الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التشكيك على التفكيك لعقود التفكيك
تأليف
محمد بن علي الشوكاني
حققه وعلق عليه وخرج أحاديثه
1 -
عنوان الرسالة: (التشكيك على التفكيك لعقود التشكيك).
2 -
موضوع الرسالة: أصول الفقه.
3 -
أول الرسالة: بسم الله الرحمن الرحيم أحمد من أعاننا على تشكيك التفكيك لعقود التشكيك، وأشكر من سهل لنا الطريق إلى رد الاعتساف ..
4 -
آخر الرسالة: .. كما من خط محصلة ومؤلفه القاضي بدر الدين وحاكم المسلمين محمد بن علي الشوكاني حفظه الله في ذي الحجة سنة (1203) وجهلع قوة عين المسلمين وأبقى حكمه في جميع الأنام، وسدد إلى ما فيه رضاه آمين آمين آمين.
5 -
نوع الخط: نسخي جيد.
6 -
عدد الصفحات: (23) صفحة.
7 -
عدد الأسطر في الصفحة: (28) سطرًا ما عدا الصفحة الأولى.
8 -
عدد الكلمات في السطر: 12 كلمة تقريبًا.
9 -
الرسالة من المجلد الأول من (الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني).
بسم الله الرحمن الرحيم
أحمد من أعاننا على تشكيك التفكيك لعقود التشكيك، وأشكر من سهل لنا الطريق إلى رد الاعتساف، ويسر لنا السبيل إلى سلوك جادة الإنصاف، وأصلي وأسلم على القائل:«تركتكم على الواضحة، [1] ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا جاحد» (1) وعلى آله وصحبه والسابقين إلى كل فضيلة، الفائزين بكل المحامد، القارعين بسيوف هديهم ضلال كل زائغ معاند، وبعد:
فإنه سأل الحقير محمد بن علي الشوكاني- غفر الله لهما- بعض سادتي الأعلام، من آل الإمام النظر في رسالة سيدي العلامة إسحاق بن يوسف بن المتوكل (2)
(1) وهو جزء من حديث أخرجه أبو داود رقم (4607) والترمذي رقم (2676) وابن ماجه رقم (43، 44) وأحمد (4/ 126 - 127) والحاكم في: «المستدرك»
(1/ 95 - 96) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح ليس له علة، ووالقه الذهبي وهو كما قالا، عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا: يا رسول الله، إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال::"تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، ومن يعش فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما البيضاء ليها كنهارها، لا يزيغ عنها غلا هالك، ومن يعش فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، وعليكم بالطاعة وإن كان عبدًا حبشيًا عضوا عليها بالنواجذ فإنما المؤمن كالجمل الآنف، كلما قيد انقاد».
(2)
هو السيد إسحاق بن يوسف بن المتوكل على الله إسماعيل ابن الإمام القاسم بن محمد ولد حسبما وجد بخطه في سنة 1111هـ سكن (سرية) وهي نزهة قرب ذمار وقرأ علم الحديث على السيد محمد بن إسماعيل الأمير.
له مصنفات منها: «تفريج الكروب في مناقب علي رضي الله عنه» وله رسائل منها: وله رسائل منها: رسالة: «الوجه الحسن المذهب للحزن» له أشعار رائقة جمعها السيد الأديب محمد بن هاشم بن يحيى الشامي. مات سنة 1173هـ.
انظر: «البدر الطالع» رقم (84)، و «نشر العرف» (1/ 324 - 341).
المسماة بالتفكيك لعقود التشكيك (1) فوجدتها (2). مع حسنها في بابها قد اشتملت على أطراف خارجة عن الإنصاف، فأشرت إلى ذلك بحسب الإمكان، ومن الله أستمد الإعانة، وعليه التكلان.
قوله (3) رحمه الله: فلا حرج عليه في أي قول أخذ به.
أقول: هذا تصريح من المؤلف- رحمه الله بجواز التقليد، وعلى ذلك بني رسالته هذه، والمانع باق على قبح التقليد (4) المعلوم الأصلي عقلا وشرعا، ولم يأت المجوز بحجة صالحة
(1) في هامش المخطوط ما نصه: «هذا جواب حررته في أيام الطلب، وقد ألفت بعده رسالة سميتها: القول المفيد في حكم التقليد» نقلت فيها نصوص الأمثلة الأربعة على المنع من التقليد، ونصوص جماعة من أئمة الآل. وألفت أيضًا «أدب الطلب ومنتهى الأرب» ، وأطلت المقال والاستدالال، وهذا بالذي ذكرته ها هنا إنما هو مجرد دفع لدعوى صاحب الرسالة التي أجبت عليها، فليعلم ذلك.
(2)
قال الإمام الشوكاني في «البدر الطالع» (ص153):» .. وجمع رسالة سماها: التكفيك لعقود التشكيك» فلما وقفت عليها لم أستحسنها، بل كتبت عليها جوابا سميته «التشكيك على التفكيك» ولعل الذي ح مله على ذلك الجواب تعويل جماعة عليه ممن علم أنه السائل والظاهر أنه قصد بالسؤال ترغيب الناس إلى الأدلة، وتنفيرهم عن التقليد كما يدل على ذلك قصيدته التي أوردها القاضي العلامة أحمد بن محمد قاطن في كتابه الذي سماه «تحفة الإخوان بسند سيد ولد عدنان» وأولها:
تأمل وفكر في المقالات وأنصت
…
وعد عن ضلالات التعصب وألفت
وقد ذيلت أنا- الشوكاني- هذه القصيدة بقصدية أطول منها وأولها:
مسامع من ناديت يا عمرو سدت
…
وصمت لذي صفو من النصح صمت
وهي موجودة في مجموع شعري وقد أوردت كثيرًا منها في الجواب على التفكيك المشار إليه"أهـ
(3)
في هامش المخطوط: من رام أن ينتفع بهذا الجواب فليطع على الرسالة التي هي جواب عليها لأبي لم أنقل من ألفاظها هنا إلا حروفا بسيرة كما ستعرف ذلك
(4)
التقليد لغة: وضع الشيء في النق حال كونه محيطا به أي بالعنق وذلك الشيء يسمى قلادة، وجمعها قلائد.
انظر: «أساس البلاغة» (ص785)، «مختار الصحاح» (ص548).
وقال ابن فارس في «معجم مقاييس اللغة» (ص829): قلد: القاف واللام والال أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تعليق شيء على شيء وليه به والآخر والآخر على حظ ونصيب التقليد فلي اصطلاح الأصولين: أخذ مذهب الغير من غير معرفة دليله.
وقيل: التقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه
انظر: «الرد على من أخلد إلى الأرض» (ص120)، «الكوكب المنير» (4/ 350). «التعريفات للجرجاني (ص34)، «البحر المحيط» (6/ 270).
للاستدلال بها على هذا الأصل العظيم، وأشف شيء جاء به دعوى الإجماع، وليتها صحت، ولكنها مبنية على شفا جرف هار، فنقول: يا هذا، إن أردت إجماع الصحابة والتابعين فهم أكرم على اله من أن توقعهم في الخسيسة، أو تهين قدورهم الشريفة بالتلبس لهذه النقيصة، ولهذا لم تحدث إلا بعد انقراض عصورهم، ولم يسمع به إلا بعد إظلام الكون بأفول بدورهم، فكيف يدعى على قوم القول بشيء لم يسمعوا بهأو الإجماع على أمر لم يزنوا بهوهذا معلوم لا يشك فيه منصف، ولا متعصب، ولا يحوم حول ادعائه مقصر ولا كاهل.
وإن أدرت إجماع أهل تلك العصور التي حدثت فيها هذه المذاهب، وظهرت في خلالها تلك البدع والمصائب، بالخالف لم يزل موجودا منذ تلك الأعصار، متطهرا على رؤوس الأشهاد بالإنكار، مستمرا وجوده إلى الآن.
وقد صرح بالمنع جمع جم منهم معتزلة بغداد، والجعفران (1)
(1) هما جعفر بن حرب الهمداني أبو الفضل، وجعفر بن مبشر بن أحمد بن محمد أبو محمد. "
طبقات المعتزلة» (ص71،73،85).
والغزالي، والرازي أنه ليس بإجماع، ولا حجة، وهذا هو المذهب الحق إن أمعنت النظر، لكثرة الاحتمالات الحاملة على السكوت من عدم قول لهم في ذلك، أو كان لهم ولم ينقل، أو عدم تمام النظر، أو الوقف لتعارض الأدلة، أو للتوقير أو التعظيم، أو للهيبة أو للفتنة، أو نحو ذلكك، والقول بأن هذه الاحتمالات خلاف الظاهر.
وذهب أبو هاشم، أبو الحسن الكرخي، والآمدي، وابن الحاجب، ومن الأئمة أحمد بن سليمان، والمؤيد بالله أحمد بن الحسين إلى أنه حجة ظنية، ولم يذهب إلى أنه حجة قطعية إلا أحمد بن حنبل، وبعض الحنفية، والشافعية، وهو مذهب مرجوح، ومع هذا فالظاهر عدم حجية مطلق الإجماع (1) وليس هذا محل إييراد ما يرد على أ دلته مع هذا ضعفها من المنع والنقض والمعارضة، ولا موضع إبراز الأدلة القوية على امتناع نقل الحكم إلى أهل الإجماع، وامتناع العلم به، ونقله إلى من تحتج به.
والعجب من الرواية السابقة على أحمد بن حنبل، وجعله من القائلين بأن الإجماع السكوتي (2) حجة قطعية، وقد صح عنه القول بامتناع العلم (3).بمطلق الإجماع عادة.
(1) انظر: «المنخول» (ص303) تيسير التحرير» (3/ 227ن). «إرشاد الفحول» (ص269).
(2)
الإجماع السكوتي: هو أن ينقل عن أهل الإجماع قول أو فعل، مع نقل رضاء الساكتين حتى أنهم لو أفتوا لما أفتوا إلا به، ولو حكموا لم يحكموا إلا به
ويعرف رضاؤهم: بعدم الإنكار مع الاشتهار، وعدم ظهور حامل لهمعلى السكوت، وكونه من المسائل الاجتهادية.
ولا سيما أن الظن بالمجتهدين أنهم لا يحجمون عن إبدائهم إظهارًا للحق، وإن لقا من جراء ذلك العنت والضيق.
وأما إذا لم نتمكن من معرفة دلالة السكوت على الرضا ولا من انتفاء موانع التصريح فلا يعتبر ما حصل الإجماع والضيق.
وأما إذا لم نتمكن من معرفة دلاالة السكوت على الرضا ولا من انتفاء موانع التصريح فلا يعتبر ما حصل الإجماع المراد.
انظر: «حجية الإجماع» الفرغلي (ص168 - 173)، «إرشاد الفحول» (ص271).
(3)
قال ابن تيمية في «المسود» (ص315 - 316): الذي أنكره أحمد دعوى إجماع المخالفين بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين، أو بعد القرون الثلاثة المحمودة، ولا يكاد يوجد في كلامه احتجاج بإجماع بعد عصر التابعين أو بعد القرون الثلاثة، مع أن صغار التابعين أدركوا القرن الثالث، وكلامه في إجماع كل عصر إنما هو من التابعين، ثم هذا نهي عن دعوى الإجماع العام النطقي وهو كالإجماع السكوتي، أو إجماع الجمهور من غير علم بالمخالف، فإنه قال في القراءة خلف الإمام: ادعى الإجماع في نزل الآية وفي عدم الوجوب في صلاة الجهر، وإنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبري حنفية ومالك، ونحوهما، ولا يعملون أقوال الصحابة والتابعين، وقد ادعى الإجماع في مسائل الفقه غير واحد مثل مالك ومحمد بن الحسن والشافعي وأبي عبيد في مسائل وفيها خلاف لم يطلعوا عليه
وروي عنه أنه قال: من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب (1).
ومن أدلة القائلين بجواز التقليد قول الله تعالى: {فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (2) والاستدلال بهذه الآية على هذه الدعوى باطل، إذا المراد السؤال (3)
(1) وقد حمل أصحاب أحمد هذه العبارة الموهمة لإنكاره الإجماع على أمور منها:
1 -
حمل ما روي عنه من الإنكار على الورع، وممن حمله على الورع القاضي أبو يعلى وأبو الخطاب. ومن تابعهما من الحنابلة وغيرهم وقد استندوا في حملهم هذا إلى ما ورد في رواية أبي طالب، وقو أحمد فيها: لا أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله: إجماع.
2 -
حمل ما روي عنه من الإنكار على من ليس له معرفة بخلاف السلف وهذا أيضًا من المحامل التي ذكرها القاضي وأبو الخطاب، وحاصل هذا أن من لم يعلم الخلاف لا يجوز له أن يدعي الإجماع لأنه قد يكون هناك خلاف لم يعرفه ووجود الخلاف يناقض الإجماع.
3 -
أن الأصوليين من الحنابلة لم ينقل عن أحد منهم إنكار الإجماع وأنه لا يحتج به ولا يصار إليه كما هو موجود في كتبهم.
4 -
أن كتب الفروع لدى الحنابلة فيا الاحتجاج على كثير من المسائل بإجماع الأمة وغالبا ما يقال: هذه المسألة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع ويبنون ذلك.
انظر: «أصول مذهب الإمام أحمد» (ص360)«البحر المحيط» (4/ 439)، الكوكب المنير»
(2/ 213).
(2)
[النحل: 43]، [الأنبياء:7].
(3)
قال ابن الجوزي في «زاد المسير» (4/ 449): نزلت الآية في مشركي مكة حيث أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، فهلا بعث إلينا ملكا، فرد الله تعالى عليهم بقوله:{وما أرسلنا من قبلك} إلى الأمم الماضية يا محمد {إلا رجالا} آدمين {فسئلوا أهل الذكر} . أي العلماء بالتوراة والإنجيل وأخبار من سلف يخبرونكم أن جميع الأنبياء كانوا بشرا {إن كنتم إلا تعلمون} أن الله بعث محمدًا رسولًا من البشر.
قلت: إن الآية ورادة في سؤال خاص خارج عن محل النزاع كما يفيد السياق وإن قيل الغيرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قلنا أن المأمور بسؤالهم هم أهل الذكر، والذكر هو القرآن والسنة كما ذكره الله في قوله مخاطبا نساء رسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة [الأحزاب: 34]. وآياته: القرآن، والحكمة، والسنة، فالأمر في الآية للجاهل أن يسال أهل القرآن والحديث عنهما ليخبروه فإذا أخبروه به.
فالآية حجة على المقلدة، وليست بحجة لهم، لأن المراد أنهم يسألون أهل الذكر ليخبروهم به، فالجواب من المسؤولين أن يقولوا قال الله كذا، وقال رسوله كذا، فيعمل السائلون بذلك.
انظر::مجموع الفتاوى» (20/ 15،203)، «أعلام الموقعين» (2/ 168).
عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو عن كون الأنبياء قبل رجالا، وليس هذا من العموم حتى يرد أنه لا يقصر على ذلك، بل من باب الإطلاق، ولو سلم لكان الظاهر المتبادر منالسؤال غير محل النزاع أعني التقليد الذي هو قبول قول الغير دون حجته، بل المراد استرووهم النصوص، واستفسروهم عن معانيها، بدلالة أرخ الآية، على أن الآية متناولة للعمليات كتناولها للعمليات، والختم لا يجيز التقليد في غير العملي فهي حجة عليه من هذه الحيثية.
ومن أدلتهم أيضًا سكوت الصحابة عن المفتين والمستفتين، وهو وهم، لأن سكوتهم عن الرواية (1) بالمعنى لا عن الرأي الذي هو محل النزاع، وكيف يكون سكوتهم تقريرا لشيء لا يعرفونه!.
ومن أدلتهم على ذلك قولهم: العامي إذا وقعت له واقعة كان مأمورا بشيء فيها إجماعا، وليس هو التمسك بالبراءة الأصلية إجماعا، ولا الاستدلال بأدلة سمعية، إذا الصحابة لم .....................
(1) اعلم أن قبول الرواية ليس بتقليد، فإن قبولها هو قبول للحجة والتقليد هو قبول الرأي.
يلزموهم تحصيلها (1)، ولأنه يمنعهم من الاشتغال بمعاشهم مع الاحتياج إلى العلم بعلوم كثيرة، سيما [3] في زماننا يضيق عنها وقت الواقعة، فلم يبق إلا التقليد.
قلنا: الواجب عليه عند حدوث الواقعة الرجوع إلى أهل الذكر، وسؤالهم عن حكم الله فيها على طريق الرواية، من دون تقليد ولا اجتهاد، وهذا هو الهدى القويم الذي درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض درج عليه عوام الصحابة أجمع، ومن بعدهم من التابعين، على أن هذا التقرير منتقض بإلزامكم لهم معرفة أدلة العقليات (2) وتحريم التقليد عليهم فيها، وهي محتاجة إلى مثل ما احتاجت إليه المسائل العلمية، فالإلزام مشترك، والدفع بأن العقليات تكفي فيها المعرفة الإجمالية (3) ممنوع، هذا جملة ما استدل به من قال بجواز التقليد، وقد عرفت ما فيه.
وعلى الجملة فالتقليد من التقول على الله بغير علم .. وقد نهى الله من ذلك بقوله:
(1) قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (ص864):» ..... وقد كفى غالب الصحابة الذين لمي بلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الأيمان الجملي، ولم يكلفهم رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، وهو بين أظهرهم بمعرفة ذلك ولا أخرجهم عن الإيمان بتقصيرهم عن البلوغ إلى العلم بذلك بأدلته.
(2)
قال أبو منصور كما): في «البحر المحيط» (6/ 278): «
. بل مذهب سابقهم ولا حقهم الاكتفاء بالإيمان الجملي، وهو الذي كان عليه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم بل حرم كثير منهم النظر في ذلك وجعله من الضلالة والجهالة. ولم يخف هذا من مذهبهم حتى على أهل الأصول والفقه.
(3)
جاء في «فواتح الرحموت» فيما يتسفتي به وهو: المسائل الشرعية والعقلية على المذهب الصحيح لصحة إيمان المقلد عند الأئمة الأربعة
…
وكثير من المتكلمين .. خلافا للأشعري، ،إن كان آثما في ترك النظر والاستدلال.
وهذا ما أيده الشوكاني مبينا صحة إيمان العوام مطلقا.
ققد قال الشوكاني في «إرشاد الفحول» (ص 864): ومن أمعن النظر في أحوال العوام وجد هذا صحيحا فإن كثير منهم تجد الإيمان في صدره كالجبال الرواسي، نجد بعض المتعلقين بعلم الكلام المشتغلين به الخائضين في معقولاته التي يتخبط فيها أهلها لا يزال ينقص إيمانه وتنتقص منه عروة عروة فإن أدركته الألطاف الربانية نجا وإلا نجا ،إلا هلك، ولهذا تمنى كثير من الخائضين في هذه العلوم المتبحرين في أنواعها في آخر أمره أن ويكون على دين العجائز.
انظر: «المسودة» (ص457)، و «تيسير التحرير» (4/ 243) اللمع (ص70).
{ولا تتعبوا خطوت الشيطان إنه لكم عدو مبين، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لاتعلمون، (1) ثم قال: {وإذا قيل لهم اتعبوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أباءنا أولو كان ءابآؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} (2) وحرمة تعالى بقوله: {إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق} إلى قوله {وأن تقولوا على الله ما لا تعملون} (3) فصرحن- جل جلاله بحصر التحريم في هذه الأشياء التي من جملتها التقول على الله بغير علم، والقول بأن ذلك مختص بالعقليات كما صرح بذلك المحقق ابن الإمام في شرح الغاية وغيره تقييد لا دليل عليه، وأيضا التقليد يوجب اتباع الخطأ، لأنه جائز الوقوع من المجتهد، وعلى تقدير وقوعه يجب إتباعه، والدفع بأن الخطأ جائز مع إبداء المستند مسلم، ولكنه عفوا بالنسبة إليه، لورود الدليل الصحيح المصرح أن للمخطئ من المجتهدين أجرا.
قوله: ولم يكلفه الله أن يطلب الأحكام إلخ ..
أقول: الأمر بالطلب عام، ولا مخصص لبعض منن تعلق الأمر به بالطب، والقول بأن تحصيل ذلك ليس في وسع المقلد، أو أنه من تكليف مالا يطاق- كما ذكر المؤلف- ممنوع، والسند أن طلب الاجتهاد، وتحصيل شروطه فرض واجب على الأمة بالإجماع، ولكنه من فروض الكفايات التي تسقط بوجود من هو قائم بها، وتصير من فروض الأعيان عند عدم من يقوم بها. وغذ ثبت أنه من فراض الدين ثبت عدم تعسره لقول الله جل جلاله: {وما جعل عليكم في الدين من ....................................
(1)[البقرة: 168 - 169]
(2)
[البقرة: 170]
(3)
[الأعراف: 33]
حرج} (1) وقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العشر} (2) وقوله صلى الله عليه وسلم: «بعثت بالحنيفية السمحة» (3).
والمؤلف- رحمه الله لا ينكر أن الله تعالى يريد منا اليسر، ولا يريد منا العسر [4]، ويقر أن الله سبحانه يريد منا الاجتهاد، فإذا كان الاجتهاد ليس في وسع المقلد، ولا مما يطيقه، فهو عسر بلا شك، فاستلزم أن الله سبحانه يريد منا التعسر أو التعذر.
فإن قال: إنما أردت المشقة والمشقة تلازم التكاليف غالبًا.
قلنا: فما بالك خصصت هذه الفريضة بالسقوط عند حصول المشقةمع أن المشقة لا تنفك عن غالب الأمور الواجبة، على أن إرادة المشقة لا يساعد عليها كلامك، لأن الأمور التي تصاحبها المشقة داخلة تحت الوسع والطاقة، وأنت قد جزمت بأن الاجتهاد خارج عنهما، فلزمك خروج ما ساواه في المشقة كالجهاد والحج والهجرة وتحوها، أو زاد عليه فيا كالورع الشحيح، وعبادة الله كأنك (4) تراه ونحوهما.
قال الإمام العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (5) رضوان الله عليه-: فإن قيل: فإذا
(1)[الحج: 168 - 169]
(2)
[البقرة: 185]
(3)
أحرج أحمد في مسنده (6/ 116، 233) بسند قوي من حديث عائشة معروفًا: .. إني أرسلت بحنيفية سمحة
(4)
يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 36 - 38) رقم (1/ 8) عن عمر بن الخطاب
(5)
انظر: «العواصم والقواصم» (1/ 250 - 253).
كانت الشريعة سهلة، فما معنى: حفت الجنة بالمكاره (1)؟ ولأي شيء مدح الله الصابرين، ووصى عباده بالصبر؟!
قلنا: لأن النفوس الخيبيثة تستعسر السهل من الخير لنفرتها عنه، وعدم رياضتها، لا لصعوبته في نفسه، ولهاذ تجد أهل الصلاح يستسهول كثيرا مما يستعسره غيرهم، فلو كان العسر في نفس الأمر المشروع لكان عسرا على كل أحد، وفي كل حال، وقد نص الله تعالى على هذا المعنى فقال في الصلاة:{وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} (2) فدل على أن العسر والحرج لا يكونان في أفعال الخير، وإنما يكونان في نفوس السوء. قال الله تعالى:{ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء} (3) فمدار المشقة في الطاعات على الدواعي والصوارف، ولهذا نجد قاطع الصلاة يقوم نشيطا إلى أعمال كثيرة أشق من الصلاة، وقد يكون العسر الموهوم في أعمال الخير من فساد القلب وكثرة الذنوب، وعدم الرياضة، وملازمة البطالة، ألا ترى ما فلي قيام الليل وإحيائه بالعبادة من المشقة على النفوس! وهو تسهل عليها سهره في كثير من الأحوال في العرسات والأسمار والسروات في الأسفار، فإذا عرفت هذا فاعلم أن من الناس من يحصل له من شدة الرغبة في العلم، وسائر الفضائل ما يسهل عليه
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود في «السنن» رقم (4744) والترمذي رقم (2560) والنسائي (7/ 3 - 4) والحاكم (1/ 26 - 27) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وابن حبان رقم (7394) من حديث أبي هريرة وهو حديث حسن.
(2)
[البقرة: 45]
(3)
[الأنعام: 125].
قال ابن الويز في «العواصم» (1/ 253): فنص الله تعالى هذا المعنى الذي ذكرت لك هو أن الشيء المعين يكون عسيرًا على هذا سهلاً على هذا، فلو كان عسيرًا في نفسه، لكان عسيرا عليهما، ولكنه يسير في نفسه، وإنما يتعسر بحرج الصدر، والكسل، وقلة الدواعي ويستهل بنقيض ذلك
عزيزها، ويقرب إليه بعيدها، فلا معنى لتعسير الأمر الشرعي في نفسه، لأن ذلك يخالف كلام الله تعالى: وكلام رسوله- صلى الله عليه وآله وسلم[5].
واعلم أن من العقوق لوم الخلي للمشوق في هذا يقول أبي الطيب (1):
لا تعدل المشتاق في أشواقه
…
حتى تكون حشاك في أحشائه
أما عرفت أن حب المعالي يرخص العالي ويقوي ضعف الصدور على الصبر للعوالي وربما بدلت الأرواح لما هو أنفس منها من الأرباح.
قال ابن الفارض (2):
بذلت له روحي لراحة قربه
…
وغير بعيد (3) بذلب الغال للغالي.
وفي المقالات للزمخشري (4): عزة النفس، وبعد الهمة الموت الأحمر، والخطوب المدلهمة، ولكن من عرف منهل الذل فعافه استعذب نقيع العز وزعافه، وقد أجاد وأبدع من قال في هذا المعنى:
صحب الله راكبين إلى العز
…
طريقا من المخافة وعسرا
شربوا الموت في الكريهة حلوا
…
خوف أن يشربوا من الضيم مرا
انتهى.
هذا وقت وقد عرفت أنا لم نطلب من المتصف التي ذكرت الاجتهاد، ولا كلفناه قطع المهامة الفيح، وصعود تلك العقبة الكؤود، وانحطاط هاتيك الوهاد، بل سهلنا له الطريق، وكفلنا له السلامة من كل تعويق، وقلنا له: سل أئمة القرآن والسنة إذا أصبت
(1) المتنبي: انظر ديوانه (ص 343).
(2)
انظر ديوانه (ص 174 - 176).
(3)
في الديوان (عجب)
- وفي شعر ابن الفارض مؤاخذات عقدية نبه عليها العلماء الثقات، وقد تقدم ذكر ذلك في القسم الأول- العقيدة- بذلي الغال للغالي
(4)
في «أطواق الذهب» (ص22)
من حادثة بمحنة واستروهم نصوص الدين، وارم من عنقك ربقة المقلدين، واستفسرهم عن معاني المشكلات، وخذ عنهم ما صح لديهم من الرواية، ودع عنك الروايات، وأنشدناه تنشطا له قولنا في (1) هذا المعنى:
وبادر (2) بإلقاء القلادة مسرعًا
…
فإن الرضى بالأسر أعظم خزية
فما (3) فاض من فضل الإله على الألي
…
مضوا فهو فياض عليك بحكمة
فما جاءنا نقل بقصر ولا أتى
…
بذلك حكم للعقول الصحيحة (4)
ولا تك مطواعا ذلولا لرائض
…
نصير بهذا مشبها للبهيمة
فهذا هو الداء العضال الذي سرى
…
بهذا الورى بل أصل كل بلية
ونحن مع مع هذا نقرب له هذه المسافة التي صار عن الظفر بها في أشد الياس، وترغبه في تحصيل هذه المعارف النفسية وفاء بحق النصيحة الواجبة على جميع الناس، ولكن الراغب في هذه البضاعة قليل، والساعي في تحصيلها والتحلي بها كليل كما قلت (5):
لعمرك ما في الركب ذو لوعة ولا
…
بذا الحي من [تزجي إليه مطيتي (6)][6]
فياطال ما قد صحت: هل من مساعد؟
…
ويا طال ما قد درت بينه البرية
فلم أر إلا شارقا ببلاهة
…
يطيش بها أو مصمتا بتقية
فهذا يرى طرق الصواب أمامه
…
فيدأب في تصحيح ذات سقمة
وهذا (7) عليم بالجلية عارف
…
ولكنه لا يشتريا ببيسه (8)
(1) انظر ديوان الشوكاني (ص105)
(2)
كذا في المخطوط وفي الديوان (فبادر)
(3)
كذا في المخطوط وفي الديوان (وما)
(4)
في الديوان هذا البيت متقدم على الذي قبله
(5)
أي الشوكاني في ديوانه (ص102)
(6)
في المخطوط (من يضيق لمحض النصحية) وما أثبتناه من الديوان
(7)
في المخطوط [وهل] وما أثبتناه من الديوان
(8)
وحدة نقدية كانت في اليمن. حاشية الديوان
والزهد عن معالي الأمور، القنوع عنها بالهين المنزور، قد صار شعارًا لأهل زمانك، وخاصة لازمة لأبناء أوانك، فمن لك بالتجرد للمعالي، المنفق في تحصيلها كل غالي، كما قلت (1)
فمن لك بالملاك مقود نفسه
…
يحل بها حيث الحقيقة حلت
يهاجر في حب الملحة إلفه
…
ويقطع فيهات حبل كل وصيلة
ويبد إن رام القريب فراقها
…
ويقرب إن ما ألسن العدل لجت
ويلبس للتعنيف درعا حصينة
…
وينزع عن أعطافه ثوب شهرة
ويطرح الآمال غير معرج
…
على ما به عن رتبة المجد ألهت
يجوس ديار الحي [غير مقصر](2)
…
وينزل في أرجائها بالسوية
يحط بدار الباهلية رحله
…
صباحا ويأتي دارها بالعشية
يصمم عزا كالحسام وهمة
…
مدى الدهر لا يرضى له بمذلة
إلى أن يرى المبيض من طرق الهدى
…
وتجاب من داعي الهوى كل ظلمة
فيبقى عصا الترحال عن كاهل الصبا
…
ويحمد ما لاقى به من مشقة
ويلتذ ما قد ناله من أذى الهوى
…
ويشكر مسراه على الأبدية
فكل أذى في جانب العز هين
…
وكل عنا في شأنه غير حسرة
فلست ابن حر إن تهيبت في العلا
…
متالف حالت دون عز ورفعة
ولست من العرب الصميم نجاره
…
إذا لم تنل في المجد أربح صفقة
أيرضى بإعطاء الدنية ماجد
…
ويجعلها يوما مكان العلية
ويقنع من ورد الصباء بشربة
…
[على الضيم](3) شيبت بالقذى والكدورة
(1) أي الشوكاني في ديوانه (ص103 - 104)
(2)
في الديوان [في كل ساعة]
(3)
في المخطوط على الرغم
ويرضى بتقليد الرجال مصرحا
…
بسد طريق سهلت للبرية
وما سد باب الحق عن طالب الهدى
…
ولكن عين الأرمد القدم سدت
رجال كأمثال الخفافيش بضؤها
…
يلوح لدى الظلما وتعمى بصحوة
تجول به ما دام في كل وجهة
…
فإن طلعت شمس النهار خفت [7]
وهل ينقص الحسناء فقدان (1) رغبة
…
إلى حسنها ممن [أضر] بعنة (2)
وهل حط قدر البدر عند طلوعه
…
إذا ما كلاب أنكرته فهرت
وما إن يضر البحر إن قام أحمق
…
على شطه يرمي إليه بصخرة
وشتان بين من يدعو إلى العمى، ومن يرشد إلى الإبصار، وليس المؤمن إلا من يحب لأخيه ما يحب لنفسه من معالي الأمور، وبلوغ الأوطار، وهذا المفصل الصالح، والمتجر الشريف الرابح، لا يتم للعالم إلا بشطر من التنفير، ولا يؤثر في النفوس بدونه الإعلان بطرف من التكسير كما قلت (3)
فإن كنت سهما نافذا متبصرا
…
فدع ما به عين من العمى قرت
تصيخ إلى داعي التعصب رغبة
…
وإن تدعها يوما إلى النصف فرت
إذ رجل أنى إليها بربقة
…
ألمالت إلى التقليد جيدا ولبت
وإن رمت فك الأسر عنها تمنعت
…
وقالت دعوني في الإسار ونسعتي
فعيني عن طرق الصواب عمية
…
وأذن عن داعي النصيحة سدت
قلت (4):
(1) في الديوان نقصان
(2)
في الديوان أصيب
(3)
الشوكاني في ديوانه (ص104) و (ص105).
(4)
الشوكاني في ديوانه (ص 104 - 105).
وهات (1) كلام الشيخ لست بسامع
…
سواه ودعني من كتاب وسنة
فأشياخنا السباق في كل غاية
…
وأسلافنا أرباب كل فضيلة
فلا قول إلا ما تقول غزية
…
ولا رأي إلا ما ليلوح لعزة
ودع عنك علما لا تهز قناته
…
كما قيل إلا [باغض العلوية](2)
فهذا جواب البكم يا عمرو وإن دعا
…
إلى طرق الإرشاد داعي المبرة
وكما قلت (3) عند أن قطعت عن عنقي رباق التقليد، ويبدأ الحمد على وصبه ونصبه الشديد:
لعمرك ما جانبت في الحق لي رهاطا
…
ولا خفت من قومي لجاجد أو لغطا
ولا عطفت عطفي أقاويل حاسد
…
ولا جذبت ضعلي (4) أضاليله قطا
إذ ما ثنتني ألسن العذل عن هدى
…
فلا حملت كفي رواقمي الرقطا
وثبت على اسم اله وثبة قادر
…
سواء لديه ما بدانا وما شطا
وألقيت من عنقي القلادة مسرعا
…
إذا ما أمرؤ قد أوثق الشد والربطا
وحررت رقي واجتدت ولم أقل
…
بقول فلان إن أصاب وإن أخطا
وما خفت في ذا الصنع لومة لائم
…
تلهب غيظا واشتاط له سخطا
ولست أهاب الجمع ما لم يصح لا
…
إذا شط عن تلك الطريقة أو شطا [8]
وقد أطلنا البحث ههنا، ولكنا لما أوردنا ذلك الطرف من كلام العلامة (5) ابن الوزير جمح القلم بطرف من هذا الجنس، والحديث ذو شجون.
قوله:رحمه الله: فلا بد أن يقلده في ذلك إلخ.
(1) في المخطوط (تأتي) وما أثبتناه من الديوان
(2)
في الديوان إلا فرقة الحشوية
(3)
قال الشوكاني هذه الأبيات عند الاشتغال بطلب علوم الاجتهاد انظر الديوان (ص226).
(4)
في الديوان (طبعي)
(5)
في «العواصم والقواصم» (1/ 251 - 256).
أقول: هذا ممنوع، لأن تعليم الطالب ههنا لا يكون بالرأين حتى يندرج في التقليد، بل التعليم المطلوب ههنا هو تفسير الآي القرآنية، وتبيين معاني الأحاديث النبوية، وذكر صحيحها وسقيمها، وليس من التقليد في شيء.
قوله: ذا هم لم يصنعوا هذا الصنع.
أقول: لا يلتبس على عاقل فرضا عن عالم التفرقة بين كتب التفسير وشروح السنة، وبين كتب الفقه التي هي مجاميع الأداء غالبا، فهذه الدعوى متعسفة.
قوله: والذي أراده السائل عين ما وضعه الشافعي ..... الخ.
أقول: إن الذي وضعه الشافعي مشتمل على أحكام، بعضها راجع إلى الدليل، وبعضها راجع إلى الرأي، وبعضها حق، وبعضها باطل، وهو غير ما حررنا سابقا.
قوله: والذي أراده السائل عين ما وضعه الشافعي إلخ.
أولاً: هذا مما لا نزاع فيه، ولا شك أن مطلوب الكل الوصول إلى الحق بأي ممكن، ولهذا استحق المصيب أجرين (1)،
والمخطئ أجرًا، وحسن المقصد لا يستلزم الإصابة، ولو كان الأمر كذلك لما اختلف الناس في المسألة الواحدة على أقوال متعددة، وستسمع لهذا البحث مزيد تحقيق عن قريب إن شاء الله تعالى.
قوله: أنه مراد الله منه.
أولاً: مراد الله من المجتهد إصابة الحق، وليس مراد الله من كل مجتهد ما صح عنده، لاسلتزامه دوران مراد الله بين المرادات، وهو باطل، ولا يستلزم ثبوت الأجر للمخطئ إصابة الحق، ولو كان الأمر كذلك لما فضل عليه المصيب بمثل أجره، لأن اشتراكهما في
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم (7352) ومسلم رقم (171) وأحمد (4/ 198، 204) من حديث عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «:إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ثم أخطأ فله أجر)).
أنظر تخريج الحديث بطرقه في «إرشاد الفحول» (ص 850 - 851) بتحقيقنا.
الإصابة يوجب التساوي في الأجر، والحديث، والحديث الصحيح قد صرح بخلاف هذا، وصرح بالخطأ، فأي دليل على إصابة المخطئ!
وعلى الجملة فإن خطأ المخطئ في باب الاجتهاد عفو، واستحقاق الأجر لإبلاغ الجهد في طلب الحق، وذلك لا ينفك عن مشقة، والله جلال جلاله- لا يضيع عمل عامل، وعلى هذا فالقول بأن كل مجتهد مصيب (1) إن أريد من الصواب الذي لا ينافي الخطا فحسن ، وإن أريد من الإصابة المنافية كما هو الظاهر من أرباب هذه المقالة فمردود بنص الحديث، سيأتي الكلام على المسألة، واستثنى الأدلة التصريح بالراجح منها عند تعرض المنصف لذلك، وأعني التصريح منه بأن كل مجتهد مصيب.
قوله: والمقلد لو ذهب كل مذهب إلخ
[9]
. أقول: إن أراد بهذا الذهاب ذهاب المقلد من تقليد إلى تقليد، فعدم خروجه عنه مسلم، وهو خارج عن محل النزاع، وإن أراد بهاذ الذهاب أعم من أن يكون ذهابا عن كل تقليد إلى غيره، أو عن بعضه إلى بعضه فهذا باطل للقطع بأن الذهاب عن التقليد إلى الاجتهاد خروج عن التقليد بالمرة.
اللهم إلا أن يكون هذا من المؤلف تشكيكا في عدم تسيير الاجتهاد ومنع من انفكاك كل أحد عن التقليد، فهذا مع كونه عائدا على غرضه من هذا التأليف بالنقض، لأن الحامل له على وضعه جواز التقليد المجتهدين أقل وأحقر من أني يعتني بتزييفه، وكلامه كالصريح بالمراد الأول، فإن المؤلف- رحمه الله أجل من أن يقع في مثل ذلك.
(1) من قال كل مجتهد مصيب وجعل الحق متعددا بتعددا بتعدد المجتهدين فقد أخطأ خطا بينا وخلاف الصواب مخالفة ظاهرة فإن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم جعل المجتهدين قسمين قسما مصيبا وقسما مخطئا ولو كان كل واحد منهم مصيبا لم يكن لهذا التقسيم منى وهكذا من قال إن الحق واحد ومخالفة آثم فإن هذا الحديث الذي تقدم يرد عليه ردات ويدفعه دفعا ظاهرا لأن النبي- صلى الله عليه وآله وسلم سمي من لم يوافق الحق في اجتهاد مخطئا ورتب على ذلك استحقاقه للأجر، انظر:«المعتمد» (2/ 949)» الفقيه والمتفقه» (2/ 60 وما بعدها).
قوله: فإن قلت: إلخ
…
الجواب.
أقول: لا يخفى عليك أن المراد من السؤال إلزام المتأهل من المتسمين بالتقليد النظر في الجواب صحة هذا العمل، وحكى عن الأئمة تحسينه، وصحة الخلوص به عن التقليد، ثم حكى عن البعض القطع بأن هذا اجتهاد، والتردد عن آخرين، ثم استثمر من هذا الكلام الذي لا يكاد يخفى على أحد ما لم يكد يقع في ذهن أحد.
فقال: ولم يبق حينئذ غير العمل على أقوال المجتهدين، ثم عقب ذلك بأن على هذا الذي حكم له سابقا بأهلية النظر أن يتحرى لنفسه فيمن يقلده، وهذا تهافت وموناقضة وخبط، فإن صح أن نسخة المؤلف كهذه النسخة التي وقفنا عليها بايصال قوله: ولم يبق حينئذ لقوله وتردد بعض ن فكأني بمحبة التقليد قد استول على قلبه استيلاء تاما، فلهذا لم يدر ما يقول: وأعجب من هذه قوله: وهذه مسئلة عقلية، ثم تفسيره كونها عقلية باطمئنان المقلد إلى الأعلم، فبينما هو بصدد النظر في الأدلة من المتأهل إذ رج إلى النظر إلى ذوات المجتهدين.
قوله: ثم أعل أن لنا أصلا أصيلا إلخ.
أقول: لهذا البحث بأسره ليس فيه إلا التأييد بكثرة القائلين بجواز التقليد، وليس الكثرة بمجردها موجبة لمصاحبة الحق لها، وإن كانت وجه ترجيح في غير هذا الباب بشروط معروفة مدونة، وأنت خبير بأن الله سبحانه قد ذم الكثرة في مواضع من كتابه العزيز (1) ومدح القلة مرات (2) وصرح في الحديث الصحيح (3) بأن الثابت على الحق
(1) كقوله: تعالى: {ولكن أكثرهم لا يعملون} [الأنعام: 37]{وأكثرهم للحق كراهون} [المؤمنون: 70]
(2)
كقوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13]
(3)
يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (3641) ومسلم في صحيحه رقم (174/ 1037) من حديث معاوية قال سمت رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم يقولك «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس»
طائفة من الناس، لا يضرهم من خالفهم [10]، والرجال تعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال، كما صرح بذلك أمير المؤمنين- عليه السلام.
وأيضا خير (1) القرون قرني، ثم الذين يلونهم، لم يسمع منهم في جواز هذه المسئلة حرفا واحدا، وهذه الطائفة التي رميتها بالقلة لم تدع الناس إلى شيء سوى هدى الصحابة الذين هم المرجع بعد الكتاب والسنة، ولو كانت الكثرة بمجردها موجبة للترجيح لخرج الحق عن يد أهل البيت، المشهود لهم بعدم مفارقة الحق، لقطع بأنهم بالنسبة إلى سائر علماء الإسلام أقل من القليل، وقد وقع الخلاف فيهم وبينهم في مسائل متعددة، وينسحب الخوض في الخطأ في خروجهم على الظلمة، وهذا باطل.
فإن قلت: بين الكلامين فرق لقيام الادلة على حقية ما ذهب إليه أهل البيت.
قلنا: وهذه الطائفة القليلة قد قام الدليل على حقية ما ذهبت إليه كما سمعته في أول هذه الرسالة، ودع عنك الاحتجاج بالرجال، والاعتزاء إلى الآراء والأقوال، وجرد نفسك للحق، واغسل قلبك عن درن العصبية، فنك إذا فعلت ذلك نظرت إلى الحق من وراء ستر رقيق.
قوله: وهذه التشكيكات ليست بدعوى عاطلة عن البرهان إلخ.
أقول: قد رأيت ما حررناه سالفا، فأعجب لإطلاق اسم التشكيك عليه، وهذا اللفظ قد اشتهر إطلاقه لعدم الإنصاف على أدلة الخصوم، حتى صار شفعة حب التعصب بكثرة استعماله كالمرسوم.
قول: من قوله- صلى الله عليه وآله وسلم: «من شذ شذ إلى النار» (2) إلخ.
(1) تقدم تخريجه مرارًا.
(2)
أخرجه الترمذي في «السنن» رقم (2167) من حديث ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم قال «إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد- صلى الله عليه وآله وسلم على ضلالة ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار» قال الترمذي: هذا حديث غريب.
قلت: فيه سليمان بن سفيان ضعيف، ولكن له شاهد عند الترمذي رقم (2166) والحاكم (1/ 116) بسند صحيح من حديث ابن عباس:«لا يجمع الله أمتي على ضلالة» . والخلاصة أن الحديث صحيح دون قوله «ومن شذ شذ إلى النار» .
قال الترمذي: هذا الحديث غريب.
قلت: فيه سليمان بن سفيان ضعيف، ولكن له شاهد عند الترمذي رقم (2166) والحاكم (1/ 116) بسند صحيح من حديث ابن عباس:«لا يجمع الله أمتي على ضلالة» .
والخلاصة أن الحديث صحيح دون قوله «ومن شذ شذ إلى النار» .
أقول: المراد بالشاذ هاهنا المنفرد بدين لا يشاركه فيه غيره، وهو المراد بقوله: إن الله يكره الواحداني كما فسره صاحب النهاية (1) بالمتوحد بدينه، المنفرد عن الجماعة، وليس المراد به أئمة الاجتهاد المكثورين بالنسبة إلى المخالفين كما في مسألتنا، فإن هذا مما لا يستجيز إطلاقه عليهم بهذا المعنى متدين.
وإني لعجب منك كيف تعجبت من رمي من مى جمهور هذه الأمة الآية والحخديث والسابقين، ووقعت فلي مثل ذلك قبل جفاف القلم، مع تصريحك بأن المجتهد إنما عمل بما هو مفروض من العلم، بما أدى إليه اجتهادهن حتى قلت: فعمله بذلك هو الواجب عليك قطعا، وصرحت سابقا ولاحقا بن كل مجتهد مصيب، وأنت مسلم أن هؤلاء، لم يخالفوا الإجماع، وهل هذه إلا مناقضة ظاهرة!.
قوله: المقلد دينه وشريعته قول أي عالم إلخ.
أقول: دين المقلد دين الله، وشريعته، شريعة الله، وما شرعه الله [11] من الدين ليس بخاص بالأئمة المجتهدين، بل عام للقاصر والكامل، والمتحلي بمعارف العلوم والعاطل، إلا أن فرض المقصر الذي لا يعقل الحجة إذا جاءته أن يسأل أولي العلم عن المراد بها، لا عن أقوالهم الاجتهادية، وقد صرح- الله جلال جلاله- بهذا فقال:{فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} (2) فأوجب عليه السؤال عن نص الشريعة، لا عن الآراء المخترعة، ويالله العجب من تخصيص العمومات من الكتاب والسنة والقاضية
(1) ابن الأثير (3/ 426).
(2)
[النحل: 43]، [الأنبياء: 7]
بوجوب طلبهما على كل فرد العباد بهذه التخيلات الفاسدة!.
قوله: وجدت الأمر يدور أخره إلى أوله إلخ.
أفول: قد عرفنا فساد هذه الدعوى غيرة مرة، وأن السائل عن مدلول الكتاب والسنة ليس بمقلد.
قوله: أعني في مسألة اجتناب التقليد، فلم أجد ما يشفى الغليل إلخ.
أقول: لو تأملت- غفر الله لك- أحوال الصحابة والتابعين وتابعيهم لشفيت بذلك غليلك، وبيان ذلك أن هذه الثلاث الطبقات التي خير هذهه الأمة المرحومة قد اشتملت على العالم والعامي، فكان صنع العالم فيها الاجتهاد، وصنع العامي السؤال عن الكتاب والسنة، واستفسار الأئمة، والعمل بما بلغ إليه، وليس هذا من التقليد في شيء، لما تقرر في الأصول من أن التقليد قبول قول الغير من دون حجته (1) هؤلاء لم يقبلوا قول الغير بل قبلوا حجته بواسطة روايته، وقبول الرواية ليس بتقليد، فهؤلاء الأعلام الذين نسبتهم إلى التضييق على الناس بسبب منعهم التقليد لم يطلبوا من العوام إلا التشبه بعوام الصحابة، فمن بعدهم، واطراح التقليد المبتدع، وإذا كان الأمر الذي ندبوا الناس إليه هو الهدى الذي درج عليه خير القرون، فأي وصمة- لله درك- عليهم في هذا! وهاك طريقة ينزاح عنك بها الإشكال.
سنوردها عليك على طريق السؤال فنقول: عوام الصحابة والتابعين لا يخرجون عن الأتصاف بأحد ثلاثة أشياء، أما التقليد، أو الاجتهاد، أو الواسطة، فالأول باطل لما بيناه من أنهم لم يقبلوا القول بل قبلوا حجته، ولهذا لم ينسب أحد منهم إلى أحد من أولئك الأعلام، كما نسب هؤلاء المقلدة إلى أئمتهم، بل اكتفوا بالانتساب إلى مطلق الشريعة، ونعمت النسبة، ولم يسمع عن أحد منهم أنه انتسب في مذهبه مثلا إلى ابن عباس، قبيل له عباسي كما يقال شافعي مثلًا.
(1) أنظر الرسالة الآتية برقم (60)، وعنوانها (القول المفيد في حكم التقليد) من القسم الرابع- الفقه.
والثاني باطل أيضًا لفقدانهم الأهلية التي لا بد منها، فلم يبق إلى الثالث أعني الواسطة كما عرفناك، فإذا عرفت هذا حق معرفته شفيت به غليلك.
قوله: ولم يظهر لي إلى الآن إلا أن ما قالاه فرض المجتهد إلخ [12].
أقول: صرح العلامة المقبلي في أبحاثه (1) في المثال الحادي والعشرين من أواخرها بمامعناه: أن غير المجتهد يجب على جوازه دليل، ثم قال: لأنه يعني أن المقلد مكلف بحسب الاستطاعة، وقد انحصرت حالته في الحالة الراهنة في الرجوع إلى العالم، لأنه أمارة على الحق لم يستطع الجاهل تحصيل غيرها، فلو لم يقلد الجاهل في ذلك الأمر الضروري في كل حادثة حادثة لترك ما علم وجوبه كالصلاة مثلا، ولا يجوز التقليد الكلي انتهى، وها الكلام مع كوننا لا نساعده عله فقد عرفك أن المقبلي بريء مما نسبه إليه المؤلف، من أنه أوجب عليه ما هو فرض على المجتهد لا غير، وضيق على الناس، وهكذا الحقق الجلال شرح في شرح قصيدته المسماة بفيض الشعاع يمنع تقليد الأموات (2) لا الأحياء،
(1) وهي الأبحاث المسددة في فنون متعددة (ص506).
(2)
قال في البحر المحيط (297 - 300): فإن قلد ميتا ففيه مذاهب:
أحدها: وهو الأصح وعليه أكثر أصحابنا كما قاله الريواني الجواز، وقد قال الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها، ولا بفقد أصحابها، وربما حكى فيه الإجماع، وأيده الرافعي بموت الشاهد بعدما يؤدي شهادته عند الحاكم، وفإن شهادته لا تبطل .....
الثاني المنع المطلق، إما لنه ليس من أهل الاجتهاد، كمن تجدد فسقه بعد عدالته لا يبقى حكم عدالته، وأما لأن قوله وصف له وبقاء الوصف مع زوال الأصل محال، وإما لنه لو كان حيا لوجب عليه تجديد الاجتهاد وعلى تقدير تجديده، لا يتحقق بقاؤه على القول الأول فتقليده بناء على وهم أو تردد والقول بذلك غير جائز.
وهذا الوجه نقله ابن حزم عن القاضي، وحكى الغزالي في «المنخول» فيه إجماع الأصوليين.
الثالث: الجواز بشرط فقد الحي، وجزم به إلكيا وابن برهان.
الرابع: التفصيل بين أن يكون الناقل له أهلا للمناظرة، مجتهدا في ذلك المجتهد الذي يحكى عنه، ولم نكلف المقصر تكليف المجتهد كما قاله المؤلف
قوله: فيجوز وإلا فلا.
قاله الآمدي والهندي، وانظر: تفصيل ذلك في «البحر المحيط» (6/ 300).
ولم نكلف المقصر تكليف المجتهد كما قاله المؤلف.
قوله: وهذا متفق عليه بين المسلمين إلخ
أقول: هذه دعوى باطلة، بل كل من قال بالمنع من التقليد كمعتزلة بغداد، كما حكى ذلك عنهم المحقق ابن الإمام في شرح الغاية، وكذا حكاه غيره (1) عنهم، وقد قال به الجعفران كما رواه جماعة عنهما، قائل بوجوب اتباع الدليل على المقلد، لكنه لما كان مسلوب الأهلية وجب عليه أن يستروي من حصلت له، فكيف يتم للمؤلف دعوى الاتفاق! اللهم إلا أن يريد بقوله: وترك أقوال الناس أعم مما نحن بصدده أعني أقوالهم الشاملة للرواية، والرأي، والتفسير، والتصحيح، فمثل هذا لا يستغنى عنه المجتهد في جمعي الأعصار، فما هذه المساهلة في حكاية إجماع المسلمين، الذي هو حجة على العباد! وما هذه الترويج- على المقصرين- الشاط عن سبيل الرشاد والسداد! لا جرم لهوى النفس سريرة لا تعلم.
قوله: لم أجده إلا تحرجا عظيما إلخ.
أقول: إن كان هؤلاء العامة من أهل زماننا لا يسعهم ما وسع عوام الصحابة فمن بعدهم، وكان هدي أولئك الأفاضل تحرجا على هؤلاء، فلا فرج الله عنهم هذا التحريج، ولا وسع لهم هذا المضيق.
وهنا مظنة سؤال لعلك تتفطن له وتقول: فرق بين عوام الصحابة وغيرهم، فإنهم غير محتاجين إلى ما يحتاج إليه هؤلاء، لأن أولئك أهل اللسان العربية والأذهان والسيالة، والفطر القويمة، فنقول: نحن لا نعني بعوام الصحابة من أحاط بالقرآن حفظا، واستكثر من حفظ السنة النبوية، فإنه مجتهد، لأن جميع المعارف حاصلة كما ذكرت، وإنما نعني
(1) ذكره الزركشي في «البحر المحيط» (6/ 284)
من لم يحفظ [13] شيئا من ذلك، أو حفظ مقدار يسيرًا، فإنه- وإن فهم ما وصل إليه، لا يقدر على الاجتهاد لتوقفه على معرفة فقد المعارض، والناسخ، والمخصص والمقيد، ونحو ذلك؛ فلا بد له من السؤال عما جهل، والرجوع إلى من هو أعلم منه، وعلى أن المقصرين من الصحابة والتابعين كانوا لا يجرؤون على تفسير القرآن والسنة بدون الرجوع إلى علمائهم، واستعلامهم عنهما، وهذا متواتر عنهم، وهو عين ما ذكرنا له،
قوله: كالتكليف بما لا يطاق إلخ.
أقول: قد صرح المؤلف- رحمه الله في أول هذه الرسالة بأنه ذلك من تكلي مالا يطاق، وقارب هاهنا فجعله مشبها به، والكل خبط، وخلط وغفلة عن مفهوم مالا يطاق، وق حررناه فيما سبق ما فيه كفاية، وسنتقصر ها هنا في الجواب على المؤلف (1) على قوله في قصيدته التائية (2).
ومن [قال] أن الأمر ليس بممكن
…
وأن ليس إلا اتباع لفرقة
فأحباره أربابه دون ربه
…
وقبلته ليست إليه بوجهة
وهاهي ما بني الأنام شهيرة
…
جلية معنى اللفظ غير خفية
وسنة خير المرسلين علومها
…
مسهلة للأخذ في كل بلدة (3)
وهي أبيات طويلة نحو الثلاثين، وكلها في التنفير عن التقليد ومن جملتها هذه.
ودع عنك تقليد الرجال ولا تقل
…
هم فطنا ما لم أنله بفطنة
(1) أي إسحاق بن يوسف بن المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم بن محمد
(2)
أولها:
تأمل وفكر في المقالات وأنصت
…
وعد من ضلالات التعصب والفت
انظرها كاملة في (نشر العرف)(1/ 332 - 333)
(3)
في «نشر العرف» [العظيم]
فقد بلغوا مقدار ما جهدوا له
…
وكل عليه جهده في الشريعة
فإن أخطؤوا شيئا فربك عالم
…
بما أضمروه من صحيح العقيدة
وأنت فقد أخطأت حين جعلتهم
…
سبيل هدى في رخصة أو عزيمة
وليته اقتصر على هذه الأبيات التي صرح فيها بالمذهب الحق وسلم من هذا التهافت الذي جمعه في هذه الورقات، ولقد كنت أستحسن هذه القصيدة لاشتمالها على أطراف من النصح الصحيح، حتى حداني ذلك إلى تذييلها بقريب من مثليها، وقد ذكرت في أول هذه الرسالة جملة من ذلك.
قوله فإن يكن عند أحد من علمائنا نص إلى قوله فليظهره.
أقول: لا يشك من له أدنى تمييز أن النصوص القرآنية والحديثية الدالة على وجوب اتباع الكتاب والسنة على كل فرد من أفراد العباد قد بلغت مبلغا تقصر عنه العبارة، والعلم بها قدر مشترك بين العاصي والعالم، هؤلاء المقلدة الذين تبرعت [14] بالمفاضلة عنهم داخلون تحت تلك العمومات دخولا لا ينكره من له أنسة بمدلولات الألفاظ فإن ادعيت خروجهم عنها، وأو اختصاصها بالمجتهدين، فأبرز لنا دليل التخصيص، أو الاختصاص، وما أراك تجده.
قوله: وليس الاختلاف المذموم هو ما عليه الناس إلخ.
أقول: بل هو هو، لأن الخلاف المنهي عنه منسوب إلى الدين فحصول أي خلاف لفيه داخل تحت عموم الأدلة القاضية بالنهي نحو قوله تعالى:{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (1) وقوله: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} (2) إلى غير ذلك من الأدلة، وسنوردها إن شاء الله في هذه الرسالة، وعلى الجملة أنا نعلم أن الخلاف بين هذه الأمة قد يفضي في كثير من المسائل إلى التفاؤل بين العالمين
(1) الأنعام:159].
(2)
الشورى:13.
في تحليل عين وتحريمها، وإيجاب حكم وتحريمه، ونحو ذلك، وهذا من الاختلاف في الدين بلا ريب.
قوله: منها أنه قد علم أن تكليف الله للمجتهدين إلخ.
أقول: لم يكلف الله تعالى المجتهد إلا بطلب الحق لا سواه، فإن ظفر به ضاعف له الأجر، وأن أخطأه فخطؤه عفوا وله أجر كما صرح بذلك الحديث الصحيح.
قوله: وهي الحجة في إصابة المجتهدين.
أقول: قد أشار- رحمه الله إلى قول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تكرتموها قائمة على أصولها فبإذن الله} (1) وسنملي عليك ما إن تأملته حق تأمله عرفت عدم دلالة هذه الآية المطلوب.
أما أولا فقد وقع الاخلاف بين المفسرين في سبب النزول في هذه الآية، فمنهم من يقول: جزم بأن السبب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بالقطع قيل له: كيف نفعل وقد نهينا عن الفساد! فنزلت، وهي على هذا خارجة عن محل النزاع.
ومنهم من (2) قال: إنها نزلت في شأن الصحابيين الذين اختلفا، فأخذهما أفسد بالقطع، والآخر أصلح واجتهد في التقويم، وعلى هذا التفسير قيل: إنها من أدلة التصويب المدعى، وقد ذكر الأئمة في سبب نزول الآية أسبابا منها ما ذكره االواحدي في أسباب النزول (3) قال بعد أن ذكر الآية ما لفظه: ولك أن رسول الله- صلى الله عليه آله وسلم- لما نزل بيني النضير، وتحصنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك، وقالوا: زعمت يا محمد أنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجرة المثمرة، وقطع النخيل؟ وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في
(1)[الحشر: 5].
(2)
أخرجه بن جرير في «جامع البيان» (14/جـ 28/ 34).
(3)
(ص: 417).
الأرض؟ فشق ذلك على النبي- صلى الله عليه آله وسلم-، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادًا، واختلفوا في ذلك [15] فقال بعضهم: لا تقطعوا، فإنه مما أفاء الله علينا، وقال بعضهم بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله:{ما قطعتم من لينة أو تركتموها} الآية تصديقا لمن نهى قطعه، وتحليلا لمن قطعه، وأخبر أن تركه وقطعه بإذن الله.
ومنها ما ذكره الواحدي (1) قال أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي حدثنا قتيبة، حدثنا الليث بن سعد عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم حرق نخل النضير، وقطع البويرة فأنزل الله:{ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} قال: رواه البخاري (2) ومسلم (3) عن قتيبة، قلت: وقد عزا ه في جامع الأصول (4) وإلى الترمذي (5) وأبي داود (6).
وقال الترمذي: حسن صحيح، وذكره الواحدي (7) أيضًا من طريق أخرى، فقلل: حدثنا أبو بكر بن الحارث أن عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم قطع نخل بني النضير وحرق، وهي البويرة،
(1) في «أسباب النزول» (ص418).
(2)
في صحيحه رقم (4884).
(3)
في صحيحه رقم (1746).
(4)
(2/ 380 رقم 837).
(5)
في السنن رقم (3302)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
(6)
في السنن (2615) وهو حديث صحيح.
(7)
في أسباب النزول ص (418). وأخرجه مسلم رقم (30/ 1746).
ولها يقول حسان:
وهان على سرة بني لؤي
…
حريق بالبويرة مستطير
وفيها نزلت الآية، ومنها ما أخرج الترمذي (1) عن أبن عباس بلفظ قال: استنزلهم من حصونهم قال: وأمروا بقطع النخل قال قال: فحك ذلك في صدورهم، فقال المسلمون: قد قطعنا بعضا وتركنا بعضا، قلنا، يا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم:هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركناه من وز؟ فأنزل الله الآية، وقال: حسن غريب.
ومنها ما ذكره الواحدي (2) أيضا: قال أخبرنا أبو بكر، أخبرنا عبد الله، أخبرناسلم بن عصام حدثنا رستة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا محمد بن ميمون التمار، ثمنا جرمون عن حاتم النجار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قام يهودي إلى النبي- صلى الله عليه وآله وسلم قال: أنا أقوم فأصلي، قال: قدر الله لك أن تصلي قال: أنا أقعد، قال: قدر الله لك أن تقعد، قال: أنا أقوم إلى هذه الشجرة فأقطعها، قال قدر الله لك أن تقعطها، قال: فجاء جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: لقنت حجتك، كما لقنها إبراهيم على قومه، وأنزل الله تعالى:{ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} (3) يعني اليهود.
وفي الكشاف (4) ما لفظه: وذلك أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم حين أمر، تقطع نخلهم، وتحرق، قالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد [16] في الأرض،
(1) في السنة رقم (3303) بإسناد صحيح وقال: هذا حديث حسن غريب.
(2)
في: أسباب النزول (ص 418 - 419).
(3)
الحشر:5.
(4)
(6/ 76).
فما بال قطع النخل أو تحريقها؟ فكان في أنفس المؤمنين من ذلك شيء، فنزلت يعني أن الله أذن لهم في قطعها ليزيدكم غيظا، ويضاعف لكم حسرة إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف أحبوا، ويتصرفون فيها كيف شاؤا، وقد صدر هذا ثم ذكر بعد ذلك ما لفظه (1): وروي أن رجلين كانا يقطعان أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم فقال هذا: تركتها لرسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار، وقد استدل به على جواز الاجتهاد، وعلى جوازه بحضرة الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم لأنهما بالاجتهاد فعلا ذلك. واحتج به (2) م يقول: كل مجتهد مصيب انتهى.
وقد طولنا الكلام في السبب لتعلم أن الأحاديث الصحيحة قاضية بأن السبب غير المدعى، وأن الآية خارجة عن محل النزاع، وعندي أنها خارجة عن ذلك على كل وجه، لن الآية كشفت عن أصل الأمر المشكوك فيه وهو الإباحة، فليست على هذا دليلا على محل النزاع، بل هي بمثابة قولك لرجلين قال: أحدهما نمت، وقال الآخر استيقظت، فقلت: لا حرج على كل واحد منكما رجوعا منك إلى استواء فعل النوم وتركه، وأيضا إباحة أموال الكفار الخارجين عن الطاعة معلومة لكل واحد من المختلفين ولغيرهم من الصاحبة قبل هذه الواقعة، فالقطع ليس بالاجتهاد، ويشهد لصحة هذا قوله
(1) أي الزمخشري في الكشاف (6/ 76 - 77)
(2)
قال القرطبي في «الجامع لأحاك القرآن» (18/ 8): قال الماواردي: إن في هذه الآية دليلا على أن كل مجتهد مصيب. وقاله الكيا الطبري في وإن كان الاجتهاد يبعد في مثله مع وجود النبي- صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم، ولا شك أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم رأى ذلك وسكت، فتلقوا الحكم من تقرير فقط.
قال ابن العربي: وهذا باطل، لأن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم كان معهم، ولا اجتهاد مع حضور رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم وإنما يدل على اجتهاد النبي- صلى الله عليه وآله وسلم فيما لم ينزل عليه أخذ بعموم الأذية للكفار، ودخولا في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله تعالى {وليخزي الفاسقين}
تعالى {فبإذن اله} أي الإذن السابق قبل هذه الواقعة، وأنت لا تشك لو قال القائل لعبده وقد نازعه منازع في شيء من التصرفات، فعل ذلك بإذن أن ذلك الإذن سابق على الصرف ولو لم ين سابقا لكنا اليد كاذبا في إخباره وهذه الآية التي عرفناك أنها لا تصلح للاستدلال قد اعترف القائل بإصابة كل مجتهد أنها أنهض الأدلة على قوله.
قال الإمام المهدي: إنها أقوى ما يستدل به من السمع على هذه المسألة حكى ذلك عنه صاحب التلخيص على المقدمة.
قوله: مصوب كل واحد منها إلخ.
أقول: التصويب منه- صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار أن كل واحد منهما قدانحرف من الحروف التي أنزل القرآن عليها كما ثبت في حديث عمر عند البخاري (1)، ومسلم (2) والموطأ (3) والترمذي (4) والنسائي (5) بلفظ: قال سمعت هشام ابن حزام، يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم، فاستمعت لقرآنه فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: كذبت فإن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرأينها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده على رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم أرسله،
(1) في صحيحه رقم (2419)
(2)
في صحيحه رقم (818).
(3)
(1/ 206)
(4)
في «السنن» رقم (2943). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
(5)
في السنن رقم (1475)
أقرأ يا هشام: فقرأ عليه السورة التي سمعته يقرؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل علي سبعة أحرف، فأقرؤوا ما تيسر منه".
ومثل هذا ما وقع بين أبي بن كعب ورجل من الصحابة، ثم حسن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم شأنهما، ثم قال- صلى الله عليه وآله وسلم معللا لذلك التحسين بمثل ما قاله لعمر، وهو ثابت في صحيح مسلم (1) والترمذي (2) وأبي داود (3) والنسائي (4). بروايات متعددة.
ولا يشك أن الكل صواب لهذا الاعتبار.
قوله: ونهاهما (5) عن الاختلاف
أقول: هذا حجة على المؤلف لأن هذا الاختلاف في فرد من أفراد ا لشرعية، لا فرق بنيه وبين غيره.
قوله: فيعود الكلام على منكري الاختلاف والتمذهب.
أقول: هذ تسليم من المؤلف- رحمه الله-باندراج الخلاف المتنازع فيه في النهي
(1) في صحيحه رقم (273/ 820)
(2)
في السننن رقم (2944)
(3)
في السنن رقم (1477)
(4)
في السنن (2/ 151) وهو حديث صحيح
(5)
وقد ذم النبي- صلى الله عليه وآله وسلم الاختلاف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئان وأن تعصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» أخرجه مسلم رقم (1715) وأحمد (2/ 327، 360)، ومالك في الموطأ (2/ 990) والبخاري في الأدب المفرد رقم (442) وهو حديث صحيح
المذكور، وهو المطلوب وادعاء عودة على منكري الاختلاف ممنوع، والسند أن اختلاف المختلفين في الدين مني عنه، وكل منهي عنه منكر، فاختلاف المختلفين في الدين منكر.
وإذا ثبت أن هذا الاختلاف منكر فكل منكر يجب إنكاره، فهذا الاختلاف يجب إنكاره وهو المطلوب، فما وقع من العلماء من تقبيح الاختلاف من باب المنكر، لا من باب الاختلاف المنهي عنه، ولو كان من باب الاختلاف المنهي عنه لانسد باب إنكاره المنكر وهو باطل.
قوله: ومنها أن الأمة من عهد الصحابة إلى الآن، إلى قوله فيبعد أن يكون المراد.
أقول: أراد المؤلف بهذا ابحث الاحتجاج بالإجماع من الصحابة فمن بعدهم، على تجويز الاختلاف (1) بين الأمة المعلوم بالضرروة، وعلى التصويب المدعى، وهذه الحجة أنهض حجة جاء بها أهل هذه المقالة، وهي دعوى لا تتفق عند من له أدنى تمييز للقطع بصدور الإنكار للخلاف من الصحابة فمن بعدهم إلى عصرنا هذا والتصريح بتخطئة بعضهم بعضا حتى جزم جماعة بأن ذلك أعنى التخطية إجماع الصحابة، وممن جزم بذلك المحقق ابن إمامة في الغاية.
(1) قيل: إن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا وهم أفاضل النسا أفيلحقهم الذم المذكور؟؟.
قال ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» (5/ 67 - 68): كلا ما ليلحق أولئك شيء من هذا، لأن كل أمرئ منهم تحرى سبيل الله، ووجهه الحق فالمخطئ منهم مأجور أجرا واحدا لنيته والجملية في إدراة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه، ولا استهانوا بطلبه والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف، لمن ترك التعلق بحبل الله تعالى الذي هو القرآن وكلام النبي- صلى الله عليه وآله وسلم بعد بلوغ النص إليه، وقيام الحجة به عليه، وتعلق بفلان وفلان مقلدا عامدًا للاختلاف داعيا إلى عصبية وحمية الجاهلية قاصد للفرقة متحريا في دعواه برد القرآن والسنة إليها، فإن وافقها النص أخذ بها وإن خالفها تعلق بجاهليته وترك القرآن وكلام النبي- صلى الله عليه وآله وسلم فهؤلاء المختلفون المذمومون».
وسنملي عليك طرفا ما وقع بينن الصحابة من التصريح بالتخطية لبعضهم بعضا [18] ولأنفسهم، فأخرج البيهقي (1) عن علي- عليه السلام أن عمر أرسل إلى أمرة بلغة عنها شيء ففزعت، وكانت حبلى فألقت ولدها، فصاح صيحتين ومات، فاستشار عمر الصحابة، فأشار عليه بضعهم أن ليس عليك شيء، إنما أ، ت وال ومؤدب، فقال عمر: ما يقول علي؟ فقال علي عليه السلام: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، إن ديته عليك، لأنك أفزعتها فألقت ولدها من سببك، وأخرج عبد الرزاق (2) عنابن عباس أنه قال: لا يتقي الله يد بن ثابت جعل ابن الابن ابنا، ولم يجعل أب الأب أبا، وهكذا قوله في العول: لو قدم عمر من قدم الله، أخر من أخر الله ما عالت فريضة.
ذكره الأسيوطي في شرح جمع الجوامع.
وروي عن علي- عليه السلام وزيد بن ثابت وغيرهما تخطئة ابن عباس في عدم القول بالعول.
وروي الأسيوطي عن أبي بكر في الكلالة أنه قال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله وحده ولا شريك له، وإن كان خطأ فمن ومن الشيطان، والله عنه بريء.
رواه الدارمي (3) والبيهقي (4) وابن أبي شيبة (5) وغيرهم (6).
وروى المؤيد بالله في التجريد (7) عن ابن مسعود أنه قال امرأة مات زوجها ولم
(1) في «السنن الكبرى» (8/ 115 - 118)
(2)
لم أعثر عليه في المصنف ولا في التفسير والله أعلم
(3)
في المسند رقم (3015).
(4)
في السنن الكبرى (6/ 224)
(5)
في المصنف (11/ 415) رقم (11646).
(6)
كسعيد بن مصنور في سننه (3/ 1185رقم 591 بسند صحيح منقطع
(7)
تقدم التعريف به
يفرض لها صداقا: أقول فيها برأيي: فإن كان صواب فمن الله، وإن ككانخطأ فمن ومن الشيطان.
رووى البيهقي (1) أن كاتبا لعمر بن الخطاب كتب: هذا ما أرى الله عمر، فقال عمر: أمحه، وكتب: هذا ما رأى عمر، فإن كان صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمن عمر.
ومن ذلك تخطئتهم لابن عباس في إفتائه بالمتعة (2) وتخطئتهم له أيضًا في جواز بيع الدرهم بالدرهمين استنادا منه إلى إنما الربا في النسيئة (3).
ومنه اختلاف أهل الجمل وصفن، والنهروان، وتخطئة بعضهم بضعًا، ثم الختلاف في قتل عثمان، وكم نملي عليك من هذا القبيل.
وفي نهج (4) البلاغة عن علي- عليه السلام أنه قال: أترد على أحدكم القضية في حكم من الأحكام فيحكم فيها برأيه، ثم ترد تلك القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب أراءهم جميعا، وإلههم واحد ونبيهم واحد، وكتابهم واحد! أفأمرهم الله سبحانه بخلاف ما أطاعوه! أم نهاهم عنه فعموه! أم أنزل الله دينا ناقصا فاستعان بهم على إتمامة! أم كانوا شركاء له فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى!
أم أنزل الله دينا تاما فقصر الرسول- صلى الله عليه وآله وسلم عن تبليغه وأدائه، وألله سبحانه يقول:{ما فرطنا في الكتاب من شيء} (5) وقال: {تبينانا لكل شيء} (6)
(1) لم أعثر عليه في السنن الكبرى
(2)
سيأتي الكلام على ذلك في الرسالة رقم (103)
(3)
سيأتي الكلام على ذلك في الرسالة رقم (114)
(4)
(ص62 - 63)
(5)
الأنعام: 38
(6)
[النحل: 89]
وذكر أن الكتاب يصدق بضعه بعضها، وأنه لا ختلاف فيه، فقال سبحانه:{ولو كان [19] من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا} (1) وأن القرآن ظاهره أنيق، وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا بن وقال عليه السلام في بعض خطبه: فواعجباه، ومالي لا أعجب ممن خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، وكفى دليلا على المطلوب تصريحه- صلى الله عليه وآله وسلم بالتخطية في عدة أحاديث منها: ما أخرج البخاري (2) ومسلم (3) وأبو داود (4) والنسائي (5) والموطأ (6) عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر».
وأخرج البخاري (7) ومسلم (8) والترمذي (9) والنسائي (10) وأبو داود (11) والموطأ (12) عن أبي هريرة نحوه.
(1) النساء: 82
(2)
في صحيحه رقم (7352)
(3)
في صحيحه رقم (15/ 1716))
(4)
في السنن رقم (3574)
(5)
في السنن (8/ 223 - 224)
(6)
لم يخرجه مالك
(7)
في صحيح رقم (7352)
(8)
في صحيحه رقم (000/ 1761)
(9)
في السنن رقم (1326)
(10)
في السنن (8/ 223 - 224)
(11)
في السنن رقم (3574)
(12)
لم يخرجه مالك وهو حديث صحيح
قال الترمذي (1) وفي الباب عن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر.
وفي رواية للحاكم (2) إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجران، وإن أصاب فله عشرة أجور، ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد (3) وعن عقبة بن عامر أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم قال له في قضاء أمره به: اجتهد، فإن أصبت فلك عشرة حسنات، ون أخطأت فلك حسنةن وروي نحوه أحمد بن حنبل في مسنده (4) فالعجب كل العجب من القائل: كل مجتهد (5) مصيب، مع هذا التصريح النبوي الذي جاءت به الأحاديث المتعددة الصحيحة، بأن مخالف الحق مخطئ (6) ولو صح إصابة كل مجتهد ما وقع من الله العتاب لرسوله، وللمؤمنين في كثير من الاجتهادات، كقوله:{عفا الله عنك لم أذنت لهم} (7) وقوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى
(1) في السنن (3/ 651)
(2)
في المستدرك (4/ 88)
(3)
وروده الذهبي بقوله: فرج ضعفوه» قلت: وفي سنده اضطراب
(4)
(4/ 427) بإسناد ضعيف
(5)
تقدم التعليق على هذا القول
(6)
قال الحافظ في الفتح (13/ 318 - 319): باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ بشير إلى أنه لا يلزم من رد كمه أو فتواه إذا اجتهد فأخطأ أن يأثم بذلك بل إذا بذل وسعه أجر، فإن أصاب ضوعف أجره، لكن لو أقدم محكم أو أفتى بغير علم لقحه الإثم.
قال ابن المنذر: وإنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ، إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد وأما إذا لم يكن عالما فلا.
وقال الخطابي في معالم السنن: إنما يؤجر العامل لن اجتهاده في طلب الحق عبادة، هذا إذا أصاب، وأما إذا أخطأ فلا يؤجر عل الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط كذا قال: وكأنه قال: و: أنه يرى أن قول: وله أجر واحد مجاز عن وضع الإثم.
(7)
التوبة: 43
يثخن في الأرض} (1) وقوله {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما آخذتم عذاب أليم} (2) وقوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} (3).
وهكذا نهيه رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم عن الاستغفار للمشركين (4) وغيره ذلك من الآي، ويدل على ذلك أيضًا حدي أبي سيعد قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيديا طيبا، فوجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الصلاة الوضوء ولم يعده الآخر، ثم أتيا رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: أصبت السنة وأجزتك صلاتك، وقال للذي توضأ ،أعاد لك من الأجر مرتين أخرجه أبو داود (5) والنسائي (6) والدارمي (7) والحاكم (8) وابن السكن (9) والدارقطني (10) وهو في كثير من المؤلفات أهل البيت- عليهم السلام ففي هذا ا لحديث دليل على عدم التصويب للتنصيص على أن المصيب للسنة أحدهما فقط والآخر لم يصبها ولو كانت الشريعة أحدا دائرًا بين مرادات
(1)[الأنفال: 67]
(2)
الأنفال: 67
(3)
التوبة:84
(4)
قال تعالى {استغفر لهم أو لا تستغفر هم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين [التوبة:80]
(5)
في السنن رقم (338)
(6)
في السنن (1/ 213 رقم 433).
(7)
في السنن (1/ 576 رقم 771)
(8)
في المستدرك (1/ 178 - 179) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين
(9)
ذكره الحافظ في التخليص (1/ 156)
(10)
في السنن (1/ 188 - 189 رقم 1، وه حديث حسن
المجتهدين لأصباهم كل واحد منهم، وفيه أيضًا تصريح بالعفون فإن المخالف للسنة [20] لم يأثم مخالفة بل استحق زيادة الأجر بالصلاة والأخرى، لأنها عبارة يستحق عليها ا لثواب، لأنه سبحانه لا يضيع عمل عامل.
ومثله حديث جابر قال: خرج رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان، وصام حتى بلغ كراع العميم، وصام الناس، ثمدعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض النس قد صام فقال: أولئك العصاة أخرجه مسلم (1) والترمذي (2) وفي هذا تصريح بالخطأ والإثم، ولا يشك منصف أن صوم أولئك إنما كان باجتهاد، فإن قلت: استحقاق الأجر ينافي الخطأ، وقد صرحت الأدلة بأنه مأجور.
قلت: استحقاق الأجر لي في مقابل الخطأ بل في تعب التحصيل، ومشقة البحث، قال ابن لإمام في شرح الغاية ما لفظه: تنبينه: أجر المخطئ على بذل الموسع لا على نفس الخطأ لعدم مناسبته، ولأنه ليس من فعله، والمصب بتعدد الأجر في حقه فله أجر على بذل الوسع كالمخطئ، وأجران أو أجور إما على الإصابة لكونا من آثار صنعه، ،إما لكونه سن سنة حسنة يقتدي بها من يتبعه من المقلد لاهتدائهم به لمصادقتهم الهدى، ومقلد مخطئ لم يحصل على شيء انتهى.
ومن أدلة ما نحن بصدده براءته- صلى الله عليه وآله وسلم من فعل خالد (3) في قتله بني
(1) في صحيحه رقم (90/ 1114)
(2)
في السنن رقم (710) وقال حديث حسن صحيح
(3)
يشير إلى الحدي الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم (4339) عن سالم عن بأبيه قال: بعث النبي- صلى الله عليه وآله وسلم خالد بن الوليد إلى بين جذيمة فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون صبأنا، صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي- صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين
جذيمة وقد بين وجه اجتهاده بالبقاء على الأصل، وكذلك تخطيته- صلى الله عليه وآله وسلم لأسامة بن زيد (1) في قتل من قال: لا إله إلا الله، وقد بين وجه اجتهاده بأنه إنما قالهاتقية، وحديث خالد وأسامة (2) في الأمهات وغيرها، فهذه الأدلة قد دلت على مطلق الخطأ، مصحوبا بالإثابة أو الإثم أو العفو بحسب اختلاف الأفعال، وعلى الجملة أن تسمية المخطئ بالمصيب من الإصابة التي هي منافية للخطأ، لا من الصواب الذي لا ينافيه مستلزمه لإبهام الشريعة وبيانها بالاجتهادات، وهذا لعمرك الغلو الظاهر، وأي غلو أبلغ من جعل الشريعة محرمة إن حرم المجتهد محلله إن حلل موجبة، وإن أوجب مسقطه إن أسقط.
نعم وأما استدلال القائل بأن كل مجتهد مصيب بقوله تعالى: {ففهمنها سليمان وكلا ءاتينا حكما وعلما} (3) فهي من الدلالة على التصويب بمراحل، وأي فائدة
(1) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه (4269) ومسلم في صحيحه رقم (96) من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما يقول: بعثنا رسول الله إلى الحرقة، فصحبنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله الله، فكف الأنصاري فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا بلغ النبي- صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قلت: كان متعوذا، فما زال يكررها، حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ".
(2)
تقدم تخريجهما في التعليقتين السابقتين.
(3)
[الأنبياء: 79].
قال الشاطبي في الموفقات (4/ 1656 - 166) بعد ذكر الآية: تقرير لإصابته عليه السلام في ذلك الحكم، وإيماء إلى خلاف ذلك في داود عليه السلام، لكن لما كان المجتهد معذورا مأجورا بعد بذله الوسع، قال:{وكلا ءاتينا حكما وعلما} .
قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن: (11/ 309): قال الحسن لولا هذه الآية لرأيت القضاة هلكوا، ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه وعذر داود اجتهاده
جاء بها التخصيص بالتفهيم مع الاستواء في الإصابة، وتبعية مراد الشارع لمراد يما؟ فالقائل بأنها دالة على التصويب مطرح بمعنى التفهيم الذي من شأنه إصابة المتصف به وخطأ مقابلة.
نعم فيها دالالة على العفو بعدية باعتبار قوله: {وكلا ءاتينا حكما وعلما} وقيل إنماكان كذلك الدفع توم إن داود- عليه السلام ليس بذي علم وحكم، وكيف [21] يتفقان في الإصابة (1) وقد رجع داود- عليه السلام إلى حكم سليمان!.
وأما الاستدلال بحديث: خلاف أمتي رحمة» (2) فهو لا يدل على التصويب، وعلى
(1) قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/ 311) إنما يكون الأجر للحاكم المخطئ إذا كان عالما بالاجتهاد والسنن والقياس وقضاء من مضى، لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم فقط، فأما من لم يكن محلا للاجتهاد فهو متكلف لا يعذر بالخطأ في الحكم، بل يخاف عليه أعظم الوزر يدل على ذلك حديث صلى الله عليه آله وسلم- القضاة ثلاثة».
قال ابن المنذر: إنما يؤجر على اجتهاده في طلب الصواب لا على المخطأ وما يؤيد هذا قوله تعالى {ففهمنها سليمان} قال الحسن أثنى على سليمان ولم يذم داود.
والخلاصة أن الحق في طرف واحد ولم ينصب الله تعالى عليه دلائل بل وكل الأمر إلى نظر المجتهدين فمن أصاب أصاب ومن أخطأ فهو معذور مأجور ولم يتعبد بإصابته العين بل تعبدنا بالاجتهاد فقط.
(2)
هذا الحديث لا أصل له.
- نقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع.
- فيض القدير شرح الجامع الصغير (1/ 212) وقال ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» (5/ 64): وهذا من أفسد قوله يكون، لأنه لو أن الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا مالا يقوله مسلم لأنه ليس إلا اتفاقا أو اختلاف، ولي إلا رحمة أو سخط» وانظر كلام المحدث الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/ 76 رقم 57) كشف الخفاء (1/ 66رقم 153)، تذكرة الموضوعات للفتى (2ص 90)
فرض دلالته عليه بالالتزام، فهو أيضًا مما لا أصل له ما قال المحدثون، وهم الناس في هذا ا لباب، واستشهاد مالك به في محفل من النسا لا يدل على صحته، وعلى فرض صحته له فهو ليس بحجة إن لم يسند، وأيضا فإن القطعيات بدفعه كقول الله تعالى {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات} (1) وقوله {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} (2) وقوله:{إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} (3) وقال: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو م تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} (4) وقد استعاذ النبي- صلى الله عليه وآله وسلم وآله وسلم ن الأولتين، وقال في الأخرتين: هاتان أهون» أخرجه البخاري (5) فجعل اختلاف الأمة عذابا ولم يجعله رحمة.
وقد قال- صلى الله عليه وآله وسلم «الجماعة رحمة، الفرقة عذاب. أخرجه.
(1) آل عمران: 105
(2)
[آل عمران: 103]
(3)
[الأنعام: 159]
(4)
الشورى: 13
(5)
في صحيحه رقم (4628) عن جابر رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم أعوذ بوجهك قال: أو من تحت أرجلكم، قال أعوذ بوجهك، {أو م تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض} قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم هذا أهون، أو هذا أيسر
الطبراني (1) من حديث النعمان بشير. وعنه- صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقتتل مسلمان، ولا يختلف عالمان.
«إذا عرفت هذا عملت عدم الإجماع الذي ادعاه المؤلف على الاختلاف والتصويب، بل وقوع الإجماع على التخطية، وهذا باعتبار المسائل الظنية ن وأما العقليات والقطعيات فقد حكى أئمة الأصول الإجماع على أن الحق فيها مع واحد، والمخالف في الضروريات منها- إن كانت دينا- كافر، وفي النظريات إثم، والبحث مستوفى في الأصول، فليرجع إليه. وكذلك الخلاف في الظني، وحكم المخالف للحق فيه.
وقد سقنا إليك من الأدله ما يطمئن به خاطم، يرشدك إلى بطلان قول المغترين الجاعلين مراد الله أحدا دائرا بين مرادات المجتهدين، وعلى أن هذه المقالة قريبة الميلاد، أول من قال بها المهدي لدين الله محمد بن الحسن الداعي، كما حكى ذلك عنه الإمام الهدي أحمد رأيت بن يحيي في مقدمة البحر (2) وشرحها، وهكذا قال أبو طالب في الإفادة.
وقد رأيت هذه الرواية في كثير من كتب أصحابنا التاريخية.
والعجب كل العجب ممن يدعي أن ذلك إجماع القدماء من أهل البيت، وعي لم تحدث على هذا إلا بعد إنقراض القدماء اصطلاحا بأكثر من أربعين عاما.
فإذا لم ينفعك في هدم هذه المقالة المحدثة كتاب الله، وسنة رسوله، فقد استحكم في قلبك داء العصبية العضال، وسمها الضار القتال فابك على دينك.
قوله: وبالجملة، فالنهى عن الاختلاف إلخ.
أقول: قد أنصف المؤلف- رحمة الله- بإقراره بقبطعية [22] النهي عن الاختلاف،
(1) عزاه إليه الهيثمي في «مجمع الزوائد «(8/ 182) وقال: رواه عبد الله وأبو عبد الرحمن راويه عن الشعبيي لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.
عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله والتحدث بنعمة الله وشكر وتركها كفر والجماعة رحمة والفرقة عذاب.
(2)
(1/ 3 - 6).
ولكنه تعقبه بما يضحك منه فقال: وقع الاختلاف في المذاهب أمر قطعي ظاهر، قد وقع عليه الإجماع، ووجب عليه العمل، وأنت قد عرفت بطلان دعوى الإجماع الذي ادعاه، فإن كانت معارضة ذلك الأمر القطعي بإقراره مستنده إلى هذا الإجماع ففيه ما قد سمعته، وأن كانت المعارضة بمجرد وقوع الخلاف بالضرورة فهذا شيء لا يقول به عالم، لأن الزنا، والربا، وشرب الخمر، وقتل النفس، ونحو ذلك معلوم وقوعه في هذه الأمة بالضرورة، فهل يقول عاقل بأن هذا الوقوع يعارض تلك الأدلة القاضية بتحريمه.
قوله: ولن يصوب الله أمرا نهى عنه.
أقول: لم يتم له هذا التلفيق إلا بالبناء على التصويب قد أبطلناه، فإذا عرفت بطلانه عرفت بطلان هذا الدليل الذي لا يتم إلا به.
قوله: فما بقي إلا تفسير الاختلاف بتخطيه بعض المجتهدين إلخ.
أقول: إذا كانت التخطية داخلة في مسمى الخلاف بأى دليل دل على قصره عليها، على أنك قد عرفت ما سردناه عن الصحابة من ذلك.
نعم لما ألجب المؤلف النصوص القرآنية، ولم يجد طريقا إلى ردها داعيته الحيل في تأويلها، وقع فيما وقع، وهكذا فلتكن التعسفات والتموية على المقصرين، وترويج خواطرهم بما لا طائل تحته.
قوله: وما ذكرتم في شأن التقريرات إلى آخر الرسالة.
أقول: المؤلف لما فرغ من تأصيل هذه المسائل التي مرت له وتقريرها، سلك الآن في تقرير فرعها، وقد عرفت ما هدمنا به الأصل الذي عليه أنبنت، وانهدام الفرع تابع له، والكلام على جميع الرسالة على الاستيفاء يستدعي كتابا حافلا، وقد تبين لك بما أسلفناه بقية الكلام على هذه الرسالة، فإن لم تنتفع بهذا المقدار فلست بمنتفع بالتطويل والإكثار، وطرق مذهب أهل البيت- سلام الله عليهم- مسهلة لا حاجة لطالبها إلى هذه
التعسفات، ولا ضرورة تلجيه إلى تلك التقريرات والتذهيبات، المؤسسة على أس لا أصل له عند من له من الفطنة والتوفيق أدنى نصيب، وغلى الجملة فحثية صولة الرعاع قد أمسكت بعنان القلم، ومنعت عن كثير مما يليق بالمقام إيراده
ولا جرم في فمي ماء وهل
…
ينطق من في فيه ماء
كمل من خط ومؤلفه: القاضي بدر الدين، وحاكم المسلمين محمد بن علي الشوكاني- حفظه الله- في ذي الحجة سنة 1203 وجعله قرة عين للمسلمين، وأبقى حكمه في جميع الأنام، وسدده إلى ما فيه رضاه آمين آمين آمين.