الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الثاني: الاحتمال وأثره في منع القطعية
معنى الاحتمال:
أصل الاحتمال في اللغة يدل على إقلال الشيء وتقلّده، يقال:(حمَل الشيء يحمِله حملا واحتمله) إذا أقله، و (حمّلته فاحتمل) إذا طاوع في التحميل، ويقال:(احتَمَله الغضب) إذا أقله، ومنه:(احتُمِل فلان) : إذا غضب1.
والاحتمال في الاصطلاح يأتي بمعنيين:
الأول: بمعنى الجواز والإمكان، مثل قولهم:"يحتمل هذا الوجه أن يكون هو الصواب"، أي يجوز ويمكن، والاحتمال على هذا المعنى لازم.
الثاني: بمعنى الاقتضاء والتضمن، مثل قولهم:"يحتمل الدليل وجوها كثيرة"، أي يقتضيها ويتضمنها، والاحتمال على هذا المعنى متعد2.
ومن الاحتمال بالمعنى الأول الإمكان الذهني وهو: "ما لا يكون تصور طرفيه كافيا بل يتردد الذهن في النسبة بينهما"3.
1 انظر معجم مقاييس اللغة2/106 ولسان العرب11/174 والقاموس المحيط3/372-373.
2 انظر المصباح المنير للفيومي ص151-152 والكليات لأبي البقاء1/72.
3 التعريفات للشريف الجرجاني/12.
والمعنيان متقاربان بالنظر إلى المراد بالاحتمال في هذا البحث، فيقال بالنظر إلى المعنى الثاني المتعدي:(يحتمل هذا الدليلُ التحريمَ والندبَ) أي يتضمنهما، فالدليل محتمِل والندب والتحريم فهما محتمَلان، والفعل متعدّ، ثم يقال بالنظر إلى المعنى الأول اللازم:(يحتمل الندب والتحريم أن يراد بهما في هذا الدليل) ، أي يجوز ويمكن أن يراد بهما، فالتحريم والندب محتمِلان، والفعل لازم.
ويكون الفرق بين المعنيين اللازم والمتعدي اختلاف النظر عند المتكلم في إرادة المحتمَل فقط أو إرادته مع المحتمِل، فإذا عبر عن المحتمَل فقط كان الفعل لازما، وإذا عبر عنه وعن المحتمِل كان الفعل متعديا. والله تعالى أعلم.
ألفاظ مرادفة للاحتمال:
وقد يعبر أهل العلم رحمهم الله في موضع استعمال الاحتمال بألفاظ أخرى مرادفة له في المعنى، مثل الإمكان1 والجواز2 والتردد3.
1 انظر البرهان للجويني1/107-108،161-162،351 وإحكام الأحكام للآمدي1/139 والموافقات 3/261.
2 انظر شرح مختصر الروضة للطوفي2/720-721 والصواعق المرسلة2/682-683.
3 انظر البرهان1/158، 285-286، ويفهم من بعض العبارات استعمال الشبهة بمعنى قريب من الاحتمال، انظر الأم للإمام الشافعي4/181 وأصول الشاشي/379
وقد سبق أن من معاني الاحتمال الجواز والإمكان، أي إمكان حمل الدليل أو اللفظ على أيٍّ من الأمور المحتمَلة وجواز ذلك، أما التردد فالظاهر أن معناه في ذلك تردد الدليل بين المحتمَلين أو المحتملات من غير قطع ولا ثبات، أو تردد المستدل في حمل الدليل على أحد المحتملين.
أما مناسبة المعنى الاصطلاحي للمعنى اللغوي فهي أن الدليل يُقِلّ الأمور التي يحتملها ويتقلدها بتضمنه إياها واقتضائه لها، إذ كان جائزا في الاستعمال أن يحتملها.
وإذا احتمل الدليل - من حيث الدلالة - أكثر من وجه جاز أن تكون تلك الوجوه كلها متساوية وأن يكون بعضها راجحا وبعضها مرجوحا، فإن تساوت الوجوه كان الدليل مجمَلا، وإذا كان بعضها مرجوحا فالراجح الظاهر1.
أثر الاحتمال في الدليل:
من القواعد المتبعة عند العلماء في الجملة تأثير ورود الاحتمال على الدليل - ثبوتا أو دلالة - في إضعافه وإضعاف الاستدلال به، سواء أكان ذلك التأثير في جهة الثبوت أم في جهة الدلالة2 أو كان التأثير في الترتيب
1 انظر نفائس الأصول للقرافي2/ق166-ب.
2 ومثال الاحتمال المؤثر في الدليل من جهة الثبوت احتمال غلط الراوي أو خطئه أو كذبه في خبر الواحد، ومثال الاحتمال المؤثر من جهة الدلالة احتمال أن يكون المراد من اللفظ الظاهر في العموم غير ظاهره.
بين الأدلة، فإذا احتمل الدليل معنى آخر غير ما ظهر للناظر احتمالا مبرَّرا ولم يكن من القرائن ما يدفع ذلك الاحتمال فإن مثل ذلك يضعف قوة الدليل ويجعل غيره مما ليس فيه احتمال راجحا عليه عند التعارض، وإذا كان الاحتمال ظاهرا مساويا للمعنى الظاهر ضعف الاستدلال مطلقا واحتاج الدليل إلى بيان من خارج.
وهو أمر ظاهر في أصول الفقه.
فهذا الإمام الشافعي رحمه الله قسّم دليل الكتاب إلى نص لا يحتاج إلى بيان، وإلى ما يحتمل أمورا عديدة فهو بسبب الاحتمال محتاج إلى البيان، قال:"فمنها قول الله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} 1 فاحتمل قول الله: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} 2 أن يتزوجها غيره وكان هذا المعنى الذي يسبق إلى من خوطب به أنها إذا عقدت عليها عقدة النكاح فقد نكحت، واحتمل حتى يصيبها زوج غيره لأن اسم النكاح يقع بالإصابة ويقع بالعقد، فلما قال رسول الله لامرأة طلقها زوجها ثلاثا ونكحها بعدُ رجل: "لا تحلين حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتكِ "3، يعني حتى يصيبك زوج
1 سورة البقرة (230) .
2 بعض الآية السابقة.
3 أخرجه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع الفتح 9/371 وصحيح مسلم 2/1055-1056. والمرأة المشار إليها في كلام الشافعي هي امرأة رفاعة القرظي، ورجح ابن حجر أن اسمها تميمة (بالتصغير) بنت وهب. انظر فتح الباري 9/464.
غيره، فالإصابة النكاح"1.
وذكر الشافعي نحوا من هذا في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةَ لِلْوَالدَينِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} 2، وفي قوله {والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} 3، قال: "فكانت الآيتان محتملتين لأن تثبتا الوصية للوالدين والأقربين والوصية للزوج والميراث مع الوصايا
…
ومحتملة بأن تكون المواريث ناسخة للوصايا
…
فلما احتملت الآيتان ما وصفنا كان على أهل العلم طلب الدلالة من كتاب الله
…
"4.
ومن الاعتداد بالاحتمال وتأثيره الترتيب بين الأدلة أو بين الأمور المتعلقة بها حسب وجود الاحتمال فيها وعدمه أو قربه فيها وبُعده أو كثرته فيها وقلته.
1- فمن ذلك الترتيب بين ألفاظ سماع الحديث، فإن أعلاها
1 الرسالة ص159-160.
2 سورة البقرة (180) .
3 سورة البقرة الآية (240) .
4 الرسالة ص137-139، وانظر ص143.
قول الراوي: (سمعت) لعدم احتمال غير السماع في ذلك، ودون ذلك قوله (قال) لاحتمال الواسطة بين الراوي وبين المروي عنه، وهكذا على هذا الترتيب إلى آخر المراتب حسب عدم الاحتمال أو وروده ثم حسب قلته وكثرته1.
2-
ومن ذلك تقديم بعض العلماء الإجماع على سائر الأدلة الشرعية في الترتيب لأنه يرد بعد انقضاء عهد الوحي والنص فلا يبقى فيه احتمال النسخ الذي يكون في النصوص2.
3-
ومن ذلك تقديم قياس الضرب على التأفيف في التحريم على قياس القتل العمد على الخطأ في وجوب الكفارة، لأن الثاني يحتمل أن يكون العمد لعظمه لا ينجبر بالكفارة فيفارق الخطأ، فهذان قياسان كان أحدهما أقوى من الآخر بسبب عدم الاحتمال في الأقوى وورود الاحتمال في الأضعف3.
4-
ومن ذلك التفريق بين (النص) و (الظاهر) بالاحتمال الوارد
1 انظر المستصفى 2/122 وشرح مختصر الروضة 2/188-202 وشرح الكوكب المنير 2/481-490 وإرشاد الفحول للشوكاني 1/244-249 ونزهة النظر لابن حجر العسقلاني ص144-146 واختصار علوم الحديث لابن كثير ص105.
2 انظر المستصفى (بولاق) 2/102 وشرح مختصر الروضة3/674-675.
3 انظر المستصفى (بولاق) 2/281-283 وشرح مختصر الروضة3/351-352.
ولو مرجوحا في الظاهر وعدم الاحتمال - مطلقا أو مع قيد البعد - في النص1.
وترتيب الحنفي في الدلالة بين الظاهر والنص والمفسر والمحكم بحسب الاحتمال، فالظاهر أدوَنها لاحتمال إرادة غير الظاهر واحتمال التخصيص أو التقييد والنسخ، ثم النص لعدم احتمال إرادة غير الظاهر مع ورود الاحتمالات الأخرى، ثم المفسَّر لعدم احتمال التخصيص أو التقييد مع احتمال النسخ، ثم أعلاها المحكم لانقطاع جميع الاحتمالات2.
ومن اعتداد العلماء بالاحتمال وتأثيره في القطعية استدلالهم على تحقق القطعية بانتفاء الاحتمال واستدلالهم على انتفائها أو ما دونها بتحققه.
فمن الأول الاستدلال على قطعية الخبر بانتفاء احتمال الكذب ونحوه كالخطأ والغلط3، والاستدلال على النصية بعدم احتمال إرادة غير الظاهر4، ومن الثاني العبارة المنقولة عن الإمام الشافعي رحمه الله: "قضايا
1 انظر المستصفى1/385-386 وإحكام الفصول للباجي/189-190 ونهاية السول للآسنوي2/61 وكشف الأسرار عن المنار للنسفي1/205-214.
2 انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري1/49-51.
3 انظر المعتمد2/86-88، استدل أبو الحسين البصري على قطعية المتواتر بانتفاء احتمال الكذب من جميع الوجوه. وانظر إحكام الأحكام لابن حزم1/133-136، ذكر أن قطعية خبر الواحد عنده من حيث قام البرهان القطعي على فساد احتمال الكذب والوهم فيه.
4 انظر البرهان لأبي المعالي الجويني1/278-279.
الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال"1، فاستدل رحمه الله على انتفاء القطع والظهور بوجود الاحتمال2.
1 انظر الفروق للقرافي2/87 وشرح تنقيح الفصول/186 والبحر المحيط 3/152-153 وشرح الكوكب المنير3/171-172.
2 وخروج القضية عن القطعية والظهور إلى الإجمال فيما لو تساوت الاحتمالات في الدليل أو كان الاحتمال في الفعل دون القول.
انظر الكلام على مراد الشافعي بهذه العبارة في الفروق للقرافي2/87-92 مع إدرار الشروق على أنواء الفروق لابن الشاط، وشرح تنقيح الفصول للقرافي أيضا ص186-187 والكاشف عن المحصول لشمس الدين الأصفهاني القسم الرابع 1/411-415 والبحر المحيط3/152-153 وشرح الكوكب المنير3/171-172.
فذكر القرافي أن مراد الشافعي رحمه الله بالاحتمال المسقط للاستدلال الاحتمال المساوي الوارد في الدليل الدال على الحكم دون الاحتمال في المحل الوارد عليه الحكم، ومثل له بالاحتمالات في الاستدلال بما يروى أنه صلى الله عليه وسلم قال عن النبيذ:"ثمرة طيبة وماء طهور". [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه (سنن أبي داود مع عون المعبود1/145-155 وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي1/291-292 وسنن ابن ماجه 1/135-136) . وانظر تخريجه في نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي1/137-148 وضعيف سنن الترمذي للشيخ الألباني ص32] ، فيحتمل أنه أخبر بطهورية الماء قبل اختلاطه بالتمر ويحتمل أنه أخبر بذلك بعد الاختلاط فيسقط الاستدلال بهذا على جواز الوضوء بالنبيذ.
ولم يرض الأصفهاني بما ذكره القرافي وقرر بيان مراد الشافعي من طريق آخر، ووافقه الزركشي. ومراد الشافعي بالعبارة على رأيهما: أن فعل الشارع إذا وقع على وجهين أو أوجه يختلف الحكم باختلافها ولم تفصل الواقعة بل نقلت محتملة فلا عموم للفعل ولا استدلال بتلك الواقعة، ومثلا له بما وقع في دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة [فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر عن بلال رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة، وأخرجا عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة وإنما دعا في أركانها، وهو في مسلم من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد رضي الله عنهم. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري3/463، 8/16 وصحيح مسلم2/966-967، 2/968] ، فما فعله في الكعبة من مجموع ما ورد في ذلك يحتمل أنه الصلاة المعهودة ويحتمل أنه غير ذلك فيكون مجملا يسقط به الاستدلال على جواز خصوص الصلاة في الكعبة.
ولا يظهر الفرق بين ما ذكره القرافي وبين ما ذكراه بالنظر إلى الأمثلة المذكورة، لأن المثال الذي ذكراه للقاعدة الاحتمال فيه في دليل الحكم نفسه، إذ الحكم المراد إثباته بما وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة هو جواز الصلاة في داخل الكعبة ودليله الواقعة نفسها وهي محتملة للصلاة وغيرها فكان الاحتمال واردا في دليل الحكم نفسه، بخلاف ما يذكر من واقعة غيلان الثقفي فإن الدليل فيه غير محتمل وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما الاحتمال وارد في المحل الذي ورد عليه قوله صلى الله عليه وسلم وهو عقد غيلان الثقفي على نسائه إذ يحتمل أنه عقد عليهن بعقد واحد أو بعقود متتالية على ما ذكره أهل العلم.
لكن الأصفهاني والزركشي أشارا إلى حقيقة الفرق بين ما قرراه وبين ما ذكره القرافي وهو أن الاحتمال المسقط للاستدلال على ما هو مقرر في المذهب الشافعي هو الاحتمال الوارد في فعل النبي صلى الله عليه وسلم، والاحتمال الذي ينزل الدليل منزلة العموم في المقال ويحسن به الاستدلال هو الاحتمال الوارد في قول النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك غير ما ذكره القرافي في تقريره إذ صرح في بيانه لمراد الشافعي رحمه الله بالقول المذكور بأنه قد يرد الاحتمال المسقط للاستدلال في كلام الشارع إذا استوت الاحتمالات، وعندهما أن الاحتمال المسقط للاستدلال إنما يرد في فعل الشارع دون كلامه. والله تعالى أعلم.
ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال أن موجب الإجمال في اللفظ هو استواء الاحتمالين أو الاحتمالات فيه بحيث لا يترجح أحدها، كاستواء الاحتمال في قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ
لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} 1، فيحتمل أن يكون الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج أو ولي المطلقة.
وهذا من الأدلة على تأثير الاحتمال في رفع القطعية، لأن سبب الإجمال وجود الاحتمالات مع استوائها وحكمه التوقف وطلب المفسِّر المبيِّن للمراد منه من خارج2.
ومما يدل على الاعتداد بالاحتمال قول شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها القطع بالطريقة الثابتة
…
ويعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالة لا تحتمل النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن مع احتمال النقيض، وتردد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان"3.
وقول ابن القيم: "إن ألفاظ القرآن والسنة ثلاثة أقسام: نصوص لا تحتمل إلا معنى واحدا، وظواهر تحتمل غير معناها احتمالا بعيدا مرجوحا، وألفاظ تحتاج إلى بيان فهي بدون البيان عرضة الاحتمال"4.
1 سورة البقرة (237) .
2 انظر الكلام على المجمل وأسبابه التي ترجع إلى الاحتمال في مختصر ابن الحاجب مع بيان المختصر2/262 ومفتاح الوصول للشريف التلمساني ص46-51 والبحر المحيط3/456-465 ومذكرة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في أصول الفقه ص176.
3 مجموع الفتاوى5/177.
4 الصواعق المرسلة2/670.
فبان بما سبق أن من الأصول الثابتة والقواعد المتبعة في الأدلة: أن احتمال الدليل نقيض ثبوته أو نقيض مدلوله يؤثر ذلك في قطعيته ثبوتا أو دلالة، نفيا للقطعية عند وجود الاحتمال أو إثباتا لها عند نفيه.
مسالك العلماء في الاعتداد بالاحتمال:
ما سبق من أثر الاحتمال هو في الجملة، وتختلف مسالك العلماء بالنظر إلى حدود قوة الاحتمال في قطعية الدليل وقوته، فمضيِّقٌ لحدود ذلك وموسع.
المسلك الأول: أن الاحتمال المؤثر في القطعية هو ما كان منه قريبا معتضدا بما يؤيده، أما ما بعُد من الاحتمال فلا يرفع القطعية ولا يمنعها.
وهذا هو المسلك الذي نُص عليه في كتب الحنفية، أنه مذهب الجمهور منهم1، لذا كانت دلالة العموم عندهم قطعية وإن احتمل اللفظ العام غير ظاهره احتمالا بعيدا غير مؤيد بدليل، بل ذهب بعضهم إلى قطعية الظواهر إذا لم يكن هناك ما يعضد الاحتمال المرجوح فيها2.
ويؤيد هذا المسلك أمور منها:
أولا: أن الاحتمال المرجوح الذي لم يقم عليه دليل ملحق بالمعدوم حكما فلا يمنع القطعية، فلا يمتنع العاقل من دخول الدار مثلا وإن احتمل
1 انظر كشف الأسرار1/48 ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت1/265.
2 انظر كشف الأسرار1/49-50، وانظر الكلام على قطعية العموم ص (356.) .
عقلا أن يسقط سقفه، إذا كان الاحتمال غير معزز بدليل من الواقع، مع أنه يقطع بورود الاحتمال العقلي المجرد في كل بيت مسقوف أن يسقط سقفه1.
ثانيا: أنه لو أوجب مطلق الاحتمال رفع القطعية لانتزعت الثقة من النصوص ولم يبق ثمة دليل قطعي، فإن كل دليل فيه احتمال قريب أم بعيد من نسخ أو خصوص أو مجاز أو نحو ذلك2.
ثالثا: أن القواطع العادية قد تحتمل أمورا عقلية ولا يؤثر ذلك بمنع القطعية عنها، ومن ذلك أن مياه الأنهار والبحار تحتمل عقلا انقلابها إلى دماء جارية، كما تحتمل جبال الأرض وجدران المساكن والأودية والسهول أن تنقلب إلى كُتل من ذهب وفضة، ومع كل ذلك يقطع بما استقر في العادة من نقيض ذلك3.
المسلك الثاني: أن الاحتمال إذا ورد على الدليل في ثبوته أو في دلالته منع القطعية فيه ورفعها عنه مطلقا قَرُب الاحتمال أو بَعُد ما لم يقطع ببطلان ذلك الاحتمال.
1 انظر كشف الأسرار1/79.
2 انظر المرجع السابق1/118-119.
3 انظر المرجع السابق3/254-255 والتوضيح على التنقيح لصدر الشريعة مع حاشية التفتازاني 1/152-153، وانظر ما يؤيد هذا المسلك في الموافقات2/281-282، 4/324-327.
وهذا المسلك ظاهر في كتب المتكلمين ومن سار على طريقتهم في أصول الفقه، ومن أمثلة ذلك:
- قال إمام الحرمين - مضعِّفا وجه الاستدلال على أن الأمر المطلق للوجوب بما نقل من تمسك الصحابة رضوان الله عليهم بالأوامر المطلقة -: "وهذا المسلك لا يصفو من شوائب النزاع، ويتطرق إليه أنهم كانوا يفعلون ذلك فيما اقترن به اقتضاء الإيجاب"، إلى أن قال مقررا القاعدة في ذلك:"وكل مسلك في الكلام تطرَّق إليه إمكان1 لم يفض إلى القطع"2.
- وقال في موضع آخر - إشارة إلى الاستدلال بالظاهر فيما المطلوب منه القطع -: "ثم إذا فرض ذلك في المستدِل فليس من حق المستدَل عليه أن يشتغل بالتأويل، بل يكفيه أن يبين تطرق الاحتمال وخروج اللفظ عن القواطع، وإذا وضُح ذلك التحق الظاهر في محل طلب العلم بالمجملات التي لا تستقل بأنفسها"3، فاعتد بالاحتمال البعيد المرجوح في اللفظ الظاهر، حتى ألحقه -إذا ورد في المسائل القطعية -بالمجمل الذي لا يفيد شيئا.
- وذكر في موضع آخر استدلال بعض العلماء على حجية الإجماع
1 تقدم في صدر هذا المطلب أن الاحتمال يعبر عنه ب (الإمكان) .
2 البرهان1/161-162.
3 البرهان1/337.
بقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّن لَهُ الْهُدَى وَيتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمنينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} 1، ثم اكتفى في إبطال الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع بأن طرّق إليه احتمال أن يكون المراد بمشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين الكفر أو تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال:"ثم إن سلَّم المعترض ظهور ذلك فذلك، وإلا فهو وجه في التأويل لائح ومسلك في الإمكان واضح، فلا يبقى للتمسك بالآية إلا ظاهر معرَّض للتأويل، ولا يسوغ التمسك بالمحتملات في مطالب القطع، وليس على المعترض إلا أن يظهر وجها في الإمكان، ولا يقوم للمحصل عن هذا جواب إن أنصف"2، أي أن احتمال الدليل غير الوجه الذي ذكره المستدِل يكفي في رفع القطعية عن دليله مطلقا، سواء أكان الاحتمال الذي ذكره المعترض ظاهرا راجحا على ما ذكره المستدل أم كان مرجوحا في أوائل الإمكان.
- ورجح الغزالي أن أولى المعاني بإطلاق اسم (النص) : ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا لا عن قرب ولا عن بعد3.
1 سورة النساء الآية (115) ، وقد استدل الإمام الشافعي رحمه الله بالآية على ذلك.
2 البرهان1/435 وانظر مثله في الوصول إلى الأصول لابن برهان2/74 والإبهاج لابن السبكي2/29 ونبراس العقول في تحقيق القياس عند أهل الأصول للشيخ عيسى منون ص73.
3 انظر المستصفى (بولاق) 1/385-386.
- وقال الرازي: إن العلم اليقيني "إن قارنه احتمال النقيض ولو على أبعد الوجوه كان ظنا لا علما"1.
وهذا من أسباب القول بظنية العام عند بعض من قال بذلك، لاحتمال الخصوص مطلقا وإن لم يستند إلى دليل خاص.
ويظهر هذا المسلك عند ذكر الأدلة ومناقشتها في المسائل التي يكون المطلوب فيها القطع عندهم، فإنهم يظهرون عدم قطعية الدليل بتطريق الاحتمال إليه، سواء أكان الاحتمال قريبا أم كان بعيدا في الاستعمال العادي أو الشرعي للألفاظ 2.
الظني المقارب للقطع:
وهذا المسلك يوسِّع مجال تأثير الاحتمال في منع القطعية، فينتج من ذلك تقليل وجود القطعي، ولذلك يذكر أصحاب هذا المسلك مرتبة وسطا بين القطعي المطلق وبين الظني المطلق، وهي مرتبة (الظني القوي المقارب للقطع) ، وهو عندهم ما كان فيه احتمال لكنه بعيد جدا، فيبقى معه الدليل ظنيا لورود أصل الاحتمال المؤثر، لكن يكون الدليل قريبا من القطع لبعد
1 المحصول5/400.
2 انظر أمثلة لذلك في المستصفى (بولاق) 1/320 والمستصفى 2/42-43، 366-368 والمنخول للغزالي ص167 والمحصول للرازي 4/23، 153-156، 366-367 والإحكام للآمدي 1/215-216 والمواقف للإيجي ص120، 297، 388.
الاحتمال بُعدا أضعف تأثيره في القطعية1. والله تعالى أعلم.
مطلق الاحتمال لا يرفع الحجية:
الاحتمال مهما كان من القرب لا يرفع الظهور عن الدليل المستند إلى احتمال أقوى وأرجح منه، إلا أن يكون عليه دليل يجعله راجحا، فالظواهر لا تصرف عن المتبادر منها بمجرد الاحتمال، فإذا علم مع ذلك أن الظهور يكفي لحجية الدليل في الجملة، ووجوب العمل به لم يكن للاحتمال تأثير في وجوب العمل بها.
وفي هذا العبارةُ المنقولة عن الإمام الشافعي رحمه الله: "قَلَّ شيء إلا ويَطرُقه الاحتمال، ولكن الكلام على ظاهره حتى تقوم دلالة على أنه غير مراد"2، وقال الزركشي معلقا: "فأبان بذلك إلى3 أنه لا نظر إلى
1 انظر ذكر الظن القوي المقارب للقطع في المستصفىللغزالي 2/236،492-493 والوصول لابن برهان 1/270-271 والإحكام للآمدي 3/45 ومنتهى السول له أيضا/51 وشرح مختصر الروضة للطوفي 2/110-111، 3/616 ومقاصد الشريعة لابن عاشور ص22،40.
2 ذكره الزركشي في البحر المحيط3/152 نقلا عن الأم.
3 تعدية (أبان) ب (إلى) لعلها من باب تضمين (أبان) معنى (أشار) أي أشار بذلك إلى
…
قال الزركشي في البرهان في علوم القرآن3/238-239 في معنى التضمين في الأفعال: "وهو أن تضمِّن فعلا معنى فعل آخر ويكون فيه معنى الفعلين جميعا وذلك بأن يكون الفعل يتعدى بحرف فيأتي متعديا بحرف آخر ليس من عادته التعدي بها
…
"، فيكون معنى ما ذكر الزركشي: (أشار مبينا إلى أنه
…
) ، وتكرر مثل ذلك منه في (سلاسل الذهب) وغيره من كتبه، وكثرة وقوع ذلك مما قد لا يعذر فيه. انظر مقدمة تحقيق سلاسل الذهب للدكتور محمد المختار بن الشيخ محمد الأمين ص70.
احتمال يخالف ظاهر الكلام"1.
وبيَّن إمام الحرمين - وهو الذي سبق النقل عنه في بيان المسلك الثاني المتوسع في الاعتداد بالاحتمال - أن الاحتمال وإن كان يرفع القطع فإنه لا يرفع الظهور، ثم قال:"فإن قيل أليس تأويل الظواهر مقبولا بالاحتمال؟ قلنا ليس الاحتمال مقتضيا قبول التأويل، ولكن رأينا الأولين على الجملة يتمسكون بالتأويلات، وكما رأيناهم متفقين على التأويل مع التعويل على دليل يعضده رأيناهم غير مكتفين بهذه الإمكانات، وهذا بمثابة دعوى النسخ من غير ثَبَت، فإن من ادعى نسخا فقد ادعى ممكنا، ولكن لا يقبل منه بالإجماع إلا بثبت يعول عليه"2.
وقال الآمدي: "الظاهر لا يترك بالشك والاحتمال"3.
وذكر ابن القيم أنه لا نزاع في "أن غالب الألفاظ لها ظواهر هي موضوعة لها ومفهومة منها عند الإطلاق، لكن النزاع في قطعية ذلك أم لا، للاحتمال"4.
1 البحر المحيط3/152.
2 البرهان1/350-351 وانظر المحصول5/21-22.
3 إحكام الأحكام2/243 وانظر البحر المحيط3/152 والموافقات4/324-327.
4 الصواعق المرسلة2/657-659.
وقال القرافي عند شرحه قول الرازي في المحصول: "اعلم أن الخلل إنما يحصل في فهم السامع بناء على خمس احتمالات: الاشتراك والنقل والإضمار والمجاز والتخصيص" قال القرافي: "اعلم! أن المراد بالخلل ها هنا اختلاف القطع بمراد المتكلم، لأن الظن حاصل مع هذه الاحتمالات، فاحتمال المجاز لا يمنع الظن بل القطع"1.
فالقول بتأثير الاحتمال لا يتجاوز القطعية إلى الظن الغالب والظاهر الراجح، سواء على المسلك المضيِّق لحدود الاحتمال، أم على المسلك الموسع لذلك. والله تعالى أعلم.
الاسترسال في تطريق الاحتمال:
إن الاسترسال في إيراد الاحتمالات على الأدلة الشرعية ليس مما يستحسن في الشرع، لأنه يؤدي إلى توهين الأدلة الشرعية عند من يعجز عن دفع تلك الاحتمالات، ويوقعه في الإشكال، ويقلل ثقته بالأدلة، وقد يسوقه ذلك إلى ترك الأدلة الشرعية عند الاستدلال على المطالب، والدخول في الأدلة العقلية، وربما هَوَتْ به الريح في حضيض الشك والحيرة، وذلك طريق إلى الفتنة والأهواء، نسأل الله العافية!
1 نفائس الأصول 2/ق245-أ، وانظرق166-ب وانظر الفروق للقرافي2/87-88، وذكر ابن السبكي والآسنوي في شرحهما مختصر المحصول للبيضاوي (منهاج الأصول) نحوا مما ذكره القرافي، انظر الإبهاج1/323 ونهاية السول 2/180، وانظر المواقف للعضد ص297.
وذمَّ العلماء الإكثار في طَرْق الاحتمال واعتباره:
قال ابن القيم: "وفتح باب التجويزات لا آخر له ولا ثقة معه البتة، وهذا الباب قد دخل معه على الإسلام مدخل عظيم وخطب جسيم، وأهل الباطل على اختلاف أصنافهم لا يزالون يتعلقون به
…
ومن أعطى التأمل حقه وجد أن أكثر ما ادعاه أهل التأويلات المستشنعة وأهل الباطل من جهة إخراج الألفاظ عن حقائقها، وفتح أبواب الاحتمالات والتجويزات عليها"1.
وقال الشاطبي: "إن مجرد الاحتمال إذا اعتبر أدَّى إلى انخرام العادات والثقة بها، وفتح باب السفسطة وجحد العلوم
…
بل ما ذكره السوفسطائية في جحد العلوم منه يتبين لك أن منشأها2 تطريق الاحتمال في الحقائق العادية أو العقلية3، فما بالك بالأمور الوضعية؟!
…
ولأجل اعتبار الاحتمال المجرد شُدِّد على أصحاب البقرة، إذ تعمَّقوا
1 الصواعق المرسلة2/682-683، وانظر درء تعارض العقل والنقل 1/12
2 كذا في النسخة التي عندي، وقد يكون الضمير عائدا إلى السوفسطائية أو السفسطة أي منشأ تلك الفرقة أو مقولتهم أنهم طرّقوا
…
أما إذا كان الضمير عائدا إلى أول العبارة فالظاهر أنه يكون مذكرا أي منشأ ما ذكروه. والله تعالى أعلم.
3 لأنهم طرّقوا إلى الموجود احتمال عدمه وإلى المعدوم احتمال وجوده كما طرِّق إلى الخبر المتواتر احتمال الكذب عقلا أو الوهم أو الخطأ وهكذا في الأمور المحسوسة. انظر أصول الدين للبزدوي/5-10. وقصة الإيمان لنديم الجسر ص49.
في السؤال عما لم يكن إليه حاجة مع ظهور المعنى
…
1 بل هو أصل في الميل عن الصراط المستقيم، ألا ترى أن المتَّبعين لما تشابه من الكتاب إنما اتبعوا فيه مجرد الاحتمال، فاعتبروه وقالوا فيه وقطعوا على الغيب بغير دليل، فذُمُّوا بذلك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالحذر منهم
…
2
وإلى هذا فأنت ترى ما ينشأ بين الخصوم وأرباب المذاهب من تشعُّب الاستدلال وإيراد الإشكالات عليها بتطريق الاحتمالات، حتى لا تجد عندهم بسبب ذلك دليلا يعتمد، لا قرآنيا ولا سُنِّيًّا3، بل انجر هذا الأمر
1 كما حكى الله سبحانه وتعالى قصتهم في سورة البقرة (الآيات من: 67 إلى 71) ، فالبقرة التي أُمروا بذبحها احتمل عندهم أن تكون فارضا أو بكرا، كما نقَّبوا عن احتمال كونها سوداء اللون أو حمراء أو صفراء
…
وغير ذلك من الاحتمالات التي لما اعتدوا بها وطرقوها ابتداء - حين أمروا بذبح بقرة - سألوا عما يبين ذلك فجاءهم ما قيد المطلوب بما يجعله عزيزا. انظر تفسير القرطبي4/10 وتفسير ابن كثير1/114.
2 وذلك فيما رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتنةِ وَابْتِغاءَ تأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلهُ إِلَاّ اللهَ وَالرّاسِخونَ في العِلمِ يَقولونَءَامَنا به كُلٌّ مِنْ عِندِ رَبنا وَمَا يَذكَّرُ إِلَاّ أُولُوا الأَلبَابِ} قالت: قال رسول الله: "فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم". صحيح البخاري مع فتح الباري8/209 وصحيح مسلم 4/2053. فذمهم الله بأن في قلوبهم الزيغ وأنهم يبتغون الفتنة وحذر منهم الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال القرطبي في تفسيره 4/10: "المتشابه في الآية من باب الاحتمال والاشتباه"، وانظر تفسير ابن كثير1/353.
3 وهذا ظاهر في بعض كتب أصول الفقه المصنفة على طريقة المتكلمين كالمحصول للرازي والإحكام للآمدي.
إلى المسائل الاعتقادية فاطَّرحوا فيها الأدلة القرآنية والسنية لبناء كثير منها على أمور عادية
…
واعتمدوا على مقدمات عقلية، غير بديهية ولا قريبة من البديهية، هربا من احتمال يتطرق في العقل للأمور العادية، فدخلوا في أشد مما منه فروا"1اه.
فالأدلة الشرعية ترجع في الأصل إلى الكتاب والسنة، وأوسع طرق الاستنباط منهما طريق الألفاظ التي وقع بها الخطاب، ونحو ذلك من الأمور العادية، وفهم مراد المتكلم من خطابه معتمد أولا على العادة والعرف، ولا يستحيل ورود احتمال مستند إلى التجويز العقلي ومجرد الإمكان على القواطع العادية والثوابت العرفية، فالاعتداد بالاحتمال في مثل هذه الحالة تعسف وإفراط لا يحمد2.
1 الموافقات4/324-327. وأثبتّ نص كلامه مع طوله لشدة بيانه في الموضوع وأن فيه مواضع تحتاج لتخريج ما يرمي إليه من أدلة، وانظر الثبات والشمول لعابد بن محمد السفياني/183، 201، 344-345.
2 انظر كلام أهل العلم وإشاراتهم إلى هذه الحقيقة في الأدلة الشرعية في العدة لأبي يعلى3/842-843،850 إحكام الفصول للباجي ص435،449-450 شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي 2/573 والبرهان لأبي المعالي الجويني1/377 والمحصول لفخر الدين الرازي 4/195-196 ونفائس الأصول للقرافي3/ق137-ب وشرح تنقيح الفصول له أيضاً ص350 وشرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي3/616 وبيان المختصر للأصفهاني1/49-50 وشرح العضد على مختصر ابن الحاجب1/55-57 والمواقف للعضد/11 والبحر المحيط للزركشي 2/120، 4/241،479 ونبراس العقول للشيخ عيسى منون ص229،358.