الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وليس بجمعها، إذ ليس في أي من الأقوال حجة قوية على استخلاص المقاصد وتفردها بما في الفواتح من حكمة، ولا تقوم إحداها إلا بعضد الأخرى أو ضدها، كما أن أقوال أهل العربية ليس في أي منها حجة، لمخالفة الحروف أصل المعروف من كلام العرب - وهم من أقر بهذا - وإن كانت هذه الفواتح كما نعلم من حروف العرب، وأهل العربية حجة في بيان أصول النحو والصرف والبلاغة وأصول البيان، لكنهم ليسوا بحجة في تأويل كلام الله إذا لم يوافقوا هذه الأصول. كيف لا وقد جاءت هذه الحروف بنظم لم يأت به أحد ولم يقله إلا الواحد الأحد، ولم يكن هذا النظم للمخالفة أو لإعجاز الناس عن فهمها، بل لأن فيها بَيَاناً لم ينسبه أحد لنفسه من قبل ومن بعد - كما سيظهر لنا إن شاء الله - أما غير هذه الأقوال فلا حجة فيه البتة لعدم ثبوت الدليل القاطع والفكرة الواضحة ممن يعتد بقوله.
الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح
أما الأقوال فيما خص بعض هذه الفواتح كقول ابن عباس رضي الله عنه عن (ن والقلم وما يسطرون): النون هي الدواة (1)، أو النون هو الحوت (2)، فهذه آثار ضعيفة وهالكة ولا حجة
(1) حديث أول ما خلق الله القلم ثم خلق النون وهي الدواة - بهذا اللفظ لتفسير النون بالدواة من حديث أبي هريرة عن الرسول صلى الله عليه وسلم رواها ابن بطة في الإبانة (335/ 3) والفريابي في القدر (29/ 1) وعنه الآجري في الشريعة (513/ 1) بسند ضعيف، ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (173/ 5) وابن عدي في الكامل (269/ 6) والصنعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص177) وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (رقم1253):"إسناده باطل." أما الرواية عن ابن عباس فرواها ابن أبي شيبة (341/ 8) وابن أبي حاتم (1305/ 4) بسند فيه مجهول، وابن جرير (84/ 22) وأبو نعيم الأصبهاني في أخبار أصبهان (109/ 2) بإسناد ضعيف جدا من طريق ابن حميد، وعند الدينوري في المجالسة (79/ 4) بإسناد مظلم كما قال المحقق، ورواه ابن جرير (525/ 23) وعبد الرزاق في التفسير (329/ 3) بسند صحيح عن قتادة والحسن البصري.
(2)
زيادة ضعيفة على حديث صحيح رواه ابن جرير (521/ 23) وابن أبي شيبة في العرش (ص307) وعبد الرزاق في التفسير (329/ 3) وفي نسخة وكيع عن الأعمش (ص56) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (1380/ 4) والبيهقي في السنن (3/ 9) وابن منده في التوحيد (93/ 1) والفريابي في القدر (ص82) وعنه الآجري في الشريعة (519/ 1) والحاكم (540/ 2) وصححه ووافقه الذهبي. وهو من عدة طرق أشهرها عن أبي ظبيان عن ابن عباس موقوفاً ثم عن سعيد بن جبير وعن مجاهد عن ابن عباس، قال:(إن أول ما خلق الله من شيء القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة) وزيادة عن أصل المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم من حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد» رواه الإمام أحمد (317/ 5) وأبو داود (637/ 2) والترمذي (457/ 4) وابن أبي شيبة (347/ 8) والبيهقي في السنن الكبرى (204/ 10) والبزار (137/ 7) والطبراني (433/ 11) وابن جرير (526 - 527/ 23) وأبو نعيم في الحلية (248/ 5) وابن بطة في الإبانة (394/ 3) والطيالسي في المسند (ص79) وابن الجعد (215/ 7) وصححه الألباني في صحيح الجامع (رقم 2018و2017)، أما الزيادة فهي الموقوفة على ابن عباس عند الرواة وبكلمات مختلفة جاء فيها:"والكتاب عنده، ثم قرأ {وإنه في أم الكتاب لدينا لعليّ حكيم} " وفي بعضها "ثم قرأ ابن عباس: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} " وفي غيرها "ثم رفع بخار الماء، فخلقت منه السموات" وفي أخرى "ثم رفع بخار الماء، ففتقت منه السموات" وفي غيرها "ثم خلق النون فوق الماء، ثم كبس الأرض عليه." أيضاً "ثم رفع بخار الماء ففتق منه السموات، ثم خلق النون فدُحيت الأرض على ظهره، فاضطرب النون، فمادت الأرض، فأُثبتت بالجبال فإنها لتفخر على الأرض". وهذه الاختلافات الكثيرة أخرجت الزيادة عن أصل الصحة لأسباب كثيرة منها: أنها خالفت نص القرآن بقوله تعالى (كانتا رتقا ففتقناهما)، وأنها من خرافات الإسرائيليات المعروفة، وقد أورد هذا الأثر محمد أبو شهبة في كتاب الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير (ص305) وقال:"والظاهر أنه افتراء عليه أو هو من الإسرائيليات ألصقت به"، والدليل هو أنها ذكرت بنفس السند مرة على أصلها ومرة بزيادات مختلفة بحسب تفسير الزيادة للآية المذكورة عندها، وأنها جاءت في كتب المصنفين كابن ابي حاتم نفسه مختلفة في رسم النون، فمرة (ثم خلق النور ومرة ثم خلق النون) وفي كتاب العظمة لأبي الشيخ الأصبهاني بنفس السند (1032/ 3)"خلق الثور" بدل النور والنون، دلالة على أنها من الحواشي المضافة على أقوال الرواة، ولما ورد في إحدى هذه الروايات عن مجاهد أنه قال:"كان يقال النون: الحوت الذي تحت الأرض السابعة" الطبري (524/ 23)، ولكون الأصل المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن ابن عباس جاء من باب الدلالة على الإيمان بالقضاء والقدر كما قال عبادة بن الصامت بعدها لابنه:"يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من مات على غير هذا فليس مني." وأورده الكثير من أهل الحديث في باب الإيمان بالقضاء والقدر كما في السنن، وجاء في كتاب الشريعة للآجري (510/ 1)"وقد خرجت هذا الباب في كتاب القدر، وأنا أذكره ههنا لتقوى به حجة أهل الحق على أهل الزيغ"، وقصد رد الحجة على من قال بخلق القرآن وأن هذا الحديث يثبت أن الكلام كان قبل الخلق. أما الغاية من الزيادات فجاءت للتفسير فقط ولسرد ترتيب الخلق وليس لذات الغاية في الحديث الصحيح، لذلك فلا حجة فيها.
فيها، وإن كانت تروى عن بعض التابعين، فقد صح عن قتادة والحسن البصري قولهم هي الدواة، وقولهم له وجه صحيح، ولكنه بعيد عن تأويل الحروف، وهو من باب البيان لتتابع المعاني في النظم، وتتابع القسم على أكثر من مقسم به، وسآتي على ذكره عند الكلام عن الإعجاز في النظم. أما قول ابن عباس في (طه) و (يس) هي بمعني يا رجل بالنبطية أو السريانية
أو الحبشية فموضوعة وقد سبق ذكرها، وقد ثبت أنها من أقوال بعض التابعين، فقد روي عن عكرمة أنّه قال (طه) هي كقولك يا رجل بالنبطية، وفي رواية عنه أنها بالحبشية، وفي رواية عنه أيضاً أنها بمعنى يا رجل فقط (1). وروي عن الضحاك أنّه قال هي بالنبطية وفي رواية عنه أنها يا رجل فقط، (2) وروي عن قتادة قوله أنها بالسريانية، وفي رواية أنها يا رجل فقط. (3) وروي عن سعيد بن جبير أنّه قال هي بالنبطية، وفي رواية أنها بالسريانية، (4) ويروى عن عكرمة أيضاً أنّه قال في (يس) هي يا إنسان (5).
وقد تحدث في هذه الروايات بعض العلماء، ولم يرجحوا إحداها على الأخرى، لما فيها من اختلاف لا يخفى على الأطفال، فهذه الروايات صارت بحاجة هي للتأويل ولم تكن بحال من الأحوال من البيان أو التفسير، لذلك اكتفى البعض من أهل التفسير بردها جميعا والقول بأن طه ويس حروف من حروف الهجاء وليست باسم ولا نداء، وهو الظاهر من الحروف والأصل فيها، وما لا ينقله عن ظاهره قول من لا حجة في كلامه. وعدم الخوض في هذه الروايات كان للبعد عن الريبة، وإتباعا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وإن أردنا الجمع بينها
(1) بالنبطية رواها عن عكرمة ابن جرير (266/ 18) وابن أبي شيبة (160/ 7) بسند صحيح، والبخاري في الصحيح تعليقاً (95/ 6)، ورواية يا رجل عنه عند ابن جرير (268/ 18) بسند صحيح، وبالحبشية رواها عنه ابن أبي شيبة (159/ 7) بسند حسن.
(2)
بالنبطية رواها عن الضحاك ابن جرير (266/ 18) وابن أبي شيبة (160/ 7) بسند صحيح، والبخاري في الصحيح تعليقا (95/ 6)، ورواية يا رجل عند ابن جرير (268/ 18) فيها مجهول وهي ضعيفة.
(3)
بالسريانية رواها عن قتادة ابن جرير (268/ 18) بسند حسن، ورواية يا رجل رواها عنه عبد الرزاق في التفسير (367/ 2) ومن طريقه ابن جرير (268/ 18) بسند صحيح، ورواها عبد الرزاق (367/ 2) عن قتادة والحسن البصري أيضاً ومن طريقه رواها ابن جرير (268/ 18).
(4)
بالنبطية رواها عن سعيد، ابن أبي شيبة (160/ 7) وابن الجعد (ص318) بسند صحيح. وبالسريانية ابن جرير (266/ 18) بسند ضعيف.
(5)
رواه ابن جرير عن عكرمة (488/ 20) بسند حسن.
وبين التأويل في هذه الأقوال، وإيجاد تأويل لها وليس ما حملته من تأويل، فنقول: إن أغلب الروايات عنهم تقول إنها كقولك يا رجل، وزادوا بأنها بالنبطية أو بالسريانية أو بالحبشية في (طه)، ويا إنسان في (يس)، ولو حملناها على المعنى فلن يستقيم التأويل لأربعة أسباب، الأول: أنها لا تعني يا رجل لا بالسريانية ولا بالحبشية ولا بغيرها من اللغات، فرجل بالسريانية مثلا (جبرا)، وكذلك بالحبشية لا تعني يا رجل، ولا بالنبطية كما سيأتي، والثاني: أنها لو كانت اسماً أو نداءً لما سكت عليهما - أي يس وطه - وهو جائز عند الجمهور، ومعلوم أن النداء لا يوقف فيه على المنادى أما القسم فيوقف عليه، والثالث: ما قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن (1) أنّه لا ينبغي أن يكون اسماً؛ لأنه ساكن ولو كان اسما لدخله إعراب، والسكون قراءة الجمهور أيضاً، بل هو المحفوظ في المصاحف اليوم، أما الرابع: فإن علماء العربية قالوا بأن من قرأ طه بالكسر كما عند الكوفيين، ألزمه بأن يفسرها كحروف، أما من قرأ بالفتح فجاز له أن يقول هي بمعنى يا رجل، وهؤلاء التابعين من سكان الكوفة والبصرة! وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح، فإن قلنا بأنهم قصدوا تفسير الحروف رميناهم بالكذب، لأنها لا تعني يا رجل بأي من هذه اللغات، ولأنهم خالفوا أنفسهم فيما ثبت عنهم، فمرة قالوا هي بلغة كذا ومرة بأخرى وهم أئمة ومنارات للعلم، وهم ثقات عند أئمة الحديث، فيبقى أنهم قصدوا أمراً من اثنين لا ثالث لهما:
الأول: إنهم قصدوا بقولهم بيان القراءة في طه ويس، كأنك تقول طا ها يا رجل، لبيان حذف الهمزة، أو يا سين من يا إنسان، وليس من هاء يا رجل بالكسر أو يائس بثبوت الهمزة على الصحيح من هاؤم يا رجال وهاؤنّ يا نساء وهاءِ يا رجل وهاءِ يا امرأة بهمزة مكسورة، وهي قراءة الجمهور بفتح الطاء والهاء، وهذا بعيد لأنهم من أهل العراق، ومن سكان الكوفة والبصرة، وقراءة البصريين والكوفيين بالكسر لا بالفتح على المشهور بينهم، والفتح فيهما (أي طه ويس) قراءة نافع إمام القرّاء المدني برواية قالون قارئ المدينة، وقراءة القاضي ابن كثير المكي وعنه البزي إمام الحرم المكي وقنبل المكي، وقراءة الإمام القاضي عبد الله بن عامر الشامي وعنه الإمام المحدث هشام بن عمار الدمشقي وإمام جامع دمشق ابن ذكوان الدمشقي، وهي إحدى قراءتي عاصم ابن أبي النجود الكوفي من رواية حفص نزيل مكة عنه، أما قراءة ورش القيرواني مقرئ الديار المصرية ونزيل المدينة عن نافع فكانت بفتح الأولى وكسر الثانية وهي بموافقة نافع لا قراءته.
الثاني: إنهم قصدوا بيان القراءة بلهجة النبط، والنبط هم كما قال ابن حجر:" أهل الفلاحة من الأعاجم؛ وكانت أماكنهم بسواد العراق والبطائح، وأكثر ما يطلق على أهل الفلاحة، ولهم فيها معارف اختصوا بها، وقد جمع أحمد بن وحشية في "كتاب الفلاحة" من ذلك أشياء عجيبة"(2)، وابن وحشية "كلدانيّ الأصل، نبطيّ. من أهل قسين (كورة من نواحي الكوفة) "(3)، وهو منهم وقام بنقل علومهم من الكلدانية للعربية، وهم غير العرب الأنباط سكان البتراء وأصحاب الحروف النبطية، ولغة السريان والكلدان تجمعها صفة "اللهجات الآرامية"، وتجمّعاتهم كانت في العراق وبلاد الشام، فالكلدانية لهجة محكية في نينوى والموصول وبغداد والبصرة في العراق، والسريانية محكية في بعض أجزاء العراق، وفي بعض المدن في بلاد الشام، وإذا نظرنا لهؤلاء الأئمة وجدناهم إما من سكان العراق، وإما من أهلها، فالضحاك كان
(1) مجاز القرآن، ج2 ص15
(2)
فتح الباري، ج8 ص631 (تفسير سورة الرحمن)
(3)
الأعلام للزركلي (170/ 1) ترجمة ابن وحشية
يسكن ويحدث في الكوفة، وعكرمة مولى عبد الله ابن عباس أصله من البربر من أهل المغرب، كان لحصين بن أبي الحر العنبري، فوهبه لعبد الله بن عباس حين جاء والياً على البصرة، وسعيد بن جبير كان يحدث في الكوفة، ولما ذهب لأصبهان لم يحدث فيها، وعندما عاد للكوفة حدث من جديد، وقتادة بصري الأصل ومن أهل البصرة، والحسن البصري أيضاً، (1) واللهجة المقصودة كانت كما تقول ها يا رجل بكسر الهاء، ويقصد منها النداء، واستعملوها في التقريب لوضوح الإمالة فيها، كما في بعض اللهجات العربية العامية الآن في قولهم "هي يا رجل" بكسر الهاء، وهي واضحة في قولك يا رجل باللغة الحبشية بشقيها الأمهري والتقراي، فالأمهري يقول (أتّا سويّي = يا رجل بالمبالغة في إيضاح الكسر) والتقراي يقول (أتّا سبعاي= يا رجل مع إمالة الألف) واللغة الأمهرية الحبشية هي لغة أثيوبيا اليوم ولغة الحبشة قديماً، وتكتب بخط مشتق من خط المسند الحميري المعروف، ولو أردت كتابتها بالحروف العربية لما استقامت إلا ببيان اللفظ، إما بالنطق أو بضرب مثال من لهجة سائدة، وكذلك الإمالة في طه، وقد "قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وبكسرهما حمزة والكسائي وأبو بكر، والباقون بفتحهما."(2) وأبو عمرو النحوي المقرئ بصري، وعنه أبو عمر الدوري من العراق، والسوسي من الرقة في العراق، وحمزة الكوفي وعنه خلف وخلاد الكوفيين، والكسائي كوفي وعنه الليث أبو الحارث البغدادي والدوري أيضاً، وأبو بكر هو شعبة الكوفي عن أبي بكر عاصم بن أبي النجود شيخ القراء الكوفي أيضاً، ورواية شعبة عن عاصم هي المعتبرة والمشهورة عن عاصم عند العلماء المتقدمين، والموافِقة لقراءة الكوفيين عموماً، وهي قراءة عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود بالكسر، أما قراءة حفص الكوفي نزيل مكة ومقرئ الكثير من الديار فهي قراءة عاصم عن عبد
(1) أصولهم وأحوالهم من تراجمهم في تهذيب الكمال للمزي.
(2)
البغوي (259/ 5) تفسير سورة طه
الرحمن السلمي عن علي بن أبي طالب بالفتح جميعاً، ولم تكن مشهورة عن عاصم لا في العراق ولا في الكوفة أو البصرة، (1) إذن فأهل الكوفة يقرأون طه بالكسر في الحرفين، وأهل البصرة يقرأون بالكسر في الهاء، ولا سبيل لبيان تلك القراءة إلا ببيان اللفظ باستعمال أقرب اللهجات المشهورة بالإمالة إليهم، وهي لهجة النبط أو السريان في وقتهم، لأن الإمالة واضحة فيها. وهذا هو الراجح وما أرادوه رضي الله عنهم، وما يتوافق مع قول أهل العربية وواقع القراءة عندهم، ومعلوم أن كثيراً من العلماء أنكروا شيئاً من قراءة الكوفيين، كقراءة حمزة والكسائي، لما فيها من إفراط في الإدغام والإمالة، بل لأنها امتازت بها، وكذلك أنكر كثير من أهل العربية الإمالة في (طه)، "قال النحاس: لا وجه للإمالة عند أكثر أهل العربية لعلتين: الأولى أنّه ليس هاهنا ياء ولا كسرة حتى تكون الإمالة، والعلة الثانية أن الطاء من موانع الإمالة" (2)، ولا ننسى بأن هؤلاء الأئمة كانوا يبلغون الحديث والقرآن وما فيه من قراءات، وكان في وقتهم من لا علم له بالعربية ونحوها، ولا سبيل لبيان ألسنة العرب لهم إلا بالتوضيح والتشبيه، والله أعلم.
ولبيان ذلك بالمثال أقول: لنفرض أن أحد التابعين يُبلّغ قراءة القرآن بما يوافق قراءة حمزة، وكان في إحدى المدن في جنوب بلاد الشام وشمال الجزيرة العربية، وأراد توضيح الإشمام في الزاي عند قوله تعالى {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] أو قوله تعالى {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء: 87] أو قوله تعالى {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ} [الطور: 37] لقال: هي كقولك "الزراعة" بلغة الفلاحين، لأنهم في تلك المنطقة يقولونها بالإشمام التام لا
(1) تراجم القراء ونسبهم ومواطنهم وأين نزلوا وأشهر من أخذ عنهم وبيان أحوالهم وأسانيدهم في تاريخ القراء العشرة للشيخ عبد الفتاح القاضي (موقع طريق القرآن) وسير أعلام النبلاء للذهبي، وتهذيب التهذيب لابن حجر، والإكمال لابن ماكولا، والأعلام للزركلي، وغاية النهاية في طبقات القراء للجزري.
(2)
القرطبي (168/ 11) والشوكاني (355/ 3) تفسير سورة طه
هي زاي ولا هي صاد، وكتب الناس عنه ما قال "هي كقولك الزراعة بلغة النبط" أتكون بأي حال من الأحوال تفسيرا للصراط، وأصدق، وهم المصيطرون؟ كلها على زرع وزراعة؟ والكثير من الأمثلة التي لا حصر لها.
ومن قال بأن معناها يا رجل، وهي بلغة بني عك أو بني عكل أو بني طيء من قبائل العرب، ونسب إليهم شعراً فقد شذّ ووهم، ولا حجة في كلامه أو شعره، والسند في الكلام كالسند في الشعر، وخاصة ما كان من شعر الشواهد (1)، وبعد هذا التحقيق يسقط ويهلك قول من ادعى بأن الحروف تدل على معاني مباشرة، كما في بعض الروايات من أكاذيب قالها أصحابها ليشتهروا بها، أو مما كان في بعضها من أوهام الرواة أو أقوال منسوبة للمفسرين من تابعين وأتباعهم برأيهم وبحسب قصدهم لا بفهم الرواة. وقد كثرت الروايات في الحروف المقطّعة لأنه لم يكن فيها تأويل معتبر ومنقول عن الصحابة رضي الله عنهم، فنقل الرواة كل ما جاء فيها من روايات تبين وجوه القراءة ووجوه الكتابة، ظنّاً منهم أنها تفيد التأويل، وخاصة هذه الروايات في نسبة الحروف للغات أخرى، وما كان منها منسوب لابن عباس، وقد نقل هذه الروايات بعض المفسرين القدماء مثل ابن جرير الطبري وابن ابي حاتم الرازي، فحدثوا بها خوفاً من فقدان المعلومة وإن كانت ضعيفة، ولم يجدوا فيها بأسا لأنهم قاسوا السند على ما صح عن التابعين، وقاسوا المتن على ما صح في غيرها من الكلمات المعرّبة المعروفة من اللغات الأخرى في القرآن، ونقل عن هؤلاء الكثير من المفسرين المتأخرين كالقرطبي وابن كثير وغيرهم،
(1) القول من كلام الكلبي. انظر القرطبي (165/ 11) والبحر المحيط (212/ 6) وأبيات الشعر قال عنها الزمخشري في الكشاف (50/ 3): "وأثر الصنعة ظاهر لا يخفي في البيت المستشهد به." وأورد الطبري (268/ 18) هذا الرأي وانتصر له واستشهد بهذه الأبيات من غير نسبة الرأي لصاحبه، لأنه لا يحدث ولا يأخذ عن الكلبي، وقد انفرد الكلبي بهذا القول. أما مقاتل فقال إنها طأ الأرض، وكلاهما شاذ ومتروك.
وقد تنبه لهذه الأخطاء علماء اللغات من أهل الكفر، فجعلوها مدخلا للطعن في القرآن، والمحزن أن يتبعها البعض من أهل الإسلام من غير تحقيق وتمحيص في الآثار وعلوم القرآن طلبا لما وراء المجهول من تخرّصات وأوهام، ليشتهروا بها أو ليَظهروا مظهر المدافع عن القرآن، فساء ما كانوا يفعلون، ولو كان في هذه الروايات ما تطمئن إليه النفس لما وجدنا علماء التفسير حائرين - وهم من روى هذه الآثار - في تفسير ذات الحرف أو الحروف، ولو كانوا على يقين من صحة الأحاديث المروية عن ابن عباس أو غيره في هذا الباب لما تركوها ليذكروا حديثاً ضعيفاً آخر أو موضوعاً طلباً للمزيد، وبالتالي قالوا كما قال ابن جرير إنّ لكل واحدة منها وجه صحيح والله أعلم، فتنبه لهذا، ومن أراد التأمل فيها فليقرأ من التفاسير ما اقتصر على الصحيح من روايات الصحابة والتابعين وقلّت فيه الروايات الضعيفة، ومن أراد البحث والتمحيص فليقرأ كتب المفسرين الأوائل وما جاء فيها من آثار مع الرجوع لكتب أهل الحديث أو ما اقتصر منها على أسانيد المفسرين وتحقيقها.
ويتبين لنا بعد هذا التحقيق أيضاً، بأن كل علم من علوم القرآن أو علوم الحديث كان له رجاله وفرسانه، وقد يعيب أحد الطرفين على الآخر بعدم الدراية في علمه، كما عاب أهل الحديث وأهل العربية على بعض القراء كالإمام نافع لعدم درايته بالعربية ونحوها وبعلم الحديث وروايته، وهو إمام وقراءته سنه كما قال عنه الإمام مالك، وما وجدناه هنا يعيب على بعض أهل الحديث عدم درايتهم بعلم القراءات أيضاً، بإيراد هذه الروايات مع اختلافها في أبواب التفسير وهي ليست من التفسير كما فعل الإمام أبو بكر ابن أبي شيبة، وقد كان بحراً من بحور العلم، وبه يضرب المثل في قوة الحفظ كما قال عنه الذهبي، وفيه قال أبو عبيد القاسم بن سلام: "انتهى الحديث إلى أربعة: إلى أبى بكر بن أبي شيبة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي