المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثاني: القياس القطعي - القطعية من الأدلة الأربعة

[محمد دكوري]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الباب الأول: قطعية الدليل وأثرها

- ‌الفصل الأول: قطعية الدليل

- ‌المبحث الأول: جهة القطعية في الدليل

- ‌المطلب الأول: جهة الثبوت

- ‌المطلب الثاني: جهة الدلالة

- ‌المطلب الثالث: مسائل في جهة القطعية

- ‌المبحث الثاني: فيما يفيد القطعية في الدليل

- ‌المطلب الأول: إفادة الإجماع القطعية في الدليل

- ‌المطلب الثاني: أثر القرائن في إفادة القطعية

- ‌المبحث الثالث: فيما يمنع القطعية عن الدليل

- ‌المطلب الأول: أثر الخلاف في منع القطعية

- ‌المطلب الثاني: الاحتمال وأثره في منع القطعية

- ‌الفصل الثاني: أثر قطعية الدليل

- ‌المبحث الأول: أثر قطعية الدليل في الإصطلاح

- ‌المطلب الأول: في الدليل والأمارة

- ‌المطلب الثاني: في الفرض والواجب

- ‌المبحث الثاني: أثر القطعية في الاجتهاد والتخطئة

- ‌المبحث الثالث: أثر القطعية في التعارض والترجيح

- ‌الباب الثاني: أحكام القطعية في الأدلة الأربعة

- ‌الفصل الأول: أحكام القطعية في الكتاب والسنة

- ‌المبحث الأول: الكتاب والسنة أصل الأدلة الشرعية القطعية وغيرها

- ‌المبحث الثاني: أحكام القطيعة في السنة من جهة الثبوت

- ‌المطلب الأول: قطعية الخبر المتواتر

- ‌المطلب الثاني: قطعية الخبر الواحد

- ‌المبحث الثالث: أحكام القطعية في الكتاب والسنة من جهة الدلالة

- ‌المطلب الاول: قطعية النص

- ‌المطلب الثاني: قطعية العموم

- ‌المطلب الثالث: قطعية المفهوم

- ‌الفصل الثاني: أحكام القطعية في الإجماع

- ‌المبحث الأول: قطعية الإجماع

- ‌المبحث الثاني: الإجماع القطعي

- ‌الفصل الثالث: أحكام القطعية في القياس

- ‌المبحث الأول: قطعية القياس

- ‌المبحث الثاني: القياس القطعي

- ‌المبحث الثالث: القطعي من مسالك العلة

الفصل: ‌المبحث الثاني: القياس القطعي

‌المبحث الثاني: القياس القطعي

إذا كان الراجح من أقوال أهل العلم أن القياس الشرعي يكون قطعيا فليس كل قياس فُرض يكون قطعيا بل قد يكون القياس فاسدا باطلا، فكان لزاما بيان القياس القطعي ليزداد مبحث قطعية القياس وضوحا.

وقد ذكر العلماء رحمهم الله أنواعا من الأقيسة القطعية، والذي وقفت عليه من ذلك يرجع إلى أربعة أنواع:

النوع الأول: وهو أشرفها وأولاها بالتقديم القياسُ الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه مقطوع به لعدم تطرق الاحتمال إلى شيء مما ينبني عليه القطعية في القياس، فإنه صلى الله عليه وسلم أعلم بعلل الأحكام الشرعية وأحكامها، وأعلم بوجود تلك العلل في الفروع على الوجه الذي يوجب تسويتها بالأصول المقيس عليها في تلك الأحكام، وإذا عُلم ذلك كان القياس الصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم قياسا قطعيا1.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أقيسة كثيرة2 منها:

1 انظر المستصفى للغزالي 2/380 والتمهيد لأبي الخطاب 3/413-415 ونفائس الأصول شرح المحصول ق44/ب والبحر المحيط5/16.

2 صنف ناصح الدين الحنبلي رحمه الله كتابا في ذلك أسماه: أقيسة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جمع فيه جملة كبيرة منها.

ص: 422

1-

قياسه صلى الله عليه وسلم قُبلة الصائم على مضمضته في عدم إفساد الصوم، وذلك في الحديث الذي رواه عمر رضي الله عنه قال: هششت1 يوما فقبَّلت وأنا صائم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: إني صنعت اليوم أمرا عظيما فقبلت وأنا صائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟ "، قلت: لا بأس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ففيم؟ "23.

2-

قياسه الخالة على الأم في أحقية الحضانة، وذلك في حديث البراء4 في قصة اختصام علي وجعفر5 ابْنَي أبي طالب وزيد6 أيهم يحضن

1 هش للأمر يَهِش هشاشة: إذا فرح به واستبشر فارتاح له وخفَّ. انظر النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير5/264.

ومعناه فرحت بالنظر إلى امرأتي. انظر عون المعبود للعظيم آبادي7/11-12.

2 رواه الإمام أحمد في المسند1/21،52 وأبو داود في السنن (مع عون المعبود) 7/11-12. وصححه الشيخ ناصر الدين الألباني. انظر صحيح سنن أبي داود 2/453.

3 انظر كتاب أقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ص191-192.

4 هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي أبو عمارة أو أبو عمرو، الأنصاري الأوسي، توفي سنة (72) هـ. انظر الإصابة 1/147.

5 هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، ابن عم رسول لله صلى الله عليه وسلم، وشقيق علي رضي الله عنهما، كان يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخَلق والخُلق، وكان يكنيه صلى الله عليه وسلم أبا المساكين لحبه إياهم، استشهد في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة. انظر الإصابة 1/248-249وأسد الغابة 1/341-344.

6 هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، من السابقين إلى الإسلام، حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاه ثم أعتقه وتبناه حتى دعي (زيد بن محمد) إلى أن نزل قوله تعالى:{ادْعُوهُمْ لابَائِهِمْ} النور (5) . انظر الإصابة 3/24-26.

ص: 423

ابنة حمزة1 بن عبد المطلب رضي الله عنهم جميعا، وفيه:"فاختصم فيها علي وزيد وجعفر فقال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها وهي زوجة جعفر2 وقال صلى الله عليه وسلم: "الخالة بمنزلة الأم"الحديث34.

3-

القياس الذي ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: "لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ "قال: نعم، قال:"فدين الله أحق أن يقضى"56.

4-

ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ولد لي غلام أسود، فقال:" هل لك من إبل؟ "قال: نعم، قال:"ما ألوانها؟ "قال: حُمر، قال:"هل فيها من أورق7؟ "قال:

1 اسمها عمارة وقيل غير ذلك، انظر فتح الباري لابن حجر العسقلاني 7/506.

2 هي أسماء بنت عميس رضي الله عنها. انظر الفتح كما سبق.

3 أخرجه البخاري. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري 7/499.

4 انظر كتاب أقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ص117.

5 أخرجه البخاري ومسلم. انظر صحيح البخاري مع الفتح 4/192 وصحيح مسلم2/804.

6 انظر كتاب أقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ص79.

7 الأورق - بوزن الأحمر -: الأسمر وهو الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة (ورقاء) . انظر النهاية لابن الأثير 5/175 وفتح الباري 9/442.

ص: 424

نعم، قال:"فأنى ذلك؟ "قال: لعله نزعه عرق1، قال:"فلعل ابنك هذا نزعه عرق "23.

5-

قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه"45.

6-

حديث أبي ذر6 رضي الله عنه أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدُّثور بالأجور، يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم، قال:"أو ليس قد جعل الله لكم ما تصّدّقون؟ إن كل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة"، قالوا: يا رسول أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان يكون عليه وزر؟ "قالوا: نعم، قال: "فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون

1 "المراد بالعرق: الأصل من النسب شبّهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم (فلان عريق في الأصالة)

وأصل النزع الجذب وقد يطلق على الميل"الفتح 9/444.

2 رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع الفتح 9/442 وانظر صحيح مسلم 2/1137.

3 انظر كتاب أقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ص80.

4 رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع الفتح 6/139-140 وصحيح مسلم 3/1241.

5 انظر كتاب أقيسة الرسول صلى الله عليه وسلم ص103.

6 هو جندب بن جنادة بن سكن (وقيل غير ذلك في اسمه واسم أبيه) أبو ذر الغفاري، الزاهد الصادق اللهجة، من السابقين إلى الإسلام، توفي بالربذة سنة (32) هـ على قول الأكثر، أو (31) . انظر الإصابة 7/60-63.

ص: 425

له أجر" 1، قال ابن القيم: "فهذا من قياس العكس الجلي البين، وهو إثبات نقيض حكم الأصل في الفرع لثبوت ضد علته فيه"2.

ففي جميع هذه الأقيسة يعلم بأن أحكام الفروع المقيسة مساوية لأحكام الأصول المقيسة عليها، من الوجه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك على سبيل القطع واليقين في الدلالة. وهذا النوع راجع إلى السنة النبوية3.

النوع الثاني: إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق من طريق الأولى4.

فقد ذهب بعض العلماء إلى أن مثل ذلك من القياس، وهو اختيار إمام الحرمين5 والرازي6 وبعض الحنفية7.

ومذهب الحنفية أنه من دلالة النص8، وهو منسوب إلى المالكية9

1 رواه مسلم في الصحيح 2/698.

2 اعلام الموقعين1/199، وانظر الثبات والشمول في الشريعة ص368.

3 كما سبق في ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) من هذا البحث.

4 وهو ما سبق في بحث (المفهوم القطعي) انظر ص (خطأ! الإشارة المرجعية غير معرّفة.) .

5 انظر البرهان 2/516-517.

6 انظر المحصول للرازي 5/121.

7 انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي 1/73-74.

8 أي من نظم اللفظ. انظر المرجع السابق، ومسلم الثبوت1/73-74.

9 انظر إحكام الفصول للباجي ص509، قال:"هذا الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء من أصحابنا وغيرهم"وسماه (فحوى الخطاب)، مع أنه ذكر في موضع آخر أن القياس الجلي:"ما علمت علته قطعا إما بنص أو فحوى خطاب أو إجماع". إحكام الفصول/627. فجعل هنا ما علمت علة الإلحاق فيه بفحوى الخطاب من القياس.

ص: 426

والحنابلة1، واختاره الغزالي2 والآمدي3.

والقطعية متحققة على كلا القولين، فالخلاف لفظي بالنظر إلى القطعية، قال إمام الحرمين وهو ممن اختار كونه من القياس: "وهذه

1 انظر العدة لأبي يعلى 4/1333 وشرح الكوكب المنير 3/483-484.

2 انظر المستصفى (بولاق) 1/335-336 (بولاق) 2/191،281-282 هذا في المستصفى، أما في شفاء الغليل (ص54-59) فذهب إلى أن دلالة تحريم الضرب من تحريم التأفيف قياسية.

3 انظر الإحكام 3-4/66.

وحجة القائل إنه قياس: أن المسكوت عنه لا يشعر به اللفظ وضعا ولا عرفا لأن التأفيف في قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} غير الضرب في وضع اللغة، ولو كان دالاًّ على فهم منع الضرب لما حَسُن مثلا من الملك إذا استولى على عدوٍّ له أن يأمر الجلاد بقتله ويمنعه من الاستخفاف به ولو بالتأفيف، فلما لم يدل الوضع ولا العرف على الضرب من التأفيف كان إلحاقه به بطريق فهم معنى تحريم التأفيف وهو الأذى ثم إلحاق الضرب به من باب أولى. انظر البرهان 2/516-517 وشفاء الغليل للغزالي ص54-59 والمحصول 5/121.

وحجة القائل إنه مدلول عليه باللفظ: أن المسكوت عنه يفهم من المنطوق باللغة دون الحاجة إلى فكر وتأمل، وأنه يستوي في فهمه العالم بالقياس والقائل به والجاهل به والمنكر لحجيته، وأن الأصل قد يكون في هذا الباب جزءا من الفرع مندرجا تحته والقياس لا يكون الأصل فيه كذلك، وأن القياس ليس من شرطه أن يكون المعنى أشد مناسبة في الفرع من الأصل وذلك شرط في مثل هذا الإلحاق، وأنه لا يسلّم كون المعنى الموجود في الحكم هو الموجب لإلحاق الفرع بالأصل (الضرب بالتأفيف) وإنما يلاحظ المعنى لكونه بمنزلة العنوان. انظر المستصفى والإحكام في أصول الأحكام للآمدي وكشف الأسرار كما سبقت، وانظر فواتح الرحموت مع مسلم الثبوت 1/411.

وفي المسألة أدلة أخرى ومناقشات واعتراضات، اكتفيت بهذا القدر هنا لكون الخلاف في المسألة لا يؤثر على القطعية.

ص: 427

مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"1، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"2.

وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة3، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.

ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.

النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم4.

"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"5، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.

ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا)، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله:(لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم)6.

1 البرهان 2/516-517.

2 المستصفى 2/281-282.

3 انظر كشف الأسرار 1/74.

4 انظر البرهان2/575 والمستصفى2/283-384 وشرح مختصر الروضة3/352 والاستقامة لابن تيمية1/69 وشرح الكوكب المنير 4/207.

5 المستصفى2/283-284.

6 المرجع السابق.

ص: 428

مسألة لفظية ليس وراءها فائدة معنوية"1، وقال الغزالي بعد أن اختار كونه من اللفظ دون القياس: "ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به ولا مشاحة في الأسامي، فمن كان القياس عنده عبارة عن نوع من الإلحاق يشمل هذه الصورة فإنما مخالفته في عبارة"2.

وذكر عبد العزيز البخاري أن من سماه من الحنفية قياسا لم يثبت به الحدود والكفارات، ومن لم يسمه كذلك بل كان عنده كالنص أثبت به ذلك، ثم نقل أن من سماه قياسا قد يثبت الحدود بهذا النوع من الأقيسة3، فالخلاف على نقله الثاني لفظي عند الحنفية، معنوي على الأول.

ولفظية الخلاف هي الأولى بالنظر إلى قطعية القياس أو الدلالة اللفظية. والله تعالى أعلم.

النوع الثالث: القياس الذي يقطع فيه بعدم الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، وهو قياس المساوي أي الذي يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل في مناسبة الحكم4.

"وضابط هذا النوع أن لا يحتاج إلى التعرض للعلة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنه لا فارق إلا كذا ولا مدخل له في التأثير قطعا"5، ولا بد من القطع بهذين الأمرين وهما: عدم وجود فارق إلا فارقا معينا وعدم تأثير ذلك الفارق المعين في الحكم، فإن تطرق الاحتمال إلى أحد هذين الأمرين لم يكن القياس قطعيا.

ويتطرق الاحتمال إلى الأمر الأول بإمكان أن يكون ثَمّ فارق آخر غير الذي عيّنه المجتهد القائس فلا يقطع بقوله: (لا فارق إلا كذا)، كما يتطرق الاحتمال إلى الأمر الثاني بإمكان أن يكون للفارق المعين مدخل في التأثير في الحكم فلا يقطع بقوله:(لا مدخل لهذا الفارق في التأثير في الحكم)6.

من أمثلة هذا النوع من القياس7:

1-

قياس الأمة على العبد في سراية العتق8، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:

1 البرهان 2/516-517.

2 المستصفى 2/281-282.

3 انظر كشف الأسرار 1/74.

4 انظر البرهان2/575 والمستصفى2/283-384 وشرح مختصر الروضة3/352 والاستقامة لابن تيمية1/69 وشرح الكوكب المنير 4/207.

5 المستصفى2/283-284.

6 المرجع السابق.

7 انظر الأمثلة في المراجع السابقة.

8 إذا أعتق أحد الشريكين في مملوكٍ نصيبَه فإن كان موسرا عتق عليه الباقي بقيمته من ماله لشريكه، وإن كان معسرا فقد عتق من المملوك ما عتق وبقي باقيه من نصيب الشريك الآخر على الرق، هذا عند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، أما عند الحنفية فإن كان المعتِق موسرا فشريكه الذي لم يعتق نصيبه بالخيار بين العتق أو أن يضمن له شريكُه المعتِق قيمة نصيبه أو أن يستسعي الذي لم يعتق نصيبه العبدَ في طلب ما يؤدي به ما بقي فيه من الرق أو يصالحه أو يدبره أو يكاتبه، وإن كان معسرا فليس على الشريك المعتِق ضمان نصيب الآخر ويبقى للشريك الآخر باقي الخيارات. انظر الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر 2/963 وروضة الطالبين للنووي 8/386 ومختصر الخرقي مع شرح الزركشي عليه 7/428-429 وفتح القدير للكمال ابن الهمام 4/259-260 وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 3/657-659.

فسراية العتق عند الجمهور حيث كان المعتِق موسرا ولا سراية مع إعساره، وفي كلتا الحالين عند الحنفية نوع سراية، والقياس في كل مذهب بحسبه، والله تعالى أعلم.

ص: 429

"من أعتق شقصا له في عبد - أو شِرْكا أو قال: نصيبا - وكان له ما يبلغ بقيمة العدل فهو عتيق، وإلا فقد عتق منه ما عتق"، وفي لفظ آخر:"فإن لم يكن له مال استسعي العبد غيرَ مشقوق عليه"1.

فيقاس الأمة على العبد، إذ لا فارق بينهما إلا الذكورة والأنوثة ولا تأثير لذلك في اختلاف أحكام العتق في عرف الشارع وتصرفاته، فهما وصفان طرديان في باب العتق كالسواد والبياض والطول والقصر في سائر الأبواب.

ويمكن أن يقال: إن فارق الذكورة والأنوثة يحتمل أن يكون له تأثير في سراية العتق والاستسعاء، لأنه يحتمل أن يكون للعبد خصوصية بعد العتق وهي أنه إذا عتق استحق أن يزاول من مناصب الرجال ما لا تزاوله الأنثى ولو كانت حرة، ولأن الأمة ربما لا تكون كالعبد في القدرة على الاستسعاء والكسب، فيحتمل قصر الحكم على الذكر دون الأنثى.

1 رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع فتح الباري 5/132 وصحيح مسلم 2/1140.

ص: 430

فمن ورد عنده هذا الاحتمال وكان له وجه يعتضد به لم يقطع بالقياس، ومن كان لا يرد عنده الاحتمال أو كان بعيدا غريبا على المقاصد الشرعية في باب العتق قَطَع بالقياس.

وترجم البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث وغيره بقوله: "باب إذا أعتق عبدا بين اثنين أو أمة بين الشركاء"وروى عن ابن عمر أنه كان يفتي في العبد والأمة بذلك.

ونقل ابن حجر عن بعض العلماء أنه كان يفرق بين العبد والأمة ويجعل الحكم مختصا بالذكور، وذكر الحافظ أن لفظ (الأمة) قد ورد في بعض الطرق1.

والفرق بين هذا القول وبين ما تقدم من ذكر الاحتمال أن الحكم يثبت للأمة بدون قطع على ما سبق، وعلى هذا القول لا يثبت الحكم للأمة. والله أعلم.

2-

قياس الأمة على العبد في أن ماله لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من باع عبدا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع"2.

1 انظر صحيح البخاري مع فتح الباري 5/150-152 ومذكرة الشيخ محمد الأمين في أصول الفقه ص250-251.

2 رواه البخاري ومسلم. انظر الصحيح مع فتح الباري 5/49 وصحيح مسلم 3/1173.

ص: 431

3-

قياس العبد على الأمة في تنصيف حد الزنا، كما في قوله سبحانه:{فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} 1.

4-

قياس الزيت على السمن في أن موت الفأرة فيه يوجب إلقاء ما حوله وإباحة أكل ما وراء ذلك، "إذ

لا أثر للفارق بكون هذا سمنا أو زيتا لأنه فرق لفظي غير مناسب"2.

1 سورة النساء (25) .

2 وحكم أصل القياس - وهو وجوب إلقاء ما حول الفأرة الميتة في السمن - ورد في حديث ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال:"ألقوها وما حولها وكلوه". انظر صحيح البخاري مع فتح الباري9/668. وترجم البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث بقوله: "باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب" إشارة إلى مذهبه في عدم التفريق بين المائع والجامد من السمن، خلافا لمذهب الجمهور بالتفريق بينهما وأن المائع يفسد كله للزيادة الواردة في بعض طرق الحديث وهي: "إن كان جامدا فألقوه وما حوله وكلوه وإن كان ذائبا فلا تقربوه"، وهي زيادة فيها مقال. انظر فتح الباري 9/669-670.

ولأجل ما في الزيادة الدالة على التفريق بين الجامد والمائع عدلتُ عن عين القياس الوارد في شرح مختصر الروضة للطوفي 3/352 وهو قياس الزيت على السمن المائع في أن موت الحيوان فيه ينجسه بجامع الميعان الموجب سريان النجاسة، فإن ظاهره أنه يلقى كله لسريان النجاسة فيه وذلك مبني على القول بالتفريق، أما قياس الزيت على السمن مطلقا فيستقيم ولو على عدم التفريق، وقد روى البخاري عن الزهري أنه سئل "عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد الفأرة وغيرها، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فأمر بما قرب منها فطرح ثم أكل". صحيح البخاري9/669، وفيه زيادةً على قياس الزيت على السمن قياسُ غير الفأرة من الحيوان عليها.

وضرب القاضي أبو يعلى هذا القياس مثالا لمفهوم الموافقة (مفهوم الخطاب وفحواه) . انظر العدة 4/1335-1336.

ص: 432

وذكر إمام الحرمين والغزالي أن هذا النوع من القياس قد يختلف العلماء أيضا في تسميته قياسا1.

وهو قطعي على كل تقدير، فلم يضر الاختلاف في تسميته، كما سبق في النوع الثاني.

النوع الرابع: القياس الذي قطع فيه بأمرين: أن وصفا معينا في الحكم هو علته قطعا، وأن ذلك الوصف موجود في الفرع قطعا2.

أما الأمر الأول فيكون السبيل إليه الاستدلال على العلية بأحد المسالك

1 انظر البرهان 2/275 والمستصفى 2/283-284، وذكر الزركشي عن إمام الحرمين التفصيل بأنه "إن كان في اللفظ إشعار به فلا نسميه قياسا كقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركا له في عبد

"الحديث. فهذا وإن كان في ذَكَرٍ فالعبودية مستعملة في الأمة أيضا وقد قيل: (عبدة) ، وأما إذا لم يكن لفظ الشارع مشعرا به فهو قياس قطعي كإلحاق الشافعي رحمه الله عرق الكلب بلعابه في العدد والتعفير"، وتعقبه الزركشي فقال:"وفي دعوى القطع في الثاني نظر"البحر المحيط5/50. ونقل عن الغزالي والحنفية تسمية هذا النوع استدلالا بناء على أن القياس لا يكون قطعيا مع أن هذا قطعي ففُرق بينهما. انظر البحر المحيط 5/50،255-256.

2 انظر البرهان 2/575 والمستصفى 2/111 والمحصول 4/431-432، 5/19-20 وشرح مختصر الروضة 3/320 والبحر المحيط للزركشي 5/26 والاستقامة لابن تيمية 1/69 ونبراس العقول للشيخ عيسى منون ص180.

ص: 433

القطعية كالنص القطعي والإجماع القطعي1، وأما الأمر الثاني فيكون السبيل إليه الحس أو العقل

2

وهذا النوع كالضابط للقياس القطعي، ويمكن أن تندرج الأنواع الأخرى تحته ولو بشيء من البعد في بعضها3، لكن اختص كل نوع بما أوجب التنويع إلى ما سبق. والله تعالى أعلم.

هل القطع بحكم الأصل شرط في قطعية القياس:

معنى قطعية القياس القطع بمساواة الفرع للأصل في حكمه مطلقا، أي سواء أكان حكم الأصل إيجابا أم تحريما أم كراهة

وسواء أكان حكمه قطعيا أم غير قطعي4.

1 انظر المسالك القطعية في المبحث اللاحق.

2 سيأتي إن شاء الله تعالى في المبحث اللاحق أن الاستدلال على وجود العلة في الأصل لا بد أن يكون بدليل شرعي، أما الاستدلال على وجودها في الفرع فيمكن أن يثبت بالحس والعقل

3 فالنوع الأول - وهو قياس الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع فيه بالعلة الجامعة وبوجودها في الفرع، فيقطع - مثلا - أن المعنى الذي أوجب الحضانة للأم من الشفقة والحنان وعمل ما يصلح الولد موجودٌ قطعا في الخالة عند فقد الأم والأَولى، وقياس الأولى راجع إلى القطع بالمعنى وبأنه أولى في المسكوت عنه، أما الإلحاق بنفي الفارق فالقطع بنفي الفارق المؤثر يقتضي القطع بجامع آخر غير هذا الذي ألغي هو المؤثر شرعا. والله تعالى أعلم.

4 انظر المستصفى 2/159-160 والمحصول 4/431-432،435 والإبهاج 3/27-28 ونهاية السول 4/26-28.

ص: 434

وقال الأصفهاني1 في شرح مختصر ابن الحاجب: "اعلم أن القياس المقطوع هو ما كان حكم أصله والعلة ووجودها في الفرع قطعيا"2، فاشترط لقطعية القياس قطعية حكم الأصل.

وهذا مخالف لما سبق، لأن التقرير الأول شرط قطعية القياس فيه أمران: قطعية التعليل في الأصل وقطعية وجود العلة في الفرع، وما ذكره الأصفهاني فيه إضافة شرط ثالث وهو قطعية الحكم في الأصل المقيس عليه.

ولكلا القولين وجه، لأن القياس القطعي:

- قد يكون قياسا يقطع فيه بحكم الفرع إضافة إلى القطع بمساواته لأصله، وذلك في قياس قطعي حكمُ الأصل فيه قطعي أيضا.

- وقد يكون قياسا يقطع فيه بمساواة الفرع للأصل دون القطع بحكم الفرع، بأن يكون الحكم في الأصل المقيس عليه ظنيا ثم يقطع بأن الفرع مثل الأصل، فيثبت الحكم ظنيا في الفرع كما في الأصل مع القطع بالتسوية بين الحكمين.

1 هو محمود بن عبد الرحمن بن أحمد، شمس الدين أبو الثناء الأصفهاني، أصولي أديب مفسر، من تصانيفه: بيان المختصر (وهو شرح مختصر ابن الحاجب) ، وشرح منهاج البيضاوي في الأصول، وشرح كافية ابن الحاجب في النحو، وله كتاب في التفسير لم يتم، وهو أنوار الحقائق الربانية، توفي سنة (749) هـ. انظر الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 5/95-96 والفتح المبين 2/158 ومقدمة محقق بيان المختصر د. محمد مظهر بقا 1/15-25.

2 بيان المختصر 2/558 وانظر نهاية السول 4/28 وكتاب موازنة بين دلالة النص والقياس الأصولي 2/504-508.

ص: 435

والظاهر أن القطع بحكم الأصل ليس شرطا في قطعية القياس، إذ حقيقة القطعية في القياس القطع بالمساواة، أما قوة الفرع المساوي أو ضعفه فذلك تابع لقوة الأصل المساوي وضعفه، ولا مدخل لذلك في عملية القياس، لأن القياس يؤخذ فيه الأصل على حاله قوة وضعفا.

بيان ذلك: أن قياس الخالة على الخال في حكم الميراث قياس قطعي، لكن حكم الأصل ثابت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك كَلاًّ فإلي - وربما قال فإلينا - ومن ترك مالا فلوارثه، والخال وارث من لا وارث له

" 1، فحكم الأصل وهو ميراث الخال ثابت بخبر واحد، فلا يكون قطعيا عند من لا يرى قطعية الآحاد مطلقا أو عند عدم قرائن القطعية، ولا يمنع عدم قطعية خبر الواحد من القطع بأن الخالة مثل الخال في الميراث2.

1 رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه. انظر المسند4/121 وسنن أبي داود مع عون المعبود 8/106 وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي6/281 وسنن ابن ماجه 2/914-915.

وصححه الشيخ ناصر الدين الباني وجمع طرقه من حديث عمر وعائشة والمقدام بن معديكرب رضي الله عنهم جميعا. انظر إرواء الغليل 6/137-141.

2 انظر نهاية السول 2/28.

ص: 436