المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بحث في كون الولد يلحق بأمه - الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني - جـ ٨

[الشوكاني]

الفصل: ‌بحث في كون الولد يلحق بأمه

(131)

34/ 4

‌بحث في كون الولد يلحق بأمه

تأليف

محمد بن علي الشوكاني

حقَّقه وعلَّق عليه وخرَّج أحاديثه

محمد صبحي بن حسن حلاق

أبو مصعب

ص: 4095

وصف المخطوط:

1 -

عنوان الرسالة من المخطوط: "بحث في كون الولد يلحق بأمه".

2 -

موضوع الرسالة: "فقه".

3 -

أول الرسالة: "بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وآله الطاهرين آمين، آمين.

امتع الله العلي بحياة إمامها، وزين بوجوده وجوه أيامها

"

4 -

آخر الرسالة: "كتبه محمد بن علي الشوكاني غفر الله له والله يغفر لنا وله ويكفينا وإياه مهمات الدارين ويجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم، آمين آمين".

5 -

نوع الخط: خط نسخي ضعيف لكنه مقروء بصعوبة.

6 -

عدد الصفحات: 5 صفحات.

7 -

عدد الأسطر في الصفحة: 18 سطرًا.

8 -

عدد الكلمات في السطر: 16 كلمة.

9 -

الرسالة من المجلد الرابع من الفتح الرباني من فتاوى الشوكاني.

ص: 4097

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاةُ والسلام على سيدنا محمد الأمين، وآله الطاهرين آمينَ آمينَ.

أمتع الله العليُّ بحياة إمامِها، وزيَّن بوجوده وجوه أيامها، وأسبغَ عليه نعمَهُ منهمرة.

وسلامُ الله الأسنى، ورحمته وبركاته الواسعة الأفياء، تخص المولى الوالدَ الهُمام البدر شيخ الإسلام.

ما قولكم ـ رضي الله عنكم وأرضاكم ـ في قول الجماهير من العلماء في شأن الولد أنه يتبعُ الأمَّ في الحرِّية والرقية مع تبعه للأب في سائر الأحكام، هل له وجه صحيح أو لم تطمئن النفسُ؛ ولا ثبت بيان الشرع لها.

منها أن الولد كجزء من أبيه، وهذا مما لا خفاء في ضعفه، ثم ادعى الإجماع أيضًا، والإشكال في ثبوته أشدُّ لأن قُصارى ما صار الإجماعُ عندهم عدمُ المخالفِ مع عدم البحث والاستقراء التام. وقد وجدنا كثيرًا ما يدّعون الإجماعوالخلافُ قائمٌ، بل وجدنا دعوى الإجماع على حكم وخالفتهم الشافعية بدعوى الإجماع على القضية فمن الإحسان الإفادةُ ـ أحسن الله جزاءكم، وأحيا بحياتكم منار العلم الشريف، وأعز بكم شامخ المجد المنيف ـ وصلى الله على النبي محمد والآل والأصحاب سرمدَ.

ص: 4101

فأجاب المولى العلامة الأوحد جلالُه، وفخامة شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني ـ أمتع الله بحياته، وبارك في أوقاته ـ بما لفظه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيد المرسلين وآله الأكرمين.

أقول: الذي علَّلوا به في لحوق ابن الأمة بأمه إذا تزوجها حرًّا قد رضي العبودية لأولاده، لأن سيد الأمة لم يزوِّجه بها إلَاّ لانتفاعٍ بما يحصل من فوائدها، وأولادُها من فوائدها، مع أنهم يجعلون لهذا الولد الكائن من هذه الأمة لزوجها الحرّ حكم أبيه في النسب (1)، فيجعلونه عبدًا مملوكًا، ونسبه في الأحرار. بل قالوا: إنه لو تزوَّج القرشي بأمة غيرِه فجاءت ببنت كان لسيِّد هذه الأمة أن يطأ هذه البنت بالمُلك، مع كونها قرشية النَّسب، وهكذا ذكروا مسائل مترتبة على هذا اللحوق يضحكُ السامع منها عند سماعها كما وقع لهم عند الكلام على أنه يعتبر بالأم في الزكاة وبسنِّ الأضحية، وبالأب في النسب.

(1) قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(31/ 376): "إذا تزوج الرجل المرأة، وعلم أنَّها مملوكة، فإن ولدها منه مملوك لسيدها باتفاق الأئمة، فإن الولد يتبع أباه في النسب والولاء، ويتبع أمه في الحرية والرق".

- قال ابن قدامة في "المغني"(14/ 589): وإذا أصاب الأمة، وهي في ملك غيره، بنكاح فحملت منه، ثمَّ ملكها حاملاً، عتق الجنين وكان له بيعها.

وجملتُه أنَّه إذا تزوّج أمة غيره، فأولدها، أو أحبلها، ثم ملكها بشراء أو غيره، لم تصر أمُّ ولدٍ له بذلك، سواءٌ ملكها حاملاً فولدت في ملكه أو ملكها بعد ولادتها. وبهذا قال الشافعي، رضي الله عنه لأنّها علقت منه بمملوك، فلم يثبت لها حكم الاستيلاد. كما لو زنى بها، ثم اشتراها، ولأنّ الأصل الرّق، وإنّضما خولف في الأصل فيما إذا حملت منه في ملكه، بقول الصحابة رضي الله عنهم ففيما عداه يبقى الأصل.

ونقل القاضي ابن أبي موسى، عن أحمد رضي الله عنه أنَّها تصير أمّ ولدٍ في الحالين وهو قول الحسن وأبي حنيفة لأنّها أم ولد، وهو مالك لها فيثبت لها حكم الاستيلاء. كما لو حملت في ملكه.

ص: 4102

والحاصل أنهم لم يُسندوا هذه المقالة إلى شيء من الأدلة قطُّ، ولو كان ما ذكروه من كون اختيار الأب الحرِّ لعبودية أولاده من أمَةِ الغير التي تزوَّجها صالحًا لذلك يلزم مثلُه في أولاده الحادثين بينه وبين الحُرَّة، وهذا لا يقول به عاقل فضلاً عن عالم، والوجه الجامعُ بين هذه الصورة وبين صورة النِّزاع أن سبب الحريَّةِ قد حصل في الجميع، وليس لمزيد وجود سبب الحرية من الجهتين زيادةٌ على وجوده من جهة، وأيضًا كان يلزم أن يكون اختيار السيد لعبودية ولده الحادث من أمَتِه لوطئه لها مؤثِرًا أن مصيره عبدًا لأنه لا سبب للحرية هاهنا إلَاّ من جهة الأب فقط، وهو خلاف الإجماع [1أ] بل خلاف الضرورة الدينية، فكيف لم يكن اختياره في أم نفسه الوالدة على قريبته لوطئِه مؤثرًا في عبودية أولاده، مع كونه مؤثرًا لعبودية أولاِده الحادثينَ من أمة الغير التي تزوَّجها. والعجبُ منهم أنهم حرموا بأن يقضي مسلم بإسلام أحد أبويه، وحرموا بأن الولد الحادث من الأمّ المشتركة، وكان أحدهما حرًا، والآخر عبدًا أنه يلحقُ بالحرِّ دون العبد، ليستفيد من أبيه الحريةَ، ولو كان العبد مسلمًا فإن مزية الحرية مقدَّمةٌ على ذلك كما في قوله في الأزهار (1): فإن اختلفوا فللحرِّ دون العبد ولو مسلمًا، والحال أن هذه أمة مشتركةٌ ليس

(1)(2/ 350 مع السيل الجرار).

قال الشوكاني في "السيل الجرار"(2/ 350): "ينبغي في مثل هذا بحديث زيد بن أرقم الذي أخرجه أحمد (4/ 373) وأبو داود رقم (2270) والنسائي رقم (3488) وابن ماجه رقم (2348) وهو حديث صحيح ـ قال: "أُتي عليٌّ وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر فسأل اثنين فقال: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا. ثم سأل اثنين: أتقرّان لهذا بالولد؟ فقالا: لا فجعل كلما سأل اثنين: أتقران لهذا بالولد؟ قالا: لا. فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي أصابته القرعة. وجعل عليه ثلثي الدية، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه".

فهذا الحديث يدل على أن الحكم في الأمة المشتركة هو هذا الحكم العلوي مع هذا التقرير المصطفويّ والقُرعة قد ثبت العمل بها في السنة في مواضع كثيرة

.

وأما ما ذكره المصنف ـ صاحب الأزهار ـ فهو مجرد رأي لا يحمل الرجوع إليه مع ورود أقلِّ دليل وأبعد مستند. وانظر: "المغني (14/ 584).

ص: 4103

للحرّ الذي يحق به الولد لنا نصيبٌ منها، فكيف كانت مزية الحرية هاهنا مؤثرة، ولم تؤثر مزية الحرية في الحر الذي تزوَّج بأمةِ الغيرِ! فإن كانت هذه المقالةُ راجعة إلى ما تقرر في الشريعة الإسلامية فها هو هذا الذي تقرر فيها، فإني لم أقف في ذلك على دليل ولا شبه دليل وإن كان باعتبار ما كان متقررًا في أعراف الجاهلية، فالأمر عندهم بخلاف ذلك، ولهذا يقول عنترةُ العبسيُّ (1):

إني امرؤٌ من خَير عبسٍ مَنْصِبًا (2)

شَطْرِي وأحْمي سائري بالمُنصُلِ (3)

فإن هذا إنما كانت أُمُّه أَمةً، وكان أبوه سيِّدَ عبْس فأثبت لنفسه الحريةَ لحوقًا بأبيه، وجعل ما يلحقه من القالة لكونه ابن أمةٍ محميًا بالسيف يعني أنه يلحقُ بشجاعته، وفتكِه بأولاد الأحرار والحرائر، وإن كان هذا الذي قالوا لعرف متقرِّر عند أهل الإسلام لم يدلّ عليه شرع، فهذا مدفوع، فإن الخليفة المأمون يقول لما كان يعيّر بكون أُمه أَمةً:

لا تزرينَّ بفتى من أن تكونَ له

أمٌ من الرُّوم أو سوداءُ دعجاءُ

فإن أمهاتِ الناس أوعيةٌ

مستودَعاتٌ والماء بناء آباءُ

هذا وإن كان في أولاد الإماء المستولَدَات، لكن مقصودنا دفعُ ما قدمنا من أن مجرد اختيار الأب الحر لعبودية أولاده ليس من أسباب [1ب] العبوديةِ لا شرعًا، ولا عقلاً،

(1) انظر ديوانه (ص56) والقصيدة بعنوان (خير من معمّ مخول).

غزت بنو عبس بني تميم وعليهم، قيس بن زهير، فانهزمت بنو عبس، وطلبتهم بنو تميم، فوقف لهم عنترة. ولحقهم بكوكبة من الخيل، فحامى عنترة عن الناس فلم يصب مدبر، وكان قيس بن زهير سيدهم، فساءه ما صنع عنترة يومئذ. فقال حين رجع: والله ما حمى الناس إلى ابن السوداء، وكان قيس أكولاً، فبلغ عنترة ما قال، فقال يعرض به.

(2)

المنصب: الأصل والحسب.

(3)

المنصل: السيف.

انظر: "ديوان عنترة"(ص57).

ص: 4104

وإلا لزمَ في أولاد الإماء المستولدات (1) كما تقدم، بل لزم في أولاد الحرائرِ والأحرارِ كما عرفت، لأن وجود ما يستقل بالسببية يوجب المضيَّ عليها، كما يوجب المضيَّ عليها وجودُ سببين، أو أسبابٍ، لأن المراد حصولُ ما يصلح للسببيةِ. وقد وجد هنا غير معارض بما هو مثلُه، أو رجح منه، فقد حصل المقتضى ولم يوجد مانع يمنع من اقتضاء ذلك المقتضى إلَاّ مجرَّد خيالات مختلَّة، وعلل باطلة معتلة.

فإن قلت: قد ذكروا أن المكاتِبَ يردُّه في الرق اختياره حيث لا وفاء عنده لمال الكتابة (2).

قلت: وأين هذا من ذاك! فإن المكاتب باقٍ في العبودية، وهو عبد ما بقي عليهم درهم (3)، والعبودية أصله، فمقتضى حريته لم تحصل بل وجد المانع منها، وهو عدمُ قدرته على الوفاء بمال الكتابة (4)، فهو هنا إخبار ما هو أصله لعجزه، ولو لم يختر لم يصرِحّوا قطُّ إلَاّ بألوف ما كوتب عليه، ولم يبطل عليه إلَاّ ما قد كان ثبت له من بعض الأحكام المشروطة بالوفاء، وأين هذا من رجل حرٍّ خالصِ الحريةِ، معلومِ النسبِ تزوَّج بأمةِ غيرِه لعدم قدرتِه على نكاح الحرَّةِ، عملاً بقوله عز وجل: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ

الآية} (5) فكان هذا الدخول في هذا النكاح الذي أذن الله له به في كتابه العزيز موجبًا لعبودية أولاده شاء أم أبى، لمجرد زعم من زعم أنه لا يتزوَّج بأمة

(1) قال ابن قدامة في "المغني"(14/ 854 - 858): وجملة ذلك أنَّ الأمة إذا حملت من سيِّدها، وولدت منه، ثبت لها حكم الاستيلاد وحكمها حكم الإماء، في حِلّ وطئها لسيدها، واستخدامها، وملك كسبها وتزويجها، وإجارتها، وعتقها، وتكليفها، وحدِّها، وعورتها، وهذا قول أكثر أهل العلم.

وحكي عن مالك، أنَّه لا يملك إجارتها وتزويجها، لأنَّه لا يملك بيعها فلا يملك تزويجها وإجارتها، كالحُرَّة.

قال ابن قدامة: ولنا، أنَّها مملوكة ينتفع بها، فيملك سيّدها تزويجها وإجارتها، كالمدبَّرةِ، ولأنّها مملوكة تعتق بموت سيدها، فأشبهت المدبَّرةَ، وإنَّما منع بيعها، لأنَّها استحقت أن تعتق بموته، وبيعها يمنع ذلك، بخلاف التزويج والإجارة.

وانظر: "المجموع"(16/ 514 - 520).

(2)

قاله صاحب "الأزهار"(3/ 138 - مع السيل الجرار): قال الشوكاني تعليقًا على ذلك: "ليس للعبد هذا بعد الدخول في الكتابة والتراضي عليها، ولا وجه لقوله ولا وفاء عنده، فإن الظاهر عدم الجواز مطلقًا، لأنه تلاعبٌ بما قد تحقق فيه المناط الشرعي وهو التراضي، وأما عجزه فظاهرٌ لحديث عمرو بن شعيب ـ أخرجه أحمد (2/ 184) وأبو داود رقم (3927) والترمذي رقم (1260) وقال: حديث حسن غريب.

وابن ماجه رقم (2519) والحاكم (2/ 218) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيّما عبد كوتب بمئة أوقيّة فأدّاها إلا عشر أوقيّات فهو رقيق". وهو حديث حسن.

(3)

يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم (3926) بلفظ: "المكاتب رقيق ما بقي عليه من مكاتبته درهمٌ". وهو حديث حسن.

انظر: "الإرواء" رقم (1674).

(4)

الكتابة: إعتاق السيِّد عبده على مالٍ في ذمّته يؤدّي مؤجَّلاً. سميت كتابة لأنَّ السيد يكتب بينه وبينه كتابًا بما اتفقا عليه.

وقيل سميت كتابة من الكتب وهو الضمُّ لأن المكاتب يضمُّ بعض النجوم إلى بعض، ومنه سمِّي الخرز كتابًا لأنّه يضم أحد الطرفين إلى الآخر بخرزه.

والنجوم هي الأوقات لأنّ العرب كانت لا تعرف الحساب، وإنّما تعرف الأوقات بطلوع النجوم. والأصل في الكتابة. الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب: قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} [النور: 33].

أما السنة: تقدم ذكر الأحاديث.

وأجمعت الأمة على مشروعية الكتابة.

"المغني"(14/ 442).

(5)

[النساء: 25].

ص: 4105

الغير (1) إلَاّ وهو راضٍ لعبودية أولاده، حتى كأنَّ هذه المسألةَ في أم الكتاب يعرفُها كل مسلم.

وعلى تقدير أنه قد علم بذلك عند الدخول في النكاح، واختار عبودية أولاده فقد عرفتَ أن هذا الاختيار لا يسترقُّ أولاد الأحرارِ. وبعد هذا كلّه فاعلم أنهم قد اتفقوا على أن الولد يلحقُ بأبيه في النسب، وهذا عند التأمل يوجب بطلانَ (2) ما قالوه من عبودية أولاد الحرِّ الذي تزوّج [2أ] بأمةِ غيرِه، وبيان ذلك أنه لا معنى للحوقهِ بأبيه في النسب إلاّ أن يكون نسبه كنسبه، وإذا كان نسبه كنسبه فله ما للأحرار باعتبار الأنساب [ .... ](3) ثبوت كونهم أحرارًا فكيف يكون ولد الحرِّ عبدًا، وهو يلحقُ بأبيه في النسب!، وهل هذا إلَاّ مناقضةٌ بينةٌ ظاهرةٌ دامغةٌ! فإنه إذا كان عبدًا فقد مسَّه الرِّقُ، ومن مسه الرقُّ فهو أدنى الناس كفاءة، وأضعفهم نسبًا، وأقلهم حسبًا، فما هو هذا النسب الذي استفاده من أبيه، وهو عبد يباع في الأسواق بالتافهِ النَّذْر من القيمة، ويستخدمه من دبّ وراح، ويملكه البّرُّ والفاجر! وإذا كان أمة وطِئَها بالملك الرفيعُ والوضيعُ والحقيرُ والكبير.

وبالجملة فقد كفونا المؤنَة بقولهم: إنه لم يلحق بأبيه في النسب، وأبطلوا نصهم بنصِّهم، ودفعوا قولهم بقولهم، لأن إثبات نسب أبيه له موجبٌ لعدم عبوديته، أو لا يصح أن يقال: إن الفائدة له من إثبات هذا النسب هو كونه يرثُه، لأن المفروض أنه عبد للغير. والرق من موانع الإرث، ولا يصح أن يقال إنه يصير بهذا النسب الذي استفاده من أبيه كفوًا لأمثال أبيه من الأحرار، لأن المفروض أنه عبد، وأنه أدنى الناس كفاءةً،

(1) تقدم ذكره.

وانظر "المغني"(14/ 589 - 591).

(2)

انظر "المجموع"(16/ 515)، "مجموع الفتاوى"(31/ 376، 383).

(3)

كلمة غير واضحة في المخطوط.

ص: 4107

وأنه لا ينكح إلَاّ بإذن سيده، وهو مالك الأمة فهو لا ينتفع بهذا النسب بمنفعة دنيوية قطٌّ لما عرفت، ولا ينتفع به أيضًا بمنفعة دينية، لأن المنافع الدينية إنما تكتسب بالأعمال، وإن كان غاية ما تحصلُ له من المنفعة بإثبات نسبِ أبيه له هو أن يقالَ له هذا ابن فلانٍ، فليس في هذا من النفع شيء، مع أنه هذا يقال له عبدُ فلان، فلا يقوم الرفع بالرق ولا الرفع بالوضع.

فعرفت من مجموع ما ذكرنا التنافض (1) بين قولهم إنه يلحقُ بأمِّه في العبودية، وبأبيه في النسب، وهكذا الأقوال التي لا تنبني على دليل، ولا على رأي مستقيم تكون مضطربةً متناقضةً يدفع بعضُها بعضًا، ويردُّ بعضُها بعضًا.

(1) نجد الشوكاني يخالف ما قاله ابن تيمية وغيره من العلماء.

قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى"(31/ 376): سئل رحمه الله عن رجل قرشي، تزوج بجارية مملوكة، فأولدها ولدًا، هل يكون الولد حرًّا أم يكون عبدًا مملوكًا؟.

فأجاب: الحمد لله رب العالمين، إذا تزوج الرجل المرأة، وعلم أنّها مملوكة، فإن ولدها منه مملوك لسيدها باتفاق الأئمة فإن الولد يتبع أباه في النسب والولاء، ويتبع أمه في الحرية والرق.

ثم قال في "مجموع الفتاوى"(31/ 383): وأما إذا تزوج العربي مملوكة فنكاح الحر للمملوكة لا يجوز إلا بشرطين: خوف العنت، وعدم الطول إلى نكاح الحرة، في مذهب مالك والشافعي وأحمد.

وعلَّلوا ذلك بأن تزوجه يفضي إلى استرقاق ولده، فلا يجوز للحر العربي ولا العجمي أن يتزوج مملوكة إلا لضرورة، وإذا تزوجها للضرورة كان ولده مملوكًا، وأما أبو حنيفة فالمانع أن تكون تحته حرة وهو يفرق في الاسترقاق بين العربي وغيره.

وأما إذا وطئ الأمة بزنا فإن ولدها مملوك لسيدها بالاتفاق، وإن كان أبو عربيًّا، لأن النسب غير لاحق. وأما إذا وطئها بنكاح وهو يعتقدها حرة، أو استبرأها فوطئها يظنها مملوكته، فهنا ولده حر، سواء كان عربيًّا أو عجميًّا. وهذا يسمى "المغرور" فولد المغرور من النكاح أو البيع حر، لاعتقاده أنه وطئ زوجة حرة، أو مملوكته وعليه الفداء لسيد الأمة كما قضت بذلك الصحابة، لأن فوت سيد الأمة ملكهم، فكان عليه الضمان، وفي ذلك تفريغ ونزاع ليس هذا موضعه. والله أعلم".

وانظر: "المغني"(14/ 589 - 595).

ص: 4108

فالحاصل من البحث أن ولد الحر المتزوج بأمةِ غيره حرٌّ (1) خالص، سواء رضي لعبودية أولاده أو لم يرضَ [2ب]، وسواء رضي مالكُ أو لم يرضَ. ولا يلزم هذا الزوج لمالك الأمة شيئًا، وإن شرط عليه ذلك، لأن هذا الشرط قد تضمن تحليل ما حرَّمه الله ـ سبحانه ـ من عبودية الأحرار، فإن الحديث المتضمن لكون المؤمنين عند شروطهم مقيَّد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم:"إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً"(2) وهذا منه. وأيضًا في حديث بريرة: "ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله! " وفيه الزَّجر البالغ لمن اشترط أن يكون ولاءُ بريرةَ له كما في الصحيحين (3) وغيرهما (4). ومعلوم لكل من يفهم أن اشتراط مجرد الوالاء (5) على من عُتق (6) بعد أن كان عبدًا متحقق العبوديةِ لغير من له الولاء عليه أخف، وأخف من

(1) وما نرجحه قول الشوكاني فتأمله.

(2)

تقدم تخريجه مرارًا.

(3)

أخرجه البخاري في صحيحه رقم (2155) ومسلم رقم (8، 9/ 1504).

(4)

كأبي داود رقم (2233) والترمذي رقم (1154) والنسائي (6/ 164 - 165) وابن ماجه رقم (2521) من حديث عائشة رضي الله عنها.

(5)

انظر "المفهم"(4/ 327 - 329)

(6)

العتق في اللغة: الخلوصُ. ومنه عتاق الخيل، وعتاق الطَّير أي خالصتها وسمّي البيت الحرام عتيقًا، لخلوصه من أيدي الجبابرة.

وهو في الشرع: تحرير الرقبة، وتخليصها من الرِّقِّ.

يقال: عتق العبدُ، وأعتقته أنا، وهو عتيق، ومعتقٌ والأصلُ في الكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب: فقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3].

وقوله تعالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 13].

وأما السنة: ما أخرجه البخاري رقم (2517) ومسلم رقم (22/ 1509) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق رقبة مسلمةً أعتق الله بكل عضوٍ منه عضوًا من النار حتى فرجه بفرجه".

وأجمعت الأمة على صحة العتق وحصول القربة به.

والعتق من أفضل القرب إلى الله تعالى، لأن الله تعالى جعله كفارةً للقتل والوطء في رمضان، والأيمان، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم فكاكًا لمعتقه من النّار، ولأنّ فيه تخليص الآدمي المعصوم من ضرر الرِّق وملك نفسه ومنافعه وتكميل أحكام، وتمكنه من التصرف في نفسه ومنافعه، على حسب إرادته واختياره، وإعتاق الرجل أفضل من إعتاق المرأة.

انظر: "المجموع"(16/ 511 - 514)، "مجموع الفتاوى"(31/ 376).

ص: 4109

اشتراط عبودية الأحرار الذين ثبتت لهم الحرية لحرية آبائهم، مع أنه ليس في اشتراط ولاء بريرةَ إلَاّ مجرَّد اختلافِ ثبوت الولاء لأحد الجهتين، مع كونه ثابتًا في الجملة على كل حال. فأين هذا من حظر إثبات عبودية الأحرار بالشروط المدفوعةِ بالأدلة!.

وفي هذا المقدار كفاية، والله ولي التوفيق.

انتهى جواب المفيد الشافي من المولى الوالد العلامة البدر محمد بن علي الشوكاني دام سعده، وخلد مجده، ومن خطه نقل وفي آخره:

كتبه محمد بن علي الشوكاني ـ غفر الله له ـ والله يغفر لنا وله. ويكفينا وإياه مهمات الدارين ويجعل الأعمال خالصةً لوجهه الكريم، آمين آمين [3أ].

ص: 4110