المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم(راية الإعجاز) - القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطعة من فواتح السور

[إياس آل خطاب]

فهرس الكتاب

- ‌القول المعتبر في بيان الإعجاز للحروف المقطّعة من فواتح السور

- ‌دعاء

- ‌بين يدي الكتاب

- ‌الفصل الأول: تصفية الأذهان مما شاب تأويل الحروف من أوهام

- ‌الباب الأول: مسالك المتحدثين في فواتح السور

- ‌الباب الثاني: أسباب تدعوا لفهم القرآن

- ‌الباب الثالث: سبب الخلاف في تأويل الحروف ومسببات الخلاف

- ‌الفصل الثاني: الحروف المقطّعة بين التفسير والتأويل

- ‌الباب الأول: حصر الأقوال في تفسير الحروف المقطّعة

- ‌الباب الثاني: حصر الأقوال في تأويل الحروف المقطّعة

- ‌الباب الثالث: حصر الأقوال فيما خص بعض الفواتح

- ‌الباب الرابع: بيان الشبهة في محاولة الجمع بين الأقوال

- ‌الفصل الثالث: إشارات الإعجاز في فواتح السور

- ‌الباب الأول: معرفة واقع التنزيل

- ‌الباب الثاني: استقراء السور لمعرفة الإشارات من النص

- ‌الباب الثالث: إشارة الإعجاز في الحروف وموافقتها لمجمل الإشارات

- ‌الفصل الرابع: دلالات الإعجاز في فواتح السور

- ‌الباب الأول: دلالات الإعجاز وأوجه التوافق مع فهم القرآن بحسب أصول التفسير

- ‌الباب الثاني: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على لغة القرآن

- ‌الباب الثالث: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على الكتابة بالحروف العربية

- ‌الباب الرابع: وجه الدلالة في الحروف للحفاظ على اللفظ العربي لكلمات القرآن

- ‌الفصل الخامس: بيان أسباب التحريف في الكتب المقدسة السابقة

- ‌الباب الأول: الأسباب الخفية للتحريف (الأسباب الأساسية)

- ‌الباب الثاني: الأسباب الجلية للتحريف (الأسباب الفرعية)

- ‌الفصل السادس: الدليل والبرهان على ما في الحروف من إعجاز في نظم البيان

- ‌الباب الأول: محاولات فهم النص بحسب النظم

- ‌الباب الثاني: استقراء بعض قواعد النظم في سور الفواتح

- ‌الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم(راية الإعجاز)

- ‌الملحق الأول - نقوش ما قبل الإسلام

- ‌الملحق الثاني - نقوش ما بعد الإسلام

- ‌قائمة المراجع

- ‌الفهرس

الفصل: ‌الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم(راية الإعجاز)

‌الفصل السابع: ما جاء فيها من بيان لحقيقة الإعجاز في أمية الرسول صلى الله عليه وسلم

(راية الإعجاز)

من المعلوم أن أول ما نزل من القرآن (إقرأ) وكان رد الرسول صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ (1)، وفي هذا بيانٌ لطهارة الرسول من زيغ الكلام، حتى وإن كان الكلام حقاً، فلو لم يكن طاهراً في الباطن لقال ماذا أقرأ؟ ولكنه رد ببيان حقيقة الواقع بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، "وقيل لسيدنا محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم الأُمِّي لأَن أُمَّة العرب لم تكن تَكْتُب ولا تَقْرَأ المَكْتُوبَ، وبَعَثَه الله رسولاً وهو لا يَكْتُب ولا يَقْرأُ من كِتاب، وكانت هذه الخَلَّة إحْدَى آياته المُعجِزة لأَنه صلى الله عليه وسلم تَلا عليهم كِتابَ الله مَنْظُوماً، تارة بعد أُخْرَى، بالنَّظْم الذي أُنْزِل عليه فلم يُغَيِّره ولم يُبَدِّل أَلفاظَه، وكان الخطيبُ من العرب إذا ارْتَجَل خُطْبَةً ثم أَعادها زاد فيها ونَقَص، فحَفِظه الله عز وجل على نَبيِّه كما أَنْزلَه، وأَبانَهُ من سائر مَن بَعَثه إليهم بهذه الآية التي بايَنَ بَينه وبينهم بها، ففي ذلك أَنْزَل الله تعالى: وما كنتَ تَتْلُو من قَبْلِه من كِتاب ولا تَخُطُّه بِيَمِينِك إذاً لارْتابَ المُبْطِلون"(2). إذن فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتلو القرآن من حفظه بتسلسل وترتيب لا يكون إلا لمن كان قارئاً بالأصل، كيف لا وهو يتلو من كتاب فيه الحكمة ودقة الكلمات، بنظم لا وزن فيه كما هي حال الشعر، وهو الأسهل للحفظ من المشافهة، وهذا الكتاب يحتوي ما فيه علم الأولين من قبل آدم عليه السلام من خلق السماوات والأرض، وفيه أخبار الأمم والأنبياء والصالحين من أهل العلم والحكام، ويحتوي ما

(1) من حديث عائشة أم المؤمنين، رواه الأمام أحمد (232/ 6) والبخاري (7/ 1) ومسلم (139/ 1) وابن حبان (216/ 1) وابن راهويه (314/ 2) وعبد الرزاق (321/ 5) ورواه البيهقي (135/ 2) وأبو نعيم (ص213) كلاهما في الدلائل ورواه الأزرقي (204/ 2) والفاكهي (94/ 4) كلاهما في أخبار مكة، وأبو عوانة (102/ 1) والآجري في الشريعة (1437/ 3) وفي معظم كتب السيرة النبوية.

(2)

لسان العرب - مادة أمم

ص: 218

في علم الغيب مما يلزم الإنسان معرفته من قضاء وقدر وبعث ونشور، وفيه تشريع شامل للدين والدنيا، جمع فيه العقائد السليمة والأخلاق الحميدة وعلاقتنا بالله والناس بجميع أجناسهم وأديانهم وطوائفهم لتكتمل المنظومة الاجتماعية، ونظم العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الناس، وركز فيه على تزكية النفوس وصلاحها، وفيه تشريع العبادات المطلوبة من خالق الكون، كل هذا في كتاب واحد، فهل من كتاب أو كاتب يحتمل هذا كله؟ هذا بحد ذاته إعجاز، ولكنه لم يقف عند هذا، بل تعداه بحقيقة عجيبة، وهي أن القارئ الأمي لهذا الكتاب العظيم تلا هذا الكتاب بلغة قوم لم يكونوا أميين فقط، بل لم يكن فيهم من كتاب قبل هذا الكتاب، والأمم من حولهم كانوا من أهل الكتب والعلوم، ومن المعلوم أن نتاج المعرفة للحضارات والأمم يكون في الكتب، ويكون في مجال أو أكثر من مجالات المعرفة وليس كلها، ويأتي في النهاية كنتاج، وهذا الكتاب كان البداية لا النتاج، وكان شاملاً كاملاً ليس فيه نقص كغيره من الكتب، وهذه قمة الإعجاز فوق الإعجاز. كما في قوله تعالى {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) يونس} وتحداهم بأن يأتوا بمثله كما تحدى الأمم كلها وما تتابع لهم من حضارات، ولو أخذت كل حضارة عصارة المعرفة من الحضارة التي قبلها، وتشاركت في ذلك مع أمم الجن والشياطين، وجمعوا ما تحصّل من تتابع المعرفة، لما أخرجوا مثل هذا الكتاب {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) الاسراء} ولم يقف الإعجاز عند هذا الحد بل تعداه إلى ما بعد القمة، بأن حفظ هذا الكتاب لغة العرب وحروفهم، وحفظ تصريف اللغة وإعراب الكلمات فيها، وألفاظ الحروف بصفاتها ومخارجها، ليس كغيرها من اللغات ذوات الكتب قبله، فكل ما كتب في لغات الأمم لم يكن سبباً لحفظ لغتهم من الانحطاط وضياع التصريف فيها، ولكن القرآن فعل هذا

ص: 219

وهو أول كتاب عربي، وبداية لحضارة عظيمة. وما ذلك إلا راية الإعجاز فوق قمة الإعجاز للبشر جميعاً. وهنا يظهر السبب في نعت الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل المشركين بالجنون، فلو خرج عليهم أو على سواهم في أي زمان ومكان إلى وقتنا هذا، من يدعي بأنه سيغير العالم وسيحتل مراكز القوة في العالم من دول عظمى وحضارات، وسيصلح النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم، فماذا سيقول الناس عنه غير أنّه مجنون؟ بغض النظر عن الكتاب الذي وضع فيه أفكاره، وهو الواقع فيما حصل لكل من ادعى القدرة على هذه الإصلاحات أو صرّح بهذه الطموحات، فكيف بمن جمعها كلها؟ ولكن الوضع هنا مخالف، فليس هو من ادعى، بل هذا ما أنزل الله من فوق سبع سماوات، وجعله دُسْتُورًا وَشَرْعًا ودِيْناً ومنهجا للحياة، ولكن المشركين أنكروا الرسالة وأنزلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة المدعين من البشر فقالوا (مجنون) فخابوا وخسروا إذ تحقق الأمر وقد قال الله تعالى لهم {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) النحل} .

وهذا الكتاب العظيم وما جاء فيه من نور ساطع ونظم محكم وتشريع شامل، أنزله الله منجماً على فترات، ولم ينزل دفعة واحدة ليجمع بين الإعجاز في مجمل القرآن والإعجاز في تفريقه، فكل ما ذكرت سابقاً من ذكر أنواع المعرفة وأنه أول كتاب وأنه حفظ اللغة هو من إعجاز مجمله، أما أنواع الإعجاز في تفريقه الذي لا حصر لها فمنها أنّه جمع بين الاثنين، فكان معجزاً بمجمله بالنظم والمعنى، وجاء معجزاً بما يحمل من ردود على ما يقول الناس فيه بحسب النظم من غير إخلال بالمعنى، وهذا دليل قاطع على أن من قاله يعلم الغيب ويعلم ما سيقول الناس وماذا سيسألون، ودليل على أنه نزل وكان مكتوباً قبل القول وقبل السؤال، "ولولا نزوله متفرقاً: آية واحدة إلى آيات قليلة، ما أفحمهم الدليل في تحديهم بأقصر سورة منه. إذ لو نزل جملة واحدة كما سألوا لكان لهم في ذلك وجه من العذر يلبس الحق بالباطل وينفس عليهم أمر الإعجاز.

ص: 220

ويهون في أنفسهم من الجملة بعض ما لا يهون من التفصيل، لأنهم قوم لا يقرءون ولا يتدارسون" (1)، كل هذا الإعجاز قد مثل الخطوط العريضة في رسم راية القرآن، ومن ثم أتت الحروف المقطّعة في بداية السور تلفظ بأسمائها، وكأنها بداية لمحو أمية العرب، وظاهرها بسيط إن حملناها على أصل معناها، فيبلغها الرسول صلى الله عليه وسلم كما سمعها رداً من الله على شبهة عظيمة تشكك في قدرة هذه اللغة على حمل هذا الكتاب ونشره بين البشر قياساً على واقع الجهل المستفحل في القوم، فأتت على لسان النبي الأمي الذي لا يعرف من علم الكتابة إلا منطوق هذه الحروف ومقاصدها، فبمجرد أن يسمعها أصحاب الشبهة ومن كانوا يخبئون الدفينة الخبيثة لنقض معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، ستكون عليهم عمى، وسيعلمون أن الله متم نوره ولو كره الكافرون. ولكن ما هو موقف النبي صلى الله عليه وسلم منها وهو يعلم أنها جاءت للرد على الشك وفضح شبهة دفينة، فعلم معناها ومقصدها ولكنه لا يعرف علمها، ولا يعرف الفرق بينها وبين غيرها من الحروف، ولا يعلم ما بها من دلائل وموانع في علم الكتابة، ويعلم إن السامع قد يظن بها نقصاً لمخالفتها مجمل الكتاب من ذكر المعارف والمعاني والردود، فقد جاءت بما هو أبسط الكلام وأبسط المعاني على ظاهرها، (هذه حا ميم، بداية التعليم) أفي كتاب الله ما يبين لنا موقف النبي صلى الله عليه وسلم منها؟ أقول نعم، وقد جاء بعد ذوات الحرف وبعد البعض من ذوات الحرفين من السور وبعد الحواميم، في أول سورة هود المبتدئة بالثلاثة حروف (الر) بقوله تعالى {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)} وهذه الآية قد حيرت علماء التفسير، بل كان منهم من آتى على تفسيرها بعد ذكر الآيات بعدها ومر عليها مرور الكرام، خوفاً من

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي، ص26

ص: 221

القول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يليق، ومنهم من قال فيها بحسب ما تقتضيه اللغة من عدة وجوه وشرح ظاهرها فقط، وبعضهم تجرأ على الله وقال:"ذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في يونس: {ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا}، ليس فيه ترك عبادة آلهتنا ولا عيبها، {أوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15] أنت من تلقاء نفسك، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يسمعهم عيبها رجاء أن يتبعوه"(1)، فأنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الأمين أن يضيق صدره بما يحمل من وحي وهو غاية الرسالة، وعماد الدين، وقصد التوحيد، ومن قال بهذا القول فكأنما ألغى كلمة (بعض) من الآية وجعلها (فلعلك تارك ما أوحينا إليك). وقد كانت هذه الآية من أعظم الآيات الدالة على معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل وفيها من الأمثال ما لا يستطيعه بشر، والله لو تدبرناها حق التدبر لوجدناها تحمل من المعاني ما لا نستطيع قوله أو كتابته، ولبيان بعض ما جاء فيها نأخذ الأصل اللغوي في النظم كما أورده صاحب نظم الدرر في تناسب الآيات والسور بقوله: "قال تعالى مسبباً عن ذلك ناهياً في صيغة الخبر: {فلعلك تارك} أي إشفاقاً أو طمعاً {بعض ما} ولما كان الموحى قد صار معلوماً لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله: {يوحى إليك} كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم {وضائق به} أي بذلك البعض {صدرك} مخافة ردهم له إذا بلغته لهم؛ ثم علل ذلك بقوله: {أن} أي مخافة أو لأجل أن {يقولوا} تعنتاً ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة {لولا} أي هلا ولم لا {أنزل عليه كنز} يستغني به ويتفرغ لما يريد، وبنوه للمفعول لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى فكانوا لا يعدونه

(1) تفسير مقاتل (111/ 2) ولو صحت نسبته لمقاتل فهو متروك، "قال وكيع: كان كذابا

وقال البخاري: مقاتل لا شيء البتة، وقال الذهبي: أجمعوا على تركه." سير أعلام النبلاء (202/ 7) وقد تبعه كثير من المفسرين بحسن نية ولكنهم فصّلوا في الشكّ القائم على كلمة {فَلَعَلّكَ} وأنها لا تفيد الهمّ بالفعل وما إلى ذلك، في حين مرّ عليها بعض المفسرين مرور الكرام فلم يزيدوا عمّا ذكرته الآية من ألفاظ كابن جرير الطبري (259/ 15) وابن كثير (310/ 4).

ص: 222

آية عناداً ومكابرة {أو جاء معه ملك} أي ليؤيد كلامه وليشهد له

{إنما أنت نذير} فبلغهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ." (1) إذن فالآية من شطرين أساسيين الأول: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ} والثاني: {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أما الأول: "لعل للترجي وهو يقتضي التوقع ولا يلزم من توقع الشيء وقوعه ولا ترجح وقوعه لجواز أن يوجد ما يمنع منه، فلا يشكل بأن توقع ترك التبليغ منه صلى الله عليه وسلم مما لا يليق بمقام النبوة، والمانع من ذلك فيه عليه الصلاة والسلام عصمته كسائر الرسل الكرام عليهم السلام عن كتم الوحي المأمور بتبليغه والخيانة فيه وتركه تقية، والمقصود من ذلك تحريضه صلى الله عليه وسلم وتهييج داعيته لأداء الرسالة، ويقال نحو ذلك في كل توقع نظير هذا التوقع، وقيل: إن التوقع تارة يكون للمتكلم وهو الأصل لأن المعاني الإنشائية قائمة به، وتارة للمخاطب، وأخرى لغيره ممن له تعلق وملابسة به، ويحتمل أن يراد هنا هذا الأخير ويجعل التوقع للكفار، والمعنى أنك بلغ بك الجهد في تبليغهم ما أوحى إليك أنهم يتوقعون منك ترك التبليغ لبعضه، وقيل: إن لعل هنا ليست للترجي بل هي للتبعيد، وقد تستعمل لذلك كما تقول العرب: لعلك تفعل كذا لمن لا يقدر عليه، فالمعنى لا تترك." (2)، وهذا معلوم عند أهل العربية، وفيها أقوال عديدة أيضاً، ولكن التحديد (ببعض*) هو غير المعلوم وهو موطن الشبهة في الفهم السقيم للآية، "وبعض ضد كل" (3)، "وهو تجزئة للشيءِ" (4)، وقد تشير إلى الكل "وليس في هذا معنى الكل" (5)، أي لو ترك

(1) نظم الدرر للبقاعي (509/ 3)

(2)

روح المعاني للألوسي (18/ 12)

(3)

لسان العرب - مادة بعض

(4)

مقاييس اللغة - مادة بعض

(5)

لسان العرب - مادة بعض

ص: 223

بعضه لكان بمنزلة من ترك كله، ويبينه قوله تعالى (وضائق به صدرك) أي بذلك (البعض*) وضائق من ضاق، وهي عكس اتسع، ولا تقتضي النقص، بل تقتضي الحصر، فلو قلنا مدينة ضاقت بأهلها، لا يقتضي النقص فيها بل انحصارها على أهلها وبنيانها، وكذلك الغرفة تتسع لألف شخص وتضيق على الألفين وإن انحصرت على الألف، وموطن الشبهة هنا ظهر لاعتبار الضيق في الصدر هو الشك، وقد جاء من كلام بعض اللغويين وليس كذلك على الأصل، فكلمة ضاق تحمل المعنى لا سياق النظم، ولا يكون الضيق أو الحصر في الصدر إلا مع القدرة أو عدمها على فعل شيء بعينه، "وحَصِرَ صدرُه: ضاق والحصر: ضيق الصدر

ومنه قول لبيد:

أَعْرَضْتُ وانْتَصَبَتْ كَجِذْع مُنِيفةٍ

جَرْداءَ يَحْصَرُ دونَها صُرَّامُها

أَي تضيق صدورهم بطول هذه النخلة" (1)، ولقدْر الرسول صلى الله عليه وسلم جاءت ضائق صدرك، لأن الحصر يدل على الانحباس، وهو يفيد النقص، أما الضيق فلا، ولا يضيق صدر أحدهم إلا مع القدرة على الفعل والقول، ولو لم يكن هناك من قدرة لما ضاق الصدر ولَكَانَ قد انحصر، وكانت نتيجته الكمد والغيظ أو الاستسلام، قال في المحكم والمحيط: "حَصِرَ حَصَراً فهو حَصِرٌ، عَيَّ في منطقه وحَصِرَ صدره، ضاق"، (2) كما في قوله تعالى: {أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ .. الآية 90 النساء}، "والعرب تقول لكل من ضاقت نفسه عن شيء من فعل أو كلام: "قد حَصِرَ"(3)، أما مع القدرة على أحدهما فيقال ضاقت، والحصْر يأتي مع الكل، ولا يأتي مع البعض، والرسول صلى الله عليه وسلم كان قادراً على الفعل والقول، ولكنه غير قادر على القول بغير

(1) لسان العرب - مادة حصر، والكلام لابن سيده كما عزاه ابن منظور، وهو في المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده - مادة ح ص ر

(2)

المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده - مادة (ح ص ر) ج3 ص143

(3)

ابن جرير الطبري (21/ 8) تفسير سورة النساء

ص: 224

علم، أو من دون إذن من الله بهذا (البعض*)، ولو جاء رد المشركين على ما جاء (البعض*) به لضاق صدره لسببين: إما لأنه لا يعلم الغيب مما يكيدون ويخططون، وإما أنه لا سبيل لمعرفة (البعض*) لمانع من الله، أما الأول فقد جاء ذكره في مواطن كثيرة ظاهرة كقوله تعالى {قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ (50) الأنعام} وهو يقين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يضيق صدره لأنه لا يعلم الغيب، فهو من صميم إيمانه صلى الله عليه وسلم، فيبقى أنه لا سبيل لمعرفة (البعض*) لمانع أصيل، وهو أمية الرسول صلى الله عليه وسلم وعدم قدرته على معرفة الحجج المتعلقة بالكتابة والحروف، وهو ذات الرد على شبهة المشركين بقوله تعالى (ن، ص، ق، حم) فقد جاءت الشبهة بالشك في قدرة اللغة على حمل الرسالة من شقها الكتابي، وجاء الرد بأن الله هو الأعلم، وقد رفع شأن الحروف بتنزيلها في محكم كتابه مفصّلة بحسب السور، ونحن على يقين تام بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يعرف معناها وما نزلت لأجله، وأنه بلّغها كما بلّغ الرسالة، وبيّن ما فيها بحسب ما علّمه الله، لكنه في ذات الوقت لا يعرف علم الحروف، وهذا هو السبب في ضيق صدر الرسول صلى الله عليه وسلم، لا من ذات الحروف، بل خوفاً من أن يردّوا عليها بالتسفيه وهو ديدنهم في الجحود، علماً بأن هذه الآية نزلت بعد ذوات الحرف والحرفين من السور، فجاءت بثلاثة حروف مما يقتضي التأكيد على رد الشبهة بشكل أكثر إصراراً، ومما يوجب الرد عليها من قبل المشركين، ولكن الله لم يترك ما سيقولون من ردود ليزداد الضيق في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم، بل جاء بأبلغ ما سيأتون به من الردود الممكنة وأقربها للعقل، لكونها البديل الوحيد لهذه الحروف بحسب الرد المتوقع، وهو السبب في ضيق صدره الشريف صلى الله عليه وسلم، وكأن الله يقول ماذا سيرد عليك المشركون؟ إما أن يقولوا لو أنزل عليه كنز أو لو أتى معه ملك، وهي ذات الخيارات المأمور صلى الله عليه وسلم بأن يبرأ من إدعائها في الآية السابقة، ولكي نفهم هذه الخيارات نضرب مثلاً: فلو أراد ملِك أن يكون أولاده ذوي شأن، وكان غنياً عظيماً

_________

ص: 225

قد أوتي الحكمة والعلم، فإما أن يعطيهم مالاً عظيماً يستغنون به عن الناس، أو أن يؤيدهم بكلمته وسلطته النافذة على أرجاء مملكته، أو أن يعلّمهم من الحكمة ومن أسباب الحياة ما يضمن لهم حياة شريفة كما عاشها هو، وكذلك الأب أيّاً كان، لا سبيل لضمان مستقبل أولاده إلا بواحدة من هذه الخيارات الثلاثة، وهي الأصل لصفات الكمال عند شيخ الإسلام ابن تيمية إذ قال:"صفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى"(1)، ولكن الأب أو الملك لو أعطى المال والكنز أو أيّد أولاده بسلطانه وأبقاهم تحت يده لأهلكهم، لأن السلطة لا تدوم، والمال إن لم يجد عقلاً كيّساً ضاع، أما العلم فهو الحامي والضامن الوحيد، وكذلك الأمر في هذه الآية، فلو أراد العرب أن يعلوا شأنهم بتأييد من الله وسلطانه بإرسال مَلَك مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو التأييد بالسلطان الظاهر للعيان، لكان فيه العزّة لأجل، فبموت الرسول صلى الله عليه وسلم سيُرفع الملَك ويبقى الأتباع بلا سند، ولو أنزل معه كنز ولو كان جبلاً من ذهب، لفني عن بكرة أبيه، إما لجهلهم وإما لطمع الأمم فيهم، ولذلك نجد في سورة ص رداً على قولهم {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ} التقريع بقوله تعالى بعدها {أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10)} فليس لكم لا هذا ولا ذاك. وبعد هذا البيان فلا يبقى إلا مضمون الرسالة ومفهوم الإنذار، وما يقتضيه من دعوة لتعلم القراءة والكتابة لهذا الكتاب العظيم كما أُنزل باللسان العربي والحروف العربية، من غير تبديل وتغيير للـ (البعض*) منه حتى ولو كان حرفاً واحداً، وهو ما جاء في الشق الثاني من الآية وهو المزيل للضيق {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} أي لا يضيقنّ صدرك بما تتوقع من ردودهم، فهذه أبلغ الردود بينتها لك، وبديلها

(1) مجموع الفتاوى ج11 ص312

ص: 226

الوحيد هو ما أنزلت عليهم من دعوة للعلم، فإن أخذوا بها سادوا الأمم، وإن لم يأخذوا بها فتذكر أنك في الأساس نذير "فلا يهمنك فليس عليك إلا البلاغ، وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة بالقهر والغلبة، بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء"(1)، وهذا هو الدليل الواضح على أن ما ضاق له صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو (البعض*) فيه ما لا يعلمه، بل وليس من سبيل له ليعلمه، وأنه مقصور على الإنذار بما ضاق صدره منه، هذا ولم يأت الخطاب في القرآن موجّهاً للرسول وقصره على الإنذار إلا في آيتين، هذه الآية والأخرى بعد قوله تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24) فاطر} وهذا القصْر على الإنذار "تحديد لقدرته، وما يطلب منه، وأنه نذير فحسب، وليس نذيراً وقادراً على إيجاد الهداية في النفوس المنصرفة"(2)، وكل رسول يحمل رسالة من الله أو كل نبيّ يأتي بنبأ السماء هو في الأصل نذير، و"واضح أن المراد بكل هذا هو أن فاقد الشيء لا يكون كمن أوتي هذا الشيء"(3)، ونحن نقول: هذا الشيء هو علم الكتابة لا غيره، فإن قال قائل: كيف لنا أن نتيقن بأن هذا هو المراد لا غيره، قلت: وهل في القرآن ما هو مغلق على الفهم؟ حاشا وكلا، فالإشارات والدلالات في القرآن مفاتيح لما أُغلق على الأفهام، والحصر والقصر لهذا (البعض*) دليل على انعدام غيره، فهل في القرآن أو الوحي ما لا يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ حاشا وكلا، إلاّ علم كتابته، وهو المعجزة الخالدة للرسول صلى الله عليه وسلم، وضيق صدره الشريف كما هو ضيق صدر المعلم

(1) نظم الدرر للبقاعي (509/ 3)

(2)

دلالات التراكيب، لمحمد محمد موسى ص 69، وفيه بحث كامل جليل عن صيغ القصر في اللغة بشكل عام وفي القرآن بشكل خاص.

(3)

السابق ص69

ص: 227

الغيور على طلبته، إذا بلغ الجهد منه أن يفعل المستحيل لتعليم تلاميذه، وهم بين شارد للذهن وغائب عن الحضور، وبعد هذا يطالبونه بمعرفة علم من العلوم لا سبيل له لتحصيله لمانع أصيل فيه، كمن يطالب معلم العربية بتدريس الإنجليزية لزعمه أنها لغة العصر، والمانع الأصيل هو المنهج المتبع في الدراسة، وليس من سبيل لمخالفته بمجرد طلبٍ من السفهاء من الطلاب، لكونه مؤصّلاً بل قانوناً من إدارة التعليم، فإن رفض فتجد منهم القائل عندنا أموال لا تأكلها النيران فمالي وهذا العلم، وقائل أبي في منصب يضمن لي مستقبلي فمالي وهذا العلم، وبهذا لا يكون تطمين المعلم إلا ببيان الغاية من وجوده وبيان السبيل لمن كان كيّساً فطناً من تلاميذه. وفي هذا يكون البيان بأن العلم الذي نزل به القرآن وضمنه الله بحفظه، سيكون لهم به شأن كبير، وسيكون لهذا الكتاب نبأ عظيم بهذه اللغة وإن كانت حروفها بسيطة، فهذه الحروف ستكتب عربية وستقرأ عربية وستبقى عربية ما بقي القرآن على كل لسان من العرب وغيرهم من الأمم، فقد تكلم الله بها وترديدها من البشر عبادة، وسيكون لها شأن كما للقرآن من شأن، والله على كل شيء وكيل إذ مطلق الاتكال عليه وحده ولا يكون على سواه. وبعد هذه الآية تحدّى الله المشركين بإعجازهم عن الإتيان بما يشبه القرآن بقوله تعالى {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)} ومن يقرأ تمام السورة يرى تناسق الإشارات والدلالات لإظهار فكرة الإعجاز في لغة القرآن وبيانه، والوعيد لمن كفر به بالعذاب الأليم كما في قوله تعالى بعدها بآيات {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} مع تطمين الرسول صلى الله عليه وسلم في تمام الآية بقوله تعالى {فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)} .

ص: 228

(حكمة: عجبت من مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وكان بطلاً، شجاعاً، داهيَةً، رزيناً، جبَّاراً وكان مهيباً، شديد الوَطْأَةِ، أَديباً، بليغاً، له رسائل تؤثر. (1) عندما كان في محنة انتهاء الخلافة الأموية قال: " أيام القدرة وإن طالت قصيرة والمتعة بها وإن كثرت قليلة، وعرض بظاهر الحيرة سبعين ألف فارس عربي ثم قال إذا انقضت المدة لم تنفع العدة، وكان يقول: كنزنا الكنوز فما وجدنا كنزاً أنفع من كنز معروف في قلب حر."(2) فلم ينفعه مال موروث ولا سلطة موروثة والتمس المعروف في قلب الأحرار، ولو تنبه كل من هو في حاله لما وجدت حال الأمة على ما هي عليه الآن.)

وبعد هذا البيان هل يُعقل أن يرد المشركون ولو بكلمة واحدة؟ وهل يُعقل أن يسأل أصحاب الرسول نبيهم صلى الله عليه وسلم عن الذي ضاق به صدره؟ ولماذا؟ وهم يعلمون أن من معجزاته كونه أمّي، ولا يعلمون الشبهة التي حاكها المشركون بالباطن، وقد كانوا - رضوان الله عليهم - لا يشبعون من النظر إلى وجهه الكريم إجلالاً له، كما في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه "ما كان أحد أحب إليّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه"(3)، لهذا السبب لم يسأل عنها الصحابة ولم يتكلموا فيها، بل علموا أن فيها بياناً كما دل عليه أصلها، وكما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ألف حرف ولام حرف وميم حرف، أي هذه حروف الكتابة قالها ربكم وبلغتها لكم، فاتلوها وتدبروا ما بها من علم، ولكم الأجر بقراءتها وتدبرها والعمل بها، فكفاها شرفاً أنها حملت كلام الله، وسيكون لكم شأن إن تعلمتم وكتبتم بها كما أمر الله.

(1) كما قال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء (74/ 6)، وكان معلمه الجعد بن درهم المبتدع الزنديق.

(2)

الإعجاز في الإيجاز للثعالبي، ص75 - أقوال مروان بن محمد.

(3)

من حديث رواه مسلم (112/ 1) من كلام عمرو بن العاص رضي الله عنه قبل موته.

ص: 229

ومن ظنّ أن هذه الغاية ما دارت عليها كل السور ذوات الحروف المقطّعة، فليرجع لها ولينظر في قصة أصحاب القرية الذين ورثوا المال في سورة القلم، وعجب الكافرين أن الرسول منهم في سورة ق، وقصة داود وسليمان في سورة ص، وفيها يتمثل الإرث من الملك العادل الحكيم ذو السلطة لابنه ووريثه في الملك سليمان عليه السلام، واقرأ سورة مريم وقوله تعالى {كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)} "وليس المراد هنا: وراثة المال، بل المراد: وراثة العلم والنبوّة والقيام بأمر الدين وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» " (1) واقرأ الحواميم واقرأ يس وطه وكل (الم) وتوقف على المعاني وتدبر كلام الله (ورتل القرآن ترتيلا).

وتدبّر توجيه الكلام في الآيات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان من حاله، فلو كان أُمِّيًّا ولا يعرف الحروف، وكان يدّعي النبوة لما كان سيتلوها لبساطة معانيها على الظاهر من غير ذكرٍ لدلالاتها، ولو بإشارة على ما فيها من أسرار (2)، ولو كان يعرف الكتابة أو تعلمها بالسر، وكان محيطاً بكل ما ذكر في القرآن من العلم، وكان هذا الكتاب العظيم من تأليفه، لكان لزاماً عليه أن يبينها ويشرحها، كما كان عليه أن يخاف على هذا الكتاب ويبتغي حفظه، ألم يكن سيقول

(1) فتح القدير للشوكاني (322/ 3) والحديث بهذا اللفظ رواه النسائي في الكبرى (64/ 4) والطبراني في الأوسط (26/ 5) من حديث مالك بن أوس، وروايته المشهورة عند الإمام أحمد (4/ 1) والبخاري (79/ 4) ومسلم (1380/ 3) وأبو داود (158/ 2) والترمذي (158/ 4) والنسائي في الكبرى (46/ 3) وغيرهم من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا نُورَّث ما تركنا صدقة". ورواه الإمام أحمد (376/ 2) والبخاري (12/ 4) ومسلم (1382/ 3) والبيهقي في السنن (302/ 6) عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة).

(2)

هذا بحال رد الكافر بأنه من الممكن ذكرها للإيهام بأن فيها سرّا.

ص: 230

لمن كتبه: اكتبوه بالحروف العربية ولا تكتبوه بسواها، ولا تترجموه للغات الأقوام من حولكم - مع أمره لهم بنشره للناس كافة - بل انقلوا معانيه، وبلغوه للناس باللفظ مع ما يوافقه من الكتابة، وعاهدوني على حفظ رسمه ونسخه وتوزيعه؟

ألم يكن ليفعل هذا لو كان كاذِباً أو ساحراً أو مجنوناً كما ادعى المشركون؟ (1) من هنا نعلم بأن هذه الحروف جاءت لتبين بأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس صاحب الكتاب، وأنه أمّي لا يكتب، وهذه إحدى أدق الحجج على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينتبه إليها الكثير من الناس، وتتمثل في موت الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن لم يجمع في كتاب واحد بإشرافه، بل جمع في صدور أصحابه وما كتبوه، ولو كان مُدعياً لأمر بكتابته جملة واحدة في كتاب واحد في حياته، ليتأكد من كماله وحفظه، وإن قال قائل لم يأمر صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن وتأليفه لأنه لم يكن يعلم متى سينقطع الوحي بموته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، قلت: هل يكون عمر بن الخطاب وابن عباس أوعى من خير البشر وحامل الرسالة ومن أوتي القرآن ومثله معه؟ حاشاه، فقد تأوّل ابن عباس في حضرة عمر سورة النصر بأجل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال بأن رب العالمين نعى إليه نفسه صلى الله عليه وسلم، أولم يعلم ذلك المتلقي وعلمه ابن عباس وعمر؟ ولو كان هذا هو السبب لكان أشرف على جمعه، ووضع له نظاماً يضمن به الترتيب، ولكنه موقن بأن الله تعهد بحفظ القرآن في صدره أولاً، وتعهد بحفظه في الصدور والسطور إلى أبد الآبدين، وبعد هذا التدبر والتأمل "فلن يأتي لك من ذلك إلا معنى

(1) ولا ننسى بأنه لم يُرد مصلحة دنيوية كما هو الحال عند البشر، بجمع المال أو الوصول الى السلطة وامتلاك الخدم والحشم والتمتع بملذات الحياة ولو بعد حين، وقد عرضوا عليه هذا كله كما قالوا له (إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا) من حديث في فقه السيرة لمحمد الغزالي، تحقيق الألباني وقال (حديث حسن) ص106، ولم يكتف صلى الله عليه وسلم برد هذه الأشياء بل أكد انتفاء المصلحة الدنيوية المادية بقوله "الأنبياء لا يورثون"، فلا وريث له مما ملك من متاع الدنيا، وليس لأهله ونسبه من بعده أيضاً صلى الله عليه وسلم فقطع بذلك كل السبل لاحتمال الغاية المادية.

ص: 231

واحد تستخرجه وتقنع به، وهو أن هذا الكتاب الكريم أثر غيبي كان في علم الله قبل كل الأزمنة، فهو يحويها كلها وكأنه يوجد معها كلها، وبذلك يتعين أنه هداية إلهية في أسلوب إنساني يحمل في نفسه دليل إعجازه، ويكون القرآن منفرداً في التاريخ بأنه منذ أنزل لا يبرح في كل عصر يظهر من ناحيتين صادقتين: ناحية الماضي وناحية الحاضر." (1) وكفى بما ذكرته علماً يقيناً بما في الحروف من إعجاز، لتكون شعاراً للنصر الآتي كما كانت للنصر السابق، إذ هي شعار الإعجاز في راية القرآن المرفوعة على قمة الإعجاز إلى أبد الآبدين (حم لا ينصرون).

والحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات،،

إياس حرب 143.هـ

(1) إعجاز القرآن والبلاغة النبوية للرافعي، ص12، بتصرف في كلمة "وتقنع به" في الأصل وتقع به وأظنّها خطأ مطبعيّ.

ص: 232