الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
…
المطلب الأول: تعريف القطع لغة.
قال ابن سِيدَه1: "القطع: إبانة بعض أجزاء الجرم من بعض فصلا، قطعه يقطعه قطعاً وقَطيعةً وقُطوعاً"2.
والفصل يكون في الأمور المحسوسة كقطع الحبل.
ويكون في الأمور المعقولة كقطيعة الرحم ومن ذلك قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَولَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا في الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} 3، وكالقطع في الحكم على أمر ومن ذلك قوله تعالى:{قَالَتْ يَأَيهَا الْمَلأُ أَفْتُوني في أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ} 4 5، وكالقطع أو قطع الدابر: بمعنى الإهلاك أو استئصال النوع، ومن ذلك قوله تعالى: {لِيَقْطَعَ
1 هو علي بن إسماعيل، أبو الحسن بن سِيدَه المرسي الأندلسي، من أئمة اللغة والأدب، وكان ضريرا، من تصانيفه: المحكم والمحيط الأعظم، الأنيق في شرح حماسة أبي تمام، وغيرها. توفي سنة (458) هـ. انظر سير أعلام النبلاء 18/144-146 الأعلام5/69 ومقدمة محققَي (المحكم لابن سيده) 1/5.
2 المحكم في اللغة لإسماعيل بن سيده 1/88، وما ذكره موجود بحرفه في لسان العرب لابن منظور 1/276-278 وانظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس 5/101.
3 سورة محمد (22) .
4 سورة النمل (32) .
5 انظر المفردات للراغب ص615-616.
طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} 1 أي: ليهلك أمة منهم2، وقوله عز وجل:{وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلكَ الأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ} 3.
وفي اللغة استعمالات كثيرة للقطع منها:
- قولهم: قطع زيد لسان عمرو: إذا أسكته بعطائه وإحسانه إليه.
- وقولهم: انقطع لسانه: إذا ذهبت سلاطته.
- وقولهم: أَقطع الرجلُ: إذا انقطعت حجته وبُكِّت بالحق فلم يجب، فهو مُقطع.
- وقولهم: قطع زيد عمرا بالحجة: إذا بكّته.
- وقولهم - على سبيل المثل -: كلام قاطع: أي نافذ4.
1 سورة آل عمران (127) .
2 انظر تفسير ابن كثير1/411 والمفردات/616.
3 سورة الحجر (66) .
4 انظر تهذيب اللغة للأزهري 1/195-196 والمحكم في اللغة لابن سيده 1/88-91 والصحاح للجوهري 3/1268 ولسان العرب 8/279 والقاموس المحيط للفيروزابادي 3/73 وانظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الجزري 4/83.
المطلب الثاني: القطع عند الأصوليين
قبل ذكر استعمال الأصوليين للقطع يحسن هنا التعرض لبعض الاصطلاحات المتعلقة بالقطع في علوم أخرى غير أصول الفقه.
1-
فمن ذلك: (القطع) في علم قراءة القرآن.
وهو مرادف للوقف والسكت عند بعض العلماء، وجعل بعضهم القطع: "قطع القراءة رأسا، فهو كالانتهاء، فالقارئ به كالمُعرِض عن القراءة والمنتقل منها إلى حالة أخرى سوى القراءة كالذي يقطع على حزب
…
أو في ركعة ثم يركع، أو نحو ذلك مما يؤذن بانقضاء القراءة والانتقال منها إلى حالة أخرى
…
ولا يكون إلا على رأس آية لأن رؤوس الآي في نفسها مقاطع "1.
2-
ومن ذلك: (الحديث المقطوع) في اصطلاح المحدثين.
وهو المتن المنتهي إلى التابعي فمن دونه من قول أو فعل أو تقرير، حكما أو تصريحا، ويجمع على (المقاطيع) و (المقاطع)2.
1 النشر في القراءات العشر للحافظ ابن الجزري1/240 وانظر الإتقان في علوم القرآن لجلال الدين السيوطي1/88-89.
2 انظر مقدمة ابن الصلاح ص125 والتقريب للنووي مع تدريب الراوي للسيوطي 1/194 ونزهة النظر لابن حجر العسقلاني ص140-145.
3-
ومنه (النعت المقطوع) عند علماء النحو.
وهو النعت الذي خرج من حالة التبعية للمنعوت في الإعراب إلى حالة الاستقلال بالإعراب لأغراض بلاغية، كقولك: جاء الرجلُ العدلَ، ورأيت الرجلَ العدلُ.
وحقيقة القطع في ذلك أن يُجعل النعت خبرا لمبتدأ، أو مفعولا لفعل.
وقد يطلق القطع في النحو على قطع الاسم عن الإضافة أي: كونه غير مضاف، فالاسم على ذلك (مقطوع عن الإضافة)1.
4-
ومن ذلك (القطع) في بعض بحور الشعر عند علماء العروض.
وهو: أن يحذف آخر وتده المجموع ويسكن ما قبله، ويسمى البحر بذلك (مقطوعا) لأنه قطعت حركة وتده.
والوتد المجموع: حرفان متحركان بعدهما حرف ساكن، والوتد المفروق: حرفان متحركان بينهما حرف ساكن2.
5-
ومنه (همزة القطع) أو (ألف القطع) عند علماء التصريف.
1 انظر كتاب الكافية في النحو لابن الحاجب مع شرح الرضى 1/315-317 وص296 وأوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك لابن هشام 3/318 وص111 والنحو الوافي لعباس حسن 3/468 وما بعدها.
2 انظر الكافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي ص33 وص144 والثريا المضية في الدروس العروضية للشيخ مصطفى الغلاييني ص5 والكامل في العروض والقوافي لمحمد قناوي ص63 والتعريفات للشريف الجرجاني ص178.
وهي: الهمزة التي تثبت في الابتداء بالكلمة ولا تسقط في دَرَج الكلام، أي: عند وصل الكلمة بغيرها، ومثالها: الهمزة في (إبراهيم وإخراج وأَعطى وأحمد وأحمال وأقِمْ) ، وهذه الهمزة في مقابلة همزة الوصل التي تثبت في الابتداء دون الوصل1.
6-
وقد يطلق في كتب الفقه (القطع) و (قاطع) و (مقطوع) على قطع الطَرَف جناية أو قصاصا وما يتعلق به2، وربما أطلق ذلك على قطع الطريق3.
ومن الاستعمال المعاصر للقطع في معناه الأصولي: عبارة (ممنوع الوقوف والانتظار قطعيا) في إشارات تنظيم المرور والسَّير، والمقصود منها سلب العذر عن الواقف والمنتظر في المحل المشار إليه بذلك مهما كان احتمال وقوفه وانتظاره4.
1 انظر كتاب الألفات لابن خالويه ص69 والقول الفصل في التصغير والنسب والوقف وهمزة الوصل لعبد الحميد عنتر ص206.
2 انظر مثلا: نهاية المحتاج 7/283، 284، 285، 439 فما بعدها.
3 انظر مثلا: الفقه الإسلامي وأدلته 6/129-135، 141.
4 انظر في معنى إشارة (ممنوع الوقوف والانتظار) في دراسة إدخال تعليم سلامة المرور في مقررات المرحلة المتوسطة للتعليم العام لمجموعة من الدارسين ص65، وتوجد هذه العبارة كثيرا بإضافة (قطعيا) في الواقع المشاهد.
عبارات القطع في أصول الفقه:
القطع معنى يصف به علماء أصول الفقه رحمهم الله، أمورا كثيرة:
فيصفون به الدليل كقولهم: (دليل قطعي) ونحو ذلك1.
ويصفون به الحكم مثل قولهم: (حكم قطعي) و (حكم مقطوع به)2.
ويصفون به المسألة كقولهم: (مسألة قطعية) أو (مسألة مقطوع بها)3.
بل ويصفون به الجواب عن الاعتراض ومن ذلك قولهم: (جواب قطعي) أو (جواب قاطع)4.
ويصفون بالقطع أمورا أخرى غير ذلك5.
غير أن مدار كل ذلك على قطعية الدليل لأن قطعية الحكم بحسب الدليل القطعي عليه، والمسألة تكون قطعية لأن الدليل المستدل به فيها
1 سيأتي الكلام على ذلك مفصلا - قريبا - إن شاء الله تعالى.
2 انظر مثلا: المستصفى للغزالي (بولاق) 2/231،257 والمحصول لفخر الدين الرازي 1/83 والتحرير مع التقرير والتحبير1/18.
3 انظر مثلا: المستصفى2/20-21.
4 انظر مثلا: المحصول5/86-87.
5 مثل: الوجه القاطع والرأي القاطع (انظر البرهان 1/405، 2/485) ، والبيان القاطع (انظر المستصفى 2/15) ، والعلامة القاطعة (انظر الموافقات 4/83) ، والتصديق القاطع (انظر شرح الكوكب المنير 1/63-64) ، والقرينة القاطعة (انظر مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت 2/214-215) ، والدلالة القاطعة (انظر تلخيص التقريب للجويني 1/167-170) .
قطعي، والجواب قاطع إذا أُتي فيه بما يفيد القطع، فوصف هذه الأمور بالقطع يدور على قطعية الدليل وينتهي إليها.
وأما القطع في الدليل فإنهم رحمهم الله يعبرون عنه بعبارات متنوعة، وقفت منها على أربع:
العبارة الأولى: صوغ اسم الفاعل من القطع: (الدليل القاطع)1.
العبارة الثانية: صوغ اسم المفعول من القطع: (الدليل المقطوع به)2.
العبارة الثالثة: صوغ الاسم المنسوب من القطع: (الدليل القطعي)3.
العبارة الرابعة: وصف الدليل باقتضاء القطع، أو إيجابه، أو إفادته،
1 انظر هذه العبارة في: الأم للإمام الشافعي4/181 والتقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني1/72، 308 والبرهان لإمام الحرمين1/168 والغياثى له أيضا ص/60 والمستصفى للغزالي2/179-180 (بولاق) 2/365 والإحكام للآمدي1/168 وإحكام الفصول للباجي ص717 والموافقات للشاطبي4/183 وشرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي3/29-30 وميزان الأصول في نتائج العقول لعلاء الدين السمرقندي ص434،545،548، 639 وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر2/33.
2 انظر هذه العبارة في: التقريب والإرشاد1/295-296 والعدة لأبي يعلى الفراء2/555، 556، 557 والمستصفى 2/210-211، 402-403 والإحكام للآمدي1/238-239 والبحر المحيط للزركشي 5/73.
3 انظر هذه العبارة في: الوصول لابن برهان1/94، 2/88 والبحر المحيط للزركشي4/498 ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية 3/312-314 والصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية 3/797 والموافقات3/15-16 وانظر أصول الشاشي/379 وميزان الأصول للسمرقندي ص319، 320،529، 545، 637، 754، 757.
أو نحو ذلك، مثل:(الدليل المقتضي، أو الموجب، أو المفيد القطع)1.
أما العبارة الأولى وهي قولهم: (الدليل القاطع) فيجمع على (أدلة قاطعة) أو (أدلة قواطع) وقد يقدّم الوصف ويضاف إلى الموصوف فيقال: (قواطع الأدلة) 2 وقد يحذف الموصوف فيقال (القواطع) .
والقطع في هذه العبارة صفة للدليل حقيقة بإسناده إليه، فالدليل هو الذي يَقطع، أما الذي يقطعه الدليل فالعلماء يذكرون أمورا كثيرة، إذ يقولون في الدليل: إنه قاطع أو يقطع (العذر) 3 أو (الاحتمال) 4 أو نحو ذلك مما يضعف الدليل ويوهن قوته ثبوتا أو دلالة، كالتردد والشك فيه أو
1 انظر هذه العبارة ونحوها في: التقريب والإرشاد للباقلاني1/221 وإحكام الفصول للباجي ص 263،264،265،502 وشرح اللمع الشيرازي1/498 والتمهيد لأبي الخطاب 3/177 وشرح تنقيح الفصول للقرافي/339 وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب2/169 والإبهاج لابن السبكي 1/202، 3/277 وأصول السرخسي1/277-278 وكتاب الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/167.
2 وهذا عنوان كتاب في أصول الفقه لأبي المظفر السمعاني، ولأبي المعالي الجويني كتاب "الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد"انظر مقدمته ص23.
3 انظر: الرسالة للإمام الشافعي/460-461 والتقريب والإرشاد للباقلاني1/281 والعدة لأبي يعلى 3/843،875، 4/1316 وإحكام الفصول للباجي ص292،481 وشرح اللمع للشيرازي 1/498،505، 2/600،654 وأصول السرخسي1/277-278 الموافقات 4/183 وتفسير ابن جرير الطبري 8/58-59 وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 2/33،40 ودرء تعارض العقل والنقل لابن تيمية1/28.
4 انظر: البرهان للجويني1/232 والمستصفى2/15 وتقويم الأدلة لأبي زيد الدبوسي2/433.
الشبهة1 أو الخلاف2.
وأما العبارة الثانية وهي قولهم: "الدليل المقطوع به" فيجمع على (أدلة مقطوع بها) ، والدليل فيها موصوف بالقطع لكنه - في الحقيقة - الأمر الذي حصل به القطع كأنه آلة القطع وليس القاطع نفسه، فيكون تقدير هذه العبارة:(يَقطع موردُ الدليل أو المستدلُ به العذرَ أو الاحتمال بالدليل) ، فالقاطع مورد الدليل أو المستدل به، والعذر أو الاحتمال مقطوع، والدليل مقطوع به.
وقد يحذف الجار في هذه العبارة - وهو الباء من (به) - فيستتر الضمير بعد حذف الجار فيقال: (دليل مقطوع) توسعا بالتعدية إلى الضمير بدون توسط حرف الجر3.
وقد يُعبّر بالقاطع عن المقطوع به فيقال: (دليل قاطع) ويراد (دليل مقطوع به) من باب إسناد ما للفاعل إلى المفعول، لأن القاطع حقيقة - كما سبق - هو مورد الدليل أو المستدل به، لكن يسند فعله (وهو القطع)
1 انظر استعمال الشبهة في معنى قريب من الاحتمال في الأم للإمام الشافعي4/181 وأصول الشاشي379.
2 انظر إطلاق أن الدليل يقطع حكم الخلاف أو نحو ذلك في شرح العمد لأبي الحسين البصري 1/219،244، وهذا يكون في القطعي المطلق الذي يستوي فيه الناظرون، انظر أثر الخلاف في منع القطعية صخطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة. من هذا البحث.
3 انظر الإبهاج للسبكي1/40.
إلى الدليل (وهو المفعول به) لملابسة فاعل القطع والمفعول به كليهما لفعل القطع، كما ورد مثل ذلك في قوله تعالى:{فَهُوَ فيِ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} 1 أي: مرضية2.
ويعدّي أهل العلم - رحمهم الله تعالى - القطع بالباء كما في الأمثلة السابقة، وقد تكون تعدية القطع في هذه العبارة ب (على)، فيقال:(دليل مقطوع عليه) أو (دليل مقطوع على مُغَيَّبِه) 3 أو نحو ذلك، وذلك محمول - والله أعلم - على أحد أمرين:
الأول: أن ذلك من باب تعدية القطع إلى مدلول الدليل دون ضميره كما في أصل العبارة، فيكون تقدير العبارة - على هذا -:(يُقطع بالدليل على مغيبه) ، فالدليل مقطوع به على مغيبه4.
1 سورة القارعة (7) .
2 انظر شرح المحلي على جمع الجوامع1/22 وقال البغوي في تفسير الآية: " {رَاضِيَة} : مرضية في الجنة، قال الزجاج: ذات رضا، يرضاها صاحبها "تفسير البغوي4/519 وانظر تفسير الخازن 7/237.
3 انظر المعتمد لأبي الحسين البصري 2/113-115، و1/377،2/43،54،58، 68 وشرح العمد للمؤلف السابق 1/122، 143،274،338،346 والعدة لأبي يعلى 2/497،568، 781، 3/881،999،1162 وإحكام الفصول للباجي/502، والتمهيد لأبي الخطاب 2/12، 3/93.
4 ومعنى هذه العبارة (خبر مقطوع على مغيبه) أي: على مدلوله الغائب عن المبلَّغ، فيقطع بهذا المغيب كأنه شاهده أو سمعه، وانظر خصوص هذه العبارة في المعتمد2/113-115 وإحكام الأحكام لابن حزم1/116-117.
الأمر الثاني: أن تكون تعدية القطع ب (على) والباء في الاستعمال بمعنى، فيقال: جوازا (دليل مقطوع به) أو (مقطوع عليه) .
وهو استعمالٌ كثير عند أبي الحسين البصري1 في المعتمد وشرح العُمَد2.
وموافقة (على) للباء في المعنى استعمال سائغ في اللغة، ومن ذلك قوله تعالى - عن موسى عليه السلام:{حَقِيقٌ عَلَىَّ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَاّ الْحَقَّ} 3 قال النحاس رحمه الله4: في بيان معنى {حَقِيقٌ} : "
…
بمعنى جدير وخليق، يقال: فلان خليق بأن يفعل وجدير بأن يفعل وعلى أن يفعل
1 هو محمد بن علي بن الطيب، أبو الحسين البصري، من أئمة المعتزلة، أصولي متكلم، من تصانيفه: المعتمد في أصول الفقه، وشرح الأصول الخمسة، توفي سنة (436) هـ. انظر سير أعلام النبلاء 17/587-588 وشذرات الذهب لابن العماد الحنبلي3/259 والفتح المبين في طبقات الأصوليين1/237.
2 فهو يقول مثلا: "النص المقطوع عليه "شرح العمد1/346، ويقول:"الكتاب والسنة المقطوع عليها "شرح العمد1/143، ويقول:"يقطعون على لزوم الحكم "المعتمد2/64. وقد سبقت - قريبا - الإشارة إلى مواضع أخرى من ذلك.
3 سورة الأعراف (105) .
4 هو أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو جعفر النَّحَّاس، نحوي أديب مفسر، من تصانيفه: إعراب القرآن، تفسير أبيات سيبويه، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (338) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان1/99-100 وسير أعلام النبلاء15/401-402 والأعلام للزركلي 1/208.
بمعنى واحد "1.
ومن ذلك ورود (على) في المعاوضات المحضة، كالنكاح والبيع والإجارة2، ومنه قوله تعالى - عن شعيب عليه السلام:{إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} 3، وتقول:"بعتك هذا الثوب على درهم " ونحو ذلك: أي بدرهم، وذلك من باب تناوب حروف الجر4.
وأما العبارة الثالثة وهي قولهم: (الدليل القطعي) فيجمع على (أدلة قطعية) ، وقد يحذف الموصوف فيقال (قطعيات) .
والدليل في هذه العبارة موصوف بالقطع لكن النسبة هنا مطلقة لا
1 إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس1/628، وانظر موافقة الباء (على) في الاستعمال في حروف المعاني لأبي القاسم الزجاجي ص86 وحروف المعاني لعبد الحي حسن كمال ص179، ويدل على ذلك ما ذكر القرطبي من أن الآية في قراءة أُبيّ والأعمش:(حقيق بأن لا أقول) بالباء بدل (على) انظر تفسير القرطبي7/256.
2 النكاح في الشرع: عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدا. والبيع: مبادلة المال المتقوم بالمال المتقوم تمليكا وتملكا. أما الإجارة: فهي عبارة عن العقد على المنافع بعوض هو مال. انظر التعريفات للجرجاني: ص246،48،10.
3 سورة القصص (27) وانظر تفسير القرطبي13/373.
4 انظر أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار2/173 والبحر المحيط للزركشي2/306. وانظر مسألة تناوب حروف الجر وما يشترط فيه ومذاهب علماء العربية فيها في النحو الوافي لعباس حسن 2/496-501.
تشعر بكون الدليل هو القاطع كما في العبارة الأولى، أو بكونه المقطوع به كما في العبارة الثانية.
وأما العبارة الرابعة وهي نحو قولهم: "الدليل المقتضي أو الموجب أو المفيد القطع" فيجمع على (أدلة مقتضية أو موجبة أو مفيدة القطع) .
وهي قريبة من العبارة الأولى (الدليل القاطع) ، لأن اقتضاء الدليل القطع وإيجابه له ظاهره أنه يُلزم من ينظر فيه القطع ويلجئه إليه، وذلك يخرج الدليل عن كونه مثل الآلة المجردة في القطع كما هو ظاهر العبارة الثانية (الدليل المقطوع به) . والله تعالى أعلم.
ألفاظ بمعنى القطع في استعمال الأصوليين:
1-
العلم:
وقد اختلف استعمال العلماء للعلم والقطع:
- فالعلم عند بعضهم مرادف للقطع واليقين مرادفة مطلقة، فلا يستعمل لما دون القطع واليقين إلا على سبيل التجوز في الاستعمال، بل ذلك عند
بعضهم ضرب من التناقض في القول وعدم التحقيق فيه1، وعلى
1 انظر تلخيص التقريب للجويني1/167-170، 2/236 وإحكام الأحكام لابن حزم1/142-143 وإحكام الفصول للباجي ص324 والمستصفى2/179-180 والبحر المحيط للزركشي 4/263 وشرح الكوكب المنير1/63-64 وتقويم الأدلة للدبوسي 3/1051-1053 وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت 1/12-13.
هذا جاء تعريفهم للعلم كقولهم: "هو عبارة عن أمر جازم لا تردد فيه ولا تجويز "1، أو أنه "عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التمييز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه"2.
- والعلم عند بعض آخر من العلماء أعم إطلاقا من القطع، فالظاهر الراجح عند هؤلاء علم وإن لم يكن علما مقطوعا به3، فالعلم على هذا يطلق على القطع، وعلى ما دونه، وهو العلم الظاهر أو علم غالب الرأي.
وعلى هذا ظاهر استعمال الشافعي4 رحمه الله للعلم في كتابه (الرسالة)، يدل على ذلك قوله:"العلم من وجوه: منه إحاطة في الظاهر والباطن، ومنه حق في الظاهر "5، ومثّل للأول باستقبال الكعبة إذا
1 المستصفى1/76-77.
2 الإحكام للآمدي1/13 وانظر المحصول1/83 وشرح مختصر الروضة1/156 والتحرير مع التيسير 1/25.
3 انظر التمهيد لأبي الخطاب3/52 ومجموع فتاوى ابن تيمية4/370-371 والبحر المحيط 1/21-82 وانظر أصول السرخسي 1/326-327 2/129 وميزان الأصول للسمرقندي ص437،568،730 والتحرير مع التيسير1/25 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت1/12-13 والثبات والشمول في الشريعة لعابد بن محمد السفياني ص74-75.
4 هو محمد بن إدريس بن العباس أبو عبد الله الشافعي، من الأئمة المتبعين في الفقه وأصوله، وإليه ينسب المذهب الشافعي، واشتهر بأنه أول من صنف في أصول الفقه مؤلفا مستقلا، صنف فيه الرسالة، ومن تصانيفه: الأم، توفي سنة (204) هـ. انظر وفيات الأعيان لابن خلكان4/63-169 وسير أعلام النبلاء10/5-99 والفتح المبين للمراغي1/127-135.
5 الرسالة ص478-479.
كان المصلي في المسجد الحرام، وبفرضية الصلاة والزكاة والحج، ومثّل للثاني باستقبال القبلة إذا كان المستقبل بعيدا عن المسجد الحرام حيث لا يقطع بإصابة البيت، وبقبول عدالة المسلم بما ظهر من إسلامه فيناكح ويوارث، وقد يكون غير عدل في الباطن فلا يقطع من ظاهر حاله أن باطنه كذلك1!
وهو رحمه الله إذا أراد العلم القطعي قيد مطلق العلم ب (الإحاطة) كقوله: "والعلم يحيط "2 وقوله: "أحاط العلم"3 وقوله: "يعلم بإحاطة"4، فالدال على القطع في عبارته كلمة:(إحاطة) المقيِّدة لمطلق العلم، ومعناها: إحاطة العلم بظاهر الدليل وباطنه، كقوله فيما سبق: "علم
إحاطة في الظاهر والباطن "وقوله: "حق في الظاهر والباطن "5،
1 انظر الرسالة ص480.
2 الرسالة ص59، 61،300،323،400،488،491.
3 الرسالة ص63،399.
4 الرسالة ص489.
5 الرسالة ص478،485،486. يقول الشاطبي:"المراد بالظاهر هو المفهوم العربي، والباطن هو مراد الله من كلامه وخطابه "الموافقات3/383-384 وانظر3/386، 388، وقال محمد أديب صالح في كتابه: تفسير النصوص1/373 حاشية رقم (2) : " (الظاهر) في كلام الشافعي والطبري وغيرهما - كما يبدو من مواطن - يراد به: ما تعرفه العرب من كلامها في مخاطبتها، أما (الباطن) : فهو ما يدركه العلماء من طريق الفقه والاستنباط، وليس (الباطن) الذي يتسلح به أهل الضلالة والأهواء عند تفسيرهم للنصوص، فيؤولون تلك التأويلات الباطلة التي لا يصلها بالعربية نسب، ولا تتفق مع مفهومات الشريعة في قليل ولا كثير "وانظر كتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة للشيخ عثمان علي حسن1/402-405.
وقد يستثني رحمه الله بالمشيئة فيقول: "فالعلم - إن شاء الله - يحيط"1 أو "فالعلم يحيط إن شاء الله"2.
وتقييد العلم بالإحاطة أوتمييزه بها أسلوب ورد في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {وَلَا يحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ} 3 وقوله: {وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً} 4 وقوله: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً} 5 وقوله: {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُّ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} 6، وقد ذكر العلماء رحمهم الله في تفسير هذه الآيات معنى مقاربا لما سبق من استعمال الشافعي رحمه الله تعالى7، كما ذكر أهل اللغة أن معنى (أحاط بالشيء علما) : أنه بلغ أقصى العلم به ظاهرا وباطنا8.
1 الرسالة ص400.
2 الرسالة ص61، ولعل هذا من باب الاستثناء في الأمور المجزوم بها، مثل الاستثناء في الإيمان عند السلف كقولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ومن هذا الباب قوله تعالى:{لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامِ إِنْ شَاءَ اللهُءَامِنِينَ} الآية (27) من سورة الفتح. انظر مجموع الفتاوى 3/289-290.
3 سورة البقرة (255) .
4 الطلاق (12) .
5 طه (110) .
6 النمل (22) ، وفي هذا استعمال الإحاطة نفسها بمعنى العلم.
7 انظر البحر المحيط لأبي حيان2/279 وفتح القدير للشوكاني1/48،4/132 وانظر قريبا من ذلك في تفسير الطبري19/91 وتفسير القرطبي18/176.
8 انظر الصحاح 3/1121 ولسان العرب7/280 والقاموس المحيط4/368-369 والمصباح المنير للفيومي ص 57.
والعبارة ورد استعمالها في المعنى نفسه عند بعض من جاء بعد الشافعي من الأصوليين كالسرخسي1 2.
وكل ما سبق يجعل تقييد العلم بالإحاطة - للدلالة على قوته - أسلوبا أصيلا في اللغة وفي أصول الفقه، كما أن في ذلك إشارة إلى جواز استعمال مطلق العلم في ما دون القطع.
ويؤيد قول من جعل العلم أعم إطلاقا من القطع ما ورد من استعمال العلم في ذلك في النصوص نحو قوله عز وجل: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} 3 ومعرفة إيمانهن هي بحسب ما ظهر مع احتمال خلاف ذلك، ونحو قوله تعالى:{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 4 ويجب اتباع ما لا يفيد القطع من الأدلة وغيرها إذا أفاد ظنا غالبا وكان ظاهرا راجحا.
وهذا وأمثاله على رأي الفريق الأول من باب التوسع والتجوز مثل: استعمال الظن بمعنى العلم5، أو يجعلون العلم في الآية الأولى بمعنى العلم
1 هو محمد بن أحمد بن أبي سهل، شمسُ الأئمة، أبو بكر السرخسي، من أئمة الحنفية في الفقه وأصوله، من تصانيفه: المبسوط في الفقه، وكتاب في أصول الفقه (أصول السرخسي) ، توفي سنة (438) هـ. انظر الفوائد البهية في تراجم الحنفية لأبي الحسنات اللكنوي/158-159 والأعلام للزركلي6/208 والفتح المبين في طبقات الأصوليين1/264-265.
2 انظر استعمال السرخسي للعبارة في أصول السرخسي1/374.
3 الممتحنة (10) .
4 الإسراء (36) .
5 انظر تلخيص التقريب2/236.
بالتلفظ بالشهادة وذلك عندهم ظاهر الإيمان1، وفي الآية الثانية أن وجوب اتباع ما ليس بقطعي هو فيما دل الدليل القطعي على وجوب اتباعه2.
- وجمع بعض العلماء بين الرأيين بأن للعلم إطلاقين هو في أحدهما خاص بالقطعي، وفي الآخر للقدر المشترك بين القطع وما دونه من الرجحان3.
1 الحق أن الإيمان في الشرع: قول وعمل واعتقاد، ومما يدل على ذلك قوله تعالى:{وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانكم} سورة البقرة (143) أي صلاتكم، وحديث:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان "أخرجه أبو داود وابن ماجه والنسائي وهو حديث صحيح. انظر سنن أبي داود مع عون المعبود12/432-433 وسنن النسائي8/110 وسنن ابن ماجه1/22، وصحيح سنن النسائي للألباني3/1030. وانظر تفصيل المسألة في كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص162-163، 211 فما بعدها، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي 2/587-595.
2 انظر المستصفى2/179-180.
هذا، وقد فرّق الآسنوي بين العلم والقطع من وجه آخر، وهو: أنهما يشتركان في كونهما لليقين، لكن العلم خاص بيقين مستند إلى دليل، والقطع عام فيما استند إلى دليل وما لم يستند إلى دليل كقطع المقلِّد. انظر نهاية السول1/44. وهذا التفريق لا يخرج العلم عن كونه مثل القطع في اليقينية، فهو مثل القول الأول بالنظر إلى أصل القطعية، والفرق بينه وبين القول الأول أن القطع هنا قد يكون لغير دليل بخلاف العلم. والله أعلم.
وفرق الحافظ ابن حجر بين (العلم النظري) و (العلم القطعي) وجعل الثاني أقوى من الأول، بأن الأول يقبل الترجيح أما الثاني فلا يبقى فيه للترجيح مسلك. انظر النكت على ابن الصلاح 1/379 ونزهة النظر ص73. وهذا مثل قول من جعل القطع أخص من العلم.
3 انظر المحصل للفخر الرازي/132 وبيان المختصر1/18،23،48 والإبهاج للسبكي1/30، 2/5 والتوضيح على التنقيح1/18.
والذي تطمئن إليه النفس هو الرأي الثاني، وهو أن العلم أعم من القطع، لقوة ما يدل على ذلك كما سبق، والله أعلم.
2-
اليقين1:
إلا أن أبا الوليد الباجي2 رحمه الله فرق بين العلم واليقين، بأن اليقين أعم من العلم، قال:"لأن العلم يتضمن التيقن ومن علم شيئا تيقنه وقد يتيقن بغير علم.. "3، ونقل عن الإمام مالك4 رحمه الله عبارة تشير إلى ذلك، وهي قوله:"إن لغو اليمين هو: أن يحلف الرجل على الشيء يتيقنه وهو على خلاف ما حلف عليه "5.
1 انظر المستصفى1/135 والإحكام للآمدي1/68 وبيان المختصر1/18 والإبهاج لابن السبكي 1/323-324 وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص9،450.
2 هو سليمان بن خلف بن سعد، أبو الوليد الباجي، فقيه أصولي، من تصانيفه: إحكام الفصول في أحكام الأصول، في أصول الفقه، وكتاب الحدود، والمنتقى شرح الموطأ، توفي سنة (474) هـ. انظر الديباج المذهب 1/377-385 سير أعلام النبلاء 18/535-545.
3 الحدود للباجي ص28.
4 هو مالك بن أنس بن مالك، أبو عبد الله الأَصبحي الحميري ثم المدني، إمام دار الهجرة وأحد أعلام الأئمة، ينسب إليه المذهب المالكي، أشهر مصنفاته: الموطأ، وذُكر له رسالة في القدَر، وأخرى في الأقضية، ورَوى عنه أصحابه مسائل كثيرة تضَمّن منها كتابُ (المدونة) ، توفي سنة (179) هـ. انظر الديباج المذهب 1/55 فما بعدها، حلية الأولياء6/316-355 ووفيات الأعيان 4/135-138 وسير أعلام النبلاء8/43-121.
5 الحدود ص 28.
وفُرِّق بينهما - أيضا - بأن اليقين خاص بالعلم الحاصل عن نظر واستدلال، ولذلك لا يوصف به علم الله تعالى1، ولعل من هذا تعريف علماء اللغة اليقين: بأنه العلم وزوال الشك2.
ويجعل بعض العلماء لليقين ثلاث درجات في القطعية، هي: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، ويمثل في التفريق بين تلك الدرجات بأن كل من عقل الموت فهو يعلمه علم اليقين! فإذا احتُضر وعاين مقدمات الموت وأخذته سكراته ورأى الملائكة
…
فقد رأى الموت عين اليقين! فإذا انقضى روحه وذاق الموت فقد تحققه حق اليقين3!
3-
الجزم:
ومن الألفاظ المرادفة للقطع في استعمال بعض الأصوليين: الجزم4.
1 انظر مصباح المنير ص681 والكليات لأبي البقاء 5/116.
2 انظر المحكم لابن سيده6/315 والصحاح6/2219 ومعجم مقاييس اللغة6/157 ولسان العرب 13/457.
3 انظر التعريفات للشريف الجرجاني ص386 والكليات لأبي البقاء5/116-117 وذكرها الراغب في المفردات ص848 وأشار إلى تفريق بعضهم بينها.
وانظر التفريق بين علم اليقين وعين اليقين في عبارةٍ للقرطبي في تفسيره 3/300، ونَقَل الزركشي التفريق عن بعض العلماء انظر البحر المحيط1/56.
4 انظر الإبهاج لابن السبكي1/323-234.
معنى القطع في اصطلاح الأصوليين:
والقطع في اصطلاح الأصوليين يطلق على معنيين:
الأول: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض مطلقا1.
الثاني: الحكم الجازم مع عدم احتمال النقيض احتمالا ناشئا عن دليل.
والقطع بالمعنى الأول أخص منه بالمعنى الثاني، لأنه على المعنى الثاني لا يمنع من القطع الاحتمالُ البعيد الذي لا ينشأ عن دليل فيكون الحكم قطعيا مع مثل هذا الاحتمال2.
وفرق بعض العلماء بين المعنيين في التعبير، وذكر أن المعنى الأول الأخص يسمى: علم اليقين، والمعنى الثاني الأعم يسمى: علم الطمأنينة3.
1 تعريف القطع على هذا المعنى هو تعريف العلم تماما عند من رأى أنهما مترادفان.
واحتمال النقيض هنا يشمل كل ما يضعف الدليل ثبوتا أو دلالة، كالتردد والشك فيه، وكذا الاختلاف فيه عند من يرى أن الاختلاف يزيل القطعيةكما سبق قريبا، وسيأتي - إن شاء الله - تعالى التفصيل في هل الاختلاف يمنع القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
2 انظر التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة1/129 وفواتح الرحموت مع مسلم الثبوت 2/19، 214-215،377،379 وحاشية المطيعي على نهاية السول 4/15 والمعدول به عن سنن القياس للدكتور عمر بن عبد العزيز محمد ص48 وحاشية رقم (2) ، وتفسير النصوص لمحمد أديب صالح 1/155، 168-169.
وذكر الأمير باد شاه أن القطع بالمعنى الأول الأخص يكون في العقائد وهو بالمعنى الأعم مصطلح الفقهاء. انظر تيسير التحرير1/267.
3 انظر التوضيح على التنقيح لصدر الشريعة 1/129، 2/3.
ورُدَّ بأن الطمأنينة تطلق على المعنيين، إذ تطمئن النفس إلى كليهما، فيكون معنى علم الطمأنينة على المعنى الأخص للقطع: سكون النفس بكمال اليقين، وإطلاق علم الطمأنينة في المعنى الأعم حيث قارب غيرُ القطع حدَّ اليقين1.
ويتفرع على هذا الاختلاف في معنى القطع الاختلاف في الاعتداد بالاحتمال في رفع القطعية عن الدليل، أيعتد بمطلق الاحتمال أم لا يعتد منه إلا بما كان قريبا له ما يؤيده2.
1 انظر المرجع السابق.
2 انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
المطلب الثالث: معنى القطعية في الدليل
اشتقاق القطعية من القطع عند الأصوليين:
يصاغ من القطع مصدر مصنوع1 فيقال: (القطعية) أو (قطعية الدليل) للدلالة على السمات والخصائص التي يشتمل عليها القطع في الدليل من القوة الفاصلة في الثبوت والدلالة، واليقين بما دل عليه من الأحكام، وعدم جواز مخالفته، وعدم احتماله التعارض، ونحو ذلك2.
ومن استعمال القطعية بهذا المعنى قول السبكي3 رحمه الله تعالى:
1 المصدر المصنوع: كل لفظ زيد في آخره ياء مشددة بعدها تاء تأنيث مربوطة ليصير اسما دالا على الخصائص والسمات التي يشتمل عليها ذلك اللفظ، مثل: جاهلية ورهبانية وإنسانية وأنانية. انظر النحو الوافي لعباس حسن3/182-183 والواضح في علم الصرف لمحمد خير الحلواني/171-173 وشذا العَرف في فنّ الصرف للشيخ أحمد الحملاوي ص73 وكتاب الصرف العربي لفتحي عبد الفتاح الدجني ص162-163.
2 هذا مأخوذ من التعريف السابق للمصدر المصنوع.
3 هو علي بن عبد الكافي بن علي أبو الحسين تقي الدين السبكي، فقيه أصولي، من تصانيفه: جزء من الإبهاج في شرح المنهاج في أصول الفقه، وله رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، وهو غير شرح ابنه، توفي سنة 756 هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي 10/139-338 والدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لابن حجر 3/134-142 والفتح المبين 2/168-169.
"
…
ومنع بعضهم قطعية هذا الدليل"1.
ول (القطعية) نظائر في أصول الفقه، منها:(الحجية) أو (حجية
1 الإبهاج للسبكي1/40 وانظر التحرير مع التيسير1/12،39،95،142،143 وحاشية المطيعي على نهاية السول1/34،35.
هذا هو المراد بلفظ (القطعية) الوارد في عنوان البحث.
والمراد بأحكام القطعية في الأدلة الأربعة - وهي موضوع الباب الثاني - مسائل الأدلة الأربعة التي تكون القطعية أو ما في معناها أحدَ طرفي الإسناد، ويكون الطرف الآخر دليلا من الأدلة الأربعة، وذلك بنسبة أحد تلك الأدلة إلى القطعية ثبوتا أو دلالة إيجابا، أو سلبا، وفاقا أو خلافا، كقول أهل العلم رحمهم الله تعالى: كتاب الله عز وجل قطعي الثبوت وفاقا، وقولهم: خبر الواحد قطعي أو خبر الواحد ليس قطعيا والخلاف في ذلك، وقولهم: دلالة العموم قطعية أو ليست قطعية والخلاف في ذلك.
والدليل في الاصطلاح: ما يمكن أن يتوصل بالنظر الصحيح فيه إلى القطع أو الظن، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام على الدليل بشيء من التفصيل عند الكلام على التفريق بينه وبين الأمارة ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.)، وانظر تعريف الدليل في: إحكام الفصول للباجي/171 والحدود للباجي ص37 وشرح اللمع للشيرازي1/155-156 والمحصول للرازي1/88 والبحر المحيط 1/34-36.
أما الأدلة الأربعة في العنوان فهي كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع هذه الأمة والقياس على ما ثبت بدليل، وقد اختصت هذه الأدلة بأنها مما اتفق عليه العلماء المحققون والأئمة الأعلام ومن يعتد بخلافهم، اتفقوا على أنها أدلة وطرق منصوبة للوصول إلى الأحكام الشرعية، وهي التي يقصدها كثير من العلماء إذا أطلقوا (الأدلة الأربعة) أو (الأصول الأربعة) عند بيان أدلة الفقه وأصوله. انظر قواطع الأدلة لابن السمعاني ورقة2/أ-ب، ونهاية السول للآسنوي 1/46 والموافقات3/5 وشرح الكوكب المنير2/5-6 وأصول الشاشي ص13 وأصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار1/20 والتلويح على التوضيح 1/19.
الدليل) أي كونه حجة يجب العمل به، ومنها:(العلية) أو (علية الوصف) بمعنى كونه علة.
معنى القطعية في الدليل:
من معنيي القطع عند الأصوليين يكون معنى القطعية في الدليل عندهم، فعلى المعنى الأول الأخص للقطع يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته1 احتمال مطلقا، وعلى المعنى الثاني الأعم يكون معنى القطعية في الدليل: كون الدليل بحيث لا يكون في ثبوته ولا في دلالته احتمال ناشئ عن دليل.
فالقطعية في الدليل الشرعي معناها: بلوغ الدليل أقصى القوة في ثبوته وإضافته إلى مصدره، وأقصى القوة في دلالته على المراد منه ولا يبقى فيه شك ولا احتمال، فيُسكت هذا النوع من الدليل المعاندَ اللدود، ويذهب سلاطة لسانه وحدّته، وسلاقة منطقه ولحن قوله، ويبكّته بالحق المبين وفصل الخطاب، ويبيّن زيف شبهه ويبطلها، وينقطع عذر من خالفه بعد الوقوف عليه، ويتوجه إليه الذم والمؤاخذة، إذ خالف ما ليس له في مخالفته حق ولا عذر.
وذلك مثل الدليل على توحيد الله، فقد بلغ من القوة أقصاها حتى
1 سيأتي مبحث خاص في جهتي القطعية في الدليل (الثبوت والدلالة) ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
وقد يقيد القطعية في الدليل بإحدى الجهتين فيقال: دليل قطعي الثبوت، أو نص قطعي الدلالة. انظر - بشيء من التصرف - البحر المحيط للزركشي 2/29.
سماه المولى سبحانه وتعالى الحجةَ البالغة، فقال عز وجل:{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَاءَابَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَاّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَاّ تُخْرِصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ البَالِغَةُ} الآية1.
وفي كلام علماء التفسير ما يدل على أن المراد بالحجة البالغة هنا الدليل القطعي بالاصطلاح السابق، قال ابن جرير الطبري2:"ويعني بالبالغة: أنها تبلغ مراده في ثبوتها على من احتج بها عليه من خلقه وقطع عذره إذا انتهت إليه"3، وقال القرطبي4 في تفسير الحجة البالغة:"أي التي تقطع عذر المحجوج وتزيل الشك عمن نظر فيها"5.
1 الأنعام (148،149) .
2 هو محمد بن جرير بن يزيد، أبو جعفر الطبري، الإمام المفسر المؤرخ المجتهد، من تصانيفه: أخبار الرسل والملوك (تأريخ الطبري) ، وجامع البيان في تفسير القرآن (تفسير الطبري) ، واختلاف الفقهاء. توفي سنة (310) . انظر سير أعلام النبلاء 14/268-282 وطبقات المفسرين للداودي 2/106-114 وطبقات الشافعية 3/120-128 والأعلام 6/294.
3 تفسير الطبري8/58-59.
4 هو محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري، أبو عبد الله القرطبي، مفسر فقيه، من تصانيفه: جامع أحكام القرآن في التفسير، وشرح الأسماء الحسنى، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، توفي سنة (671) هـ انظر الديباج المذهب لابن فرحون2/308-309 وطبقات المفسرين للداودي2/65-66.
5 تفسير القرطبي7/128.
المبحث الثاني: الأدلة الشرعية من حيث القطعية وعدمها
مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية السمعية1 منها ما يفيد العلم القطعي واليقين، بحيث لا يبقى عند من نظر فيه في ثبوته ولا في دلالته على المراد منه احتمال ولا تردد ولا اشتباه، وتثبت به أحكام قطعية، وأن منها - دون ذلك - أدلة ظاهرة عرضة للاحتمال وقابلة للتردد في ثبوتها ودلالتها أو أحدهما، ويثبت بها أحكام ظاهرة وراجحة محتملة، وهي مع
1 التحقيق أن الأدلة الشرعية إذا أطلقت شملت الأدلة السمعية (النقلية) والأدلة العقلية التي أقرها الشرع أو استدل بها أو أذن فيها، فالأمثال المضروبة في القرآن الكريم على التوحيد والمعاد وصدق الرسل وغيرها أدلة شرعية، وإن كانت عقلية بمعنى أن العقل يعلمه، لأن نسبة الدليل إلى الشرع معناه أنه نصبه دليلا باستدلاله به أو إذنه في ذلك ولو كان عقليا، لكن أكثر العلماء لا يعني مثل هذه الأدلة العقلية عند كلامه على الأدلة الشرعية وتقسيماتها، بل يقصد بالدليل الشرعي ما يقابل العقلي مطلقا، فيكون الدليل السمعي على اصطلاح أكثر العلماء مرادفا للدليل للشرعي ومغايرا للدليل العقلي مطلقا، وعلى التحقيق السابق يكون الدليل العقلي يقابل السمعي (النقلي) أي الذي لا يعلمه العقل ابتداء وإنما يعلم من خبر الصادق المصدوق والنقل عنه. انظر درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية 1/198-199 وبيان المختصر للأصفهاني1/454 والبحر المحيط للزركشي 1/36.
لكن المقصود من ذلك هنا في البحث الدليل الشرعي السمعي (النقلي) وهو الذي تثبت به الأحكام العملية (الفقه) ، لأن النافي للقطعية في الأدلة الشرعية أو المثبت لها بقيود لا يلزم أن ينفي أو يقيد كون الأدلة الشرعية العقلية على التوحيد والمعاد وصدق الرسل
…
قطعية، والله تعالى أعلم.
ذلك واجب العمل بها على من ثبتت عنده حجيتها.
فمن أقوال العلماء في ذلك ما يلي:
- قال الإمام الشافعي رحمه الله: "العلم علمان: علم عامّةٍ لا يَسَعُ بالغا غيرَ مغلوبٍ على عقله جَهْلُه
…
مثل: الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صومَ شهر رمضان، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم، وأنه حرّم عليهم الزنا والقتل والسرقة والخمر
…
وهذا الصنف كله من العلم موجود نصا في كتاب الله، وموجود عاما عند أهل الإسلام، ينقله عوامُّهم عمَّن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم، وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع"1.
وقال في الوجه الآخر من العلم: هو "ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يُخَص به من الأحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثره نص سنة وإن كانت في شيء منه سنة فإنما هي من أخبار الخاصة لا أخبار العامة، وما كان منه يحتمل التأويل ويدرك قياسا"2.
1 الرسالة/357-359، وفيه إشارة إلى القطعية من الجهتين:(جهة الثبوت) وهي ما ذكره من ثبوت نقله بلا خلاف عند العامة، و (جهة الدلالة) وهي ما ذكره من أنه لا يمكن فيه الغلط ولا التأويل.
2 الرسالة/359، وفيه إشارة إلى أن نفي القطعية قد يكون من جهة الثبوت، وذلك ما ذكره من كون الدليل غير نص من كتاب أو من سنة بل من أخبار الخاصة، وقد يكون من جهة الدلالة، وذلك ما ذكره من كون الدليل بحيث يحتمل التأويل ويستدرك قياسا.
- وقال القاضي أبو بكر الباقلاني1 رحمه الله: "إن جميع ما يستدل به على الأحكام على ضربين: فضرب منها أدلة يوصل صحيح النظر فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه
…
والضرب الثاني: أمر يوصل صحيح النظر فيها إلى الظن2 وغالب الظن "3.
- وقسم أبو بكر الجصاص4 رحمه الله الأحكام إلى قسمين: "أحدهما: ما كان لله تعالى عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم
…
والثاني:
1 هو محمد بن الطيب بن محمد القاضي، أبو بكر الباقلاني، من أئمة الأشاعرة، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: التقريب والإرشاد في أصول الفقه، والتمهيد في أصول الدين، والتبصرة بدقائق الحقائق، توفي سنة (403) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون2/228 وسير أعلام النبلاء 17/190-193 والفتح المبين1/221-223.
2 الظن: "عبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع"(إحكام الأحكام للآمدي1/13) ، "وغلبة الظن زيادة قوة أحد المجوزات على سائرها"(إحكام الفصول للباجي ص171) . وانظر تعريف الظن في اللمع ص4 والمحصول1/85 والمختصر مع بيان المختصر 1/51-54. فالدليل الظني هو الموصل إلى الظن وغالب الظن.
3 التقريب والإرشاد1/221-222 ولم يسَمّ الضرب الثاني دليلا لأن مصطلح الدليل عنده خاص بما يوصل إلى اليقين.
4 هو أحمد بن على الرازي، أبو بكر الجصاص، فقيه أصولي حنفي، من تصانيفه: كتاب في أصول الفقه قدم به كتابه: أحكام القرآن، وشرح مختصر الكرخي، وشرح الجامع الصغير والكبير لمحمد بن الحسن، توفي سنة (370) هـ. انظر الفوائد البهية ص27-28 شذرات الذهب لابن العماد 3/71. والفتح المبين1/203-205.
ما كان طريق الاجتهاد وغالب الظن ليس عليه دليل قاطع يوصل إلى العلم بالمطلوب
…
"1.
- وقسّم أبو زيد الدبوسي2 رحمه الله الأدلة إلى "موجبة للعلم قطعا "، وإلى أخرى "لا توجب إلا غالب الرأي "3.
- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله4: "والصحيح أن المسائل تنقسم قسمين: إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما لا ندري أصاب الحق أم أخطأ، بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر" قال: "ولا أظن يخالف في هذا من فهمه"5.
وقال في موضع آخر: "والعلم بالكائنات وكشفها له طرق متعددة:
1 أصول الجصاص ص161-162.
2 هو عبيد الله بن عمر بن عيسى القاضي، أبو زيد الدبوسي، فقيه أصولي حنفي، من تصانيفه: تأسيس النظر فيما اختلف فيه أبو حنيفة وصاحباه ومالك والشافعي، وتقويم الأدلة في أصول الفقه، وكتاب الأسرار في الأصول والفروع، توفي سنة (430) هـ. انظر الفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي ص109 وسير أعلام النبلاء17/521 والفتح المبين1/236.
3 تقويم الأدلة1/234-235.
4 هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام أبو العباس تقي الدين بن تيمية الحراني، من الأئمة المتبحرين في علوم كثيرة نقلية وعقلية، له تصانيف كثيرة منها: منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية، الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، درء تعارض العقل والنقل، توفي سنة (728) هـ. انظر كتاب الذيل على طبقات الحنابلة2/387-408 والدر الكامنة للحافظ ابن حجر1/145-170 والفتح المبين في طبقات الأصوليين 2/130-133.
5 المسودة لآل تيمية/504.
حسية وعقلية، وكشفية1 وسمعية، ضرورية ونظرية2 وغير ذلك، وينقسم إلى قطعي وظني وغير ذلك "3.
وقال ابن القيم رحمه الله4: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال
…
فالأول يفيد اليقين بنفسه، والثاني يفيده باطراده في موارد استعماله،
1 قال الجرجاني في التعريفات ص184: الكشف في اللغة: رفع الحجاب، وفي الاصطلاح هو: الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية، والأمور الحقيقية وجودا أو شهودا. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن عاقبة الإعراض عن الأدلة الشرعية يؤدي إلى الأخذ بأحد طريقين: إما طريق النُظَّار وهي الأدلة القياسية العقلية وإما طريق الصوفية وهي الطريقة العبادية الكشفية
…
انظر درء تعارض العقل والنقل5/345-346.
2 الضروري هو: ما لا يحتاج إدراكه إلى تأمل، والنظري: ما يحتاج إدراكه إلى تأمل، ويوصف بالضروري والنظري التصور والتصديق، أي: إدراك الأمر مجردا عن نسبته إلى أمر آخر أو إدراكه مع نسبته إلى أمر آخر. انظر آداب البحث والمناظرة للشيخ محمد الأمين 1/8-11. وذلك كإدراك الدليل مجردا، وإدراكه مع نسبته إلى القطع، أي أنه قطعي.
3 مجموع الفتاوى11/335 وانظر13/118.
4 هو محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو عبد الله شمس الدين ابن قيم الجوزية، فقيه أصولي محدث، لازم شيخ الإسلام ابن تيمية وأخذ عنه، من تصانيفه: اعلام الموقعين عن رب العالمين، زاد المعاد في هدي خير العباد، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، توفي سنة (751) هـ. انظر كتاب الذيل على طبقات الحنابلة2/447-452 والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 4/21-23 والفتح المبين في طبقات الأصوليين2/161-162.
والثالث يفيده إحسان رده إلى القسمين قبله"1. اهـ.
وهذا التقسيم ظاهر في مؤلفات أهل العلم من الأصوليين وغيرهم2 حتى حكى أبو إسحاق الشاطبي3 الاتفاق على أن أدلة الشرع ليست كلها قطعية4.
ومن هذا الباب التقسيمات المذكورة في أصول الفقه للدليل الواحد بحسب القطعية وعدمها، كتقسيم الإجماع إلى قطعي وغير قطعي، وكذلك تقسيم القياس والعموم والمفهوم ومسالك التعليل5 ونحوها.
ويشير إلى ما سبق من تقسيم الأدلة قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابَ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} الآية6، قال
1 الصواعق المرسلة2/670-672.
2 انظر التمهيد لأبي الخطاب 3/332،339-342 والبحر المحيط للزركشي1/38-39، 6/108 والموافقات للشاطبي 3/15-16 وشرح الكوكب المنير 1/292-293 وأصول السرخسي 1/279 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت1/58.
3 هو إبراهيم بن موسى بن محمد، أبو إسحاق الشاطبي، من العلماء المخترعين في التصنيف، من تصانيفه: عنوان التعريف بأصول التكليف وهو (الموافقات) ، والاعتصام وهو في البدع، توفي سنة (790) هـ. انظر شجرة النور الزكية ص231 والفتح المبين في طبقات الأصوليين 2/204-205 ومقدمة "نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي"لأحمد الريسوني/89-122.
4 انظر الموافقات2/49-50، وانظر نحو ذلك في شرح مختصر الروضة للطوفي1/276.
5 بحث القطعية في ذلك موضوع الباب الثاني من هذا البحث.
6 آل عمران (7) .
القرطبي في تفسيرها: "المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال
…
والمراد بالمحكم في مقابلة هذا وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا "1، وقال ابن كثير2: "يخبر الله تعالى أن في القرآن {ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر فيها اشتباه على كثير من الناس أو بعضهم
…
{وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} أي: تحتمل دلالتها موافقة الحكم وقد تحتمل شيئا آخر من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد"3.
وقد نقل العلماء مذاهب أخرى في قطعية الأدلة الشرعية تخالف ما سبق من مذهب جمهور أهل العلم رحمهم الله:
- فذهب بعض العلماء إلى أن جميع الأدلة الشرعية قطعية، وما لا يفيد العلم القطعي منها فهو مطروح غير معدود فيها، وعلى هذا المذهب تكون جميع الأحكام الشرعية قطعية، وهذا القول منسوب لبشر المريسي4
1 تفسير القرطبي4/10.
2 هو إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء عماد الدين القرشي الدمشقي، مفسر مؤرخ محدث، من تصانيفه: البداية والنهاية في التأريخ، وتفسير القرآن العظيم، واختصار علوم الحديث، توفي سنة (774) هـ. انظر طبقات المفسرين للداودي1/110-112 والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1/399-400 وشذرات الذهب6/231-232.
3 تفسير ابن كثير1/352. وفي المحكم والمتشابه أقوال غير ما ذكر، ينظر تفسير القرطبي وتفسير ابن كثير كما سبقا.
4 هو بشر بن غياث بن أبي كريمة، أبو عبد الرحمن المَرِّيسي، فقيه متكلم، إليه ينسب طائفة (المريسية) من المرجئة، كان يقول بخلق القرآن، من تصانيفه: الرد على الخوارج، الرد على الرافضة، كتاب الإرجاء، توفي سنة (218) هـ انظر سير أعلام النبلاء1/199-202 الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص54 والفتح المبين في طبقات الأصوليين 1/136-138.
وابن علية1 وأبي بكر الأصم2 ونفاة القياس من الإمامية3 والظاهرية4.
يدل على مذهب الظاهرية قول ابن حزم5: "والله تعالى يقول: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} 6 فصح أن من لا برهان له على صحة قوله
1 هو إسماعيل بن إبراهيم بن مِقْسَم، أبو بِشْر ابن عُلَيَّة، فقيه محدث، توفي سنة (193) هـ. انظر سير أعلام النبلاء 9/107 وتذكرة الحفاظ 1/322-323 وشذرات الذهب1/333.
2 هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، المعتزلي، من تصانيفه خلق القرآن وغيره، وله مقالات في الأصول، توفي سنة (210) هـ انظر سير أعلام النبلاء 9/402 لسان الميزان لابن حجر 3/427.
3 هم طائفة من الشيعة يقولون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم بالنص الظاهر والتعيين، ويطعنون في الصحابة، وهم فرق كثيرة منها: الجعفرية والإسماعلية. انظر مقالات الإسلاميين لأبي الحسن الأشعري1/88 وما بعدها، والملل والنحل للشهرستاني 1/162-173 والفَرق بين الفِرق للبغدادي ص38-54 والتعريفات للجرجاني ص37.
4 انظر المستصفى (بولاق) 2/361 والإحكام للآمدي4/143 وشرح مختصر الروضة3/603 والبحر المحيط للزركشي6/640 وميزان الأصول لعلاء الدين السمرقندي ص754 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت 2/379.
5 هو علي بن أحمد بن سعيد، أبو محمد بن حزم الظاهري، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه:(الإحكام لأصول الأحكام) في أصول الفقه، (المحلى بالآثار) في الفقه، والتقريب في حدود المنطق، توفي سنة (456) هـ. انظر سير أعلام النبلاء18/184-212 وتذكرة الحفاظ للذهبي3/1147-1155 الفتح المبين1/243-233.
6 البقرة (111) .
فليس صادقا فيه أصلا! وصح بهذا النص أن جميع دين الله تعالى فإن البرهان قائم ظاهر فيه، وحرم القول بما عدا هذا لأنه ظن من قائله بإقراره على نفسه وقد حرم الله تعالى القول بالظن وأخبر أنه خلاف الحق1 وأنه أكذب الحديث2، فوجب القطع على كذب الظن في الدين كله
…
وهذا أيضا برهان واضح في إبطال القول بالقياس والتعليل والاستحسان3 في جميع الجزئيات"4.
وذكر في موضع آخر انحصار وجوه الاجتهاد فيما قد وضح برهانه من القرآن، أو من الخبر المسند بنقل الثقات إلى النبي صلى الله عليه وسلم إما نصا على الاسم، وإما دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا، وذكر أن ما عدا ذلك من الوجوه فهي ساقطة5.
1 إشارة منه إلى نحو قوله تعالى: {وإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} سورة يونس (36) .
2 لعله إشارة إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث "، أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. انظر الصحيح مع فتح الباري 10/481 وصحيح مسلم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي4/1985.
3 مما ذكر في تعريفه أنه: العدول عن الحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه أقوى يقتضي العدول، وفي المراد به وحجيته اختلاف بين العلماء، انظر الحدود للباجي ص65-67 وشرح مختصر الروضة3/190 فما بعد، ونهاية السول4/398 فما بعد، وكشف الأسرار4/2-4 وذكر التعريف المذكور عن الكرخي، وانظر المعدول به عن سنن القياس للدكتور عمر بن عبد العزيز ص31 فما بعدها.
4 إحكام الأحكام لابن حزم2/200-201.
5 إحكام الأحكام لابن حزم8/1479-1482.
وهذا الدليل الذي ذكر انحصار الأدلة في مثله وطرح غيره دليل قطعي من الجهتين، أما من جهة الثبوت فلكونه من القرآن وهو قطعي، أو بنقل الثقات متصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو قطعي مطلقا عند ابن حزم رحمه الله1، وأما من جهة الدلالة فلكونه نصا على الحكم أو دليلا من النص لا يحتمل إلا معنى واحدا.
ومما استُدِل به لهذا المذهب: "أن العقل قاض بالنفي الأصلي في جميع الأحكام إلا ما استثناه دليل سمعي قاطع، فما أثبته قاطع سمعي فهو ثابت بدليل قاطع، وما لم يثبته فهو باقٍ على النفي الأصلي قطعا، ولا مجال للظن فيه"2.
وعلى هذا القول تكون سائر الأدلة غير القطعية خارجة من جملة الأدلة الشرعية، كالقياس والعموم وجميع مدارك غلبات الظنون وظهور الرجحان3.
أما الإمامية فوجه القول بقطعية جميع الأدلة الشرعية عندهم أنه لا يخلو عصر من العصور من إمام معصوم من الخطأ! وقول المعصوم دليل قطعي في الدين كقول الرسول صلى الله عليه وسلم، وتسقط بقوله سائر الأدلة الظنية إذ لا تعارض
1 انظر ص (33) من هذا البحث.
2 المستصفى (بولاق) 2/361.
3 انظر المراجع السابقة التي ذكرت هذا المذهب.
بين قطعي وظني1.
وهذا المذهب يتبين ضعفه بواقع الشريعة ضرورة، يجده الناظرون في الأدلة الشرعية عند الاستدلال على الأحكام الشرعية، وعند الاجتهاد في طلب الأدلة على أحكام الحوادث والنوازل، فليس كل ما يستدلون به على أحكام تلك النوازل يقطعون به وبأن ما أثبتوا هو حكم الله قطعا2، وأما مذهب الإمامية فهو مفرع على مسألة الإمامة عندهم، وهو قول باطل فما فرع عليه كذلك3.
- وذهب بعض العلماء إلى أن الأدلة الشرعية السمعية ليس شيء منها يفيد القطع مطلقا، وأن أقوى ما يمكن أن تصل إليه هو غالب الظن4.
ولم أجد من نسب هذا المذهب بهذا الإطلاق إلى قائل معين5.
أما السوفسطائية6 فهم ينكرون اليقين مطلقا، ولا يرون العلوم
1 انظر مسلم الثبوت مع فواتح الرحموت2/379.
2 والمباحث الآتية - إن شاء الله تعالى - في البابين من هذا المبحث تبين ذلك، مثل أثر الاحتمال في إزالة القطعية، وقطعية خبر الواحد، والعموم، والقياس، والإجماع.
3 انظر المسألة بالتفصيل في منهاج السنة لابن تيمية 1/75 فما بعدها.
4 انظر الكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الثاني3/968 والبحر المحيط 21/38-39 وشرح الكوكب المنير 1/292-293 وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع 1/234.
5 وسيأتي - قريبا إن شاء الله تعالى عند ذكر مذهب فخر الدين الرازي - أن من العلماء من نسب مثل هذا الإطلاق إليه في جهة الدلالة، وأنه ربما دل على ذلك كلامه في مواضع من كتبه.
6 هم فرقة يبطلون الحقائق مطلقا، إما بنفيها أو الشك فيها، وإما بجعلها نسبية أي حقا عند مَن هي عنده كذلك باطلة عند مَن هي عنده كذلك، والسفسطة قياس عقلي مركب من الوهميات لتغليط الخصم وإسكاته. انظر الفصل في الملل والنحل لابن حزم1/43-45 والتعريفات للجرجاني ص118-119.
القطعية أصلا1! لكنهم من غير فرق المسلمين.
ويلتحق بهذا المذهب قول من أنكر وجود النص القطعي، لأنه نفي لوجود القطعي من جهة الدلالة، وكمال القطعية في الدليل أن يكون قطعيا من جهتي الثبوت والدلالة، وقد نسب هذا القول - أي إنكار وجود النص مطلقا - إلى أبي محمد ابن اللبان2،3.
واستُدل لهذا المذهب بأن الدليل لا يكون قطعيا إلا إذا علمت سلامته من المعارض، والعلم بعدم المعارض مستحيل لأن غاية الأمر فيه ألا يعلم بالمعارض وعدم العلم بالمعارض ليس علما بعدم المعارض، وهو المشترط في القطع4.
ويبين ضعف هذا الدليل أن العلم بعدم المعارض مستفاد من الإيمان
1 انظر البرهان للجويني1/96-97.
2 هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، أبو محمد ابن اللَّبَّان الأصفهاني، فقيه أصولي، من تصانيفه: تهذيب أدب القاضي للخصاف، درر الغواص في علوم الخواص، توفي سنة (446) هـ.
انظر سير أعلام النبلاء 17/653 وطبقات الشافعية لابن السبكي 5/72-73 ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة6/125.
3 انظر إحكام الفصول للباجي/189-190 والبحر المحيط للزركشي1/463.
4 انظر شرح الكوكب المنير1/292-293 وحاشية البناني على شرح جمع الجوامع1/234.
بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم والعلم بأنه صادق فيما أخبر وبلّغ، ولا يجتمع مع اليقين بذلك احتمال مغمور أو تجويز مظلم من العقل المجرد عن هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ووراثة النبوة، فعدم المعارض يعلمه العلماء الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة ومن بعدهم بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم1، وإذا انتفى المعارض المزعوم لم يبق لهذا المذهب وجود، لأنه قائم على أنه يحتمل كل دليل أن يكون له معارض لا يعلم، ووجه الرد أن عدم المعارض معلوم من دين الله ضرورة للعلم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصدق ما أخبر به، وأن كل ما عارض ذلك فهو باطل.
مذهب الرازي في قطعية الأدلة الشرعية:
ومذاهب آخر: أن الأدلة الشرعية السمعية لا تفيد اليقين، لما يتطرق إليها من الاحتمالات التي تزيل القطع عن الدليل عند ورودها عليه، إلا أن يكون هناك ما يقطع تلك الاحتمالات من القرائن المشاهدة، أو المنقولة نقلا متواترا، وهذه الاحتمالات هي على سبيل الإجمال والتفصيل كما يأتي:
1-
احتمال عدم الوضع: وذلك إذا لم يرو عدد يفيد خبرهم العلم القطعي من نقلة اللغة والنحو والصرف: أن العرب وضعت لفظا معينا لمعنى معين، فيكون اللفظ على هذا محتملا عدم دلالته على معناه الظاهر
1 انظر حاشية البناني على شرح جمع الجوامع1/235. وسيأتي قريبا إن شاء الله عند الكلام على مذهب الرازي ما ذُكر من منع معارضة العقل الصحيح للنقل الصريح.
لعدم القطع بصدق النقل.
2-
احتمال إرادة المتكلم معنى غير ما ظهر من كلامه، فيكون اللفظ مع ظهوره فيما وضع له أولا محتملا للمجاز1 والنقل2 الشرعي أو العرفي.
ومع ظهوره في أنه لمعنى واحد محتملا للاشتراك3.
ومع ظهور اللفظ في أنه للعموم4 أو الإطلاق5 يكون محتملا
1 المجاز: "اسم لما أريد به غير ما وضع له لمناسبة بينهما مع قرينة مانعة عن إرادته، مثل تسمية الشجاع أسدا". انظر تعريف المجاز في العدة 1/172 والمحصول 1/286 ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر 1/186 ومفتاح الوصول ص59 والبحر المحيط 2/178 وتعليقات الدكتور محمد المختار على سلاسل الذهب (ونص التعريف منها) ص173 حاشية رقم (1) .
2 يؤخذ من المحصول 1/228-229: أنه نقل اللفظ من معناه الموضوع له أولا إلى معنى آخر لمناسبة بينهما، مع كون اللفظ في المنقول إليه أقوى منه في المعنى المنقول منه، ثم إن كان الناقل له هو الشارع كان منقولا شرعيا، وإن كان الناقل أهل العرف كان منقولا عرفيا.
3 الاشتراك: وضع اللفظ لكل واحد من معنيين فأكثر، كالعين. انظر تحقيق سلاسل الذهب ص175، وانظر تعريف المشترك في المحصول 1/261 ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر 1/163 وشرح مختصر الروضة 2/647 وجمع الجوامع 1/275 والتعريفات للجرجاني ص215 والبحر المحيط 2/122.
4 سيأتي تعريف العام في موضعه ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
5 الإطلاق: تناول اللفظ لواحد غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، نحو (رقبة) من قوله تعالى:{فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} المجادلة (3) . انظر شرح مختصر الروضة للطوفي2/63، وانظر تعريف المطلق في الحدود للباجي ص47 وإحكام الأحكام للآمدي3/5 والتعريفات/218 وتعليقات سلاسل الذهب ص280.
للتخصيص1 والتقييد2.
ومع ظهوره أنه للأبد محتملا للنسخ3.
ومع ظهوره في أن ليس فيه شيء مضمر محتملا لذلك.
ومع ظهوره في أنه على ما ظهر من الترتيب محتملا للتقديم والتأخير.
فمع ظهور الدليل في عدم ذلك كله فإن تلك الاحتمالات تمنع من القطع والتيقن بمعنى الدليل لأنها تؤثر في إضعاف الجزم بمعناه الظاهر 4.
3-
احتمال معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، والعقلي مقدم على السمعي على هذا المذهب، لأنه أصله الذي به ثبت والأصل مقدم على
1 التخصيص: قصر العام على بعض أفراده بدليل يدل على ذلك. انظر مذكرة الشيخ محمد الأمين/218، وانظر تعريفه في العدة1/155 وشرح اللمع 1/341 والمحصول3/7 وإحكام الأحكام للآمدي2/486 والمختصر مع بيان المختصر2/235 وشرح مختصر الروضة2/505 والبحر المحيط3/241 والتعريفات ص53.
2 التقييد: تناول اللفظ معينا أو موصوفا بأمر زائد على حقيقة جنسه، أو هو إخراج بعض من شائع كذلك، مثل (شهرين) في قوله تعالى:{فَصِيِامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَيْنِ} المجادلة (4) . انظر مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر2/250 وشرح مختصر الروضة2/630، وانظر تعريف المقيد في إحكام الأحكام للآمدي3/5.
3 النسخ: "رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر". مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر 2/489، وانظر تعريف النسخ في العدة لأبي يعلى1/155 والحدود للباجي/49 وشرح اللمع1/481 والمحصول2/282 وإحكام الأحكام للآمدي 3/101 وشرح مختصر الروضة2/251 وجمع الجوامع2/75 والبحر المحيط4/64.
4 راجع أثر الاحتمال في القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
الفرع عند المعارضة.
وكذلك احتمال أن يعارض الدليل السمعي دليل سمعي آخر فيصار إلى التراجيح الظنية، وكل ذلك مفيد للظن مانع من القطع.
وتكون جملة الاحتمالات: احتمال الخطأ في اللغة أو النحو أو الصرف، واحتمال المجاز، والنقل، والاشتراك، والتخصيص، والتقييد، والنسخ، والإضمار، والتقديم والتأخير، واحتمال المعارض العقلي أوالنقلي.
هذا هو المذهب الذي صرح به فخر الدين الرازي1 في المحصول، فقد ذكر ورود هذه الاحتمالات على الأدلة اللفظية (السمعية) وأخذ في ذلك وردّ ثم خلص قائلا:"واعلم أن الإنصاف أنه لا سبيل إلى استفادة اليقين من هذه الدلائل اللفظية إلا إذا اقترنت بها قرائن تفيد اليقين سواء كانت قرائن مشاهدة أو كانت منقولة إلينا تواترا"2.
1 هو محمد بن عمر بن الحسين، أبو عبد الله فخر الدين الرازي، ويقال له: ابن خطيب الري وابن الخطيب، من أئمة المتكلمين، أصولي مفسر، ولد سنة 453، من تصانيفه: المحصول في علم أصول الفقه، (مفاتيح الغيب) في التفسير، المحصل في أصول الدين، نهاية العقول في أصول الدين أيضا، توفي سنة 606 هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي8/81-91 وسير أعلام النبلاء 21/500-501 والفتح المبين2/47-49.
2 انظر المحصول للرازي1/408 وانظر 1/215-217، 3/214، وانظر المحصل للرازي ص142 والمواقف لعضد الدين الإيجي ص40.
هذا وتوجد قاعدة آخرى تتعلق بالأدلة الشرعية، وهي قاعدة التوفيق بين الدليل العقلي=
..............................................................................
= والسمعي النقلي عند تعارضهما، وهو أنه يقدم الدليل العقلي على الدليل النقلي السمعي مطلقا لأن العقل أصل السمع والدليل عليه، وتقديم الفرع على أصله قدح في الفرع فلزم تقديم العقلي عند تعذر العمل بهما أو تركهما.
وهذه القاعدة حرّرها الرازي وهي عنده ومن تبعه (قانون كلي) فيما يستدل به من الأدلة النقلية في المطالب القطعية من الأصول، ويوجد ما يشير إلى مثل ذلك في كلام بعض من سبقه من أئمة المتكلمين، كالغزالي والجويني والباقلاني. انظر درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام 1/4-7، وكذلك في كلام علاء الدين السمرقندي انظر ميزان الأصول ص433.
ووجه الفرق بين القاعدتين أن إحداهما في بيان أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين مطلقا أو عند عدم انتفاء الاحتمالات العشرة المذكورة، وأما القاعدة الأخرى ففي إثبات جواز معارضة الدليل العقلي للدليل السمعي، ثم تقديم العقلي على السمعي عند تحقق المعارضة، قال شيخ الإسلام إشارة إلى القاعدتين وإلى وجه الفرق في الجواب عنهما في كتابه درء تعارض العقل والنقل1/22 -:"فذاك كلام في تقرير الأدلة السمعية وبيان أنها قد تفيد اليقين والقطع، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتفاء المعارض العقلي وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقا".
والقاعدتان متلازمتان، لأن قاعدة التوفيق عند تعارض العقل والنقل تنتهي إلى أن الدليل النقلي المعارض للدليل العقلي لا يفيد القطع واليقين، إذ إن الدليلين القطعيين لا يتعارضان في واقع الأمر. المرجع السابق1/79-80، 86-87،6/3.
ثم إن من الاحتمالات العشرة المذكورة في القاعدة الأولى احتمالَ المعارض العقلي، وهو أقوى الاحتمالات العشرة لكون القطع بعدمها لا يسهل عند أصحاب هذه القاعدة، وهذا الاحتمال بعينه أساس القاعدة الثانية، كما أن القول إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين يلزم منه تقديم الدليل العقلي القطعي عليها، وسيأتي الجواب عن خصوص قاعدة التوفيق هذه عند الكلام على وجه الرد على خصوص احتمال المعارض العقلي من العشرة الاحتمالات.
والظاهر أن القاعدة الأولى التي في أصل البحث هنا أعم في نفي القطعية عن الأدلة السمعية، لأن القاعدة الثانية (قانون التوفيق) في خصوص نفي القطعية عن الأدلة السمعية عند معارضتها للأدلة العقلية. والله أعلم.
ووافقه الأصفهاني1 في شرحه للمحصول، وقرر ورود الاحتمالات بالبيان والتفصيل، ثم قال بعد أن ذكر اختيار الرازي كما سبق:"وهذا الذي اختاره المصنف هو الحق "2.
وهذا المذهب يجعل وجود الدليل القطعي السمعي عزيزا، بل إنه ربما استنبط من كتب الرازي ما يجعله قريبا من النفي المطلق لوجود القطعي في الأدلة السمعية.
ومما يبين ذلك أمور:
- أنه ذكر أن كل سمعي يحتمل أن يعارضه دليل عقلي أو أحد الاحتمالات الأخرى، وأن ذلك مخرج له عن القطعية! مع أنه لا يمكن العلم بنفيها بعدم الوجدان لأن الاستدلال بعدم الوجدان لا يفيد إلا الظن3.
- أنه نفى أن يكون غرض المتكلم أن يَفهم السامع من خطابه القطع واليقين، وأنما غرضه الإفهام مطلقا، بمعنى إفادة الاعتقاد الراجح والظن الغالب، مع تجويز نقيضه في الواقع.
1 هو محمد بن محمود بن محمد، أبو عبد الله شمس الدين الأصفهاني، فقيه أصولي متكلم، من تصانيفه: الكاشف في شرح المحصول، و (القواعد) في أصول الفقه وأصول الدين والمنطق والجدل، وغاية المطلب في المنطق، توفي سنة 688 هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي 8/100-103 وشذرات الذهب5/406-407 والأعلام 7/308-309.
2 الكاشف عن المحصول القسم الثاني3/982 وما قبلها.
3 انظر المحصول1/406-407.
واستدل على أن ذلك هو الغرض من الخطاب بأن الأدلة اللفظية متوقفة على تلك الاحتمالات العشرة المذكورة وأنها ظنية وأن ما توقف على الظني فهو أولى أن يكون ظنيا1.
- أنه أطلق القول بعدم إفادة الأدلة اللفظية القطع في مواضع كثيرة، بل ورتب على ذلك القول بظنية بعض الأحكام والمسائل مخالفا فيه الجمهور، مثل القول بظنية كثير من المسائل الأصولية التي يرى الأكثرون أن عليها أدلة قطعية، ككون الأمر للوجوب2 ووجود صيغ للعموم3.
ومن المواضع التي صرح فيها الفخر الرازي بالإطلاق قوله في سياق بعض المناقشات: "لكنا بينا أن التمسك بالأدلة اللفظية - أينما كان - لا يفيد إلا الظن "4.
- ونسب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى الفخر الرازي القول بنفي وجود القطعي من الأدلة السمعية مطلقا، قال ابن تيمية:"فتجد أبا عبد الله الرازي يطعن في دلالة الأدلة اللفظية على اليقين وفي إفادة الأخبار العلم"5، وجعل ابن القيم نفي وجود القطعي في الأدلة السمعية أحد
1 انظر المحصول3/211-212.
2 انظر المحصول2/66-77.
3 انظر المحصول2/348-349، 66-67، والمحصل/132، 142.
4 المحصول3/202.
5 انظر مجموع الفتاوى4/104-105.
الطواغيت التي هُدمت بها معالم الدين، والتي كَسر بها المعطلة أصحاب التأويل عصمةَ الكتاب والسنة! قال ابن القيم:"ولا يعرف أحد من فرق الإسلام قبل ابن الخطيب1 وضع هذا الطاغوت وقرره وشَيَّد بنيانه وأحكمه مثله! "إلى أن قال مشيرا إلى بعض الطوائف التي لم تلتزم مذهب السلف "وإن كان بعض هذه الطوائف يوافق صاحب هذا القانون في بعض المواضع فلم يقل أحد منهم قط إنه لا يستفاد اليقين من كلام الله ورسوله البتة"2.
موقف العلماء من مذهب الرازي:
واختلفت مواقف العلماء من مذهب الفخر الرازي هذا:
- فقد سبق عن ابن تيمية وابن القيم في أن مذهب الرازي فيه الطعن في الأدلة الشرعية اللفظية، وأنه هدم لمعالم الدين وكسر لعصمة الأدلة3.
- وجعله بعضهم تشكيكا في أمر معلوم قطعا، كما في تشكيكه في اللغة وطرق معرفة الوضع، لأن الدليل السمعي اللفظي لا يفيد حتى يعرف أن الألفاظ الواردة فيه موضوعة لمعانيها والقدح في قطعية طريق معرفة ذلك
1 هو فخر الدين الرازي، يقال له ابن خطيب الري وابن الخطيب، لأن أباه كان خطيب مدينة الري. انظر وفيات الأعيان 4/249 وسير أعلام النبلاء21/501، وقد سبقت ترجمته قريبا.
2 انظر الصواعق المرسلة2/640.
3 انظر قريبا الصفحة السابقة. وانظر قريبا من نسبة النفي المطلق إليه في تيسير التحرير1/11، حيث ذكر عنه أن نفي الاحتمالات عن الأدلة السمعية يكون بدليل ظني وهو أن الأصل عدم الاحتمالات.
قدح في قطعية الدليل السمعي1.
وقد أجاب الفخر الرازي عما ذكره من أمور مشكلة ترد على نقل الوضع وطرق معرفته، سواء المتواتر منها والآحاد2، وجعلُ بعض من جاء بعده ما ذكره تشكيكا يدل إلى أن ما أجاب به الرازي بعد ذلك التشكيك لم يكف لرفع ما طوّل الكلام فيه من إيراد المشكلات على طرق نقل اللغة.
- وجعل بعضهم مذهبه أن الأدلة اللفظية تفيد اليقين إذا انتفت تلك الاحتمالات العشرة بالقرائن3، فأخذوا بما صرح به وكأنهم لم يعتدوا بما يدل على النفي المطلق في مواضع أخرى، ولعل ذلك من حمل المطلق من كلامه على المقيد منه4، والله تعالى أعلم.
1 انظر حاشية السعد مع شرح العضد لمختصر ابن الحاجب1/198، وانظر ذلك من غير تصريح باسم الرازي في التحرير مع التقرير والتحبير1/76-77 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت 1/185.
وشدد الآمدي النكير - من غير تسمية - على من أنكر القطع في اللغات على الإطلاق، وأنه "يفضي إلى إنكار القطع في جميع أحكام الشريعة، لأن مبناها على الخطاب بالألفاظ اللغوية ومعقولها" الإحكام 2/369.
2 انظر ذلك في المحصول 1/215-217.
3 انظر الكاشف عن المحصول القسم الأول ص76-77 والقسم الثاني3/968 والقسم الثالث 3/523 والإبهاج في شرح المنهاج لابن السبكي1/323 وشرح المحلي على جمع الجوامع 1/234 والبحر المحيط1/38 ونبراس العقول للشيخ عيسى منون ص180.
4 ومما يدل على القيد في كلام الرازي ما نقله الشيخ عثمان بن علي حسن في كتابه "منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد" من كتاب الأربعين في أصول الدين من كلام الفخر الرازي ما نصه: "واعلم أن هذا الكلام على إطلاقه ليس بصحيح، لأنه ربما اقترن بالدلائل النقلية أمور عرف وجودها بالأخبار المتواترة، وتلك الأمور تنفي تلك الاحتمالات، وعلى هذا التقدير تكون الدلائل السمعية المقرونة بتلك القرائن الثابتة بالأخبار المتواترة مفيدة لليقين". انظر المرجع المذكور1/413 نقلا عن الأربعين ص 426، وانظر الكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الأول ص76-77 والقسم الثالث2/523.
- ونقل الزركشي1 عن القرطبي2 أن ما ذكره الرازي لا يعني اشتراطه حصول انتفاء هذه الأمور مفصلة في الذهن، بل إن اليقين يحصل من الأدلة السمعية اللفظية من غير شعور بتفصيل انتفاء تلك الاحتمالات كما يحصل القطع بالخبر المتواتر من غير شعور بتفصيل شروطه، "قال - يعني القرطبي - وإنما نبهنا على ذلك لئلا يسمع القاصر هذا فيظن أنه لا يحصل العلم بالدليل اللفظي حتى يخطر له تلك الأمور بباله فيعتبرها واحدا واحدا فتشك نفسه مما حصل له من اليقين من الأدلة، ولا شك أن ظن تلك الأمور أو بعضها بالدليل ظن إلا أن يقترن به قرائن عقلية أو حالية فيحصل
1 هو محمد بن بهادر بن عبد الله، أبو عبد الله بدر الدين الزركشي، أصولي فقيه محدث، من تصانيفه: البحر المحيط وتشنيف المسامع بجمع الجوامع، كلاهما في أصول الفقه، وله شرح على الأربعين للنووي، توفي سنة (794) . انظر الدر الكامنة 4/17-18 وشذرات الذهب 6/335 والفتح المبين 2/209.
2 ذكر الزركشي عند كلامه على كتب أصول الفقه في مقدمة كتابه مصنفا ل "أبي العباس القرطبي شارح مسلم "وهو أحمد بن عمر ابن إبراهيم أبو العباس القرطبي المالكي، له: المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم، توفي سنة (656) هـ. انظر الديباج المذهب 1/240-242 ومعجم المؤلفين لعمر رضا كحالة 1/27، فلعله هذا. والله أعلم.
اليقين منها "1.
- وجعل بعضهم مذهب الرازي في نفي إفادة الألفاظ اليقين: أنه يريد القطعي بالمعنى الأخص، وهو ما لا احتمال فيه أصلا، وأنه لا ينفي أن تفيد الأدلة اللفظية القطع بالمعنى الأعم للقطعي وهو ما يكون فيه احتمال غير معتضد بدليل2.
ويستخلص مما ذكر في مذهب الرازي أنه لا ينكر في الأدلة الشرعية أمرين، أحدهما: ظهور المراد منها وأنه يجب العمل في الجملة بالظاهر الراجح3، والآخر: جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من حيث الثبوت4.
فيرجع الكلام في مذهبه على موقفه من جواز أن تكون الأدلة الشرعية قطعية من جهة الدلالة، وكلامه في كتبه محتمل، واختلف العلماء في مراده من ذلك، فإن كان مذهبه أن اللغة فقط لا تكفي في القطع بمدلول الأدلة
1 البحر المحيط 1/38-39.
2 انظر حاشية المطيعي على نهاية السول 4/59، وفي كلام الشاطبي إشارة إلى ذلك، انظر الموافقات 1/35-36، 4/324-325.
3 انظر المحصول1/388-390 والكاشف عن المحصول للأصفهاني القسم الأول ص76-77 والقسم الثالث2/523.
4 لذا يذكر في مواطن من المحصول قطعية الأدلة، انظر مثلا: المحصول3/77-81، 4/291، 428،431-432، 5/363،451.
اللفظية حتى ينضم إليها قرائن نقلها الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهموا بها المراد من تلك الألفاظ فانقطعت الاحتمالات - فذلك قريب من مذهب الجمهور، وإن كان مذهبه نفي جواز أن يكون الدليل اللفظي - ومنه الأدلة الشرعية السمعية - قطعيا مطلقا من حيث الدلالة! فذلك خلاف الصحيح الذي عليه جماهير العلماء، وإنه باطل.
لكنه لا يَسْلَم رحمه الله من أن كلامه في مسألة قطعية الأدلة اللفظية غير مطرد، وظاهره التناقض إذا أُخِذ مجموعا1.
عدد الاحتمالات في هذا المذهب:
وقبل تفصيل الكلام فيما رَدَّ به العلماء مذهب الرازي يحسن التعرض لأمر يتصل بجملة الاحتمالات المذكورة ههنا، وهو العدد الإجمالي للاحتمالات فإن عدم الاطراد فيما ذكر من الاحتمالات - سواء في العدد أم
1 انظر هذا مع ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرازي حول منهجه في بعض المباحث العقلية حيث يتناقض كلامه، فيقرر هنا ما ينقضه في موضع آخر ويظهر منه في بعض المواضع نصرة أمور غريبة حتى على مذهبه في علم الكلام، قال ابن تيمية: "ومن الناس من يسيء به الظن وهو أنه يتعمد الكلام الباطل، وليس كذلك بل يتكلم بحسب مبلغه من العلم والنظر في كل مقام بما يظهر له، وهو متناقض في عامة ما يقوله يقرر هنا شيئا ثم ينقضه في موضع آخر، لأن المواد التي كان ينظر فيها من كلام أهل الكلام المبتدع المذموم عند السلف ومن كلام الفلاسفة الخارجين عن الملة - يشتمل على كلام باطل
…
". مجموع الفتاوى5/561-562 وانظر 16/213-214، وانظر درء تعارض العقل والنقل1/164.
في التعداد - مما يبين وهن هذا المذهب.
فقد أوصل الرازي وغير واحد من العلماء الذين حكوا مذهبه تقريرا له أو إبطالا عدد الاحتمالات إلى عشرة! لكنه لم تتفق حكايتهم لها بالاطراد جملة وتفصيلا.
- أما الرازي نفسه فقد صرح في المحصول بأن الاحتمالات تسعة، وعدها واحدا واحدا وهي: احتمال واحد من عدم نقل اللغة والنحو والصرف، وثمانية احتمالات من الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتخصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي1، وقال في موضع آخر من المحصول:"عدم المعارض العقلي والنقلي"2، وصرح في المحصِّل3 بأنها عشرة، ولكنه لم يزد فيه على ما في المحصول إلا بقوله:"عدم التخصيص بالأشخاص والأزمنة "ولم يذكر في المحصّل مما ذكر في المحصول احتمال عدم النقل واحتمال الناسخ! وإذا عُدَّ احتمال الناسخ المذكور في المحصول داخلا في احتمال التخصيص بالأزمنة المذكور في المحصل4 كان الحاصل أن في المحصول زيادة على المحصل باحتمال واحد، وهو احتمال
1 انظر المحصول1/390-391،408.
2 انظر المحصول3/211-212.
3 انظر المحصل ص 142.
4 انظر ما ذكره الزركشي في البحر المحيط1/39.
النقل، وقد عدها في المحصول الذي فيه الزيادةُ تسعةً وفي المحصل عشرة.
- وقال الأصفهاني في شرحه على المحصول بعد أن ذكر التسعة الاحتمالات: "وزاد في الأربعين آخر1: وهو عدم المعارض الظني، وذلك لأنه بتقدير وجوده لا بد من العود إلى التراجيح الظنية وذلك لا يفيد إلا الظن "قال الأصفهاني: "والحق أن المجموع عشرة "2، وقد سبق أن الرازي ذكر المعارض النقلي مع المعرض العقلي في موضع من المحصول.
- وأما ابن القيم فقد ذكر كون الاحتمالات عشرة ونقل في حكايتها ما ذكره الرازي في المحصل3.
- وأما العضد4 في المواقف فلم يذكر احتمال النسخ5.
- وأما الشاطبي في الموافقات فذكر أنها عشرة وزاد احتمال تقييد المطلق6.
1 أي زاد الرازي في الأربعين - وهو من كتبه في علم الكلام - احتمالا آخر.
2 الكاشف: القسم الثاني في اللغات3/976، وانظر القسم الأول منه ص77.
3 انظر الصواعق المرسلة2/633، 634، 656، 658.
4 هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل عضد الدين الإيجي، أصولي متكلم أديب، من تصانيفه: شرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه، والمواقف في أصول الدين، والفوائد الغياثية في المعاني والبيان، توفي سنة 756هـ. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي10/46-47 وطبقات الأصوليين للمراغي2/166 والأعلام للزركي4/66.
5 انظر المواقف/40.
6 انظر الموافقات1/35-36، 2/49-50.
والحاصل أنه ليس هناك ضبط لإجمالي عدد الاحتمالت، وإن كان آخر ما وصلت إليه عند الرازي وغيره عشرة، والظاهر أن ذكر عدد العشرة لبيان الكثرة لا الحصر، يؤيد ذلك أمور:
الأول: أن الرازي ذكر في المحصول احتمالات أكثر مما ذكر في المحصل، لكنه عدها في المحصول تسعة احامالات، وفي المحصل عدها عشرة، واقتضى ذلك أن يُعَدَّ احتمال (عدم الوضع والتصريف والنحو) ثلاث احتمالات في المحصّل مع أنه عدها بصريح كلامه احتمالا واحدا في المحصول.
الأمر الثاني: أنه لم يُذكر في تفصيل الاحتمالات العشرة أمورا معينة، بل ذكر بعضهم ما لم يذكره غيره، ونقص بعضهم عما ذكره غيره، مع أن أكثرهم يذكرون عدد العشرة، ولو عُدَّ جميع ما ذكروه لجاوز العشرة.
الأمر الثالث: أن وجوه الاحتمال التي يتغير بها معنى الكلام وطرقَ التوسع التي يمكن تطريقها بمجرد الوهم والتجويز العقلي إلى الألفاظ في الكلام العربي كثيرة جدا، فيبعد حصرها في عشرة1!
1 ويمكن أن يذكر - إضافة إلى ما سبق - احتمال الكناية، والتعريض، والإجمال، والتضمين، والتورية، والاستفهام، والمبالغة، ووضع الخبر موضع الطلب، وعكس ذلك، والقلب الإسنادي، فكل ذلك مما يمكن حمل الكلام عليه في العربية مع تغيرٍ ما في المعنى بذلك. انظر ما نقله محقق درء تعارض النقل والعقل (1/15) عن الغزالي في "قانون التأويل" في صعوبة انحصار وجوه الاحتمالات وطرق التوسع في كلام العرب، وانظر ميزان الأصول للسمرقندي ص433 حيث ذكر أن "الدليل السمعي يحتمل المجاز والإضمار والكناية ونحوها "، وذكر التبريزي في تنقيح المحصول (2/365) احتمالَ الإجمال، وانظر ما اعترض به ابن السبكي (الإبهاج1/323) على مَن ذَكر أن خمسة احتمالات تخل بالفهم، وانظر البرهان في علوم القرآن للزركشي (2/383) وما بعدها، فقد ذكر أكثر من أربعين أسلوبا يرد به الكلام وأمثلة ذلك في القرآن الكريم.
وجوه الرد الإجمالي على هذا المذهب:
الوجه الأول: المنع، أي: عدم التسليم بأن القطع في الأدلة السمعية متوقف على القطع بنفي الاحتمالات العشرة، وإنما القطع في الأدلة السمعية يتوقف على أمر واحد وهو الطريق الذي يعرف به مراد الشارع، وقد عرف العلماء الذين ورثوا النبي صلى الله عليه وسلم مراده، فعرف الصحابة المراد من الألفاظ الشرعية التي نقلوها عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم تناقلته الأجيال خلفا عن سلف، فوقعت عناية المسلمين بمعاني الكتاب والسنة كما وقعت عنايتهم بألفاظهما، وليست اللغة وحدها وفهمها هي المعول عليها في ذلك حتى يُطَرَّق الاحتمالات إلى ألفاظ الكتاب والسنة.
فقوله تعالى: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} 1 كما نقل لفظه وقطع بأنه
1 سورة آل عمران (97) ، ومن اللطائف أن الأصفهاني في دفاعه عن الرازي في نفي القطعية عن أدلة حجية الإجماع نبَّه على أنه لا ينفي القطعية عن الدليل عند احتفاف القرائن به، واتفق أنْ مَثَّل بهذه الآية لِما ليس قطعيا لذاته بل لاحتفاف القرائن به (الكاشف القسم الخامس/288)، والآية نفسها مَثَّل بها ابن القيم وقال بعد إيرادها:"حصل القطع بمدلوله بالقرائن، والاستطاعة لم تحصل فيها القرائن فتثبت مظنونة"، فكلا طرفي الخلاف في المسألة يقول بقطعية هذه الآية ثبوتا ودلالة.
كلام الله تعالى، فكذلك نقلت معانيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطع بأن المراد ب (الله) : هو رب العالمين الذي نعبده، وب (الناس) : بنو آدم الذين نحن من جنسهم، وب (البيت) : هذه الكعبة التي يحجها الناس بمكة، وكذلك قوله تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ} 1 كما يقطع بثبوت لفظه يقطع بأن المراد برمضان: هذا الشهر الذي بين شعبان وشوال، وبالقرآن: هذا الكتاب الذي بين دفتي المصحف في أيدي المسلمين بمشارق الأرض ومغاربها.
وليس التعويل في مثل هذا على نقل أهل اللغة لمعاني (الناس) و (الله) و (البيت) و (رمضان) ، بل على المنقول نقلا متواترا المفيد علما قطعيا2.
فالرازي بنى مذهبه في نفي القطع على لفظ مجرد عن كل ما يمكن أن يبين مراد الشارع منه غير اللغة وما فيها من معاني ذلك اللفظ المنقول! ثم طرق إليه احتمالات لا يمكن دفعها بمجرد اللغة! أما إذا أُخذ هذا اللفظ مع كمال الاستقراء المشتمل على القرائن الحالية والمقالية المنقولة فتسقط
1 سورة البقرة (185) .
2 انظر الصواعق المرسلة2/634-636، ولخص ذلك في مقدمتين تفيد اليقين بالسمعيات: أولاهما: أن الصحابة ومن نقل عنهم فهموا المراد منها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأخرى: أنهم نقلوا إلينا المراد من تلك الأدلة. انظر الصواعق المرسلة لابن قيم الجوزية 2/737-639.
الاحتمالات بها ويسلم اللفظ منها ابتداء، ويصفو من شوائب الاحتمال1.
الوجه الثاني: أن الاحتمال المجرد عما يعضده لا يؤثر في القطع، بل يبقى الدليل قطعيا بالمعنى الأعم، وإن طرّق العقل المجرد إليه احتمالات بدون دليل2.
الوجه الثالث: أن بعض هذه الاحتمالات لا يطرد وروده على كل دليل سمعي، من ذلك احتمال التخصيص فإنه إنما يرد في اللفظ العام وليس جميع الأدلة الشرعية من قبيل الألفاظ العامة فيطرد فيها احتمال التخصيص، ومن ذلك احتمال النسخ فإن الأخبار التي لا تحتمل التغيير لا يرد فيها احتمال النسخ3، فكان القول بأن جميع هذه الاحتمالات واردة على كل دليل لفظي تعميما غير صحيح.
الرد التفصيلي:
أما الرد التفصيلي فقد أطال فيه شمس الدين ابن القيم في كتابه (الصواعق المرسلة) ، ولأن مدار هذا المذهب على تحميل اللفظ ما ليس
1 انظر نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي2/ق148-أ، ولذا جعل الرازي - على ما نقله عنه الزركشي - تعلم اللغة فرض عين على عدد التواتر، وعلل ذلك بكون معرفة الشرع لا تحصل إلا بواسطة معرفة اللغة والنحو.. الخ. انظر البحر المحيط للزركشي 2/5.
2 هذا الجواب مأخوذ من أحد مسلكي العلماء في الاعتداد بالاحتمال، وانظرهما ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
3 انظر الكاشف عن المحصول القسم الثاني3/974، وانظر مسألة النسخ في الأخبار في المحصول للفخر الرازي3/325.
ظاهرا منه فإن عماد الرد التفصيلي إبطال ذلك التحميل، قال ابن القيم:"إن جميع ما ذكروه من الوجوه العشرة مرده إلى حرف واحد: وهو احتمال اللفظ لمعنى غير ما يظهر من الكلام، فإنه لا ينازع عاقل أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها، لكن النزاع في أن اعتقاد المعنى يقيني لا يحتمل غيره أو ظني يحتمل غيره "1، ثم ذكر أن من الممكن معرفة عدم وجود أي احتمال آخر غير ما ظهر من الكلام بطرق أخرى أضمن من استقراء الاحتمالات العشرة ثم محاولة نفيها، وذلك بالنظر في القرائن ابتداء، فسبب ورود الاحتمال قد يكون عدم مؤالفة السامع للفظ ! أو كون اللفظ له معنى آخر في لغته هو! أو أن اللفظ قد بينته أمور أخرى خفيت عليه! فكان السامع إذا تأكد من أن ليس لديه سبب يوجب ورود الاحتمال في اللفظ ضمن أن يكون ما ظهر له من المعنى هو المراد2.
وتفصيل الجواب عن ورود الاحتمالات يكون كما يلي:
- أما الاحتمال القادح في عصمة رواة اللغة والوضع ونقلتهما فيندفع بكون الصحابة رضي الله عنهم الذين خوطبوا بالنصوص - أولا - عرفوا القصد من تلك الألفاظ بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن بهم حاجة
1 الصواعق المرسلة2/657-659، 753.
2 انظر المرجع السابق.
إلى نفي احتمال أن يكون معنى تلك الألفاظ غير ما ظهر إذ علموا قصده صلى الله عليه وسلم من ألفاظه بفضل صحبتهم له، ومعايشتهم لحوادث الأحكام، ووقوفهم على مراده بالمشافهة، ثم ورث عنهم التابعون رحمهم الله فمن بعدهم ذلك العلم1.
- أما الاحتمال القادح في معرفة الإعراب والصرف فيندفع بأن معنى اللفظ قد يُعرف دون معرفة إعرابه وتصريفه، فيعرف أن اسم (الله) يدل على المعبود حقا وإن لم يعرف الخلاف في اشتقاق هذا اللفظ وإعرابه2، على أن القرآن الكريم مثلا نقل إعرابه ومعانيه كما نقلت ألفاظه3.
كما يندفع الاحتمالان السابقان بأن اللغة لم يرد فيها الكذب كورود الوضع في الحديث، فالمشهور في اللغة معتمد عليه كالاعتماد على ما نَقَل
1 انظر الصواعق المرسلة2/656.
2 هذا رد مباشر على ما ذكره الرازي، فإنه قال في المحصول1/204-205:"إنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ دورانا على ألسنة المسلمين، اختلافا لا يمكن القطع بما هو الحق، كلفظة (الله) تعالى، بعضهم زعم أنها ليست عربية بل سريانية، والذين جعلوها عربية اختلفوا في أنها من الأسماء المشتقة أو الموضوعة، والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا، وكذا القائلون بكونه موضوعا اختلفوا أيضا اختلافا كبيرا"قال: "ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذه اللفظة علم أنها متعارضة، وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين". ووجه الرد أن شيئا من هذا الاختلاف لا يؤثر في أن معنى (الله) المعبودُ حقا وذلك هو المقصود، إذ يعرف ذلك من لم يقف على كل هذا الخلاف أصلا. وانظر نفائس الأصول 2/ق111- أ.
3 انظر الصواعق المرسلة 2/680-681 ونفائس الأصول شرح المحصول للقرافي 2/ق111-أ.
عن أئمة المذاهب أصحابُهم، كل ذلك لضعف احتمال الكذب1.
- أما احتمال التخصيص في العام فمثل احتمال النسخ في النصوص الثابتة، وذلك احتمال لا يعول عليه إلا بدليل، وإلا لاحتملت الحقائق أن تكون على غير حقيقتها، وذلك سفسطة ظاهرة.
مثل ذلك يقال في احتمال الاشتراك والمجاز، فكل ذلك مندفع بما فهم من المراد من الأدلة مما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن الاعتداد بالاحتمال المجرد في ذلك مبطل للأدلة ورافع للثقة عنها، وذلك عظيم الخطر2.
- أما احتمال الإضمار فيندفع بأن ما شهد السياق له من الإضمار فكأنه مذكور في اللفظ، وهو من ضروب ما يحسن في الكلام، مثل قوله تعالى:{فَأَوْحيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبحْرَ فَانْفَلَقَ} 3 فمعلوم أن هناك مضمرا وهو (فضرب - أي البحرَ - فانفلق) ، وما كان من الإضمار غريبا على السياق ويعلم انتفاؤه قطعا فتحميل اللفظ له يفسد نظام التخاطب! ويبطل العقود والإقرارات والطلاق والعتاق!.. إذ يمكن تطريق الاحتمال إليها، والإضمار فيها بما ينفي معناها المعلوم! كما لو قال: طلقت زوجتي، فيقال: المراد طلقت أخت زوجتي! أو نحو ذلك من حذف
1 انظر نفائس الأصول للقرافي 2/ق112- ب، ق113- أ.
2 انظر الصواعق المرسلة 2/681-683 وما بعدها.
3 سورة الشعراء (63) .
المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وما كان من الإضمار محتملا قريبا - وهو ألصق بالمسألة - فيندفع بكون الدليل قائما على أن الشارع ناصح مرشد، قد قصد البيان والدلالة والإيضاح، وأنه حريص على الهداية وحسم موارد اللبس وأسباب الخطأ، فإذا أُلف ذلك في خطابه علم قطعا أن مراده ظاهر كلامه، دون ما يحتمله باطنه من إضمار ليس عليه دليل1.
- أما احتمال التقديم والتأخير فيدفع بأن لسان العرب قائم على أنهم لا يعمدون إلى التقديم والتأخير إلا حيث كان ذلك مفهوما من قرائن الكلام أو سوابقه أو لواحقه، فإذا قالوا: ضرب عمراً زيدٌ، عُلم المقدَّم والمؤخَّر، وإذا قالوا: ضرب عيسى موسى، ولم يكن ثمة قرائن تبين المراد، كان المقدم في اللفظ هو المقدم في المعنى والمؤخر فيه هو المؤخر2.
- أما احتمال معارضة العقل لما ظهر من الدليل السمعي فيدفع بأنه لا يصح أن يعارض عقل صحيح نقلا صريحا! وتقدير الدليل العقلي القاطع على خلاف ما دل عليه الدليل السمعي هو أصل ما وقع من الإعراض عن الأدلة الشرعية إلى أدلة عقلية، زعم محرروها أنها قطعية، ثم زعموا أنها تعارض ما دل عليه الدليل السمعي، فهذا تجويز عقلي محض لا يقدر على الإتيان فيه بما يثبت وقوع ذلك من أدلة نقلية صحيحة صريحة تعارض
1 انظر الصواعق المرسلة2/710-714.
2 المرجع السابق2/723.
مقتضى أدلة عقلية صريحة.
وبين أئمة الإسلام وأعلام الهدى رحمهم الله أن كل ما ثبت بالأدلة الشرعية من أمور الدين أصولا وفروعا، خبرا وطلبا، ليس في شيء منه ما يعارضه العقل! بل كله بالاستقراء التام المقتضي للقطع واليقين جارٍ على مقتضيات الفطرة السليمة1، وكون الأدلة الشرعية لا تنافي قضايا العقول قاعدة عظيمة ساق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في تقريرها أوجها منها:
1 المرجع السابق2/723 وهذه مسألة عظيمة ألف فيها شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه درء تعارض العقل والنقل.
فالعِوَض الصحيح عن قانون التوفيق في تقديم العقلي على النقلي لكونه أصله أن يقال: إن المنقول الصحيح ثبوتا ودلالة ليس فيه شيء يعارض المعقول الصريح، وكل ما يُقدَّر في ذلك فهو إما أدلة سمعية موضوعة لا تقوم بها حجة ولو بلا معارض عقلي، أو منقول صحيح من جهة الثبوت لكن ليس فيه ما يدل على معارضة المعقول.
ومثل شيخ الإسلام للأول: بالخبر الموضوع في أن الله خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق سبحان الله وتعالى!! فهذا غير صحيح من جهة الثبوت، ومثل للثاني بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (5/1990) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضتُ فلم تَعُدني! قال: ربّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ "، فهذا حديث ليس فيه - مع صحته - ما يدل على أن الله سبحانه وتعالى يمرض! فمن فَهِم منه ذلك ثم قدّر معارضة ذلك للأدلة العقلية القطعية الدالة على عدم ذلك كان الخلل في أنه استدل بمنقول صحيح بما لا يدل على ما فهمه، فتوهم معارضة العقلي لما لا يدل عليه سمعي من وجه صحيح، فهذا غير صحيح من جهة دلالته على ما يعارض المعقول. انظر درء تعارض العقل والنقل1/148-150.
- أن الأدلة الشرعية إنما نصبت لتتلقاها عقول من كُلِّفوا العمل بما تقتضيها من الأحكام الشرعية، فإذا كانت منافية لما تقتضيه عقولهم كان تكليفهم بالعمل بها مع ذلك تكليفا بما لا يقدرون فهمه ولا يطيقون تعقله، فلا تحصل بها هداية ويستحيل في الواقع العمل بما دلت عليه الأدلة على الحقيقة.
- أن العقل شرط في التكليف، فإذا عدم العقل ارتفع التكليف كما في المجنون والصبي والنائم، فكان ما كُلّف به الناس غير مناف لما هو مورده أصلا! وإلا ارتفع التكليف رأسا.
- لو كانت الأدلة الشرعية تنافي قضايا العقول لكان أول من يرُدّ الشريعة بذلك الكفار الذين نزل القرآن لهدايتهم، وقد حاجّهم بما يقطع عذرهم، ولو أن ما فيها مناف لعقولهم لحاجُّوا بذلك ولم يحتاجوا إلى اختلاق الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ورميه صلى الله عليه وسلم بالسحر والجنون ونحوهما.
- أن الاستقراء التام للأدلة الشرعية دل على أن ليس فيها ما ينافي العقول، كيف وقد صدَّقتها العقول الراجحة وانقادت لأحكامها طوعا في الابتداء أو كرها في الانتهاء، بما ألزمهم من السلطان المبين والحجة الساطعة والبراهين القاطعة، من لدن عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليوم1.
فوجه دفع هذا الاحتمال هنا أنه لا تجوز معارضة العقل للسمع، لسبق
1 انظر الموافقات3/27-33.
الإيمان والقطع بما تفيده الأدلة الشرعية وأنها لم تقع1.
وخلاصة هذا المبحث: أن الأدلة السمعية (النقلية اللفظية) منها القطعي الذي يفيد اليقين ولا مجال فيه للاحتمالات بل يحتف به ما يدفعها ويسلم الدليل خالصا للقطعية، وأن القول بأن الأدلة السمعية كلها ظنية والقول بأنها كلها قطعية قولان ضعيفان.
1 وهذا يفي بالغرض في هذا السياق، إذ المقصود هنا بيان القطع بانتفاء المعارض العقلي، ثم إن المسلك الملزم في بيان فساد قانون التوفيق القائم على هذا الاحتمال أنْ يُبَيَّن أن كل ما أثبتته الأدلة النقلية ليس في شيء منه ما يعارض العقل، وذلك بتتبع جميع ما زُعم فيه معارضة العقل للنقل وبيان موافقة العقل للنقل في كل ذلك، وقد فصّل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الكلام في ذلك فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد في كتابه (درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صريح المنقول لصحيح المعقول) قال رحمه الله: "وقد تأملتُ عامة ما تنازع الناس فيه فوجدت ما خالف النصوصَ الصحيحة الصريحة شبهاتٌ فاسدة يَعلم العقل بطلانها، بل ويُعلم بالعقل ثبوتُ نقيضه الموافق للشرع، وهذا تأملته في مسائل الأصول الكبار كمسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوات والمعاد وغير ذلك - فوجدت ما يعلم بصريح العقل لم يخالفه سمع قط
…
". المرجع المذكور1/147 وانظر فيه بيان تعدد طرق الرد على هذا الاحتمال والمسلك القاطع الملزم ص 6/5.
المبحث الثالث: وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية
إن تقسيم الأدلة الشرعية إلى قطعية وغير قطعية هو تقسيم لها من حيث تفاوتها في القوة، وما يترتب على ذلك من أولوية التقديم في البحث وعند التعارض وترجيح الأقوى على غيره1، أما من حيث وجوب العمل فكل ما ثبت كونه دليلا شرعيا فهو واجب العمل به قطعا، سواء أكان دليلا قطعيا أم كان دليلا ظاهرا راجحا محتملا2.
أما القطعي فهو واجب العمل به قطعا من غير إشكال3 لأنه دليل ثبتت نسبته إلى الشرع بلا احتمال، فمن تيقن نسبة الدليل إلى الله عز وجل، أو إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، أو أنه سبيل جميع الأمة، أو تيقن مساواة محل آخر لما ثبت بواحد مما سبق وجب عليه العمل به، وكذلك إذا تيقن المراد منه وجب عليه العمل بذلك، لأن ذلك هو مقتضى الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم4 والإيمان بما جاء من النهي عن اتباع غير سبيل المؤمنين الذين لا
1 راجع الكلام على التقسيم المذكور ص (27) فما بعدها.
2 انظر أصول الجصاص 221-222 وانظر إحكام الفصول للباجي ص263 وحاشية الشربيني على شرح جمع الجوامع1/23.
3 انظر الموافقات للشاطبي3/15-16.
4 انظر الصواعق المرسلة2/634-636.
يجتمعون إلا على هدى1، وترك العمل بدليل هذا وصفه مناقض لمقتضى الإيمان!
وأما الدليل غير القطعي مما ترجحت نسبته إلى الشرع - ثبوتا أو دلالة - فهو كذلك واجب العمل به قطعا، ومن الأدلة على وجوب العمل بالأدلة الظاهرة ما يلي:
أولا: إجماع الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ومن بعدهم على العمل بظواهر الكتاب والسنة، والأقيسة، والعمومات، ونحوها مما لا يقطع به دون الاقتصار على اليقينيات من الأدلة2.
ثانيا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنكم تختصمون إلي وإنما أنا بشر، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار "3.
1 إشارة إلى أدلة حجية الإجماع وقطعيته.
2 انظر البرهان للجويني1/286،338 والبحر المحيط3/436 وأصول السرخسي2/141 وتفسير النصوص لمحمد أديب صالح2/63.
3 أخرجه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري5/107 وصحيح مسلم بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي 3/1337-1338.
ويذكر بعض الأصوليين عند الاستدلال على حجية الظاهر لفظ: "أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر " أو ألفاظا قريبة، انظر المحصول للرازي2/80، 3/407، 463، 5/399، 403، 453، 6/111 وإحكام الأحكام للآمدي1-2/238-239 وبيان المختصر للأصفهاني1/614.
والتحقيق عند أهل العلم بالحديث أنه لا أصل لهذا اللفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن ورد في السنة ما يؤدي معناه مثل الحديث المذكور، وقد ترجم النسائي رحمه الله في سننه لهذا الحديث بقوله:"باب الحكم بالظاهر". انظر سننه 8/233. ونقل الحافظ ابن حجر العسقلاني أن اللفظ المذكور قد ورد في كلام الشافعي. انظر التلخيص الحبير4/211 والمقاصد الحسنة للسخاوي/162 والابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج/245. وتوسع في الكلام على هذا د. طه جابر العلواني. انظر المحصول بتحقيقه 2/80-82 حاشية رقم (9) .
فهذا أصل في إجراء الأمور على الظاهر، ولزوم اتباع ما ظهر وترجح وإن لم يرق إلى درجة القطع واليقين، بل الاكتفاء بالظاهر الراجح مع احتمال النقيض1، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأدلة الأحكام لا بد فيها من هذا، فإن دلالة العموم في الظاهر قد تكون محتملة للنقيض وكذلك خبر الواحد والقياس
…
ولا يوجد من يستغني عن الظواهر والأخبار والأقيسة، بل لا بد من العمل ببعض ذلك مع تجويز نقيضه"2.
ثالثا: الواقع في الشريعة، فإن كثيرا من الأحكام أنيطت بظواهر الأمور مع احتمال النقيض، ومن ذلك:
ا- التوجه إلى القبلة، وهو من الشروط التي لا تصح الصلاة إلا بها، فإن المعاين للكعبة قاطع من أمره بأنه متوجه إليها، أما من بَعُد عنها فالمطلوب منه الاجتهاد في التوجه شطرها، وذلك بالأمارات والأعلام
1 انظر شرح مختصر الروضة1/158 شرح الكوكب المنير4/420-421.
2 مجموع الفتاوى13/111-116.
المعِينة، حتى تظهر له جهتها وإن لم يقطع بإصابته الكعبة في التوجه، واحتمل أن يكون توجه إلى غير جهة الكعبة في حقيقة الأمر.
2-
الشهادة في الخصومات والدعاوى، فإنه يكتفى فيها بما ظهر من عدالة الشاهد وصدقه مع احتمال كونه غير عدل في الحقيقة وغير صادق فيما أدلى به من الشهادة.
3-
سائر الأحكام الشرعية التي نُصَّ فيها على القاعدة وتُرِك تحقيق مناط الحكم فيها على الجزئيات إلى اجتهاد العلماء، ومن ذلك أن الله تبارك وتعالى قسّم زكاة الأموال على الثمانية الأصناف المذكورة في قوله جل شأنه:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلفَةِ قُلُوبُهُم وَفيِ الرِّقَابِ والْغَارِمينَ وَفيِ سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} 1 فلا تصرف الزكاة إلا في هذه الأصناف قطعا، أما معرفة أن هذا فقير أو مسكين أو غارم
…
فيعلم ذلك بما ظهر من أمرهم مع احتمال عدم كونهم كذلك في حقيقة أمرهم.
ومن ذلك تقييم المتلفات وأروش الجنايات ونحو ذلك2.
1 سورة التوبة (60) .
2 انظر الرسالة للشافعي/481-482 والمستصفى2/183-184 (بولاق) 2/241-42 والمحصول 2/80-83.
قال الطوفي1: "وبالجملة فقد أريقت الدماء، واستبيحت الفروج، وملكت الأموال شرعا بناء على ظواهر النصوص، والعمومات، والأقيسة، وأخبار الآحاد، والبَيِّنات المالية، وإنما يفيد ذلك جميعه الظن"2.
فتبين من واقع هذه الشريعة المباركة أن من مقاصدها في الأحكام إجراءَ غلبة الظن وظواهر الترجيحات مُجرى اليقين والقطع في العمل، منةً من الله وفضلا ورحمة منه وتوسعة3.
رابعا: أن العمل بالظاهر من الأدلة عمل بعلم، لأنه اتباع لما قام الدليل القطعي على اتباعه من الظهور وغلبة الظن والرجحان، وهي أمور تعلم، فإن المجتهد الناظر في الأدلة يعلم أن هذا الدليل أرجح وأغلب على الظن من ذاك، فإذا اتبع ما علمه كان عمله بعلم4.
قال ابن تيمية: "وذلك أن في المسائل الخفية، على المجتهد أن ينظر في
1 هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، أبو الربيع، نجم الدين الطوفي، أصولي، من تصانيفه مختصر روضة الناظر لابن قدامة وهو (البلبل في أصول الفقه) ، وشرح هذا المختصر، والإكسير في قواعد التفسير، وشرح الأربعين للنووي، توفي سنة (716) هـ. انظر الذيل على طبقات الحنابلة 2/366-370 والدر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 2/249-252 والفتح المبين في طبقات الأصوليين2/120-121.
2 شرح مختصر الروضة1/327، وانظر إحكام الفصول للباجي ص331-332.
3 انظر الموافقات للشاطبي2/90.
4 انظر شرح العمد لأبي الحسين البصري ص291 فما بعد، والمستصفى (بولاق) 2/257 ومجموع الفتاوى 13/111-116.
ويعمل بالراجح
…
وهذا اتباع للعلم لا للظن، وهو اتباع الأحسن كما قال تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} 1 وقال: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِن رَّبكُمْ} 2، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا فيعتقدون الرجحان اعتقادا عمليا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح أن لا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر3
…
وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو ما أسمع " 4، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة - مثل بينة تشهد له - ولم يأت الآخر بشاهد معها كان الحاكم عالما بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم
…
وهكذا أدلة الأحكام"5.
ومما يقوي الثقة بغلبة الظن في الأدلة الشرعية وصحة الاعتداد بظواهرها أن الألفاظ الشرعية لا يجوز أن يكون المراد منها غير ما ظهر
1 سورة الزمر (18) .
2 سورة الزمر (55) .
3 مثال ذلك أن نزول المطر من الغيم الرطب المتراكم راجح على عدم نزوله، ورجحانه أمر معلوم يقينا، فهذا اعتقاد الرجحان أي القطع بالرجحان، أما نزول المطر فعلاً فهو أمر مظنون غير قطعي إذ من الجائز المحتمل تخلف الأمر الراجح وقوعُه. انظر التنقيح للتبريزي بتحقيق الدكتور حمزة زهير حافظ1/11 مع حاشية رقم (1) .
4 سبق تخريجه قريبا ص 83
5 مجموع الفتاوى13/111-116 وانظر الموافقات للشاطبي3/375.
منها من غير أن تكون ثمت قرينة تدل على ذلك1، فمن ظهر له حكم من دليل ثم لم يكن هناك ما يدل على خلاف الظاهر عنده أو كان ولكنه مرجوح - كان على بينة من أمره في العمل بذلك الظاهر، بل إن كثيرا من ظواهر الأدلة قد عززتها القرائن، وتكاثرت عليها الشواهد حتى رفعتها عن موارد الاحتمالات وعوارض التردد في الثبوت أو الدلالة إلى قمم القطعية وأوثق اليقين2.
وقد نقل القرافي3 رحمه الله إجماع العلماء على عدم اعتبار الاحتمال المرجوح ووجوب الاعتماد على الظاهر من الأدلة4.
ففي الأحكام الشرعية أمران: خاص وعام، أما الأمر العام فهو أنها يجب العمل بها جميعا قطعا، أما الخاص لكل حكم فهو أنه قد يكون الطريق إليه قطعيا وقد يكون راجحا ظاهرا5.
1 انظر المحصول للرازي1/388-390 ونهاية السول للآسنوي2/149.
2 انظر الصواعق المرسلة2/670-672.
3 هو أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن، أبو العباس، شهاب الدين القرافي، فقيه أصولي، من تصانيفه: تنقيح الفصول وشرحه في أصول الفقه، وشرح المحصول للرازي، والذخيرة في الفقه، والعقد المنظوم في الخصوص والعموم، توفي سنة (684) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون1/236-239 والمنهل الشافي1/215-217 والفتح المبين2/86-87.
4 انظر نفائس الأصول في شرح المحصول3/ق166- ب وشرح تنقيح الفصول/187.
5 انظر تيسير التحرير1/12
المبحث الرابع: أهمية الدليل القطعي
ثبت أن مذهب جماهير أهل العلم أن الأدلة الشرعية منها القطعية ومنها غير القطعية، وأن القسمين سواء من حيث وجوب العمل.
وللدليل القطعي مكانة خاصة بين سائر الأدلة تبين أهميته، ويبين ذلك وجوه منها:
الأول: أن الدليل إذا ارتفع إلى درجة القطع واليقين اطمأنت إليه النفوس واستراحت إليه القلوب وزاد نشاط الجوارح في العمل بما أثبته من أحكام، لما يضفيه القطعي على الدليل ومدلوله من أمن الخطأ والسلامة من الزلل.
وطمأنينة القلوب من المطالب الشريفة، قال الله تعالى:{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِني كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} 1، قال القرطبي:"أراد أن يترقى من علم اليقين إلى عين اليقين، فهو سأل ليطمئن قلبه بحصول الفرق بين المعلوم برهانا والمعلوم عيانا"2، فالنفوس جبلت على طلب رؤية ما أُخبرت عنه، ولهذا ورد عن رسول الله
1 سورة البقرة (260) .
2 تفسير القرطبي3/300.
صلى الله عليه وسلم: "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما فعل قومه في العجل فلم يلق الألواح، فلما عاين ألقى الألواح فانكسرت" 1، فإذا اجتمع دليل العيان إلى دلائل الإيمان الأخرى حصل فضل طمأنينة للقلب2.
وإذا عثر الباحث في أدلة الأحكام على الدليل القطعي اطمأنت إليه نفسه لأنه ينفي الاحتمال، ويزيل الشك والتردد، فيكون على بينة ويقين من أمره فيما يأتي ويدع من أحكام ذلك الدليل، قال الزركشي:"اعلم أنه من حق على المجتهد أن يطلب لنفسه أقوى الحجج عند الله ما وجد إلى ذلك سبيلا، لأن الحجة كلما قويت أمن على نفسه من الزلل"3.
ولم يزل العلماء رحمهم الله يذكرون على المطلب الواحد أدلة كثيرة ومتنوعة، حتى يتزايد ظهور المطلب ويحصل القطع بالحكم فيه، وتطمئن القلوب إلى ذلك الحكم لقوة الدليل4، فيذكرون للحكم الواحد أدلة من الكتاب والسنة والإجماع
…
1 رواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن حبان وليس فيه من قوله: "إن الله عز وجل أخبر موسى
…
". انظر مسند الإمام أحمد 1/271،215 والمستدرك على الصحيحين 2/321 والإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان 8/33. وقال في مجمع الزوائد (1/153) : "رجاله رجال الصحيح"، وفيه أيضا عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم.
2 انظر فتح القدير للشوكاني1/281.
3 البحر المحيط6/229، وانظر الوصول لابن برهان2/150.
4 انظر نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي3/ق3-ب.
الوجه الثاني: أن الأدلة القطعية هي من أقوى ما ذُبَّ به عن الشريعة، ومن أمنع ما حفظت به الشريعة من زيغ المبطلين المبتغين الفتنة بالتأويل، فإنها التي تقطع ألسنة المؤولين، وتقصم ظهور المعاندين المتشبثين بمتشابه النصوص الذين يجدون في المحتملات ما يلوون ألسنتهم به في مطالبهم، فكم من ظواهر امتدت إليها أيدي المؤولين! وحرَّفها الملحدون إلى مرادهم! وأنزلوها على أهوائهم! وخرجوا بها عن منهاج الله وشرعته! لكن القواطع المحكمات تستعصي على هؤلاء وأولئك، فدون تأويلها حصن منيع من البيان، وفصل مبين من الخطاب، قال الله تعالى:{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَاياتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللهَ وَالرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يَقُولُونَءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبنَا وَمَا يَذَّكر إِلَاّ أُولُوا الأَلبابِ} 1، قال ابن كثير عند قوله تعالى:{فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} : "أي إنما يأخذون منه المتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها، لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم وحجة عليهم"2.
وبين الشاطبي أن هذه الشريعة معصومة كما أن رسولها صلى الله عليه وسلم معصوم،
1 سورة آل عمران (7) .
2 تفسير ابن كثير1/353.
وكما أن أمتها مجتمعة معصومة، بسبب ما يسّر الله من دواعي الذب عنها، وبما قيض من المدافعين عنها جملة وتفصيلا، ثم قال:"فإن عارض دين الإسلام معارض، أو جادل فيه خصم منافق غبروا في وجه شبهاته بالأدلة القاطعة، فهم [أي المدافعون الذابون] جند الإسلام، وحماة الدين"1، والقواطع المحكمات سلاحهم الصارم وحسامهم البتار.
فبالأدلة القواطع يحفظ الدين في ميدان المحاجة باللسان كما يحفظ بالجهاد في ساحة الكفاح بالسنان2، وبها تقوى عصمة الشريعة ويُحكم أساسها وركنها، وبها تدك معاقل البدع والانحراف وتؤتى بنيانها من القواعد، وعند حصنها يقف المعاند اللدود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ويجب أن يعلم أن الأمور المعلومة من دين المسلمين لا بد أن يكون الجواب عما يعارضها جوابا قاطعا لا شبهة فيه
…
فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن قد أعطى الإسلام حقه، ولا وفَّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين"3.
1 الموافقات2/59-60.
2 من أسماء السيف وأوصافه موادّ بمعنى القطع كالبتار والحُسام من البتر والحسم، فاتفق في اللفظ ما يحسم به العناد في الاحتجاج وفي الكفاح وقرع السيوف.
3 مجموع الفتاوى20/164-165.
الوجه الثالث: أن العلم وقوة اليقين من فضل الله على الناس، قال الله عز وجل: {
…
يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} 1 وقال تبارك وتعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٍ} 2. والعلماء الذين ثبتت عندهم الأحكام بالأدلة القطعية وبنوا عليها مذاهبهم هم على يقين من أمرهم ورسوخ عظيم في العلم، وذلك فضل لهم على من لم يكن له نصيب من الأدلة إلا الظنون الراجحة وبقي في احتمال وتردد لضعف أدلته3.
الوجه الرابع: أن الدليل القطعي هو ما يبدأ به البحث عن أدلة الأحكام، وهو الذي إذا حصّله المجتهد لم يعدل عنه إلى غيره، إذ لا بعارضه غيره لأنه الأقوى.
الوجه الخامس: أن الله تعالى أمر عند التنازع بالرد إلى الكتاب والسنة فقال عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} 4.
1 سورة المجادلة (11)، قال الراغب:"تنبيه منه تعالى على تفاوت العلوم وتفاوت أربابها"المفردات ص514.
2 سورة يوسف (76) ، والعلم في الآيتين أعم من أن يكون المراد به الدليل القطعي.
3 انظر البحر المحيط6/640-641.
4 سورة النساء (59) .
ومن رد عند التنازع إلى دليل قطعي ثبوتا ودلالة كان على يقين من أمره أنه رد إلى الله ورسوله، وذلك صلة عظيمة بين الأمة في عصورها المتلاحقة وبين مصدر التشريع، وكأنهم عايشوا التنزيل وسمعوا القرآن والسنة من فيِّ النبي صلى الله عليه وسلم1.
ولكل هذه الأهمية كان القول بنفي وجود القطعي في الأدلة الشرعية قولا عظيم الخطر! فإنه يتوجه بالنقض إلى حصن الشرع المعصوم! ليتركه بعد ذلك هدفا لكل مبطل مؤول أو معاند، وذلك ينتهك حرمة النصوص ويرفع الثقة عنها2.
القطعية والحجية في الدليل:
تتبين العلاقة بين حجية الدليل وبين قطعيته بأمرين:
الأمر الأول: القطعية في الدليل فرع عن الحجية فيه، أي أن البحث في قطعية الدليل يكون بعد ثبوت كونه حجة ودليلا شرعيا يجب العمل به في إثبات أحكام الشريعة، إذ من لم تثبت عنده حجية الدليل وصحة الاعتماد عليه أصلا في الشريعة لا يرد عنده بحث قوة ذلك الدليل، وكيف يبحث في قوة أمر غير ثابت أصلا؟!
وما يأتي - إن شاء الله تعالى - من مسائل هذا البحث مبني على
1 انظر أصول السرخسي1/283-284.
2 انظر الصواعق المرسلة2/632-633.
هذا، فالخلاف في حجية دليل ليس مما يعنى - بالضرورة - عند البحث عن القطعية في ذلك الدليل.
الأمر الثاني: حجية الدليل أهم من قطعيته بالنظر إلى ما يأتي:
- أن مناط وجوب العمل بالدليل على حجيته، والقطعية بالنظر إلى العمل فضل قوة، فإذا ثبت كون الدليل حجة شرعية لزم العمل به، سواء أفاد الناظرَ فيه القطعيةَ أم لم يفده، فكان عدم القطعية في الدليل غير مانع من العمل به، والعمل هو الغرض الأعظم ونهاية المقصِد من الشرع، وإنما يتعلم العلم ليعمل به1.
- أن القطعية وصف غير مطرد في الأدلة الشرعية أو بالنسبة لجميع المجتهدين، فليست وصفا مطلقا في الأدلة الشرعية، إذ في الأدلة الشرعية ما لا يكون دليلا قطعيا بل يكون دليلا ظاهرا راجحا، أما الحجية فهي وصف سائر الأدلة الشرعية2.
1 وقد فصل الإمام الشاطبي رحمه الله في مقدمة الموافقات الكلام على هذا وتوسع في بيان أن ثمرة العلم الصحيح هو العمل، انظر الموافقات1/42، 46 وما بعدها.
ومما يبين هذا الأمر أن بحث المتواتر في الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من مباحث قطعية الثبوت في الدليل من السنة - لم يحظ عند علماء الحديث بما حظي به بحث مطلق الحجية من الاهتمام، بل انصب جهد هؤلاء رحمهم الله على البحث عن الخبر الذي هو حجة يجب بها العمل، ولم يتطرقوا إلا ما ندر من بعض متأخريهم إلى بحث القطعية وهو بحث (الخبر المتواتر) . وانظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
2 انظر مبحث وجوب العمل بالأدلة الشرعية القطعية وغير القطعية ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .
المبحث الخامس: قطعية أصول الفقه
هذا المبحث يتصل بجانب مهم من جوانب منهج البحث في أصول الفقه1، وهو منهج الاستدلال فيها، وهل يشترط أن يكون الدليل المستدل به في أصول الفقه قطعيا أم أنه يستدل بكل دليل ثبتت حجيته وكان ظاهرا في دلالته على المستدل فيه، فيستدل بالقطعي من الأدلة وبالظاهر الراجح منها، وجميع قواعد أصول الفقه على المنهج الأول قطعية، أما على المنهج الثاني فبعض قواعد الأصول غير قطعية.
ولم تحظ هذه المسالة من البحث بما يتفق مع ما سبق من أهميته، فلم أقف على بحث مفصل للمسألة فيما رجعت إليه من كتب أصول الفقه، وإنما يكتفي العلماء - رحمهم الله تعالى - بالإشارة عند تعرضهم للمسألة، حتى يبدو من بعض كلامهم أن المسألة قد بحثت مفصلة في موضع آخر من كتب الأصول أو كتب علوم أخرى2، ومن تلك الإشارات:
1 أصول الفقه هنا: جملة أدلة الفقه والطرق الموصلة إلى الأحكام الشرعية وكيفية استنباط تلك الأحكام من أدلتها، أي جميع القواعد التي ينبني عليها النظر في أدلة الفقه لاستخراج مسائله والتي يشتمل عليها علم أصول الفقه. انظر التقريب والإرشاد1/172-173 والقواطع لابن السمعاني ق2/أ-ب والمنهاج للبيضاوي مع نهاية السول1/5 ومختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر1/14 والموافقات1/29 حاشية رقم (1) من تعليقات الشيخ عبد الله دراز.
2 وبدا لي أن قد يكون من مظان بحث المسألة مفصلا كتبُ علماء الكلام، فرجعت إلى كتب بعض من كتبوا في أصول الفقه من المتكلمين مثل التمهيد للقاضي أبي بكر الباقلاني والإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الدين لأبي المعالي الجويني والمحصل لفخر الدين الرازي والمواقف لعضد الدين الإيجي، فلم تزد الإشارات فيها - حسب اطلاعي - على ما ذكروا في كتبهم في أصول الفقه.
- قال في تلخيص التقريب إشارة إلى استدلال بعض العلماء بخبر الواحد في إثبات حجية القياس: "وهذه هفوة عظيمة، وسنذكر في كتاب الاجتهاد أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة، ومن قال غير ذلك فقد زل زلة عظيمة"1.
وأحال في موضع آخر على باب التقليد2.
أما في كتاب الاجتهاد فإنما كان البحث هناك في ذكر تقسيم المسائل إلى قطعية وغير قطعية وضابط مسائل الأصول وما إلى ذلك، ولم يستدل - فيما وقفت عليه من كتاب الاجتهاد - على أن أصول الشريعة لا تثبت إلا بما يقتضي العلم من الأدلة القاطعة3، كما أشار من قبل.
أما في باب التقليد فقد وقعت إشارة إلى ذلك في معرض الرد على المجوزين لتقليد العالِم للعالِم، فأبطل ذلك بأنه لو جاز تقليد العالم للعالم لكان قول العالم المقلَّد عَلَما منصوبا على الحكم حتى يساوي سائر الأدلة
1 تلخيص التقريب للجويني3/194-195.
2 انظر تلخيص التقريب3/121.
3 انظر التلخيص3/317-319.
الشرعية! ثم أبطل هذا بأنه يستحيل إقامة الدليل العقلي أو الشرعي على إثبات قول العالم المقلَّد دليلا شرعيا، لأن الدليل المثبت لذلك لا بد أن يكون قطعيا كما ثبت القياس وغيره من طرق الاجتهاد بالأدلة القاطعة على حجيتها، وليس على صحة كون قول المقلَّد دليلا شرعيا شيءٌ من الأدلة القطعية كنص الكتاب أو نص سنة أو إجماع.
ثم قال: "وتتأكد هذه الدلالة بأصل نوضحه فنقول: لا ينتصب الشيء دليلا وعَلَما في الشرعيات إلا بدلالة قاطعة، فإنه لو ثبت بما لا يقطع لاحتيج إلى إثبات مثبته ثم يتسلسل القول فيه إلى ما لا يتناهى" قال: "فهذه هي الدلالة السديدة وما عليها معترض"1.
- وقال الغزالي2 رحمه الله عند الكلام على حجية قول الصحابي: "ونحن أثبتنا القياس والإجماع وخبر الواحد بطرق قاطعة لا بخبر الواحد، وجعل قول الصحابي حجةً كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وخبره
1 تلخيص التقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني لخصه إمام الحرمين الجويني ج3/419 وانظر ما سبق قبلُ 3/417-419.
2 هو محمد بن محمد بن محمد، أبو حامد، حجة الإسلام الغزالي، كان إماما في الفقه وأصوله والكلام وغيره، له تصانيف كثيرة منها: المنخول والمستصفى كلاهما في أصول الفقه، والوسيط والوجيز كلاهما في الفقه، والأربعين في أصول الدين، وإحياء علوم الدين، وتهافت الفلاسفة، توفي سنة (505) . انظر سير أعلام النبلاء19/322-347 وطبقات الشافعية لابن السبكي6/191-389 والفتح المبين في طبقات الأصوليين2/8-10.
أصلٌ من أصول الأحكام ومداركه، فلا يثبت إلا بقاطع كسائر الأصول"1.
- وقال الآمدي2 رحمه الله بعد ذكر الخلاف في حجية الإجماع المنقول بخبر الواحد: "وبالجملة فالمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعا به وعدم اشتراطه: فمن اشترط القطع منع كون خبر الواحد مفيدا في نقل الإجماع، ومن لم يشترط ذلك كان الإجماع المنقول على لسان الآحاد عنده حجة"، قال:"والظهور في هذه المسألة للمعترض من الجانبين دون المستدل فيها"3.
وزاد البحث في هذه المسالة إشكالا - إضافة إلى قلة التفصيل فيه - صعوبة ضبط مذاهب العلماء فيها، فقد يبدو من بعضهم التزام القطعية في محل ثم في محل آخر لا يسلِّم اشتراط القطع في أصول الفقه4، وأشار الشيخ
1 المستصفى2/456-457، وانظر المستصفى (بولاق) 2/219.
2 هو علي بن علي بن محمد أبو الحسن سيف الدين الآمدي، أصولي متكلم، من تصانيفه:(الإحكام في أصول الأحكام) و (منتهى السول) في أصول الفقه، و (أبكار الأفكار) في علم الكلام، توفي سنة (631) هـ. انظر سير أعلام النبلاء22/364-367 وطبقات الشافعية لابن السبكي8/306-308 والفتح المبين2/57-58.
3 الإحكام في أصول الأحكام للأمدي 1/238-239 وانظر1/186، 2/290،293، 294،303، 3/78.
4 كما سيأتي قريبا إن شاء الله عند ذكر أقوال أهل العلم.
الطاهر بن عاشور1 رحمه الله إلى مثل هذا قائلا: "وأنا أرى أن سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام وبين ما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية
…
فهم قد أقدموا على جعلها قطعية فلما دونوها وجمعوها ألْفَوا القطعي فيها نادرا ندرة كادت تذهب باعتباره في عداد مسائل الأصول2
…
كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه! "3.
وقد اختلف العلماء في قطعية أصول الفقه وجواز الاستدلال بالدليل غير القطعي في إثبات قواعدها على قولين:
القول الأول: أن مسائل أصول الفقه قطعية، فلا يستدل عليها إلا
1 هو محمد الطاهر بن محمد الشاذلي بن عبد القادر، أبو عبد الله، الشيخ ابن عاشور، كان من العلماء في النقليات والعقليات، له حاشية على المحلي على جمع الجوامع، وحاشية على القطر لابن هشام في النحو، توفي سنة (1284) هـ الموافق (1868) م. انظر شجرة النور الزكية ص392 رقم (1565) والأعلام للزركلي7/43) ، وللشيخ ابن عاشور كتاب في تفسير القرآن الكريم هو تفسير التحرير والتنوير وكتاب في مقاصد الشريعة الإسلامية.
2 لا يُسلَّم أن القطعيات في أصول الفقه بتلك الندرة، بل هي كثيرة لمن أخذها مأخذ الاستقراء وتتبع أدلتها في مظانها وغير مظانها كما سيأتي النقل عن العلماء بذلك في آخر هذا المبحث، وسبب قول الشيخ ابن عاشور رحمه الله بندرة القطعيات في أصول الفقه على هذا الوجه أنه يقصد بالقطعي ما لا اختلاف فيه بين العلماء كما يظهر ذلك من تعليله لذلك بقوله متعجبا:"كيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه! " المقاصد الشرعية ص8. والصحيح أن الاختلاف لا يمنع من القطع كما سيأتي في ص 165من هذا البحث.
3 المقاصد الشرعية ص8.
بدليل قطعي.
وهذا مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني1 وأبي المعالي الجويني2،3 وأبي حامد الغزالي فيما ظهر من كلامه في المستصفى4، وهو مذهب القرافي
1 انظر تلخيص التقريب3/121، 194-195، وانظر البحر المحيط5/241.
2 هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف أبو المعالي ضياء الدين الجويني، إمام الحرمين، من أئمة المتكلمين الأشاعرة، فقيه أصولي أديب، من تصانيفه: البرهان، وتلخيص التقريب لشيخه القاضي أبي بكر الباقلاني، والإرشاد في أصول الدين، و (نهاية المطلب في المذهب) في الفقه الشافعي، وغياث الأمم في السياسة الشرعية، توفي سنة 478. انظر طبقات الشافعية لابن السبكي5/165-222 وسير أعلام النبلاء18/468-477 والفتح المبين1/260-261) .
3 انظر البرهان1/78-79، 435 غير أنه جوّز الاستدلال من السنة على حجية القياس بحديث معاذ (انظر تخريجه في تلخيص الحبير4/182-183 والابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج ص210-211)، وعلل ذلك بثبوت وجوب العمل بالآحاد بالقواطع قال:"فلا فرق بين أن يستند القياس إلى قاطع بدرجة وبين أن يستند إليه بدرجات"البرهان2/507-508. وظاهر هذا تجويز الاستدلال بغير القطعي في إثبات الأصول.
4 انظر المستصفى 2/402-403،456-457، (بولاق) 1/328-329،432-433، 2/219، غير أنه لما أبطل حجية الإجماع المنقول بالآحاد قائلا:"ولو أثبتناه لكان ذلك بالقياس ولم يثبت لنا صحة القياس في إثبات أصول الشريعة، هذا هو الأظهر" قال: "ولسنا نقطع ببطلان مذهب من يتمسك به في حق العمل خاصة"، فلم يَبُتّ في المسألة بالقطع في التمسك بالأصل الثابت بغير القطعي بالنسبة للعمل، فذلك عنده مما يحتمل.
وسبب تقييدي مذهبه بما في المستصفى أن ما يظهر من المنخول تجويز الاستدلال بغير القطعي في مسائل أصول الفقه، وذلك عند استدلاله على حجية الإجماع والقياس. انظر المنخول ص306، 332، وقد نبّه على ذلك محقق المنخول د. محمد حسن هيتو نقلا عن أستاذه عبد الغني عبد الخالق. انظر المنخول ص107.
ونقله عن العلماء1، وهو الذي قرره أبو إسحاق الشاطبي وأيده وجعل في الاستدلال عليه أُولى مقدمات كتابه (الموافقات)2.
ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:
الدليل الأول: أن مسائل هذا العلم من الأصول، والأصول لا يستدل في إثباتها إلا بدليل قطعي لأنها من المواضع التي يطلب فيها القطع واليقين، والدليل غير القطعي لا يفيد القطع فلا يفي ما دون القطعي بالغرض المطلوب في هذه المسائل3.
1 انظر نفائس الأصول شرح المحصول للقرافي1/ق17-أ، ب، 2/ق11-ب، ق12-أ، ق22-أ، ق148-أ، ق246-أ، ب، 3/ق5-أ، ب،ق8-ب، وانظر شرح تنقيح الفصول له/338-339 وقيد مذهبه بمن كثر اطلاعه واستقراؤه فيحصل له القطع دون من قصر عن ذلك.
2 انظر الموافقات1/29 وما بعدها.
وذكر د. محمد حسن هيتو أن قطعية أصول الفقه مذهب المتقدمين من الأصوليين كالصيرفي وابن السمعاني والباقلاني وإمام الحرمين والغزالي. انظر تحقيقه للتبصرة للشيرازي ص32.
3 هذا الدليل يتكرر كثيرا في كتب كثير من الأصوليين لا سيما المتكلمين منهم، وذلك كلما استدل مستدل بدليل غير قطعي في مسألة من مسائل أصول الفقه. انظر تلخيص التقريب للقاضي أبي بكر الباقلاني لخصه الجويني3/194-195 والعدة لأبي يعلى الفراء1/237، 2/459 وإحكام الفصول للباجي/364 وشرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي1/298، 2/769-770 والبرهان للجويني1/337، 435 والمستصفى للغزالي2/402-403، 456-457، (بولاق) 2/219 والوصول إلى الأصول لابن برهان2/248 وشرح تنقيح الفصول للقرافي ص17،323،372،580 وميزان العقول لعلاء الدين السمرقندي ص569 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت 2/123، 135.
وهذا الدليل يشتمل على ثلاثة أمور:
أولها: أن في الدين مواضع هي أصول، ومواضع أخرى هي فروع.
وثانيها: أن كل مسألة تعين كونها من مواضع الأصول فهي مطلب لا يكتفى فيه بما دون القطع واليقين، أما مسائل الفروع فيجوز فيها الاستدلال بغير القطعي.
وثالثها: أن أصول الفقه من تلك الأصول التي يجب فيها القطع واليقين.
وجميع تلك الأمور مما قد لا يسلم:
أما الأمر الأول فلأنه يرد على تقسيم الدين إلى أصول وفروع أمور:
- أهمها عدم وجود حد وضابط مسلَّم يميز الأصول القطعية من المواضع التي لا يشترط فيها القطع من الدين، قبل النظر في الأدلة.
وهذا القاضي أبو بكر الباقلاني ذكر حدّين للأصول ولم يرضهما لما يلزم منهما من الباطل1، ثم عوّل بعد ذلك على ما رآه الحد الصحيح
1 أما الحد الأول منهما فهو أن الأصول: "ما لا يجوز ورود التعبد فيه إلا بأمر واحد"ووجه كونه غير مرضيّ على ما في التلخيص أنه يُخرج مسائل الشرع القطعية وغير القطعية من جملة الأصول، وأما الحد الثاني فهو أن الأصول:"ما يصح من الناظر العثور فيه على العلم من غير تقدير ورود الشرع"ووجه كونه غير مرضيّ أن وجوب معرفة الله وصفاته ووجوب معرفة النبوة كل ذلك من أصول الدين، مع أن الوجوب حكم لا يثبت إلا من طريق الشرع فتخرج تلك الأصول من جملة الأصول على هذا الحد، وذلك غير صحيح. انظر تلخيص التقريب 3/319، وذكر الغزالي هذا الحد فقال في المستصفى (بولاق 2/357-358) :"وحد المسائل الكلامية المحضة ما يصح للناظر دَرْك حقيقته بنظر العقل قبل ورود الشرع".
للأصول وهو: أن "كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافه جاهلا فهي من الأصول، سواء استند إلى العقليات أم لم يستند إليها"1، مع أن الأصل على هذا فرع عن الدليل الشرعي، لأن تحريم الخلاف حكم شرعي لا بد فيه من الدليل الشرعي عليه2، فكانت معرفة كون المسألة من الأصول تابعة لمعرفة دليل تحريم الخلاف فيها.
وذكر الشاطبي رحمه الله ضابطا آخر لأصول الدين وفروعه يرجع إلى النظر في المصلحة الشرعية المترتبة على الفعل فقال: "فما عظَّمه الشارع في المأمورات فهو من أصول الدين وما جعله دون ذلك فهو من فروعه، وما عظّم أمره في المنهيات فهو من الكبائر وما كان دون ذلك فهو من الصغائر، وذلك على مقدار المصلحة والمفسدة"3.
وقريب من هذا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية من أن أصول الدين
1 تلخيص التقريب3/317-319.
2 وقد سبق مثل هذا قريبا في بيان بطلان الحد الثاني من الحدين الذين لم يرضهما القاضي في تحديد الأصول، واضطر القاضي إلى أن يخرج من الأصول بهذا الحد بعض المسائل العقلية التي يختلف فيها علماء الكلام من مسائل العقائد مما لا يتعلق بشيء من قواعد الدين. انظر التلخيص ص191.
3 الموافقات1/213.
ما يكون مصلحته عامة1، أما ما يكون من الحقوق خاصا مثل برّ كل إنسان والِدَيْه، وقيامه بحق زوجته وجاره، فهو من فروع الدين، ثم قال معللا:"لأن المكلف قد يخلو عن وجوبها عليه ولأن مصلحتها خاصة فردية".
فأصول الدين في المأمورات مثل الكبائر في المنهيات، يجمعهما عظم المصلحة وعمومها في الأولى، وعظم المفسدة في الثانية في أفعال القلب واللسان والجوارح.
والظاهر أن هذا ضابط محكم في تحديد أصول الدين وفروعه، لأنه يجعل الدليل الشرعي - وهو راجع إلى قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم متبوعا لا تابعا، فما كان من الأحكام قويا دليله يُظهِر أهميته وعظم شأنه في الدين فهو من أصول الدين في أي موضع كان ذلك الحكم، وما كان من الأحكام الشرعية دليله دون ذلك ويظهر بعض التوسعة في أمره أو تكون مصلحته خاصة فهو من فروع الدين، وكل ذلك تابع للدليل.
وهو قريب مما استقر عليه أمر القاضي في التعريف بالنسبة للدليل الشرعي، لأن حد القاضي راجع إلى الدليل المحرِّم للخلاف في المسألة، وتحريم الخلاف في مسألة من المسائل دليل على عظم تلك المسألة في الدين وحرمته.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع آخر من (مجموع الفتاوى) أن
1 انظر مجموع الفتاوى1/18-19.
الدين نوعان: أمور خبرية اعتقادية، وأمور طلبية عملية، ومثّل للنوع الأول بالعلم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويسمى هذا النوع أصولَ الدين والعقد الأكبر، كما يسمى عقائد واعتقادات، ويسمى الجدال فيه كلاما، والنوع الثاني أمور الطلب من أعمال الجوارح كالواجبات والمحرمات1.
وذكر في موضع آخر أن الاصطلاح على تسمية الأمور العلمية الخبرية الاعتقادية بأصول الدين، أو الأصول اصطلاح المتكلمين المتأخرين وكثير من المتفقهة، وأما الغالب على اصطلاح أهل الحديث والتصوف، والذي عليه أئمة الفقهاء وطائفة من المتكلمين فهو تسمية الأمور التي اتفقت فيها الشرائع مما لا ينسخ ولا يغير بأصول الدين سواء كان من الأمور العلمية أم من الأمور العملية، وذكر أن مصطلح (الشريعة) جامع للقسمين معا2.
وتكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في أوائل كتابه (درء تعارض العقل والنقل) 3 على هذه المسألة وعلى اشتراط القطع فيها وهل يكفي فيها الظن؟ فذكر أن جميع ما هو من أصول هذا الدين الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فهي وأدلتها الشرعية القطعية عقلية أو سمعية مُبَيَّنة في الكتاب والسنة قد
1 انظر مجموع الفتاوى11/335-336.
2 انظر مجموع الفتاوى19/134 وانظر الاستقامة له أيضا1/47-49.
3 انظر درء تعارض العقل والنقل1/26-75.
نقلت عن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلمها أهل العناية بالعلم الموروث عن النبي صلى الله عليه وسلم يعلمونها ويقطعون بها، وأن ما لم يصرَّح فيه من تلك المسائل بطلب القطع واليقين وعجز الناظر فيها عن الوصول إلى القطع واليقين فإنه يكفيه الاعتقاد الغالب على ظنه لعجزه عن التمام، لأن الاعتقاد الراجح المطابق للحق ينفع صاحبه عند عدم القدرة على الدليل السمعي أو العقلي المفضي إلى القطع واليقين، على أن عامة الضلال أو العجز عن اليقين في هذا الباب سببه الإعراض عن الاستدلال والنظر في أدلة تلك المسائل الواردة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإعراض عن اتباع طريقة السلف في تلك المسائل وأدلتها ومنهجهم في الاستدلال عليها اهـ.
هذا، ويؤخذ من استدلال العلماء القائلين بالتقسيم وبقطعية الأصول - في المراجع التي ذُكرت سابقا من كتب المتكلمين في أصول الفقه وفي الكلام - أنهم يذهبون إلى وجود الدليل العقلي القطعي في تلك المسائل، فإذا استُدل فيها بدليل سمعي غير قطعي ردوا على الاستدلال بأن المسألة قطعية لوجود دليل عقلي قطعي فيها، وغاية ما يفيده السمعي غير القطعي هو الظن الذي لا يجدي نفعا مع وجود القاطع العقلي، فيمنعون الاستدلال به ابتداء.
فيرجع الكلام في المسألة إلى أن ما يذهبون إليه من وجود القاطع العقلي - مخالفا للسمعي - غير مسلم، وأن ظواهر النصوص السمعية لا
تخالفها الأدلة العقلية1، فمدار الكلام في هذه المسألة ليس على تقسيم الدين إلى فروع وأصول، فذلك أمر من أمور الاصطلاح لا يبعد أن يكون هيِّناً وقد وقع في كلام كثير من العلماء.
وإنما عدم التسليم بالتقسيم راجع إلى أمر آخر ينبني عليه، وهو: دعوى وجود القطعي العقلي في مسائل الأصول مخالفا لما تفيده ظواهر النصوص السمعية النقلية، ثم تقديم ما يزعم أنها القواطع العقلية المخالفة على النصوص الشرعية وما يتبع ذلك من إقصاء كثير من الأدلة الشرعية في أهم مواضع الدين.
والحق أن الوحي قد بيَّن الدين أصولا وفروعا بما لا يضطر معه المسلم إلى اضطراب الاستدلالات العقلية في أمور غيبية تتعلق بالله تعالى وصفاته والنبوة والمعاد
…
- ومما يرد على التقسيم أن مما يعد من الأصول مسائلَ غير قطعية2، فكان تحديد الأصول بما يقصرها فيما المطلوب فيه القطع واليقين غير جامع لجميع مسائلها3.
1 انظر ص (78.) من هذا البحث.
2 وفي كتب الكلام مسائل اعترف المتكلمون بأن أدلتها غير قطعية فاكتفوا فيها بالرجحان. انظر الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الدين لأبي المعالي الجويني (ص299) في مسألة عصمة الأنبياء من الصغائر، والمواقف لعضد الملة والدين الإيجي (ص412) في مسألة أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وانظر البحر المحيط للزركشي6/240.
3 انظر مجموع فتاوى ابن تيمية6/56-61 ومختصر الصواعق المرسلة2/481.
أما الأمر الثاني من الأمور التي اشتمل عليها الدليل الأول وهو: أن الأصول يجب فيها القطع، فهو مفرع على الأمر الأول، ويرد عليه ما في الأمر الأول من النظر، فإنه إذا لم تتحدد الأصول ولم تتميز عن الفروع قبل النظر في الأدلة وكانت الحدود فيها غير مسلمة لم يصح ما يترتب على ذلك من اشتراط القطعية في الأصول.
وعلى التسليم بتقسيم الدين إلى أصول وفروع لا يسلم دعوى وجوب القطعية في جميع مسائل الأصول، لأن ذلك مما ليس عليه دليل صحيح، ولم يعرف إلا من المتأخرين، وكان من أسباب رد كثير من الأدلة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم1!
وأما الأمر الثالث وهو: أن أصول الفقه من تلك المواضع المشترط فيها القطع واليقين، فلا يسلم أيضا، فقد جعل بعض العلماء أصول الفقه واسطة بين أصول الدين وفروعه لكونها - مع تسميتها أصولا واستمدادها من (أصول الدين) - وسيلة للعمل بفروع الدين، ولهذا أضيفت الأصول إلى (الفقه) 2، بل صرح بعضهم بأن أصول الفقه أقرب إلى الفروع من أصول
1 انظر المرجعين السابقين، وانظر مجموع الفتاوى11/337، 19/206-208 ودرء تعارض العقل والنقل1/26-44 وأصول الدين للبزدوي/25-28، 162-163. وانظر المسألة في كتاب المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ص300-309 وكتاب منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد للشيخ عثمان بن علي بن حسن 1/246-249.
2 انظر شرح مختصر الروضة 1/142 والإبهاج شرح المنهاج 1/17 والبحر المحيط 1/21.
الدين1، ويؤخذ ذلك إشارةً من صنيع بعضهم2.
الدليل الثاني: أن الأصل عدم جواز العمل بما لا يفيد القطع واليقين بدليل قوله تعالى: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} 3 وقوله: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} 4، فلا يجوز العمل بما لا يفيد القطع إلا إذا دلت دلالة قاطعة على جواز العمل به، وعلى هذا فما كان من أصول الفقه قطعيا فعدم جواز إثباته إلا بدليل قطعي أمر ظاهر إذ الدليل غير القطعي لا يمكن أن يَثبُت به أصل قطعي، وما كان منه لا يفيد القطع فلا يثبت العمل به إلا بدلالة قاطعة من الشارع على العمل به، وإنما ورد الدليل القاطع على العمل بالظن في الفروع فبقيت الأصول على المنع.
ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأصوليين على هذا5.
وهذا أيضا غير مسلم.
1 انظر المسودة لآل تيمية ص368-369.
2 انظر شرح الكوكب المنير للفتوحي (2/224) ، جعل مسألةً من مسائل أصول الفقه طريقها في الاستدلال طريق بقية مسائل الفروع، وانظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري (1/7-12، 18) ، قسّم العلم إلى علم التوحيد والصفات وإلى علم الشرائع والفروع وجعل أصول الفقه من القسم الأخير.
3 سورة يونس (36) .
4 سورة الإسراء (36) .
5 انظر تلخيص التقريب3/121 وشرح تنقيح الفصول للقرافي/156 وتفسير البيضاوي2/231 والبرهان للجويني1/126 ونفائس الأصول3/ق8-ب.
قال الطوفي: "أما قولهم: الأصل عدم العمل بالظن، فممنوع أيضا في الشرعيات، لأن مبنى الشرع على غلبة الظن، ولهذا كانت أكثر أدلته ظنية، كالعموم وخبر الواحد والقياس، فلو كان الأصل عدم العمل بالظن لكان أكثره واقعا على خلاف الأصل، وذلك خلاف الأصل إذ الأصل في الفنون جريان جميعها أو أكثرها على وفق الأصل"1.
وهذا الدليل مبني على مذهب القائلين بالتقسيم إلى أصول وفروع، فهو لذلك وارد عليهم، وإلا فلا يسلم أن أكثر أدلة الشرع ظنية ولا أن مبناه على غلبة الظن عند أئمته المحصلين للأدلة مع استقراء قرائنها2.
الدليل الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، "لأن نسبة أصول الفقه إلى أصل الشريعة كنسبة أصول الدين، وإن تفاوتت في المرتبة فقد استوت في أنها كليات معتبرة في كل ملة، وهي داخلة في حفظ الدين من الضروريات"3، ووجه كونها داخلة في حفظ الدين قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} 4 والمراد حفظ الكليات لأن الجزئيات قد وقع فيها ما ليس بقطعي ويقع فيها الخطأ5.
1 شرح مختصر الروضة للطوفي3/321.
2 انظر نفائس الأصول للقرافي2/ق11-ب12-أ.
3 الموافقات للشاطبي1/31.
4 سورة الحجر (9) .
5 انظر الموافقات1/32-33.
ويرد على هذا الدليل أن جميع أصول الفقه ليس كما وُصف، ففيها مسائل لا يمكن وصفها بأنها كليات معتبرة في كل ملة1 ولا أنها داخلة في حفظ الضروريات من الدين، على أنه مبني على تقسيم الدين إلى أصول وفروع وقد سبق ما فيه2.
الدليل الرابع: أن الواقع في الأدلة المستدل بها على أصول الفقه أنها كلها قطعية، فإنها إما أصول عقلية أو استقراءات كلية من أدلة الشريعة وجزئياتها معززة بقرائن حالية ومقالية3.
ويرد على هذا ما سبق من أن جميع أصول الفقه لا يسلَّم أن أدلتها كذلك، بل إن الشاطبي نفسه - وهو ممن ذكر هذا الدليل - اعترف في آخر بحثه في هذه المسألة بذلك فقال:"وهذا كافٍ في اطِّراح الظنيات من الأصول بإطلاق، فما جرى فيها مما ليس بقطعي فمبني على القطعي تفريعا عليه بالتبع لا بالقصد الأول"4، ومن أصحاب هذا المذهب من يرى - حتى يستقيم له هذا الدليل - أن كل ما ليس بقطعي مما يذكر في الأصول فلا يعد من الأصول5!
1 انظر الموافقات مع تعليقات الشيخ عبد الله دراز1/31 حاشية رقم (1) .
2 انظر الدليل الأول لهذا المذهب.
3 انظر تلخيص التقريب 3/417-418 ونفائس الأصول 2/11-ب، 12-أ، 3/ق8-ب.
4 الموافقات1/33-24.
5 انظر التقريب والإرشاد للباقلاني (1/310-311)، قال عند تفصيل مسائل أصول الفقه:"ولهذه الأصول لواحق تتصل بها وليست منها". وانظر التلخيص التقريب1/111-113 والبرهان للجويني (1/79) ، ذكر أن ما ليس بقطعي في الأصول إنما يذكر فيها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل. وانظر الموافقات 1/31.
ويرد على هذا الدليل: أن فيه تسليما بكون بعض أصول الفقه ليس قطعيا بالنسبة لمن لم يطلع على ما ذكر من الاستقراءات.
ورُدَّ - أيضا - بأن من أصول الفقه مسائل مهمة توفرت الدواعي على بحثها والاستدلال لها في مظانها، وذلك لا يتفق مع ادعاء احتياج القطع فيها إلى استقراءات في شتى المواضع1.
الدليل الخامس2: أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة، وأن ما كان راجعا إلى كليات الشريعة فهو قطعي.
ففي هذا الدليل أمران: أولهما: أن جميع أصول الفقه راجعة إلى كليات الشريعة، وثانيهما: أن كل ما كان كذلك فهو قطعي.
أما الأمر الأول فذكر أن الدليل عليه الاستقراء التام القطعي.
واستدل على الأمر الثاني بثلاثة أوجه:
الأول: أن كليات الشريعة مبنية إما على أصول عقلية، أو على
1 انظر شرح مختصر الروضة للطوفي3/138-139 والمقاصد الشرعية لابن عاشور ص7.
2 وهو للإمام أبي إسحاق الشاطبي رحمه الله، وهو أكثر من تعرض لهذه المسألة اهتماما بها واستدلالا للقول بالقطعية فيما وقفت عليه، فقد عقد لها المقدمة الأولى من مقدماته الثلاث عشرة التي بدأ بها كتابه الموافقات وقرر فيها قطعية الأصول واستدل لها طويلا.
الاستقراء الكلي من أدلة الشرع.
الثاني: أن الكليات لو رجعت إلى الظن للزم من ذلك تعلق الظن والشك بأصل الشريعة لأنه الكلي الأول، وذلك باطل!.
الثالث: قياس أصول الفقه على أصول الدين، فكما لا يجوز فيها الظني، فكذلك لا يجوز في أصول الفقه، والجامع أن أصول الفقه وأصول الدين كليات معتبرة في كل ملة، وأنها داخلة في الضروريات من حفظ الدين، فكانت نسبتهما إلى أصل الشريعة نسبة واحدة1.
فمما اشتمل عليه هذا الدليل أن أصول الفقه راجعة كلها إلى كليات الشريعة والأصول المعتبرة في جميع الأديان، وهذا ما ردّه الشيخ الطاهر بن عاشور2 وذكر أن أدلة الشاطبي على هذا الأمر:"مقدمات خطابية3 وسفسطائية أكثرها مدخول ومخلوط4 وغير منخول".
1 انظر الموافقات1/29-31.
2 انظر المقاصد الشرعية للشيخ الطاهر بن عاشور ص41، وانظره ص7.
وقد اعترض الشيخ عبد الله دراز على كثير مما ذكره الشاطبي من الأدلة في هذه المسألة، بل ذكر في أحد أدلته أنه "استدلال خطابي" كما ذكر الشيخ ابن عاشور. انظر الموافقات مع تعليقات الشيخ عبد الله دراز 1/31 وانظر1/29-34.
3 "الخطابة:.. قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة من شخص معتقد فيه، والغرض منها ترغيب الناس فيما ينفعهم من أمور معاشهم ومعادهم، كما يفعله الخطباء والوُعّاظ" التعريفات ص99.
4 ولعل وجه وصف دليل الشاطبي بأنه مخلوط أن الأوجه الثلاثة - في ظاهر ترتيب الدليل - هي أدلة على الأمر الثاني وهو أن الكليات وما يرجع إليها قطعية، ومع ذلك فإن الوجه الثالث من تلك الأوجه فيه أمور لا يمكن أن تكون أدلة على أن الكليات قطعية، ففيه استدلال على قطعية أصول الفقه وعدم جواز الظني فيها وهو المستدل عليه بمجموع الأمرين، وفيه استدلال على أن أصول الفقه من الكليات الشرعية وهو الأمر الأول الذي اكتفى في بيانه بأنه ظاهر بالاستقراء التام. والله تعالى أعلم.
ذلك أنه لا يتأتى في الواقع اعتبار جميع مسائل أصول الفقه مما وصفه من الكليات والضروريات التي تستوي فيها الملل كلها.
الدليل السادس: أنه لو أثبتت هذه القواعد التي تنتصب أعلاما وأدلة على الأحكام الشرعية بدليل غير قطعي لاحتيج إلى إثبات ذلك الدليل المثبِت، ثم يتسلسل الاستدلال إلى ما لا يتناهى1.
ويَرِد على هذا أنه يمكن منع التسلسل، بأن يكون الدليل الثاني المثبت للدليل الأول قطعيا، كأن يستدل على إثبات القياس بخبر واحد غير قطعي، ثم يستدل على إثبات خبر الواحد بدليل قطعي2.
القول الثاني: أن أصول الفقه منها ما هو قطعي، ومنها ما ليس بقطعي، فيجوز أن يستدل على مسائلها بكل دليل صحيح، فما كان دليلا قطعيا كانت القاعدة الأصولية عليه قطعية وما كان دليلا ظنيا ظاهرا فلا تخرج القاعدة بذلك من عِداد أصول الفقه.
1 انظر تلخيص التقريب 3/419.
2 انظر البرهان 2/507-508.
وهذا مذهب أبى الحسين البصري في المعتمد1، والقاضي أبي الطيب الطبري2 على ما نقله عنه تلميذه أبو إسحاق الشيرازي3 في مواضع من كتابه شرح اللمع4، وهو مذهب القاضي أبي يعلى5 في كتابه العدة6 وفخر الدين الرازي في المحصول7، ونجم الدين الطوفي في شرح مختصر
1 انظر المعتمد2/19، 223، جوّز الاستدلال على حجية الإجماع والقياس بخبر الواحد وإن لم يكن قطعيا.
2 هو طاهر بن عبد الله بن طاهر القاضي، أبو الطيب الطبري، فقيه أصولي، من تصانيفه: شرح مختصر المزني، وذُكر أن له كتبا في الفقه وأصوله، توفي سنة (450) هـ. انظر سير أعلام النبلاء 17/668-671 وطبقات الشافعية5/12-50 والفتح المبين 1/238-239.
3 هو إبراهيم بن علي بن يوسف، جمالُ الدين الشيخ، أبو إسحاق الشيرازي، فقه أصولي، من تصانيفه: اللمع وشرحه والتبصرة في أصول الفقه، والمهذب في الفقه، والمعونة في الجدل، توفي سنة (476) هـ. انظر سير اعلام النبلاء18/452-464 طبقات الشافعية لابن السبكي 4/215-256 والفتح المبين1/255-257.
4 انظر شرح اللمع1/435، 2/595، 769-770، 783، لكن في جميع هذه المواضع ذكر جواز إثبات الأصول بخبر الواحد دون غيره من الأدلة.
5 هو محمد بن الحسين بن محمد القاضي، أبو يعلى الفراء، فقيه أصولي، من تصانيفه: العدة في أصول الفقه، والأحكام السلطانية، والرد على الجهمية، توفي سنة (458) هـ. انظر سير أعلام النبلاء للذهبي 18/89-92 والمنهج الأحمد للعليمي 2/105-118 والفتح المبين 1/245-248.
6 انظر العدة4/1081، 2/459، 1/237.
7 انظر المحصول4/64، 5/47، 348-349، لكنه في مواضع من المحصول يردّ على بعض الأدلة بأنه لا يفيد القطع وأنه المطلوب (انظر المحصول3/242) ، وقد يعلل طلب القطعي في ذلك بكون تلك المسألة مما لا تعلق لها بالعمل فلا يكتفى فيها بالظن (انظر المحصول 6/20) وذكر في التفسير أن الظن متَّبع في "الأمور المصلحية والأفعال العرفية والشرعية" عند عدم القطع ولم يستثن من ذلك إلا الاعتقادات (انظر التفسير الكبير 28/310-311) ، فيكون مذهب الرازي من مجموع ما سبق أن كل مسالة أصولية لا يشترط فيها القطع إلا ما كان منها لا تعلق لها بعمل وكان المقصود منها الاعتقاد البحت، ويرد على ذلك أن الأصل في مسائل أصول الفقه أن يكون لها تعلق بالعمل ولذا أضيف الأصل فيها إلى الفقه حتى قال الشاطبي:"كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا يبتني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية" الموافقات 1/42.
الروضة1، ومجد الدين ابن تيمية2 في المسودة3، وتقي الدين شيخ الإسلام ابن تيمية4، وتلميذه ابن قيم الجوزية5، وصرح به الكمال بن الهمام6،
1 انظر شرح مختصر الروضة1/173، 2/132، ذكر أن بعض المسائل الأصولية ظنية غير قطعية ويجوز إثباتها بأدلة ظنية كالقياس.
2 هو عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر، أبو البركات، مجد الدين ابن تيمية، فقيه أصولي، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، من تصانيفه: المنتقى من أحاديث الأحكام، وكتاب الأحكام الكبرى في الفقه، وأطراف أحاديث التفسير، توفي سنة (652) هـ. انظر سير أعلام النبلاء3/291-293 والذيل على طبقات الحنابلة 2/249-254 والفتح المبين 2/68-69.
3 انظر المسودة ص473، ونقله عن ابن عقيل الحنبلي ص368-369، وأشار إلى ذلك (ص564) ابنه عبد الحليم.
4 انظر مجموع الفتاوى6/56-61، 19/206-208.
5 انظر الصواعق المرسلة2/418.
6 هو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي الاسكندري، كمال الدين ابن الهمام، برع في الفقه وأصوله وغيرهما من العلوم، من تصانيفه: فتح القدير في شرح الهداية، والتحرير في أصول الفقه، والمسايرة في العقائد المنجية في الآخرة، توفي سنة 861 هـ. انظر الفوائد البهية ص180-181 وشذرات الذهب 7/298-299 والأعلام 7/134-135.
وانظر مذهب الكمال ابن الهمام في كتابه التحرير مع شرحه التقرير والتحبير1/27-28، ومع شرحه تيسير التحرير 1/15.
وغيرهم1.
ومن أدلة هذا المذهب ما يلي:
الدليل الأول: أن أصول الفقه ومسائله من جملة مسائل الشريعة، فطرق إثباتها هي طرق إثبات جميع المسائل الشرعية، وذلك بالدليل الصحيح قطعيه وظنيه، لأنه - كما سبق - ليس ثمة دليل على التفريق بين المسائل الشرعية في طرق إثباتها، فكل دليل شرعي صحيح حجةٌ يجب العمل به، فإذا أثبت أصلا من أصول الفقه فالواجب أن يعمل به في إثبات ذلك الأصل وإن كان ظنيا2.
الدليل الثاني: أن أصول الفقه وسيلة إلى العمل وطريق إلى الأحكام الفقهية التكليفية، فكيف يشترط في إثباتها ما لا يشترط في إثبات الأحكام العملية الفقهية؟! فإذا كانت أحكام البيع والشراء، ومسائل الدماء والأبضاع، وأحكام الجنايات والحدود، وغير ذلك من الأحكام العملية
1 انظر المقاصد الشرعية لابن عاشور ص7-8،41 والفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/190 وتعليقات الشيخ عبد الرزاق عفيفي على إحكام الأحكام للآمدي 2/36،47،50، 58.
2 انظر العدة 4/1081 والبرهان 2/507-508 والمنخول ص332 وشرح مختصر الروضة 2/132 وشرح الكوكب المنير2/224.
يجوز إثباتها بالدليل غير القطعي فكيف لا يجوز أن يثبت به أصل هو وسيلة إلى إثبات تلك الأحكام؟! 1.
وليس هذا من باب إثبات دليل غير قطعي بدليل غير قطعي فيكون من إثبات الدليل بنفسه أو يؤدي إلى تسلسل الاستدلال2، لأن الأمر ينتهي إلى القطع، فإذا أثبت مثلا بدليل قطعي وجوب العمل بخبر الواحد، ثم أثبت بخبر الواحد الصحيح وجوب العمل بالقياس كان القياس معتمدا على قطعي بدرجتين3!
الدليل الثالث: الواقع في أصول الفقه، فإن بعض مسائله لا يُقدر فيها على دليل قطعي4، فكيف يشترط القطع فيه مع ذلك! 5.
وقد اعترف بعض من اشترط القطع في أثناء بحثهم في مسائل أصول الفقه بعدم قطعية بعض المسائل الأصولية لعدم الدليل القطعي، فاكتفى فيها بالظن والرجحان الظاهر أو لجأ إلى التوقف عن النفي والإثبات.
1 انظر المعتمد2/19، 223 والعدة لأبي يعلى4/1294-1295 وشرح اللمع1/138، 435 والموافقات 1/31 نقلا عن المازري.
2 انظر التلخيص 3/419.
3 انظر البرهان2/507-508.
4 بل ذهب الشيخ الطاهر بن عاشور إلى أبعد من ذلك، فذكر أن معظم أصول الفقه غير قطعية، وقد سبق ذلك وأنه غير مسلم، انظر ص (8) من هذا البحث.
5 انظر مجموع الفتاوى6/56-61 ومختصر الصواعق المرسلة2/481.
ومن ذلك مسألة (هل يجوز تخصيص الدليل من الكتاب بخبر الواحد؟) فقد توقف فيها القاضي أبو بكر الباقلاني لعدم الدليل القطعي على أي من طرفي النفي والإثبات، ومع ذلك فقد جزم إمام الحرمين بطرف الإثبات فاختار جواز تخصيص دليل الكتاب بخبر الواحد وقطع بذلك، واختار الغزالي طرف الإثبات مثل إمام الحرمين لكنه لم يقطع بذلك، فألحق المسألة بالمجتهدات التي لا دليل قطعي فيها ويكتفى فيها بالظن الراجح1.
ومن ذلك قول الغزالي عند الكلام على تقسيم النظريات إلى قطعية وظنية في أواخر (المستصفى) بعد أن ذكر أمثلة للقطعيات من أصول الفقه، قال:"وقد نبهنا على القطعيات والظنيات في أدراج الكلام في جملة الأصول"فهذا اعتراف صريح بوجود الظني والقطعي في أصول الفقه.
وسبق أن مذهب بعض من العلماء في قطعية أصول الفقه لم يكن من الجلاء بحيث يسهل أن ينسب إليه أي من القولين في أصل هذه المسألة.
وذلك إما لكونه يردد القول فيها ويذكر وجهي المسألة بالنفي والإثبات، وإما لكونه يؤيد أحد وجهي المسألة عند الاعتراض ويؤيد الوجه الآخر عند الاستدلال.
وممن سار على هذا النهج الآمدي، فمن ذلك أنه ذكر الأدلة على حجية
1 انظر في ذلك البرهان 1/285-286 والمستصفى (بولاق) 2/136 والبحر المحيط 3/376.
خبر الواحد، وبعد أن ناقشها قال:"وعلى هذا فمن اعتقد كون المسألة قطعية فقد تعذر عليه النفي والإثبات لعدم مساعدة الدليل القاطع على ذلك، ومن اعتقد كونها ظنية فليتمسك بما شاء من المسالك المتقدمة، والله أعلم بالصواب"1، وذكر مثل ذلك في مسألة حجية القياس وذهب إلى أن أدلتها ظنية2، وظهر منه تأييد قطعية الأصول في مواضع3 كما ظهر منه في مواضع أخرى تأييد خلاف ذلك4.
وغالب ما يكون ذلك أنه يلتزم باشتراط القطعية في أدلة الأصول عند الاعتراض على المخالف المستدل بدليل غير قطعي ولكنه لا يسلم اشتراط القطعية عند الرد على من يعترض عليه بمثل ذلك، بل صرح في موضع بأن الظهور والغلبة في مسالة اشتراط القطع في أصول الفقه للمعترض من جانبي النفي والإثبات دون المستدل فيها5.
1 إحكام الأحكام2/303، وانظر المرجع نفسه1/186،238-239.
2 انظر الإحكام4/287.
3 انظر المرجع السابق2/288،290-294،302،369، 373.
4 انظر المرجع السابق2/340، 344، 353، 539، 3/78.
5 انظر المرجع السابق1/239، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (5/562) :"والآمدي تغلب عليه الحيرة والوقف في عامة الأصول الكبار حتى إنه أورد على نفسه سؤالا في تسلسل العلل وزعم أنه لا يعرف عنه جوابا، وبنى إثبات الصانع على ذلك" وقال أيضا في درء تعارض العقل والنقل (1/162) : "وأبو الحسن الآمدي في عامة كتبه هو واقف في المسائل الكبار يُزَيِّف حجج الطوائف ويبقى حائرا واقفا".
وقد سار على هذا النهج ابن الحاجب1، فهو يقلب المسألة على وجهيها ويذكر ما يترتب على كل وجه2، ثم يختلف مذهبه عند الاستدلال عنه عند الاعتراض3، بل إنه صرح - كما سبق عن الآمدي - أن القوة في مسألة قطعية الأصول للمعترض على النفي أو الإثبات دون المستدل عليهما4.
وعلّل عضد الدين الإيجي ذلك بأن المسألة عليها "دلائل واعتراضات مشكلة من الجانبين"5.
وحاصل هذه المسألة عند هؤلاء التوقف فيها عن النفي والإثبات "لأن أدلة النفي والإثبات ضعيفة ووجوه المنع والدفع قوية"6.
وكذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله ذكر أن ما كان من مسائل الأصول مختلفا فيه سائغا فيه الاجتهاد فهو ملحق بالفروع أو
1 هو عثمان بن عمر بن أبي بكر جمالُ الدين أبو عمرو ابن الحاجب، أصولي لغوي فقيه، من تصانيفه: الكافية في النحو، والشافية في التصريف، ومنتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ومختصر المنتهى، توفي سنة (646) هـ. انظر الديباج المذهب لابن فرحون2/86-89 وسير أعلام النبلاء 23/264-266.
2 انظر المختصر مع بيان المختصر للأصفهاني 1/615.
3 انظر المختصر مع شرح العضد 2/31-32،60-61،79-80،179،253.
4 انظر المرجع السابق 2/44.
5 انظر شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/44.
6 انظر حاشية التفتازاني على شرح العضد 2/44.
بمنزلتها، فيجوز إثباته بغير قطعي1، مع أنه قد يعترض - في مواطن الخلاف - على بعض الأدلة بأنه غير قطعي فلا يجدي في الأصول2، وإذا اعترض عليه في الاستدلال بدليل غير قطعي في أصول الفقه فقد يجيب بمذهب شيخه القاضي أبي الطيب الطبري، وهو جواز الاستدلال على الأصول بخبر الواحد3، بل ربما أطلق ذلك دون نسبته إلى شيخه4.
والظاهر - والله أعلم - أن اشتراط الدليل القطعي في أصول الفقه لا يَسلم فيه دليل، وعليه فيجوز الاستدلال في مسائل أصول الفقه بما يجوز أن يستدل به في غيرها من المسائل الشرعية، فما كان عليه دليل قطعي من قواعد هذا العلم فهو من القطعيات، وما لم يُقدر على إثباته منها إلا بالدليل الظني الراجح فليس قطعيا وإنه حجة وهو من أصول الفقه.
بيد أن أمهات المسائل المذكورة في علم أصول الفقه قطعية، كحجية الكتاب والسنة عموما، وحجية خبر الواحد العدل المتصل خصوصا، وحجية الإجماع، وحجية القياس، وحجية العموم، وأن الأمر للوجوب والنهي للتحريم، ووجوب الترجيح عند التعارض والتعادل، ووجوب العمل
1 انظر شرح اللمع1/298، 435، وانظر مثل ذلك في التمهيد لأبي الخطاب1/371.
2 انظر المرجع السابق1/549.
3 انظر المرجع السابق1/435، 2/783،595
4 انظر المرجع السابق1/138.
بالراجح من ذلك، وحجية قول المفتي للمستفتي ونحو ذلك، فكل ذلك عليه أدلة يقطع بها المحققون من علماء أصول الفقه وغيرِهم، ممن يستقرئ أدلتها من الكتاب العزيز، والسنة النبوية، وعمل الصحابة رضي الله عنهم، والتابعين من بعدهم رحمة الله عليهم.
وهذا ما ذكره القرافي ونقله عن العلماء وأيده، وهو أن أصول الفقه قطعية لمن استقرأ أدلته ووقف على أقضية الصحابة واطّلع على مناظراتهم وفتاويهم في مظان الاستدلال بتلك المسائل وفي غير مظانها من مصادر الشريعة الواسعة، فإن المستقرئ لما ورثه الخلف عن السلف من الصحابة ومن بعدهم من فتاويهم وأقضيتهم، وما كان عليه عملهم عند البحث عن أدلة الأحكام وعند الاختلاف في الأحكام، يقطع بكثير من القواعد الموصلة إلى الفقه، أما من قصر عن استقراء ذلك ولم يقف إلا على نزر يسير مما هو مسطور في مظان الاستدلال على تلك المسائل فلا يضيره إذ عجز عن القطع أن يعمل بما ثبت عنده بغالب الظن والراجح الصحيح من الأدلة الشرعية، لأنه ربما استدل العلماء على أصول الفقه بقدر من أدلتها ليثبتوا أصل المسألة وتكون تفاصيل ذلك متفرقة في مواضع أخرى1.
1 انظر نفائس الأصول 1/ق17-أ، ب، 2/ق11-ب، 12-أ، 22-أ، 246-أ، ب، وشرح تنقيح الفصول /338-339، وانظر المستصفى (بولاق) 2/357-358 فقد ذكر جملة من القطعيات في أصول الفقه.