الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قاعدة معلومة في اللغة على ما ليس له قاعدة ولا أَلِفَه العرب، ولا يقاس كلام الله على كلام البشر لأنه أعز وأعلى. وكما نلاحظ فإن الثلاث آيات قد اشتملت على حرف منفرد، ولم ينفرد حرف منها بآية كما في غيرها من ذوات الحرفين فأكثر من فواتح السور، وهذا لاشتماله تعظيم الحرف بذاته مع إنزاله موطن الجزء والأصل من الكلام، ولأنه لا يستقيم الحرف بذاته ليكون وحده جزءاً من الكلام ولا تكون غايته الإفهام. وعليه فقد جاء الحرف منفصلاً فاستوقف السامع ودل على ذاته، وأشار لما قد يحتويه من ترميز فنقل السامع لما بعده بشوق لمعرفة الدلالة فيه - وهي جبلة في الإنسان لحب معرفة الرموز - ولكن السامع احتار في معناه بعد ذكر ما بعده مباشرة، أهو على الأصل أم إختصار لغاية أسمى قد تظهر في سياق الكلام، فتابع السامع الكلام وفي نفسه حب معرفة الغاية بالتركيز على كل كلمة بانتظار الغاية، وعندما قرر المخاطب جلّ في علاه أن يُنهي الكلام بيَّن الغاية من كلامه كله، وليس الغاية من ذكر هذا الحرف فقط، فعلم السامع أن الغاية من ذكر الحرف هي ما قد فعل للتو بسماعه الكلام. وهذا هو الدليل على أن الإعجاز في النظم لا يكون إلا في سياق النظم، ولا يكون بحال من الأحوال في الجمع بين الحروف، كما نجمعها ونبدأ بوضعها في جمل أو نحللها على بناء أنها رموز. وهذا لا ينفي الإعجاز في اختيار الكلمات - ومنها الحروف- ففي كلٍّ إعجاز، والله يؤتي الحكمة من يشاء.
الباب الثاني: استقراء بعض قواعد النظم في سور الفواتح
بناءً على ما سبق وما جاء في التفاسير من معاني، لنتأمل قول الله (ن والقلم وما يسطرون)(ص والقرآن ذي الذكر)(ق والقرآن المجيد) وما ذكر بعدها لنحاول استخلاص إحدى قواعد النظم بالاستقراء في الفواتح الثلاث، من غير قياس على أقوال المفسرين وأهل البلاغة، لنصل لتعريف سر واحد إن استطعنا من ذكر هذه الحروف في سياق نظمها. فالسور الثلاث ابتدأت بحرف
واحد من المعجم وكلها أثنت على الكتاب، ثم على ما جاء في الكتاب من ذكر، فقوله تعالى (والقلم وما يسطرون) داخل فيه الغاية من خلق القلم أو وظيفة القلم، وهي الكتابة، وبالتالي الكتاب أو القرآن وما يسطرون هو الذكر، أو كلام رب العِزّة، كذلك (والقرآن ذي الذكر) ظاهرة بينة، وكذلك في (والقرآن المجيد) أي ذي الذكر المجيد، وبردِّها إلى أصلها تكون كلها قد أشارت لحرف، ثم كتابة، ثم نظم، وأتى بعدها ذكر التنزيل وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم ودوره في الخطاب ومجادلة الكفار لإبطال الحجج وإثبات ألوهية الخالق وحده. أي (حرف/كتاب/ذكر) وهي مكونات اللغة وتقوم مقام (اللفظ/الكتابة/النظم) ونحن نعلم أن الحروف هي مبدأ الكلمات، والكلمات هي أصل الكتابة، والكتابة دليل على نظم الكلام وسبب نشر لغته وحفظه، وهذه حقيقة في كل الكتب وكل اللغات!
فماذا كان بعدها في النظم؟ كان ذكر الرسول والتنزيل (حرف/كتاب/ذكر/رسول) وهي مكونات الرسالة والتنزيل على لسان هذا النبي الأمي وتقوم مقام (اللفظ/الكتابة/النظم/نبي أمي) أي هذا ليس بكتاب مؤلف بين البشر، فهو كتاب بنظم إلهي على سياق عجيب غريب متين، باستعمال حروف وكلمات كما في لغة القوم، ومقروء بنظْم بيِّنٍ وواضح على لسان نبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، وهذا هو دليل "التنزيل من السماء" وكذلك هو بديل المشاهدة للمعجزات كما كان في الأمم السابقة، وهو بالمحصلة (الإعجاز في النظم) ومجموع هذا الكلام - أي القرآن - هو المعجزة، فأهل قريش هم أفصح الناس بالعربية ونظمها، ولكن خالقهم وخالق ألسنتهم يتكلم بالعربية، وينظم بها بأبدع ما يكون في لغتهم، فإن كانوا عارفين بالنظم وبديع القول، فخالق الحروف والكتابة والألسن هو الخبير بها والعالم بأسرارها (1).
(1) أعني الحروف الكتابية، وحروف المعجم المبهمة، وهناك خلاف بين أهل العلم على ما نسميه حروف المعجم، والخلاف أشد على القول بخلق الحروف، وليس هذا مجال البسط فيه، ولكن الحق فيما ذهب إليه ابن تيمية حيث قال في جامع الرسائل والمسائل (46/ 3) ومجموع الفتاوى (55/ 12):"ومن قال أن جنس الحروف التي كلم الله بها بالقرآن وغيره ليست مخلوقة وأن الكلام العربي الذي تكلم به ليس مخلوقاً والحروف المنتظمة منه جزء منه ولازمة له وقد تكلم الله بها فلا تكون مخلوقة فقد أصاب." قلت: وما سوى ذلك تخبط ولا فائدة منه البتة.
وماذا بعد إعجازهم في النظم إلا الإيمان أو الكفر بالتنزيل وغايته، - وهو ما جاء بعد ذكر الرسول - فغاية التنزيل هي تبليغ الرسالة على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم وهدف الرسالة تبيان الحق، والحق هو أن يعبدوا من خلق وحده، لأنه الأحقّ بالألوهية حتى ولو أثبتوا له الربوبية (باعتقادهم أنه الخالق). وكل ما ذكرت هو شرح كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وينطبق عليها، ولا يخالف أيّاً من سلاسل النظم المعروفة في القرآن، كقولنا إنها احتوت على الأخبار والتشريع والآداب وقصدنا بالآداب ما هو في علم الغيب والإعجاز في ضرب الأمثال، ولا يخالف ما استنبطه النورسي في إشارات الإعجاز عن المقاصد الأساسية في القرآن بقوله:"إن المقاصد الأساسية من القرآن وعناصره الأصلية أربعة: التوحيد والنبوة والحشر والعدالة"(1)، والتي تظهر في بيان المقاصد من إشارات الإعجاز، والتي تمثل بحسب قوله:"تفسير جملة من رموز نظْمِ القرآن؛ لأن الإعجاز يتجلى من نظمه. وما الإعجاز الزاهر إلا نقشُ النظم." فسياق النظم هنا متين وواضح ومفهوم بهذا النسق، ومترابط مع غيره من أساليب النظم وكأنها سلاسل محكمة الربط بحلقات متينة، في سقف لا يبلغه أحد من البشر، وهذا من أعاجيب البلاغة، أما الإعجاز هنا - في ذكر الحروف - فيكمن باستبدال الحرف الأول (الحلقة الأولى من السلسلة) بكلمة أو كلمات، بما يليق بالتسلسل في اللفظ والإعراب، ويعطي ذات المعنى، ولا يخالف غيره مما فيه من سموٍّ في البيان وإيضاحٍ للمقاصد، ليكون بذلك قد اشتمل على الأقوال المأثورة من فهم التابعين وما أخذوه عن الصحابة، وما فهمه علماء التفسير واللغة والبلاغة، من غير إخلال في نظم بداية
(1) إشارات الإعجاز - الرحمن علّم القرآن من مقدمات الكتاب
السور، سواء في القسم أو فيما يليها من كلام، ولو وضعنا مكان الحرف ما شئنا من كلمات لما استقام النظم، ولا شمل المعاني المأثورة ولا اقتصر على وجوه الإعراب المشهورة حتى، ومن أراد التجريب فلن يخرج بشيء، وأبلغها يكون مجموع جمل طويلة مفادها صحيح، وليست بشاملة كل المعاني الموجودة في هذا الحرف، وخير ما قيل في هذا ما ذكره الطبري بقوله:"قال بعض نحويِّي أهل الكوفة: فيها المعنى الذي أقسم به."(1) فكيف السبيل لاستبدال هذا الحرف؟
فإن قلت إن لم نشترط التكامل في اللفظ والإعراب والمعنى فهل من سبيل؟ قلت نعم، من ثلاثة طرق:
الأول: من باب المعنى نستطيع استخلاص أبلغ الكلمات لموافقة النظم، ومنها كلمة "الدواة" فهي تضمن التسلسل في نظم المعاني كونها من أساسيات الكتابة، وهي تأويل قتادة والحسن البصري كما تقدم، وكونها من الفهم الصحيح لتسلسل المعاني، ولكنها تخالف البلاغة من وجهين، أولاهما أصل الإعراب وهو الإفصاح، فنكون قد ذكرنا ما هو أداة وعطفناها في القَسم على أداة أخرى، وجعلنا القسم الإلهي عليهما، وهذا ضعف لتوارد القسم على قسمين حملا ذات الغاية، والدواة ليست من أصول الكتابة كما هي الحروف، ووجودها وعدمه لا يُلزم الكاتب، والوجه الثاني أنّه لا يستقيم إعرابه إلا على وجه واحد، ناهيك عن تسلسل اللفظ وما في أساليب البلاغة من سجع.
الثاني: من باب المشابهة في الإعراب، قد يقول قائل وهل في كلام العرب ما يحتمل وجوه الإعراب سواء كان حرفاً أو كلمة أو كلمات؟ هذا إن أسقطنا تشابه المعاني وفصل السياق،
(1) الطبري (326/ 22) تفسير سورة ق
أقول نعم فهذه كلمة (لدن) بمعنى (عند)، وهي من حروف المعاني، (1) وقد أتت في قوله تعالى {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) فصلت} وفي قول سفيان بن حرب في معركة أحد
ومازال مُهري مَزْجَرَ الكَلْبِ منهمُ
…
لدُنْ غُدْوةً حتى دنتْ لغروبِ (2)
وهي ظرفٌ للزمان أو للمكان - على حسب الحال - يدلّ على بداية كلٍّ منهما (3)، وهي في الكلام فضله، (4) ولكنها تدل على الفصاحة في القول، والبلاغة في البيان، وفي نطق كلمة لدن عند العرب ثمان لغات، ومنهم من عد إحدى عشرة لغة فيها وحدها (5)، وهي تلازم ما تضاف
(1) قال أبو القاسم الزجاجي: "عند أداة لحضور الشيء ودنوه كقولك كنت عند زيد أي بحضرته وكان هذا عند انتصاف النهار فتحتمل الزمان والمكان" حروف المعاني - الحرف (1)
(2)
الأم للشافعي (259/ 4) وفي ثمار القلوب للثعالبي (ص395) والبداية والنهاية لابن كثير (24/ 4) والكامل في التاريخ لابن الأثير (52/ 2).
(3)
مبنيٌّ على السكون نحو: (سافرنا لدُنْ طلوعِ الشمس: للزمان) و (جئت من لدنْ صديقي: للمكان).
(4)
أي: لا يفتقر إليه انعقاد الكلام، إذ ليس مسنداً ولا مسنداً إليه.
(5)
قال الألوسي (90/ 3): "فيها ثمان لغات. فمنهم من يقول {لَّدُنْ} بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وهي اللغة المشهورة، وتخفف بحذف الضمة كما في عضد وحينئذ يتلقى ساكنان. فمنهم من يحذف النون لذلك فيبقى لد بفتح اللام وسكون الدال. ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال فتحا فيقول {لَّدُنْ} بفتح اللام والدال وسكون النون. ومنهم من لا يحذف ويحرك الدال كسرا فيقول {لَّدُنْ} بفتح اللام وكسر الدال وسكون النون ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول {لَّدُنْ} بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، وقد يخفف بنقل ضمة الدال إلى اللام كما يقال في عضد عضدًا بضم العين وسكون الضاد على قلة، وحينئذ يلتقي ساكنان أيضاً. فمنهم من يحذف النون لذلك فيقول لد بضم اللام وسكون الدال. ومنهم من لا يحذف ويحرك النون بالكسر فيقول {لَّدُنْ} بضم اللام وسكون الدال وكسر النون فهذه سبع لغات. وجاء لد بحذف نون {لَّدُنْ} التي هي أم الجميع وبذلك تتم الثمانية، ويدل على أن أصل لد لدن إنك إذا أضفته لمضمر جئت بالنون فقتول: من لدنك ولا يجوز من لدك كما نبه عليه سيبويه، وذكر لها في همع الهوامع عشر لغات ما عدا اللغة القيسية فليراجع."
إليه لكونها ظرف مكان وزمان (1)، وإذا تلتها كلمةُ [غُدْوَة]، نحو:[سافرنا لدنْ غُدوة]، جاز جرّها، ونصبها، ورفعها كقول الحصين بن حمام:
لدن غدوة (2) حتى أتى الليل ما ترى
…
من الخيل إلا خارجياً مسوما (3)
وهذا للإيضاح ولا يستقيم وضعها، لأنها تلازم ما تضاف إليه مما يلزم إضافة الكلمات وما قد تحمله من وجوهٍ للإعراب، ولو أردنا الاستبدال فقط لقلنا ما هي إلا أسماء للسور، لتأخذ هذه الوجوه بحسب فهم التقدير، ولكننا بذلك نكون قد خالفنا إجماع المسلمين على تسمية السور، وخالفنا تسلسل النظم، وقد بينا فساد هذا القول سابقاً.
الثالث: من باب تطابق الألفاظ نقول بأن النون هي الحوت في معناها وكفى، وهنا قد أبقينا اللفظ بما يلزم عدم المخالفة، ولكننا أعربناه على الحقيقة وخالفنا تسلسل النظم لعدم اتصاله بما بعده من معنى، ناهيك بفصلها عن غيرها من فواتح السور في المعاني والمقاصد، وعليه فقد نجمع الكثير من المعاني إن أردنا وليس كلها، وقد نشمل بعض وجوه الإعراب وليس كلها، ولكننا في الحقيقة عاجزون عن الاختصار بجملة واحدة، فكيف بكلمة واحدة أو بحرف واحد!!
(1) فيضاف إلى الضمير والاسم والجملة، نحو:[أرسلتُ إليك كتاباً من لدُنّي (ضمير)، فجاءك لدنْ غروبِ الشمس (اسم)، وكنت تنتظره من لدنْ طلعَتْ (جملة)]، فإذا كانت إضافته إلى الجملة تمحّض للزمان. (من موقع المنتدى التعليمي لشبكة المعرفة الريفية السوري)
(2)
يقول المعربون: بعدَ [لدنْ]، تُجَرُّ [غُدوة] على أنها مضاف إليه، وتُنصب على أنها تمييز، وتُرفع على أنها فاعل لفعلٍ محذوف هو:[كان] التامّة، أو [وُجِد]، والتقدير:[سافرنا لدن كانت غدوةٌ] أو: [لدنْ وُجِدَت غدوةٌ]. ولهم تخريجات أخرى غير هذه!! (المرجع السابق)
(3)
المفضليات للمفضل الضبي (ص65) ومنتهى الطلب من أشعار العرب لابن المبارك (151/ 2) وخزانة الأدب ولب لباب لسان العرب للبغدادي (323/ 3)
إذن مع القدرة على المشابهة في أصل الموجود يكون وجه الدلالة على الإعجاز في نظم هذه الحروف هو إعجاز البشر عن الإتيان بكلام واضح في سياق نظم متين، ويحتمل كل هذه الوجوه، سواء وجوه الإعراب أو وجوه التأويل الصحيحة والمشهورة فقط، والذي احتملته الفواتح، ولن يأتي بمثل هذا النظم إلا خالق المتكلمين ومبدئ اللغات. وهو الوجه الصحيح من كلام المحققين بالغاية في ذكر الحروف، يقول الشنقيطي:"أما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أنّ الحروف المقطّعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بياناً لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطّعة التي يتخاطبون بها. وحكي هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف. قال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس بن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية. ووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطّعة يذكر فيها دائِماُ عقب الحروف المقطّعة، الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه."(1) والوجه الصحيح من كلامهم هو أن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله ليس لأنه مركب من هذه الحروف التي يتخاطبون بها، بل لأن بعضه مركب من هذه الحروف المقطّعة المذكورة في مواقعها كجزء منه، ولن تستطيعوا استبدالها بأي كلمة كانت، من غير إخلال بما بعدها مما يوجب النقص، أو الزيادة بشيء مضمر قبلها مما يظهر التحريف ويكشفه.
(1) أضواء البيان (166/ 2) تفسير سورة هود، وقد ذكرت سابقا قول الباقلاني في الإعجاز "وقد علم ذلك بعض أرباب الحقائق" وقصد هذا الوجه.
وهنا قد يسأل سائل، إن كان في تبديلها بكلمات أمر مستحيل لاختلال النظم، فكيف بمن يستبدل الحروف بحروف مثلها، فيضع (ص) مكان (ن) أو يضع (الم) بدل (الر) فلن يكون هناك فرق في النظم، وهذا صحيح، ولكن النظم البليغ بشكل عام لا يقتصر على تبديل الكلمات بحسب تسلسل الأفكار، ونعلم أن مما تفرد به القرآن عن سواه في أساليب الإعجاز كان بتمييز الكلمات بما لا يليق بسواها في ذات الجملة، مع إمكانية تغييرها بما يشابهها، وكذلك في ربط الجمل والآيات بنسق بليغ لم يكن له مثيل، مع إمكانية ربط بعضها بغيره من مواضع شتى في القرآن، وبالنهاية ترتيب السور كلٌّ في مواضيع مفصلة وكلٌّ بحسب الدلالة، مع إمكانية سردها من غير ترتيب، لذلك جاء تمييز الحروف كتمييز الكلمات، وهذا من أسرار النظم ومما تعهد الله بحفظه وبيانه للناس. ومن تمييز الحروف أن جاءت بنسق أوحد في الذكر والكتابة، وقد يجري فيها كل برأيه، "أما الأقوال التي جعلت الفواتح كلها متحدة في المراد فالأمر ظاهر"(1)، وهذا لم يكن إلا لدلالة ولسبب عظيم.
وقد يقول قائل، نعم ذكرها وتكرارها في تسع وعشرين سورة تمثل ربع السور عدداً يقتضي اتحاد المراد بها، ولكن هذه الحروف جاءت بشكل عشوائي، حتى لو كان فيها معاني وإشارات ودلالات، فقد أخذت صفة العشوائية في مضمونها، قلت هذا صحيح بشرط: إن جاءت بغير نمط، ولم تحكمها دلالة مباشرة على شيء بذاتها ومضمونها، وهذا هو المستحيل. لذلك سأبين بعض الدلالات على ذكر الحروف بهذا النسق لمعرفة الفرق بين ذكرها على هذا النسق في مضمونها، وغيره من الخيارات المطروحة في ذكر الحروف المكتوبة لبيان هذه الدلالات، وذلك من عدة وجوه:
(1) ابن عاشور (61/ 16) تفسير سورة مريم
الأول: وهو ما قد أسلفت بالذكر أن هذه الحروف قد اشتملت حروف الكتابة عند العرب في ذلك الزمان، ولم يذكر بينها حرف (الواو) لسببين: الأول أنه من الحروف الدالة على معنىً مضمر إن كتب قبل الكلمات في بعض الأحيان، كما يكتبه البعض بقوله (وكتب) وهو دال على تعظيم الكاتب أو الإملاء من غيره أو تأكيداً على أن الكاتب هو الفاعل للكتابة، ولذلك لا يستقيم ذكره في بداية التنزيل لهذا السبب، والسبب الثاني أنه استعيض عنه بذكره بعد الحروف في مواطن عديدة، وأفاد القسم كما جاءت (ن والقلم)، (ص والقرآن)، وهو من الدلالات الخاصة بهذا الحرف أيضاً. وعليه فقد دلت هذه الحروف على أنها حروف هجاء كتابية موضوعة لمن كتب القرآن. ولو قال قائل: هذه فرضية صحيحة بحسب ما نعلم، وقد يكشف الوقت ما هو عكسها وانفردت بذكرها عن غيرك، فأقول: هذا من حقك، ولكننا نعلم أن كل الفرضيات قامت على وجود النتائج أو الحقائق وشرعت بفرض المعطيات وعلاقاتها مع النتائج، مثلاً قانون الجاذبية قام على تفسير ميل الأجسام للسقوط نحو الأرض وهي النتيجة، فأتت الفرضية لتثبت التناسق بين النتيجة وعلاقتها مع هذه المعطيات، فإن ثبت التناسق بين النتائج والفرضيات وما فيها من معطيات قلنا بأن هذا هو القانون، وإن زعم البعض بأن هذه القوانين قامت على التجريب وهي معرضة للتغيير، قلنا هذا صحيح ولكن حتى لو تغير بعضها فعلاً بحسب المعطيات العارضة، إلا أن هذه الفرضيات بقيت صحيحة ضمن معطياتها، ومن غيرها لما عرفنا أنها تتغير بتغير المعطيات الطارئة، كذلك الأمر في كل ما نفرض.
الثاني: لا يختلف اثنان على أن هذه الحروف قد نصفت صفات الحروف عند العرب، مهموسها ومجهورها وشديدها ورخوها والمطبق منها والمفتوح كما المستعلي والمنخفض، وهي ثمان صفات، وكل صفة لها عكسها أو ضدها، وكل حرف لا بد أن يحمل أربع صفات منها، ومجموعها في الحرف يمثل صفة الحرف اللازمة لمعرفة لفظه، فهل هذا التخصيص له دلالة؟ أقول
لو أثبتنا أن بالإمكان الإشارة لهذه الصفات باحتمال آخر لا يشتمل إلا على حروف مثلها ولا يضيف على معانيها شيئاً آخر، لما جاز لنا إثباته كدلالة لمضمون هذه الحروف، ولسقط احتجاجنا به، فهل هناك احتمال آخر؟ أقول: نعلم جميعاً أن عدد حروف العربية ثمانية وعشرون وهو عدد من مضاعفات السبعة، وهذا الرقم بحد ذاته عجيب هو ومضاعفاته عند دخوله في مجال الإحتمالات، ولو فصّلنا حروف العربية بين صفاتها: المهموس 10 والمجهور 18 والشديدة 8 والرخوة 20 (منها 5 متوسطة الرخاوة و 15 رخوة) والمطبقة 4 والمنفتحة 24 والمستعلية 6 والمنخفضة 22، وأخرجنا نسبة الحروف في كل صفة لمجمل الحروف الـ 28، لوجدناها تحمل الرقم المتكرر اللانهائي (.،142857) وهو ما ينتج عادة من قسمة الواحد على السبعة (1/ 7) وهو رقم غير كسري (1)، وبوجوده لا يمكن ذكر بعض هذه الحروف باحتمال متسق لتدل على مجملها، وذلك لكون نسبة الاحتمال بالمحصلة رقم غير كسري ولا نهائي، ولاستحالة ذكر نصف الحرف أو ربعه أو جزء منه مثلاً، بل لا يمكن ذكرها إلا من أربعة وجوه فقط، وهي ذكر ربعها أو نصفها أو ثلاثة أرباعها أو بذكرها كلها، لأن نسبتها أرقام صحيحة، (2) ولو أردنا ذكر الربع أو الثلاثة أرباع لاستحال تربيع حروف الصفة الواحدة، لكونه يشمل الـ 10 و 18 ولا مجال لتربيعها من غير تقسيم الحرف الواحد، يبقى أن نذكرها كلها أو نصفها، ولو ذكرناها كلها لأشارت لذات الحروف وضاعت الصفات فيها من غير إشارة، إذن لا مجال للدلالة على صفات الحروف بمجرد ذكر بعضها إلا بتنصيفها، ويستحيل
(1) ولاحظ حيثيات الرقم باحتوائه 14 و28 و57 والأخير حاصل مجموع (28+29) أو نصف عدد السور 114/ 2، وليست بدليل على شيء في عالم الأرقام، ومن زعم أنها دليل على شيء فقد كذب لأنها أرقام دائرية تتكرر وليست الغاية منها رقمية. فتنبه من الفهم السقيم.
(2)
7/ 28 = 1/ 4، 14/ 28 = 1/ 2، 21/ 28 = 3/ 4، 28/ 28 = 1 أرقام كسرية صحيحة
غيره عقلاً. ولعل القائل يقول هذا صحيح ولا مجال لنفيه، ولكن لماذا لم يُذكر النصف الآخر من هذه الحروف؟ قلت هذا هو الاختيار للأفضل والأسلس وهذه حجتنا في إثبات الاختيار، وإن كان النصف الآخر يشتمل أنصاف الحروف والصفات لكنه لا يشتمل دقائق الصفات، كاشتماله حروف الرخاوة المتوسطة، ولا يشتمل على ذكر الأكثر من صفات الحروف المفردة، ولو جاء ذاك النصف لما أشار إليها بهذا التكامل. ولعل القائل يقول هذا صحيح ولكن هذا الاختيار للنصف من الحروف كان من بين أربعة احتمالات وهي الربع والنصف والثلاثة أرباع والكل، وأخيراً كان بالاختيار بين نصف وآخر، وهذه احتمالات مطروحة، قلت: نعلم جميعاً بأن نظرية الاحتمالات في علم الرياضيات قائمة على النسب في احتمال الحدث (1)، إما منفرداً أو متتالياً مع غيره وهو الأعقد والأصعب، ولكن مهما كانت المسألة معقدة فسيكون هناك احتمال ولو بنسبة بسيطة، ولكنها تتمثل من "الصفر" وهو المستحيل، إلى "الواحد" وهو الأكيد، ولو وضعنا احتمالية اختيار نصف هذه الحروف بحسب صفاتها وتنصيفها بتسع وعشرين محاولة، لكان الاحتمال رقماً مقارباً للصفر ويستحيل أن يقرأه إنسان، فلا نذكره، بل نفرضه صفراً، فهل هذا اختيار عشوائي؟ من قال نعم فقد زعم أنه يستطيع اختيار حبة رمل من الصحراء، وتكون هذه الحبة هي ذاتها التي أضمرت في نفسي. ومن قال لا ولكنه احتمال حتى لو كان احتمالاً من بين ملايين المليارات من الاحتمالات، فقد زعم أن ما قارب الصفر لا يمثل المستحيل، ولو قلنا إن احتمال وجود مئة مرض في شخص واحد من سكان العالم هو واحد إلى مئة مليار، وعدد سكان العالم قريب من ستة مليارات، فهذا دليل على استحالته وإن أسميناه احتمالاً، وما وُجدت نظرية الاحتمال أصلاً إلا لبيان هذه الأحوال.
(1) نظرية الاحتمال هي النظرية التي تدرس احتمال الحوادث العشوائية وتحدد التوزيع الاحتمالي للمتغير العشوائي.
وقد يستدل أحدهم بقول الشافعي إن "حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال" وقد يحرفها البعض فيقولون إن الدليل إذا كان فيه احتمال سقط به الاستدلال، وهذا من سوء الفهم لقواعد الأصول، لأن "الاحتمال الذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أما المرجوح فلا وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها، وذلك باطل"(1)، فكيف بالاحتمال المستحيل، هذا من باب، ومن باب آخر فالاحتمال المعتبر هو الاحتمال السوي وإن كان مرجوحاً، والذي يتحصل من ظاهر النص أو مدلول اللفظ إن كان هناك اشتراك لفظي بين المعنى اللغوي والمجازي، ويحمل على المعاني اللغوية في حال التساوي لأنه ظاهر النص وما هو الأصل فيه، أما في التأويل وما فيه من توسع في بيان المقاصد بالتدبر في كلام الله فلا، إذ ليس لأحد من البشر تحديد القرآن بقوله المجرد، كما لا يحق لأحد من البشر تحديد قائل القرآن بكلامه، فاستدلال أهل الأصول قائم على تحديد الأحكام والعقائد، وليس على تحديد التدبر في القرآن، ولذلك لم ينكر صلى الله عليه وسلم على ثابت بن قيس فيما رواه الشيخان بأخذه ظاهر النص في قوله تعالى (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وقد كان جهور الصوت، فاعتزل وظن أنّه حابط عمله وأنه من أهل النار، فقال له صلى الله عليه وسلم: إنك لست من أهل النار بل أنت من أهل الجنة، فهذا من صلب الإيمان، وليس لأحد أن يضع سقفاً للإيمان، أما في بيان الأحكام وتحديد العقائد فنجد في القرآن رد النمرود على إبراهيم عليه السلام بقوله "أنا أحيي وأميت"، لأنه تأول ظاهر الكلام من قول إبراهيم عليه السلام على إطلاقه، بأن الموتى تجمعهم صفة الموت عرفاً وحكماً، وكلاهما احتمال سوي، وإن كان استدلاله مرجوحاً، فلم يجادله خليل الرحمن واستشهد بآية أخرى من آيات الله والتي لا تأويل فيها على الظاهر، ليقطع
(1) تهذيب الفروق للشيخ محمد بن علي بن حسين وهو تهذيبٌ لأنوار البروق في أنواع الفروق للقرافي المالكي (684 هـ) مع حاشية ابن الشاط، الفرق 71 ج2 ص100، وقول الشافعي مشهور ومذكور في ذات الكتاب.
بها حجة المجادل في آيات الله، فآيات الله لا تحصى حتى يقف عند إحداها مجادلاً في تأويلها، هذا هو الاحتمال المرجوح بمجمل القرآن، أما الاحتمال المستحيل فلا يقول به إلا سفيه جاهل بأصول الكلام. وهذا الأصل هو دليل لنا - لا علينا في الأصل- على من قال في معاني الحروف قولا غير الأصل فيها، وهو الظاهر بعبارة النص، لأن الاحتمالات الأخرى ليست سوية وبعيدة ولا تستوي مع المعنى الظاهر كاحتمال سوي.
ولعلّ القائل يقول قد آمنا بأنها ذكرت بنسق ولها دلالة أكيدة، ولم تأت بشكل عشوائي في اختيارها لتدل على صفات الحروف، ولكن ما من دلالة على شيء إلا لفائدة، فما الفائدة من هذه الدلالة؟ أقول: معرفة صفات الحروف هو أصل المعرفة بألفاظها، كما هو أصل بناء الحروف في كل اللغات، وقد علمنا بأنه ما من لغة في العالم إلا وتتغير، إما بتغيّر ألفاظ حروفها، أو بتغيّر معاني كلماتها، أو بسقوط إعرابها ومتانة نظمها، وبما أن القرآن يُنقل باللفظ للحروف والكلمات وما تحمله من معاني بالمطابقة مع الكتابة، وهذا لن يتم إلا بحفظ ألفاظه حرفاً حرفاً وكلمة كلمة كما تحفظها الكتب في رسمها وشكل كتابتها، وما من سبيل لحفظ ألفاظ حروفه إلا بمعرفة مخارجها الأصلية، ومخارج الحروف مبنية على الصوتات الخارجة من الفم باتفاق الجميع، ولن تتم معرفة المخارج إن لم نعرف صفة الصوت الخارج (أي ما هي صفات الحروف) وقد يظن الجاهل أن القرآن يتم تناقله باللفظ والكتابة بمجرد التناطق والسماع، وليس كذلك، بل قامت على تسليمه باللفظ علوم جليلة تعنى بصفات الحروف ومخارجها، ولم تقف عند هذه الصفات الرئيسة بل تعدتها لما هي من صفات الحروف الدقيقة، وبحسب هذه العلوم المتفق عليها بين المسلمين لا يُسلّم لأحد بأنه تلقى القرآن مشافهة إلا بإتقانه مخارج الحروف حرفاً حرفاً بناء على صفاتها، وما يلزمها بحسب صفاتها من مقدار للنفس في كل صوتة تخرج بحرف من حروف القرآن، كما قرأه الرسول صلى الله عليه وسلم وكما قرأه العرب على أصل حروفهم في زمن
الصحابة رضوان الله عليهم، وقد أبدع أهل المشافهة المتسلسلة على مر السنين في هذا العلم، وزادوا عليها بإبداع ترانيم متعددة ومختلفة تضمن سهولة التلقي لما فيها من عذوبة ودعوة لتسهيل الصعوبة في إتقان التلقي، وهذا علم لا يعرفه إلا أهله، وليس من سبيل لنقله غير المشافهة. وهذه من أعظم الفوائد للإشارة على صفات الحروف، وهي دلالة عظيمة على إعجاز النظم بذكر حروف يظنها القاري بلا نسق، وهي تحمل في طياتها أسباباً لظهور علوم شريفة ننعم بها ونعجب من قدرة دارسيها.
ولكن لعل القائل في نفسه شيء بعد هذا البيان، وفي إمكانه السؤال: لماذا أتت بهذا النسق: مرة بحرف، ومرة بحرفين وكذا، ولماذا لم يأت هذا النصف من الحروف بشكل آخر، وهل من احتمال متسق لذكرها؟ قلت: قد أحصى هذه الخيارات أو الاحتمالات في التقطيع لوجوه ذكر أنصاف الحروف بديع الزمان النورسي وقال: "إنّ القرآن اختار طريقاً في المقطّعات من بين أربعة وخمسمائة احتمال، لا يمكن تنصيف طبائع الحروف إلا بتلك الطريق، لأن التقسيمات الكثيرة متداخلة ومشتبكة ومتفاوتة. ففي تنصيف كلٍّ غرابة عجيبة."(1) ولا أحتج بهذا الكلام بل أسير على دربه وأقول: لو لم تأت بهذا النسق لأتت بنسق آخر على وجوه كثيرة، ولكنها قد تضفي لذاتها معنى على غير الوجه الذي أتت به، أو تخالف أصول الكلام من عذوبة وقدرة على النطق بها، ومن هذه الخيارات:
- لو كتبت كما تلفظ كأسمائها الف لام ميم لكانت من باب السرد للأبجدية فكان ذكرها في موضع واحد أبلغ من ذكرها في مواضع وصار اللبس فيها من حيث الإعراب فيظن البعض أنها ألفُ لامُ ميمُ واقتضت الزيادة.
-
-?
(1) إشارات الإعجاز في مضانّ الإيجاز - سورة البقرة
- أن تأتي على منوال واحد في العدد، أي أن تأتي كلها بثلاثة حروف مثل (ألم) أو حرفين مثل (طه) وتسرد على هذا المنوال، كلها من ذوات الحرفين فقط أو الثلاثة فقط، لكان الخلاف على لفظها بما لا تبينه آحادها. ولما أخذت حكم الكلمات وقد علمنا أن الكلمات تبنى على عدد الحروف مثنى وثلاث ورباع وخماس.
- أن تأتي بنفس الحروف المتكررة، أي أن تأتي كلها (الم) أو (ألمص) فتلزم المعنى لتكرارها مع عدم وجود مثيل مخالف.
- أن تأتي مرتبه بحسب العدد، فتأتي ذوات الحرف أولاً ثم الحرفين ثم الثلاثة فتفيد التدرج وبالتالي الوزن.
- أن تأتي من غير تكرار في بعضها كتكرار (الم) لحُملت على الأسماء كما في بعض السور مثل سورة ق
- أن تأتي بأكثر من خمسة حروف في موقع واحد فلا تأخذ اعتبار الكلمة وبالتالي لا ينطبق عليها ما يلزم في الكلمات وكانت سرداً لها فقط.
- أن تأتي بذات الترتيب مع تغيير بين الحروف كأن تأتي (ها) بدل (نون) أو (يا) بدل (صاد) وهذا إسقاط للتمييز بين الصفات كالشديد والرخو منها، وبذلك يختل النظم قطعاً لمخالفته الغاية من إخراج الصوت بعذوبة الكلام.
- أن تجمع أحد الوجوه السابقة مع الآخر، مثلاً أن تأتي باختلاف العدد ولكن بتشابه الحروف في نفس الطبقة، مثلاً أن تأتي ذوات الحرف كلها (ن) والحرفين كلها (يس) والثلاثة (الم) وهذا يفيد الوزن ويلزم التفعيلة.
وهذه أمثلة فقط ولا مجال لحصرها، وقد ذكر غيرها من الاحتمالات وبينها كثير من المفسرين، ولكن السؤال هنا: من ذا الذي يدعي أنها جاءت بالإبهام ولم تأت بالبيان؟ والله لا يقول هذا إلا
واحد من اثنين، إما عربي جاهل بأساليب البيان، أو أعجمي جاهل بأصول لغة القرآن، وإن أردنا حصر المتكلمين فيها من علماء الكلام إلى زنادقة هذا الأيام لن يخرجوا عن هذا التفصيل، ولو حصرنا وفصّلنا الأقوال فيها، وقلنا لهم ما استطعنا من كلمات، واختلفنا معهم كمسلمين أو مع غيرهم من أهل الكتاب والملحدين، لما وصفنا ولا وصفوا حالنا وإياهم بأبلغ من وصفه تعالى إذ يقول:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) البقرة} ولن تكون ردودنا بما فيها من كلمات أبلغ من قول الله تعالى {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) يونس}