل بها كتبه يقال فيه مثل هذا، فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه عز وجل كائنا سواء بعث الله إلى عباده رسله وأنزل إليهم كتبه، أو لم يفعل ذلك، كان ذلك عبثا يتعالى الرب - سبحانه - عنه، ويتنزه عن أن ينسب إليه.

فإن قالوا: إن الله - سبحانه - قد سبق علمه بكل ذلك، ولكنه قيده بقيود،

ص: 5337

وشرطه بشروط، وعلقه بأسباب فعلم مثلا [4ب] أن الكافر يسلم ويدخل في الدين بعد دعائه إلى الإسلام، أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما تعبدهم الله به بعد بعثه رسله إليهم وإنزال كتبه عليهم قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء، وفي أعمال الخير، وفي صلة الرحم، ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد منكم غيره. وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض، والحجاج الكثير الكبير؟ فإنا لا نقول إلا أن الله - سبحانه - قد علم في سابق علمه أن فلانا يطول عمره إذا وصل رحمه، وأن فلانا يحصل له من الخير كذا، أو يندفع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه، وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها. وهذه الشروطات مقيدة بحصول شروطها. وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدم من الأدلة، واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية.

وقد كان الصحابة (1) - مثل عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود، وأبي وائل، وعبد الله بن عمر الذين كانوا يدعون الله عز وجل بأن يثبتهم في أهل السعادة، إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، أعلم بالله - سبحانه - وبما يجب له، ويجوز عليه.

وقال كعب الأحبار حين طعن عمر وحضرته الوفاة: "والله لو دعا الله عمر أن يؤخر أجله لأخره"(2). فقيل له: إن الله عز وجل يقول: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (3). فقال: هذا إذا حضر الأجل، فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد، وينقص، وقرأ قوله تعالى:{وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ} (4).

(1) انظر "فتح القدير"(3/ 89).

(2)

انظر "الكافي الشافي " لابن حجر (ص 139).

أخرج هذا الأثر إسحاق بن راهوية في آخر مسند ابن عباس.

(3)

[الأعراف: 34].

(4)

[فاطر:11].

ص: 5338

ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم سيما الصالحين منهم أنهم يدعون الله عز وجل فيستجيب لهم ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها، ومنهم من يدعو لمريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه الله فيعافى في الحال، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه الله فيهلك في الحال (1).

ومن شك في شيء من هذا، فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين كحلية (2) أبي نعيم، وصفوة الصفوة (3) لابن الجوزي، ورسالة (4) القشيري، فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره، ويثلج به قلبه، بل كل إنسان إذا حقق حال نفسه، ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد، وإجابته له، وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المتفكرين.

وهذا نبي الله المسيح عيسى بن مريم عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله، ويشفي المرض بدعائه، وهذا معلوم عنه [5أ] حسبما أخبرنا الله - سبحانه - عنه به في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى منه، وشفاء المرض بدعائه ما يعرفه من اطلع عليه.

وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من الله عز وجل إلا ما قد سبق به القلم، وإن ذلك لا يتحول ولا يتبدل، ولا يؤثر فيه دعاء ولا عمل صالح فقد خالفوا ما

(1) قال النووي في "الأذكار"(ص567): نقلا عن الغزالي قال: فاعلم أن من جملة القضاء رد البلاء بالدعاء، فالدعاء سبب لرد البلاء، ووجود الرحمة، كما أن الترس سبب لدفع السلاح، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، فكما أن الترس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدعاء والبلاء، وليس من شرط الاعتراف بالقضاء أن لا يحمل السلاح وقد قال تعالى:{وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} [النساء:102] فقدر الله الأمر، وقدر سببه، فالسبب والمسبب كلاهما مقدر من الله سبحانه مكتوب في اللوح المحفوظ.

(2)

تقدم التعليق عليهم.

(3)

تقدم التعليق عليهم.

(4)

تقدم التعليق عليهم.

ص: 5339

قدمنا من آيات الكتاب العزيز، ومن الأحاديث النبوية الصحيحة من غير ملجئ إلى ذلك فقد أمكن الجمع بما قدمناه، وهو متعين. وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحق. وقد قابل هؤلاء بضد قولهم القدرية، وهم معبد الجهني وأصحابه، فإنهم قالوا: إن الأمر أنف (1) أي مستأنف، وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيات إلا عند وقوعها، - تعالى الله عن ذلك -، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.

وقد تبرأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة، منهم ابن عمر كما ثبت ذلك في الصحيح (2). وقد غلط من نسب مقالتهم هذه إلى المعتزلة (3)، فإنه لم يقل

(1) تقدم تخريجه.

(2)

تقدم تخريجه.

(3)

تقدم التعريف بها.

خلاصة:

1 -

ذهب الشوكاني رحمة الله إلى أن أجل الإنسان يزيد وينقص، وأن الله سبحانه يمحو ما يشاء مما في اللوح المحفوظ، ويثبت ما يشاء منه واستدل على ذلك بما ذكر من الأدلة في الرسالة.

* وقدمنا الرأي الراجح وأقوال العلماء في ذلك، كابن حجر، وابن تيمية وها نحن نختم بقول الشيخ عبد الرحمن ناصر السعدي حيث قال عند تفسيره لقوله تعالى:{يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ} الآية "يمحو الله ما يشاء من الأقدار ويثبت ما يشاء منها، وهذا المحو والتغيير في غير ما سبق به علمه، وكتبه قلمه، فإن هذا لا يقع فيه تبديل ولا تغيير، لأن ذلك محال على الله أن يقع في علمه نقص أو خلل ولهذا قال:{وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} أي اللوح المحفوظ الذي ترجع إليه سائر الأشياء، فهو أصلها، وهي فروع وشعب، فالتغيير والتبديل يقع في الفروع والشعب كأعمال اليوم والليلة التي تكتبها الملائكة، ويجعل الله لثبوتها أسبابا، ولمحوها أسبابا لا تتعدى تلك الأسباب ما رسم في اللوح المحفوظ، كما جعل البر والصلة والإحسان من أسباب طول العمر وسعة الرزق، وكما جعل المعاصي سببا لمحق بركة الرزق، والعمر، كما جعل أسباب النجاة من المهالك والمعاطب بحسن قدرته وإرادته وما يدبره منها لا يخالف ما قد علمه وكتبه في اللوح المحفوظ.

"تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"(4/ 117).

ص: 5340

بها أحد منهم قط، وكتبهم مصرحة بهذا، ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال. فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنة والجمع بينهما ما يكفي المنصف ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسألة، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين الله - سبحانه - بين المفرط والمغالي.

وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية. والله ولي التوفيق.

كتبه مؤلفه محمد بن علي الشوكاني - غفر الله لهما -[5ب].

تمت ***

ص: 5341